← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الباب الرابع في سنن الصوم أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك، والبخاري ومسلم، والترمذي. فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن عبد [العزيز] (٤) بن أبي حازم، عن أبيه. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن أبي مصعب، عن مالك. وعن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي حازم. وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وأنس. قوله: "بخير" في موضع نصب لأنه خبر "يزال" التي هي من أخوات كان

стр. 1262

وصار، وهي تحتاج إلى اسم ترفعه وخبر تنصبه. وفي قوله: "ما عجلوا الفطر" هي الشرطية، نحو قولك: افعل إلا أن الجزاء هاهنا مقدم على الشرط، وليس جزاء إنما هو إخبار مستأنف الجزاء محذوف وقد دل المذكور أولاً. التقدير: ما عجل الناس الفطر لا يزالوا بخير، وقد زاد على "ما" أخرى مثلها ثم أبدلوا من الألف هاء، فقالوا: مهما، وأجروها في الشرط والجزاء مجراها، قاله الخليل ووافقه عليه سيبويه. وقال قوم من النحاة: بل "مهما" كلمة مرتحلة للشرط وليست مركبة من "ما" مكررة. وتعجيل الإفطار سنة متفق عليها. وقوله: "بخير" الظاهر أنه أشار إلى أن فساد الأمور يتعلق بتغير هذه السنة التي هي تعجيل الفطر، وأن تأخيره ومخالفة السنة في ذلك كالعَلَم على فساد الأمور. والمراد بالإفطار: الأكل والشرب، وان كان الإفطار يحصل بغروب الشمس حكمًا، وإنما يفطر مع تيقن غروب الشمس فأما مع الشك فلا. وقد جاء في حديث آخر "إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم". فقوله: "فقد أفطر الصائم" إن حمل على أن المراد به: قد صار مفطرًا فلابد، فيكون ذلك دلالة على أن من الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا. وقد قال بعضهم: أن الإمساك بعد الغروب لا يجوز كإمساك يوم العيد.

стр. 1263

قد أخرج المزني (١): عن الشافعي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، ولم يؤخروا تأخير أهل المشرق". وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد [بن] (٢) عبد الرحمن بن عوف أن عمر وعليًّا كانا يصليان المغرب حتى ينظرا إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان. هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٣) بالإسناد واللفظ، وزاد فيه: "قبل أن يفطران". وقوله: "ينظران إلى الليل الأسود" يريد به طلوعه إلى المشرق. قال الشافعي (٤): كأنهما يريان تأخير ذلك واسعًا، لا أنهما يعمدان القصد (٥) لتركه بعد أن أبيح لهما، فصارا مفطرين بغير أكل ولا شرب لأن الصوم لا يصلح في الليل. ولقائل أن يقول: إن تركهما الإفطار إلى بعد الصلاة تأخير له, لأن وقت الإفطار هو الوقت الذي يصح بدخوله صلاة المغرب، فإذا قدمت الصلاة على الفطر كان تأخيرًا له؟. والجواب: أن هذا صحيح، لكن لم ير بالتعجيل ما هذا حده؛ بحيث إن

стр. 1264

أخر عن الصلاة تكون تأخيرًا له عن التعجيل، إنما المراد بالتعجيل أن لا يمضي من الليل طائفة كبيرة وهو صائم، فأما قدر الصلاة فلا، على أن تقديمه على الصلاة أولى, لأن لفظ التعجيل يشمله. وحكمة تعجيل الفطر: هو أن لا يتبرم بالصوم، ولا أن يطول عليه زمانه، وأن يعطي النفس حقها من الأكل والشرب وكسر صورة الجوع الذي أثاره الصوم. والله أعلم. وقد أخرج الشافعي (١) من رواية حرملة عنه، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يكن تمر فماء فإنه طهور". هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). وقد أخرج الشافعي من رواية المزني (٤) عنه: عن مالك, عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال، فقل: إنك تواصل، فقال: "إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقي". وقد أخرج أيضًا المزني (٥) عنه عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والوصال" (٦)، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني".

стр. 1265

وأخرج المزني (١) أيضًا عنه عن عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: واصل رسول الله ﷺ فواصلوا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ [فقال] (٢): "لو أن الشهر مد لي لواصلت وصالًا [يدع] (٣) المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم إني يطعمني ربما ويسقين". أما حديث ابن عمر: [فأخرجه] (٤) البخاري (٥) ومسلم (٦) وأبو داود (٧). وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البخاري (٨) ومسلم (٩). وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري (١٠) ومسلم (١١) والترمذي (١٢). وقد أخرج المزني (١٣) عن الشافعي، عن سفيان [عن] (١٤) ابن عجلان، عن سعيد, عن أبي هريرة, [و] (١٤) عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ شاتمه فليقل: إني صائم". زاد أبو الزناد فيه: "وإذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم، فليقل: إني صائم".

стр. 1266

هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣)، والنسائي (٤). وفي الباب عن ابن عمر. ...

стр. 1267

الباب الخامس في المبيح للإفطار وفيه فرعان: الفرع الأول السفر أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ صام في سفره إلى مكة عام الفتح في شهر رمضان، وأمر الناس أن يفطروا، فقيل له: إن الناس صاموا حين صمت، فدعا بإناء ماء فوضعه على يده وأمر من بين يديه أن يحبسوا، فلما حبسوا ولحقه من وراءه رفع إلى فيه فشرب". وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "خرج رسول الله ﷺ من المدينة حتى كان بكراع الغميم وهو صائم، ثم رفع إناء فوضعه على يده وهو على الرحل، فحبس من بين يديه وأدركه من وراءه ثم شرب والناس ينظرون". وفي حديثهما أو حديث أحدهما: وذلك بعد العصر. وعاد الشافعي أخرج هذا الحديث في كتاب "اختلاف الأحاديث" (١) فقال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه، فقيل له: يا رسول الله، إن الناس

стр. 1268

قد شق عليهم الصيام، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعض الناس وصام بعض، فبلغه أن أناساً صاموا، فقال: أولئك العصاة". قال الشافعي: وفي حديث الثقة [غير] (١) الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر قال: "خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في رمضان إلى مكة، فصام وأمر الناس أن يفطروا، وقال: "تقووا لعدوكم"، فقيل له: إن الناس أبوا أن يفطروا حين صمت، فدعا بقدح من ماء فشربه. ثم ساق الحديث. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي والنسائي. فأما مسلم (٢): فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن جعفر. وفي أخرى: عن قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز بالإسناد. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن عبد العزيز. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [عن] (٥) شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن جعفر بن محمد. العام: السنة، والجمع أعوام. والفتح: فتح مكة وكان في سنة ثمان من الهجرة. والحبس: المنع. وقوله: "أن يحبسوا" يجوز أن الفعل مسمى الفاعل وغير مسمى، فإن كان

стр. 1269

مسمى: فيكون مفتوح الأول مكسور الباء، والمعنى: أن يحبسوا الإبل التي تحتهم عن المسير يمنعونها. وإن لم يكن مسمى: فيكون مضموم الأول مفتوح الباء. والمعنى: أن يوقفوا ويمنعوا من السير ليجتمعوا، فيلحق الآخر الأول حتى يشترك كلهم في مشاهدته، وينظروا إلى إفطاره فيقتدوا به، فيكون إفطارهم عن مشاهدة وعيان؛ يوجب عليهم فعله ولا يسعهم خلافه؛ ولا يكون عن إخبار ربما يوهم منه قولاً، وذلك رفقاً منه بهم ولطفًا. وقوله: "وذلك بعد العصر" مبالغة في المسارعة إلى الإفطار في السفر، فإن من صام معظم نهاره حتى جاوز العصر، ولم يبق من النهار إلا أقله جاز له الإفطار وكان أولى به. وكراع الغميم -بضم الكاف وفتح الغين المعجمة-: موضع بين مكة والمدينة. والرحل: البعير، وهو شبيه بالقتب إلا أنه أصغر من القتب، والجمع: الرحال. وشق الأمر: إذا صعب واشتد. والعصاة: جمع عاص، مثل: داع ودعاه، وقاض وقضاه، يريد أنهم عصوا بمخالفة الأمر بالإفطار وإتمامهم الصوم. وقوله: "في حديثهما أو حديث أحدهما" يريد حديث عبد العزيز وسفيان. وقوله: "ثم رفع إناء فوضعه على يده" عطف رفع الإناء بثم للتراخي الواقع في القصة، وعطف وضع الإناء بالفاء لتعقبه الرفع، وأنه لا تراخ بين الرفع والوضع للإناء على يده، فحسن في دخول ثم في الأول ولم يحسن في الآخر

стр. 1270

وليس الأمر كذلك في الرواية الأولى لأنه عطف استدعائه بالفاء، وذلك لأنه جاء به عقيب قوله: فقيل له: إن ناسًا صاموا حين صمت، فدعا بإناء. فكان استدعاؤه الإناء عقيب قولهم. وقوله: "من ماء" هذه "من" هي لتبيين الجنس إلا أن قوله: "بقدح من ماء" فيه اتساع ومجاز لأن القدح ليس من الماء، وإنما تقديره: بقدح فيه شيء من ماء، فحذف ذلك لدلالة الحال والخطاب عليه. والذي ذهب إليه الشافعي: جواز الأكل والشرب والجماع في السفر الطويل. وقد تقدم في كتاب الصلاة مقداره وهذا لا خلاف فيه، إلا أن أحمد قال: لا يجوز له الإفطار بالجماع فإن جامع وجبت عليه الكفارة. فإن صام في السفر جاز، وبه قال عامة الفقهاء. وقال قوم من أصحاب الظاهر: لا يجوز الصوم في السفر ولا يصح. ثم الصوم في السفر أفضل، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومالك، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو ثور. وقال ابن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق: الفطر أفضل. وقيل: إن أفضلهما أيسرهما على الإنسان. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقتادة، واختاره ابن المنذر. وفي هذا الحديث من الفقه: جواز الصوم في السفر وجواز الإفطار، والأمر بالإفطار والانفراد بالصوم ونقض الصوم بعد النية وبعد انقضاء بعض النهار، وفضل الإفطار على الصوم. وفي قوله: "بعد العصر"، دليل على جواز الفطر بعد الزوال وينبني عليه: أن المقيم إذا نوى الصوم قبل الفجر ثم سافر بعد الفجر، فإن الشافعي قال: لا يفطر. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وهو قول النخعي،

стр. 1271

ومكحول، والزهري. وقال أحمد في إحدى الروايتين: يجوز له الفطر. وبه قال إسحاق، وداود، والمزني، واختاره ابن المنذر. واحتج المزني بهذا الحديث، وقد رد عليه بأن بين كراع الغميم وبين المدينة مراحل، فلذلك جاز له الإفطار. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي. أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك وذكره إلى قوله: ومعه، وزاد: والكديد ما بين عسفان وقديد. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، ومحمد بن رمح، وقتيبة، عن الليث. وعن ابن شهاب. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن حاتم، عن سويد، عن عبد الله، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ خرج في رمضان فصام حتى أتى قديد, ثم أتى بقدح من لبن فشرب، فأفطر هو

стр. 1272

وأصحابه. الأحدث: الأفعل من الحدوث وهو التجدد، يريد أنهم كانوا يأخذون بآخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ . وقوله: "والأحدث" هاهنا هو الفطر بعد الصوم، فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر. وقوله: "فأفطر الناس معه" يريد أنهم أفطروا لما أفطر. وفيه دليل أنهم لم يتوقفوا ليستأذنوه في الإفطار، إنما أفطروا بمجرد إفطاره. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، أصوم في السفر -وكان كثير الصيام-؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". وقد أخرج المزني (١) عنه: عن سفيان، عن هشام بالإسناد كان حمزة سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك وقال: أأصوم في السفر؟.

стр. 1273

وأما مسلم (١): فأخرجه عن قتيبة، عن ليث، عن هشام. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن سليمان بن حرب ومسدد، عن حماد، عن هشام، وقال: يا رسول الله! إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ ولمسلم مثله. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن هارون بن إسحاق الهمداني، عن عبدة بن سليمان، عن هشام نحو أبي داود. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يحيى بن حبيب [بن] (٥) عربي، عن حماد، عن هشام. قوله: "أفأصوم في السفر" بهمزة واحدة الأصل فيه أن يكون بهمزتين لأن الواحدة للاستفهام، وقد تقدم ذكر هذا مشروحًا، على أنهم قد حذفوا همزة الاستفهام وهم مستفهمون لكثرة الاستعمال، ودلالة الكلام عليه، ويدل على أن المراد في هذا الحديث الاستفهام أمران: أحدهما: المعنى الذي ساق الحديث له، فإنه إنما سأله عن الصوم في السفر ولم يكن مخيرًا. والثاني: وجود همزة الاستفهام في رواية البخاري وغيره. وقوله: "أسرد الصوم" أي أتابعه ولا أفصل بين الأيام بإفطار، ومنه سردت الحديث: إذا تابعت بعضه بعضًا.

стр. 1274

وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان [فلم] (١) يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن حميد، عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله": فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود. فأما مالك (٢): فأخرجه عن حميد، عن أنس. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن القعنبي وعبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن حميد قال: سئل أنس عن صوم رمضان في السفر فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ وذكره. ...

стр. 1275

وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن [يونس] (٢)، عن زائدة، عن حميد. الحديث. في هذا الحديث: بيان التساوي بين الصوم والفطر في السفر، لقوله: فمنا الصائم ومنا المفطر، ولقوله: فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. والصائم: مرفوع بالابتداء، وإن كان مؤخرًا، و"منا" الخبر، وإنما أخر المبتدأ وقدم الخبر، لأنه قال: "سافرنا" وهذا إخبار عن جماعة بالسفر، فلما أراد أن يخبر عن حالتهم -وكانت مختلفة- احتاج إلى التفصيل والتقسيم، فجاء بمن التي هي للتبعيض ليفصل ما أجمله، فقال: منا كذا ومنا كذا، كما يقول لك: عندي عشرون دينارًا فمنها عشرة مصرية، وعشرة إمامية، فلو قدم المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة حصولها مع التأخير، ألا تراه لو قال: سافرنا فالصائم منا والمفطر منا، كان الغرض والمفهوم من هذه الأخبار أن الصائم والمفطر منهم لا من غيرهم، بخلاف الأول فإنه أراد به أن بعضهم صائم وبعضهم مفطر. وإنما قدم الصائم على المفطر: لأن الأصل في رمضان الصوم والفطر طارئ عليه بالسفر، فلذلك قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، وقال أيضًا: فلم يعب الصائم على المفطر، ولا الفطر على الصائم. ومساق الحديث هو أن الصوم والفطر في السفر جائزان، ولذلك قال: لم يعب أحد الفريقين على الآخر. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن سمي -مولى أبي بكر- عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ : "أن

стр. 1276

النبي ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، فقال: "تقووا لعدوكم"، وصام النبي ﷺ . قال أبو بكر -يعني: ابن عبد الرحمن-: قال الذي حدثني: لقد رأيت النبي ﷺ بالعرج يصب فوق رأسه الماء من العطش-أو من الحر-، قلت: يا رسول الله، طائفة من الناس صاموا حين صمت، فلما كان رسول الله ﷺ بالكديد دعا بقدح فشرب، فأفطر الناس". هذا حديث صحيح، هكذا أخرجه الشافعي في المسند عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، ويشبه أن يكون حديثًا قد أخرجه مسلم وأبو داود وسمَّيَّا الصحابي وهو أبو سعيد الخدري. فأما مسلم (١): فأخرجه عن محمد بن حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد وهو مكثور (٢) عليه، فلما تفرق الناس عنه قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، وذكر نحو هذا الحديث. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أحمد بن صالح ووهب بن بيان، عن ابن وهب، عن معاوية، عن ربيعة بإسناد مسلم نحوه. الباء في قوله: "بالفطر" متعلق بقوله: "أمر". واللام في قوله: "لعدوكم" لام أجل، أي: تقووا لأجل عدوكم. والباء في قوله: "بالعرج" بمعنى في أي العرج، كقولك: قام زيد بالبلد أي في البلد. وقوله: "مكثور عليه" أي ازدحم عليه الناس يسألونه.

стр. 1277

وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ (١) قال: قال جابر ابن عبد الله: كنا مع رسول الله ﷺ زمان غزوة تبوك، ورسول الله ﷺ يسير بعد أن أضحى، إذا هو بجماعة في ظل شجرة، فقال: "ما هذه الجماعة؟ فقالوا: رجل صائم أجهده الصوم -أو كلمة نحوها-، فقال رسول الله ﷺ : "ليس من البر الصوم في السفر". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا"؟ فقالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر". وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار، عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة بإسناد البخاري ونحو لفظه، وقال: "ليس البر أن تصوموا في السفر". وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة.

стр. 1278

وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن بكر، عن عمارة بن غزية. "إذا" في قوله: "إذا هو بجماعة" هي التي للمفاجأة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٢). وأجهده: أي أتعبه، من الجهد بالفتح المشقة. والبر: ضد الإثم وهو اسم لكل طاعة فعل صالح من الخير، وهذا الكلام نفي يتضمن نهيًا أو زجرًا، مع ذكر العلة التي من أجلها نفي ونهي، وذلك أن الصائم إنما يصوم اعتقادًا منه أنه يفعل فعلًا من أفعال الخير والبر، فيعرض في النهي إلى ذكر نفي البر الذي ظنه الصائم برًا، حتى يكون ذلك أدعى إلى قبول القول، وأسرع به إلى الإفطار وترك الصوم. ودخول من في الجملة أحسن من إسقاطها, لأن الصوم ليس البر إنما هو نوع من أنواعه. وفي رواية مسلم: "ليس البر أن تصوموا" في موضع الصوم لأن الصوم والصيام: مصدر صام يصوم، وأن الفعل بمعنى المصدر ومع حذف من يجوز نصب الصوم والبر، ورفعهما على جر ليس واسمها، إلا أن رفع الصوم ونصب البر أحسن لأمرين: أحدهما: أن الصوم في هذا المقام هو المخبر عنه بالبر. والثاني: دخول من في الرواية الأخرى وهي مع ما دخلت عليه الخبر. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس [من] (٣) البر الصيام في السفر".

стр. 1279

هذا الحديث أخرجه النسائي (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بالإسناد وقال: "ليس من البر الصيام في السفر". وقد أخرج المزني (٢) عن الشافعي، عن عبد الوهاب [بن] (٣) عبد المجيد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ويرون أنه من وجد قوة فصام أن ذلك لحسن جميل، ومن وجد ضعفًا فأفطر أن ذلك لحسن جميل". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٤). وقد أخرج المزني (٥) عن الشافعي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في السفر، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، فما منا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧). قال الشافعي (٨) فيما تكلم به على هذه الأخبار التي أوردوها في الصوم في السفر، قلت له: يعني لمن خاطبه في قول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٩) إلى قوله: ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ آية واحدة، وليس أحد من

стр. 1280

أهل العلم بالقرءان يخالف في أن الآية الواحدة كلام واحد، وأن الكلام الواحد لا ينزل إلا مجتمعًا متتابعًا، لأن معنى الآية معنى قطع الكلام، قال: أجل. قلت: فإذا صام رسول الله ﷺ في شهر رمضان يعني في السفر وفرْض شهر رمضان إنما أنزل في الآية، أليس قد علمنا أن الآية بفطر المريض والمسافر رخصة؟ قال: بلى. قلت له: ولم يبق شيء يعرض في شك (١) إلا الأحاديث؟ قال: نعم، ولكن الآخر من أمر رسول الله ﷺ أليس الفطر؟ قلت له: الحديث يببن أن رسول الله ﷺ لم يفطر، بمعنى نسخ الصوم ولا اختيار الفطر على الصوم، ألا ترى أنه يأمر الناس بالفطر ويقول: "تقووا لعدوكم" ويصوم، ثم يخبر بأنهم أو بعضهم أبوا أن يفطروا إذ صام فأفطر رسول الله ﷺ ليفطر من تخلف عن الفطر لصومه بفطره، كما صنع عام الحديبية فإنه أمر الناس أن ينحروا ويحلقوا فأبطؤا، فنحر وحلق ففعلوا، فما قوله: ليس من البر الصيام في السفر؟ قلت: قد أتى به جابر مفسرًا فذكر أن رجلاً أجهده الصوم، فلما علم به النبي ﷺ قال: "ليس من البر الصيام في السفر" فاحتمل: ليس من البر أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله له وهو صحيح أن يفطر. ويحتمل: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم, قال: فكعب بن عاصم لم يقل هذا، قلت: كعب بن عاصم روى حرفًا واحدًا وجابر ساق الحديث، وفي صوم النبي ﷺ دلالة على ما وصفت لك، وكذلك في أمر حمزة بن عمرو: " [إن شاء صام و] (٢) إن شاء أفطر"، وكذلك في قول أنس، قال: فقد قال سعيد بن المسيب: إن النبي ﷺ قال: "خياركم الذين سافروا أفطروا وقصروا الصلاة" قلت: وهذا مثل ما وصفنا خياركم الذين يقبلون الرخصة لا يدعونها رغبة عنها, لأن قبول الرخصة حتم يأثم به من تركه

стр. 1281

قال: فما أمر عمر رجلاً صام في السفر أن يعيد؟ قلت: لا أعرفه عنه، فإن عرفته فالحجة ثابتة بما وصفت لك. وأصل ما يُذهب إليه أن ما ثبت عن رسول الله ﷺ والحجة لازمة للخلق وعلى الخلق اتباعه. وقال الشافعي في كتاب الصيام -في قول من قال: قد سمى الذين صاموا العصاة-: قد يكون أن يكون قيل لهم ذلك، على أنهم تركوا قبول الرخصة ورغبوا عنها، وهذا مكروه عندنا، إنما نقول: يفطر أو يصوم وهو يعلم أن ذلك واسع له، فإذا كان ذلك فالصوم أحب إلينا لمن قوي عليه. والله أعلم بالصواب.

стр. 1282

الفرع الثاني في الحامل والمرضع والشيخ الكبير أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "سئل عن المرأة الحامل: إذا خافت على ولدها؟ قال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة". قال الشافعي: مالك وأهل العلم يرون عليها مع ذلك القضاء. هذا حديث الموطأ أخرجه هكذا (١) وزاد: بمد النبي ﷺ . حملت المرأة تحمل حملًا -بفتح الحاء- فهي حامل وحاملة: إذا كانت حبلى، فمن قال: حامل، قال: هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال: حاملة بناه على حملت فهي حاملة فإذا حملت شيئًا على ظهرها، فلا يقال: إلا حاملة للفرق يبن المذكر والمؤنث. وقوله: "مكان كل يوم" أي عوضه وبدله، فاستعار المكان للمعوض كأن العوض والمعوض منه يتعاقبان على مكان واحد وأنهما ليسا مما يجتمعان. والمد: رطل وثلث عند الشافعي، ومالك، وأهل الحجاز. وهو مد النبي ﷺ ، وعند أهل العراق وأبي حنيفة: رطلان. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المرأة الحامل والمرضع إذا خافت على نفسها؛ أفطرت ووجب عليها القضاء دون الكفارة، وإذا خافت على ولدها فأفطرت، فالمشهور من المذهب أن عليها القضاء والكفارة عن كل يوم تفطر فيه مد من طعام. وبه قال أحمد إلا أنه قال: مد من بر أو نصف صاع تمر أو شعير. وبه قال مجاهد. وروى البويطي عن الشافعي: أن الكفارة تجب على المرضع دون الحامل،

стр. 1283

وهو إحدى الروايتين عن مالك، وبه قال الليث بن سعد. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليها كفارة. وهو مذهب الحسن البصري، وعطاء، والزهري، وربيعة، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وداود، واختاره المزني، وابن المنذر. وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: تجب عليهما الكفارة دون القضاء. وقد أخرج الربيع عن الشافعي، عن مالك، أن أنس بن مالك كبر حتى كان لا يقدر على الصيام، فكان يفتدي. قال الشافعي -وخالفه مالك، وقال: ليس عليه بواجب وقد رواه قتادة عن أنس أنه ضعف عامًا قبل موته، فأفطر وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينًا. والله أعلم.

стр. 1284

الباب السادس في القضاء والكفارة أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة أنه سمع عائشة تقول: "إن كان ليكون علي الصوم من رمضان، فما أستطع أن أصومه حتى شعبان". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد نحوه. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن يحيى بن سعيد وذكره قال يحيى: "الشغل من النبي أو بالنبي ﷺ ". وأما مسلم (٣): فأخرجه بإسناد البخاري ولفظه. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن إسماعيل السدي، عن عبد الله البهي، عن عائشة قالت: "ما كنت أقضي ما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى توفي رسول الله ﷺ ". وأما النسائي (٦): فأخرجه عن عمرو بن علي، [عن يحيى] (٧) عن يحيى بن

стр. 1285

سعيد. الحديث. هذه إن المخففة من الثقيلة، واللام الداخلة في الخبر هي الفارقة بين المخففة والشرطية، التقدير: أنه كان يكون علي الصوم. وقولها: "فما أستطيع أن أصومه" تريد أن أقضيه, لأن الحال تدل على ذلك، فإن من كان عليه صوم رمضان لا يقول فيه: لا أستطيع أن أصومه وقد خرج من رمضان, لأن محل الصوم قد انقضى وإنما يريد به القضاء، ويدل عليه ما جاء في رواية البخاري ومسلم بلفظ القضاء. وكذلك صرح به الترمذي. وأما قولها: والشغل من النبي ﷺ أو بالنبي أنها كانت تشتغل به وبمهامه، أو بما عسى أن يعرض له إليها من نكاح. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الصائم إذا أفطر في رمضان بعذر، فإنما يجب عليه القضاء وحده متفرقًا, وله أن يؤخره إلى انسلاخ شعبان من قابل. فإن [أدركه] (١) رمضان آخر ولم يقض نظرت: فإن آخره لعذر من مرض أو سفر متصلين وإن زال عذره وأمكنه أن يقضي فلم يفعل حتى دخل رمضان آخر، فإنه يصوم إلا عن (٢) رمضان الثاني ثم يقضي ويطعم عن كل يوم مدًا. وبه قال مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه. واختاره المزني، وهو قول الحسن البصري، والنخعي. وروى الأول عن: أبي هريرة، وابن عباس، وهو قول عطاء، والقاسم بن محمد، والزهري. وقال ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وقتادة: إن أدركه رمضان وقد دام عذره في تأخير القضاء، فإنه يصوم رمضان الثاني ويكفر عن الأول ولا قضاء عليه

стр. 1286

وقال الثوري: ويطعم عن كل يوم نصف صاع. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد [بن] (١) عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن رجلاً أفطر في شهر رمضان، فأمره رسول الله ﷺ بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين [مسكينًا] (٢) قال: إني لا أجد، فأتى رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال: يا رسول الله، ما أحد أحوج مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه ثم قال: "كله". قال الشافعي: وكان فطره بجماع. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب قال: أتى أعرابي إلى رسول الله ﷺ ينتف شعره ويضرب نحوه، ويقول: هلك الأبعد [فقال النبي ﷺ : وما ذاك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان وأنا صائم] (٣) فقال رسول الله ﷺ : "هل تستطيع أن تعتق رقبة"؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تهدي بدنة"؟ قال: لا. قال: "فاجلس" فأتى رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: "خذ هذا فتصدق به". قال: ما أحد أحوج مني، قال: "فكله وصم يومًا مكان ما أصبت". قال عطاء فسألت سعيدًا: كم ذلك العرق؟ قال: ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين. وقد أخرج المزني (٤) عن الشافعي، عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: حدثني الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة -وذكر الحديث

стр. 1287

مختصرًا- أن رسول الله ﷺ أمر رجلاً أفطر في شهر رمضان بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. وأخرج المزني (١) أيضًا عن الشافعي هذا الحديث بطوله أتم من هذا، عن سفيان، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: هلكت، فقال "وما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال النبي ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها"؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيع صيام شهرين متتابعين"؟ قال: لا، قال: "فهل تستطيع إطعام ستين مسكينًا"؟ قال: لا أجده. قال له النبي ﷺ : "اجلس" فجلس فبينما هو جالس كذلك إذ أتي بعرق فيه تمر، -قال سفيان والعرق: المكتل- فقال له النبي ﷺ : "اذهب فتصدق به". قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "اذهب فأطعمه عيالك". هذا حديث متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك (٢): فأخرج الأولى وقال فيها: شهرين متتابعين وقال: "حتى بدت أنيابه"، وأخرج الثانية. وأما البخاري (٣): فأخرج عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري بالإسناد، وذكر رواية المزني الآخرة بطولها. وأما مسلم (٤): فأخرج عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وزهير ابن حرب، وابن نمير كلهم عن ابن عيينة، عن الزهري نحو البخاري، ولهما روايات كثيرة لهذا الحديث. وأما أبو داود (٥): فأخرج الأولى عن القعنبي، عن مالك.

стр. 1288

وأخرج (١) رواية البخاري ومسلم عن مسدد، ومحمد بن عيسى، عن سفيان، عن الزهري. وأما الترمذي (٢): فأخرج نحو رواية البخاري، عن نصر بن علي، وأبي عمار، عن سفيان، عن الزهري. وفي الباب عن ابن عمر، وعائشة، وابن عمرو. والعَرق -بفتح الراء-: شيء منسوج من خوص النخل مطفور يعمل منه الزنبيل، فسمي الزنبيل عرقًا لأنه يعمل منه. وقد يروى بسكون الراء، كذلك رواه يحيى بن يحيى في الموطأ ساكن الراء. ورواه ابن وضاح فيه: بالفتح وهو المعروف في كتب اللغة. والأنياب من الأسنان معروفة: وهي التي بين الرباعيات والضواحك. وقوله: "يضرب نحره" يريد أعالي صدره، وذلك فعل الكئيب المحزون أو الخائف من أمر وقع فيه، فهو يلزم نفسه بذلك غير قانع بالقول حتى يتبع ذلك بالفعل. وقوله: "أصبت أهلي" يريد بالجماع. والبدنة: أكثر ما يطلق على الإبل، وقد يطلق على البقر، وقد جاء في بعض الروايات "ما أحد أحوج مني -بالحاء-" فإن لم يكن سهوا من الرواة فهو جائز، إلا أن المشهور بالجيم من الوجدان ويعضد ذلك ما جاء في رواية الموطأ "ما أجد أحدًا أحوج مني" فجمع بين الاثنين في اللفظ. واللابة: الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود يريد حرتي المدينة.

стр. 1289

والمكتل -بكسر الميم وفتح التاء-: الزنبيل العظيم. وفي هذا الحديث من الفقه: بيان وجوب القضاء والكفارة، وبيان الترتيب والتخيير فيها، وبيان وجوبها على الرجل والمرأة أو على الرجل دونها، وبيان التتابع، وبيان مقدار الطعام، وبيان تخصيص هذا السائل بأكل الكفارة. أما من أفطر في نهار متعمدًا فعليه القضاء، بأي نوع كان من أنواع الفطر. وأما الذي ذهب إليه الشافعي ﵁ في الكفارة: فإنها إنما تجب على من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام؛ أثم به لأجل الصوم، والناسي لا يكفر ولا الصائم في غير رمضان، ولا على من أكل أو شرب، أو استمنى، أو قبل فأنزل، فإنه جماع لكنه غير تام، ولا على من زنا ناسيًا, ولا على من أدركه الصبح مجامعًا أهله. هذا الحد ذكره الغزالي -رحمه الله تعالى- في الوسيط وهو كامل تام، فبوجوب الكفارة على المجامع قال أكثر الفقهاء. وقال النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وقتادة: لا كفارة عليه. وقال أبو حنيفة: إذا أفطر بالأكل والشرب وجبت عليه الكفارة، إلا أن يبلع حصاة أو فستقة بقشرها فلا كفارة فيها. وكأنه يعتبر في وجوب الكفارة ما يتغذى به أو يتداوى به. وقال مالك: تجب الكفارة بكل ما كان هاتكًا لحرمة الصوم إلا الردة. وبه قال أبو ثور. وقال عطاء، والحسن البصري، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق: الأكل والشرب كالجماع. وأما وجوبها على الرجل والمرأة: فإن الظاهر الآكد من مذهب الشافعي، أنها تجب على الرجل دون المرأة.

стр. 1290

وقال في الإملاء: تجب عليهما كفارتان. وبالأول قال أحمد، وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة وأبو ثور، ووري أيضًا عن أحمد. وأما ترتيب الكفارة وتخييرها: فعند الشافعي أنها مرتبة، إن قدر على الرقبة أعتق ولا يجزئه غيرها، فإن لم يجد فيصوم ستين يومًا، فإن تعذر فيطعم ستين مسكينًا. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد. وقال مالك: هي على التخيير بين العتق والصوم والإطعام. وحكى عن الحسن: أنه مخير بين عتق رقبة، ونحر بدنة أخذًا برواية ابن المسيب، ولا قائل بذلك. فأما بيان التتابع: فإنه واجب وبه قال عامة الفقهاء. وقال ابن أبي ليلى: لا يجب التتابع. وأما مقدار الطعام: فخمسة عشر صاعًا لستين مسكينًا لكل مسكين مد واحد، مما يخرج منه زكاة الفطر لا فرق بين أنواعها كلها. وقال أبو حنيفة: لكل مسكين من البر نصف صاع. وأما تخصيص هذا السائل بأكل الكفارة وإطعامها أهله: فقد قال الشافعي: إن النبي ﷺ يملكه التمر وإنما أراد أن يتطوع عنه بالتكفير، فلما أخبره بحاجته صرفه إليه، أو أنه ملكه التمر ليتصدق به عن نفسه، فلما أخبره بفقره قدم حاجته على الكفارة، فيحتمل: أنه أمره بذلك وتبقى الكفارة في ذمته، ويحتمل: أنها سقطت عنه للعجز، ويحتمل: أن يكون صرف الكفارة إليه وإلى عياله لما كان هو المتطوع بها، أو يكون مصروفه إلى عياله.

стр. 1291

قال الخطابي (١): ظاهر هذا الحديث يدل على أن قدر خمسة عشر صاعًا كاف في الكفارة عن شخص واحد لكل مسكين مد، وقد جعله الشافعي أصلاً لمذهبه في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام، وقد روي في خبر سلمة بن صخر، وأوس بن الصامت في كفارة الظهار أنه [قال] (٢) في أحدهما: "أطعم ستين مسكينًا وسقا". والوسق: ستون صاعًا، وفي الآخر قال: "أتى بعرق" والعرق ثلاثون صاعًا كذا فسره محمد بن إسحاق بن يسار، وإسناد الحديثين لا بأس به وإن كان حديث أبي هريرة أشهر منهما، فالاحتياط أن لا يقتصر على المد الواحد؛ لجواز أن يكون العرق الذي أتي به النبي ﷺ المقدر بخمسة عشر صاعًا، فصار في الحكم عن مبلغ تمام الواجب اتساعًا لوجوده. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ مهد عذره في ترك الصيام بالغلبة المفرطة، وقد اختلف الأئمة في ذلك، والظاهر: أنه لا يرخص في العدول الإطعام وهو القياس. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أخيه خالد بن أسلم أن عمر بن الخطاب أفطر في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد طلعت الشمس، فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير. هذا الحديث أخرجه مالك (٣) في الموطأ وزاد في آخره: وقد اجتهدنا. قال الشافعي: يعني فصام يوماً مكانه ولذلك قال: الخطب يسير أي: الشأن والأمر سهل.

стр. 1292

والذي ذهب إليه: أن الفطر متعمدًا في شهر رمضان بغير الجماع، كالأكل والشرب وغيرهما، أو من ظن دخول وقت فأفطر مثل ما جرى في هذا الحديث، فإنه يجب عليه القضاء وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأما الكفارة فقد ذكرت. والقضاء عند الشافعي مكان كل يوم يوم. وبه قال عامة الفقهاء. وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يجب مكان كل يوم اثنى عشر يومًا, لأن السنة اثنى عشر شهرًا وشهر رمضان يجزئ عنها. حكي عن سعيد بن المسيب أنه قال: يصوم عن كل يوم شهرًا. وقال النخعي: يقضي ثلاثة آلاف يوم. والحكم في مثل هذه الحادثة أنه لا عليه غير قضاء يوم. وبه قال ابن عباس، ومعاوية، وعطاء، وابن جبير، ومجاهد، والزهري، ومالك، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان الحسن البصري وإسحاق يقولان: لا قضاء عليه بمنزلة الناسي. وقد روي في طريق آخر عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا والله ما نبالي نقضي يومًا مكانه وهذا تفسير قوله في الرواية الأولى: الخطب يسير.

стр. 1293

الباب السابع في صوم التطوع وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأول في الدخول فيه والخروج منه أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا خبأنا لك حيسًا، فقال: "أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه". هكذا أخرجه الربيع في المسند (١)، وقد أخرجه المزني (٢) عنه بهذا الإسناد،

стр. 1294

وزاد في آخره: "سأصوم يومًا مكانه". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي كامل فضيل بن حسين، عن عبد الواحد بن زياد، عن طلحة بن يحيى بالإسناد قالت: قال لي رسول الله ﷺ [ذات يوم: يا عائشة] (٢): "هل عندكم شيء"؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء، قال: "فإني صائم" قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئاً. قال: "ما هو" قلت: حيس قال: "فهاته". فجئت به فأكل ثم قال: "كنت أصبحت صائمًا". قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، جميعًا عن طلحة بن يحيى بالإسناد قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل علينا (٤) قال: "هل عندكم طعام"؟ فإن قلنا: لا. قال: "إني صائم" زاد وكيع: فدخل علينا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس فحبسناه لك. فقال: "أدنيه" قال طلحة: فأصبح صائمًا وأفطر. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن هناد، عن وكيع، عن طلحة، وعن محمود ابن غيلان، عن بشر بن السري، عن سفيان بن طلحة وذكر نحو رواية أبي داود. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن طلحة بن

стр. 1295

يحيى، عن عمته بنت طلحة نحو رواية أبي داود. هؤلاء كلهم رووه عن طلحة بن يحيى، ولم يذكروا فيه الزيادة التي زادها المزني في روايته، رواه عنه جماعة منهم: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وعبد الواحد بن زياد، ويحيى بن سعيد القطان، ويعلى بن عبيد ولم يذكروا فيه هذه الزيادة. تقول: "خبأت الشيء أخبؤه خبأ": إذا أعددته وادخرته. والحيس: طعام يتخذ من تمر وسمن وأقط ودقيق وفتيت ويخلط. والزور -بفتح الزاي- الزائر وهو في الأصل مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث كالضيف، تقول: زار يزور زورًا: فهو زائر وزور، وهما زور، وهم زور، وهن زور. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم وإن شاء أفطر، ولا قضاء عليه ولكنه يستحب له. وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والثوري، وإسحاق. وقال الثوري: أحب أن يقضي. وقال أبو حنيفة: يجب عليه إتمامه ولا يجوز له الإفطار إلا بعذر. وروي عن محمد أنه قال: إذا دخل على أخ له فحلف عليه أفطر وعليه القضاء. وقال مالك: يجب صومه بالدخول فيه ولا يخرج إلا بعذر، فإذا خرج بعذر فلا قضاء عليه. وبه قال أبو ثور. وكره الإفطار: الحسن البصري، ومكحول، والنخعي، وقالوا: يقضيه. وأما نية صوم التطوع: فذهب الشافعي: إلى أنها جائزة إلى الزوال. وبه قال أبو حنيفة وأحمد.

стр. 1296

وقال مالك، والمزني وداود: لا تجوز إلا بنية من الليل كصوم الفرض. وقد حكى حرملة عن الشافعي: جواز نية التطوع بعد الزوال وعلى الحالين: فمتى نوى صار صائمًا جميع ذلك اليوم. وقال أبو إسحاق: يكون صائمًا من حين ما نوى. واحتجاج الشافعي من الحديث ومع خروجه ﷺ من صوم يوم التطوع قبل تمامه، ومثله لا يجوز صوم واجب وهو مقيم. وقوله: "سأصوم يومًا مكانه" لو كان في الحديث يحتمل أنه أراد سأتطوع يومًا مكانه، وجعل مثاله حديث أم سلمة في قضاء النبي ﷺ ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فشغله عنهما الوفد؛ وقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب الصلاة، واستشهد أيضًا بقوله ﷺ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، وبما روى عن عمر بن الخطاب: من فاته شيء من صلاة الليل، فليصله إذا زالت الشمس، فإنه يعدل قيام الليل. ليس أنه يجب شيء من ذلك ولا قضاؤه، ولكن يقول: من أراد تحري فضله فليفعل (١)، ثم ذكر الشافعي حديث عمر بن الخطاب في الاعتكاف وسيجيء ذكره. قال الشافعي: وهو على هذا المعنى -والله أعلم- أنه أمره إن أراد أن يتبَّرر باعتكاف اعتكف به. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح أن ابن عباس "كان لا يرى بأسًا أن يفطر الإنسان في صيام التطوع، ويضرب لذلك أمثالاً: رجل طاف سبعًا ولم يوفه فله أجر ما احتسب.

стр. 1297

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسًا. البأس -مهموزًا-: الخوف والشدة، تقول: ما بهذا الأمر بأس أي: لا مشقة فيه ولا كراهية ولا لوم على فاعله، وأنه خفيف على مرتكبه لا يجد فيه عناء من جانب التعب الحسي والعتب الشرعي. وضرب الأمثال: وضعها واعتمادها، هو من قولك: ضربت اللبن. إذا صنعته. ورجل: مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رجل طاف. سبعًا: في موضع رفع لأنه صفة رجل. والطواف: هو السعي حول البيت الحرام. والسُبع -بضم السين-: اسم لسبع دورات حول البيت، كلما طاف حوله سبع مرات كان قد طاف سبعًا، ويسمى كل دورة منها شوطًا. وقوله: "ولم يوفه" أي لم يتم مطافه سبع مرات، فقوله: "طاف سبعًا" مجاز لأنه إنما يقال: طاف سبعًا إذا كملت له المرات، وإنما أراد به عزم على طواف السبع, لأن الطائف من أول ما شرع في الطواف يكون عازمًا وناويًا أن يطوف سبعًا كاملاً, لأن المشروع في الطواف هو ذلك. وقوله: "فله ما احتسب" أي ما ادخر واكتسب من العبادة. والاحتساب: افتعال من الحسبة الأجر. وفي هذا الحديث من الفقه: جواز الإفطار في صوم التطوع، وجواز الاقتصار على بعض أشواط الطواف، وجواز صلاة ركعة واحدة؛ وأن يكون قد نوى أكثر من ركعة؛ ثم اقتصر على ركعة.

стр. 1298

وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبر مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسًا. هذا الحديث مؤكد لما قبله، والرؤية في هذه الأحاديث كلها من رؤية القلب والرأي هذا، قاله الشافعي: ومن الرواية التي لا يدفع عالم أنها غاية في الثبت روايتنا عن ابن عباس، ونحن وأنت نثبت روايتنا عن جابر بن عبد الله، فلو لم يكن في هذا دلالة من سنة ولم يكن فيه إلا الآثار، أما كان يلزمك على أصل مذهبك أن تقول قولنا فيه؟. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة عن النبي ﷺ "أنهما أصبحتا صائمتين فأهدي لهما شيء فأفطرتا، فذكرتا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "صوما يومًا مكانه" قال ابن جريج: فقلت له: أسمعته من عروة بن الزبير؟ قال: لا. إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان، أو رجل من جلساء عبد الملك بن مروان. هذا الحديث أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي. أما مالك (١): فأخرجه عن ابن شهاب: "أن عائشة وحفصة -زوجي النبي ﷺ أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه، فدخل عليهما النبي ﷺ ، قالت عائشة: فقالت حفصة - وبدرتني بالكلام وكانت بنت أبيها-: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "اقضيا مكانه يومًا آخر".

стр. 1299

وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن حيوة ابن شريح، عن ابن الهاد، عن [زميل] (٢) - مولى عروة- عن عروة، عن عائشة. الحديث. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة عن عائشة. قال الترمذي: وروى مالك بن أنس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن عائشة مرسلاً، ولم يذكروا فيه عن عروة، قال: وهذا أصح. وذكر قول ابن جريج وسؤاله الزهري كما جاء في حديث الشافعي، إلا أنه قال: في خلافة سليمان بن عبد الملك. قلت: هذا الحديث هكذا جاء في المسند، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب -الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة-، وهذا كلام أبتر. وقوله: "رويت" يقتضي مخاطبًا، ومن لم يقف على كلام الشافعي في كتبه لا يعرف مساق هذا الحديث، ونحن نذكره ليتضح: وذلك أن الشافعي قال -في كتاب الصيام (٤) في مساق كلامه على حديث ابن عباس وجابر، وغيرهما من أحاديث الصيام، قال: فخالفنا بعض الناس في هذا -يعني في قضاء صوم التطوع- وقال: يريد الذي يخالفه، أخبرنا الثقة، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين، فأهدي لهما شيء فأفطرتا، فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "صوما يومًا مكانه"، قال الشافعي: فقلت: فهل عندك حجة من رواية أو أثر لازم غير هذا؟ فقال: ما يحضرني الآن شيء غيره. قلت: فكيف قلت عن ابن شهاب مرسلاً في شيء، ولا تقبله

стр. 1300

عنه ولا عن مثله ولا أكبر منه في شيء غيره؟ قال: فلعله لم يحمله إلا عن ثقة. قلت: وهكذا يقول لك من أخذ بمرسله في غير هذا أو بمرسل من هو أكبر منه؟ فيقول: كل من غاب عني كما يمكن فيه أن يحمله عن ثقة؛ وعن مجهول لم تقم علي به حجة؛ حتى أعرف من حمله عنه بالثقة وأنزلته منزلة الشهادات، ثم ساق الكلام إلى أن ذكر وهن الحديث عند ابن شهاب، قلت: نعم. أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب -الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة- عن النبي ﷺ . وذكر هذا الحديث كما ورد في المسند، ثم قال الشافعي: أرأيت لو كنت ترى الحجة تقوم بالحديث المرسل ثم علمت أن ابن شهاب قال في هذا الحديث ما حكيت لك -يريد قول ابن جريج له وجوابه أتقبله؟ قال: لا. هذا يوهنه ما يخبر بأنه قبله عن رجل لا يسميه، ولو عرفه لسماه أو وثقه. تم كلام الشافعي. وقد ثبت عن سفيان بن عيينة: أنه قيل للزهري: هو عن عروة؟ قال: [لا فثبت] (١) بشهادة ابن جريج وابن عيينة، عن الزهري أنه لم يسمعه عن عروة، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية جعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر وسفيان هذا الحديث عن الزهري (٢)، عن عروة، عن عائشة. ثم في رواية الأكابر من أصحاب الزهري الحديث عنه مرسلاً، مثل مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وابن عيينة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وبكر بن وائل وغيرهم. وأما رواية ابن الهاد: عن زميل، عن عروة، عن عائشة فإنها لم تثبت، قال
следующие страницы →