وقال مالك، والمزني وداود: لا تجوز إلا بنية من الليل كصوم الفرض.
وقد حكى حرملة عن الشافعي: جواز نية التطوع بعد الزوال وعلى الحالين: فمتى نوى صار صائمًا جميع ذلك اليوم.
وقال أبو إسحاق: يكون صائمًا من حين ما نوى.
واحتجاج الشافعي من الحديث ومع خروجه ﷺ من صوم يوم التطوع قبل تمامه، ومثله لا يجوز صوم واجب وهو مقيم.
وقوله: "سأصوم يومًا مكانه" لو كان في الحديث يحتمل أنه أراد سأتطوع يومًا مكانه، وجعل مثاله حديث أم سلمة في قضاء النبي ﷺ ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فشغله عنهما الوفد؛ وقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب الصلاة، واستشهد أيضًا بقوله ﷺ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، وبما روى عن عمر بن الخطاب: من فاته شيء من صلاة الليل، فليصله إذا زالت الشمس، فإنه يعدل قيام الليل.
ليس أنه يجب شيء من ذلك ولا قضاؤه، ولكن يقول: من أراد تحري فضله فليفعل (١)، ثم ذكر الشافعي حديث عمر بن الخطاب في الاعتكاف وسيجيء ذكره.
قال الشافعي: وهو على هذا المعنى -والله أعلم- أنه أمره إن أراد أن يتبَّرر باعتكاف اعتكف به.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح أن ابن عباس "كان لا يرى بأسًا أن يفطر الإنسان في صيام التطوع، ويضرب لذلك أمثالاً: رجل طاف سبعًا ولم يوفه فله أجر ما احتسب.
стр. 1297
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسًا.
البأس -مهموزًا-: الخوف والشدة، تقول: ما بهذا الأمر بأس أي: لا مشقة فيه ولا كراهية ولا لوم على فاعله، وأنه خفيف على مرتكبه لا يجد فيه عناء من جانب التعب الحسي والعتب الشرعي.
وضرب الأمثال: وضعها واعتمادها، هو من قولك: ضربت اللبن. إذا صنعته.
ورجل: مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رجل طاف. سبعًا: في موضع رفع لأنه صفة رجل.
والطواف: هو السعي حول البيت الحرام.
والسُبع -بضم السين-: اسم لسبع دورات حول البيت، كلما طاف حوله سبع مرات كان قد طاف سبعًا، ويسمى كل دورة منها شوطًا.
وقوله: "ولم يوفه" أي لم يتم مطافه سبع مرات، فقوله: "طاف سبعًا" مجاز لأنه إنما يقال: طاف سبعًا إذا كملت له المرات، وإنما أراد به عزم على طواف السبع, لأن الطائف من أول ما شرع في الطواف يكون عازمًا وناويًا أن يطوف سبعًا كاملاً, لأن المشروع في الطواف هو ذلك.
وقوله: "فله ما احتسب" أي ما ادخر واكتسب من العبادة.
والاحتساب: افتعال من الحسبة الأجر.
وفي هذا الحديث من الفقه:
جواز الإفطار في صوم التطوع، وجواز الاقتصار على بعض أشواط الطواف، وجواز صلاة ركعة واحدة؛ وأن يكون قد نوى أكثر من ركعة؛ ثم اقتصر على ركعة.
стр. 1298
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبر مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسًا.
هذا الحديث مؤكد لما قبله، والرؤية في هذه الأحاديث كلها من رؤية القلب والرأي هذا، قاله الشافعي: ومن الرواية التي لا يدفع عالم أنها غاية في الثبت روايتنا عن ابن عباس، ونحن وأنت نثبت روايتنا عن جابر بن عبد الله، فلو لم يكن في هذا دلالة من سنة ولم يكن فيه إلا الآثار، أما كان يلزمك على أصل مذهبك أن تقول قولنا فيه؟.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة عن النبي ﷺ "أنهما أصبحتا صائمتين فأهدي لهما شيء فأفطرتا، فذكرتا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "صوما يومًا مكانه" قال ابن جريج: فقلت له: أسمعته من عروة بن الزبير؟ قال: لا. إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان، أو رجل من جلساء عبد الملك بن مروان.
هذا الحديث أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي.
أما مالك (١): فأخرجه عن ابن شهاب: "أن عائشة وحفصة -زوجي النبي ﷺ أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه، فدخل عليهما النبي ﷺ ، قالت عائشة: فقالت حفصة - وبدرتني بالكلام وكانت بنت أبيها-: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "اقضيا مكانه يومًا آخر".
стр. 1299
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن حيوة ابن شريح، عن ابن الهاد، عن [زميل] (٢) - مولى عروة- عن عروة، عن عائشة. الحديث.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة عن عائشة.
قال الترمذي: وروى مالك بن أنس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن عائشة مرسلاً، ولم يذكروا فيه عن عروة، قال: وهذا أصح. وذكر قول ابن جريج وسؤاله الزهري كما جاء في حديث الشافعي، إلا أنه قال: في خلافة سليمان بن عبد الملك.
قلت: هذا الحديث هكذا جاء في المسند، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب -الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة-، وهذا كلام أبتر.
وقوله: "رويت" يقتضي مخاطبًا، ومن لم يقف على كلام الشافعي في كتبه لا يعرف مساق هذا الحديث، ونحن نذكره ليتضح: وذلك أن الشافعي قال -في كتاب الصيام (٤) في مساق كلامه على حديث ابن عباس وجابر، وغيرهما من أحاديث الصيام، قال: فخالفنا بعض الناس في هذا -يعني في قضاء صوم التطوع- وقال: يريد الذي يخالفه، أخبرنا الثقة، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين، فأهدي لهما شيء فأفطرتا، فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "صوما يومًا مكانه"، قال الشافعي: فقلت: فهل عندك حجة من رواية أو أثر لازم غير هذا؟ فقال: ما يحضرني الآن شيء غيره. قلت: فكيف قلت عن ابن شهاب مرسلاً في شيء، ولا تقبله
стр. 1300
عنه ولا عن مثله ولا أكبر منه في شيء غيره؟ قال: فلعله لم يحمله إلا عن ثقة.
قلت: وهكذا يقول لك من أخذ بمرسله في غير هذا أو بمرسل من هو أكبر منه؟ فيقول: كل من غاب عني كما يمكن فيه أن يحمله عن ثقة؛ وعن مجهول لم تقم علي به حجة؛ حتى أعرف من حمله عنه بالثقة وأنزلته منزلة الشهادات، ثم ساق الكلام إلى أن ذكر وهن الحديث عند ابن شهاب، قلت: نعم. أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب -الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة- عن النبي ﷺ . وذكر هذا الحديث كما ورد في المسند، ثم قال الشافعي: أرأيت لو كنت ترى الحجة تقوم بالحديث المرسل ثم علمت أن ابن شهاب قال في هذا الحديث ما حكيت لك -يريد قول ابن جريج له وجوابه أتقبله؟ قال: لا. هذا يوهنه ما يخبر بأنه قبله عن رجل لا يسميه، ولو عرفه لسماه أو وثقه. تم كلام الشافعي.
وقد ثبت عن سفيان بن عيينة: أنه قيل للزهري: هو عن عروة؟ قال: [لا فثبت] (١) بشهادة ابن جريج وابن عيينة، عن الزهري أنه لم يسمعه عن عروة، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية جعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر وسفيان هذا الحديث عن الزهري (٢)، عن عروة، عن عائشة.
ثم في رواية الأكابر من أصحاب الزهري الحديث عنه مرسلاً، مثل مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وابن عيينة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وبكر بن وائل وغيرهم.
وأما رواية ابن الهاد: عن زميل، عن عروة، عن عائشة فإنها لم تثبت، قال
стр. 1301
البخاري: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا لابن الهاد من زميل، ولا يقوم به الحجة.
وقد اختلف في زميل فقيل: بفتح الزاي، وقيل: بضمها وهو مجهول.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء "أنه كان يأتي أهله حين ينتصف النهار أو قبله، فيقول: هل من غداء؟ فيجده أو لا يجده، فيقول: لأصومن هذا اليوم، فيصومه وإن كان مفطرًا أو بلغ ذلك الحين وهو مفطر".
قال ابن جريج: أخبرنا عطاء قال: وبلغنا أنه يفعل ذلك حتى يصبح مفطرًا حتى الضحى وبعده، ولعله يكون وجد هذا أو لم يجده.
هذا الحديث استشهد به البخاري في الصحيح (١)، في كتاب "الصوم" في باب (إذا نوى بالنهار صومًا)، قال: وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا. قال: فإني صائم يومي هذا.
وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وحذيفة، وابن عباس.
أهل الرجل: زوجته، هذا في الإطلاق العرفي والاصطلاح العادي، فأما في أصل الوضع اللغوي: فهم أقاربه وأنسابه وعشيرته.
وقوله: "كان يأتي أهله" فيه دليل على تكرار ذلك منه، وأنها عادة مستمرة له وليست نادرة.
وقوله: "فيجد أو لا يجد" يعني أنه على أي حال كان من وجود الغداء وعدمه.
واللام في قوله: "لأصومن" جواب القسم المحذوف، تقديره: والله لأصومن.
стр. 1302
والشك في قوله: "وإن كان مفطرًا أو بلغ ذلك الحين وهو مفطر" يجوز أن يكون شكًا من أحد الرواة، فيما سمعه ممن سمعه منه عطاء فمن دونه.
ويجوز أن لا يكون شكًا في اللفظ إنما هو شك في معنى اللفظين ومعناهما مختلفان.
فأما قوله: "وإن كان مفطرًا" فإنه يريد به وإن كان قد بنى أمره ذلك على الإفطار من أوله، ولم يكن نوى صومه.
وأما قوله: "أو بلغه ذلك الحين وهو مفطر" فإنه يريد: أن لم يكن متعرضًا للإفطار في ذلك اليوم، ولا عزم على طلب الغداء وعرض له أنه مفطر، وكلا الأمرين محتمل.
وقوله: "حين يصبح مفطرًا" يؤكد ما قلناه أي أنه بنى أمره من أول النهار على أنه مفطر.
وحتى في قوله: "حتى الضحى" بمعنى إلى، تقديره يصبح مفطرًا إلى الضحى أو بعده.
والضحى: يجوز أن يكون بضم الضاد والقصر، وهو أول النهار.
ويجوز أن يكون بفتح الضاد والمد وهو عند ارتفاع النهار، والضرب من الزوال وهو الأشبه.
ودخول أن في خبر أهل غير مستعمل إلا قليلاً على إعطاء لعل معنى "عسى" لا تقول: لعل زيدًا أن يقوم.
قال لي ناصح الدين أبو محمد سعيد بن المبارك بن علي الدهان النحوي -رحمه الله تعالى- وأنا أقرأ عليه كتاب "مجمل اللغة" لأحمد بن فارس -رحمه الله تعالى، وقد جاء فيه: لعله أن يكون كذا وكذا وهذا لا يجوز في النحو، ووجه ذلك أن أن والفعل بمعنى المصدر، تقول: أريد أن تقوم، المعنى:
стр. 1303
أريد قيامك، فإذا أدخلتها في خبر لعل فقلت: لعل زيدًا أن يقوم، فكأنك قلت: لعل زيدًا قائم، وهذا غير جائز فإن قلت: فما تقول في قولهم: عسى زيد أن يقوم، قلت: جاز ذلك لما في عسى من معنى المقاربة فكأنك قلت: قارب قيام زيد، وليس كذلك لعل فإن معنى لعل التوقع والرجاء، فقل فيهما: أرجو قيام زيد وأتوقع قيام زيد، قلت: لعل مجمع على أنها حرف وعسى لم يقل أنها حرف من يعتد بقوله، والفعل يجوز لك فيه من التصرف ما لا يجوز في الحرف، فإن أقمت معنى عسى مقامها جاز لك بخلاف لعل.
وقد أخرج الشافعي (رض الله عنه) في كتاب البويطي: حديث أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فناولته شرابًا فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ : "الصائم أمين -أو أمير- نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر".
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢).
...
стр. 1304
الفرع الثاني
في صيام يوم عاشوراء وتاسوعاء
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء ويأمر بصيامه".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "كان يوم عاشوراء [يومًا] (١) تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم النبي ﷺ المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي.
أما مالك (٢): فأخرجه عن هشام بن عروة.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن [مسلمة] (٤).
[وأما] (٥) مسلم (٦): فأخرجه عن زهير بن حرب، عن جرير، عن هشام، عن أبيه.
وأما أبو داود (٧): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بإسناده.
وأما الترمذي (٨): فأخرجه عن هارون بن إسحاق الهمداني، عن عبدة بن
стр. 1305
سليمان، عن هشام.
عاشوراء: فاعولاء من العشر يريد: عشر محرم، قال الجوهري: عاشوراء مثله وهذا اليوم العاشر من المحرم.
وقد ذهب قوم: إلى أنه اليوم التاسع، وقد جاء في ذلك حديث ابن عباس قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح اليوم التاسع صائمًا، ووجه ذلك: أنه مأخوذ من إوراد الإبل وهي الربع والخمس والعشر، فإن الربع عند العرب: هو شرب الإبل في اليوم الثالث، والخمس: شربها في اليوم الرابع، والعشر: شربها في اليوم التاسع.
وهو في قوله: "كان هو الفريضة" راجع إلى رمضان لا إلى عاشوراء ويسمى الفصل والعماد، وفائدته تأكيد وتحقيق لما يسند الفعل إليه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن حميد، [بن] (١) عبد الرحمن قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء -وهو على منبر رسول الله ﷺ ، وقد أخرج من كمه قصة من شعر يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ لقد سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه، ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذتها نساؤهم" ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ في مثل هذا اليوم يقول: "إني صائم فمن شاء منكم فليصم".
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على المنبر، يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول لمثل هذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء منكم فليصم، ومن شاء فليفطر".
стр. 1306
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم والنسائي.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا نحوه.
وأما البخاري (٢): فأخرج الثانية عن القعنبي، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرج الرواية الثانية عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري.
وقد أخرج الجماعة كلهم حديث قصة الشعر التي في أول الحديث مفردة من حديث عاشوراء.
القصة من الشعر: القطعة منه، ووجه النهي عنه: أنه أراد الوصل في الشعر وتزويره، وذلك أن تأخذ المرأة شعرًا مستعارًا فتصله في شعرها, ليظهر أن لها شعرًا كثيرًا تتحسن به عند من يراها، وقد جاء النص بلعن الواصلة والمستوصلة.
وقد جاء في رواية الشافعي "لم يكتب عليكم صيامه" بغير واو، وفي رواية مالك "ولم يكتب" بواو، وحذف الواو أحسن لأن الواو هي واو العطف، وهي مؤذنة بانقطاع الكلام الأول الذي هو المعطوف عليه وتمامه؛ واستئناف المعطوف ليعطيه حكم ما قبله، فأما إذا لم يجئ بالواو فيكون الكلام متصلاً غير منقطع، كأن بعضه متوقف على البعض فلا يكون بينهما فاصل وهو أحسن.
والكتابة هاهنا: عبارة عن الفرض، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٥)، و ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ﴾ (٦) وأمثال ذلك كثير.
стр. 1307
وفي رواية الشافعي "فمن شاء منكم فليصم"، وفي رواية غيره بإسقاطها، وإثباتها أحسن لرواج قوله: "عليكم"، ولأنه قال: لم يكتب عليكم فخصهم بذكر الكتبة فاحتاج أن يخصص أيضًا المشيئة، فقال: "منكم" فيكون الكلام متوافقًا في الإيراد.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا يحيى بن حسان، عن الليث -يعني ابن سعد-، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكر عند رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، فقال النبي ﷺ : "كان يومًا يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن إسماعيل، عن أيوب، عن نافع وذكر أطول من هذا.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة وابن رمح، عن الليث بالإسناد.
وعن (٣) أبي كريب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن نافع.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى [عن عبيد] (٥) الله، عن نافع.
المكروه: ضد المحبوب، ألا تراه جاء بهما في هذا الحديث متقابلين فقال: "من أحب صيامه فليصمه، ومن كره فليدعه"، تقول: كرهت أكرهه كراهة وكراهية، فهو شيء كريه ومكروه.
[وقد يرد] (٦) المكروه في اصطلاح الفقهاء في بعض الأشياء على الحرام،
стр. 1308
وكثيرًا ما كان الجم الأول من الأئمة يطلقون ذلك في ألفاظهم، ويعلم مقصودهم من قرائن الأحوال، ومدار الكلام.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة أنه سمع عبيد الله بن أبي يزيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: "ما علمت رسول الله ﷺ صام يومًا يتحرى صيامه على الأيام إلا هذا اليوم -يعني عاشوراء-".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
أما البخاري (١): فأخرجه عن عبيد الله بن موسى، عن ابن عيينة بالإسناد وزاد في آخره "وهذا الشهر -يعني شهر رمضان".
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، عن سفيان وزاد زيادة البخاري، وقال في أول حديثه "أنه سمع ابن عباس وسئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: ما علمت رسول الله ﷺ وذكره.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان مثل مسلم.
التحري: القصد، تحريت أتحرى تحريًا إذا طلبت ما هو أحرى بالاستعمال وأولى، وهذا لفضل يوم عاشوراء لأنه قد تحرى صومه دون غيره من الأيام، وقد ورد في فضل يوم عاشوراء وصومه أحاديث كثيرة.
قال الشافعي -لما أورد هذه الأحاديث المذكورة في كتاب اختلاف الحديث (٤) -: وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف عندنا -والله أعلم- إلا شيئًا ذكره في حديث عائشة، وهو مما وصفت من الأحاديث التي يأتي منها المحدت ببعض دون بعض، فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضاً؛ فذكر هشام، عن أبيه، عن عائشة أن النبي
стр. 1309
- ﷺ صامه في الجاهلية، وصامه بالمدينة وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان الفريضة وترك عاشوراء.
قال الشافعي: لا يحتمل قول عائشة ترك عاشوراء، معنى يصح إلا ترك إيجاب صومه، إذ علمنا أن كتاب الله بين لهم أن شهر رمضان المفروض صومه، وأبان ذلك لهم رسول الله ﷺ ، أو ترك استحباب صومه، وهو أولى الأمرين عندنا به لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله ﷺ أن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس، ولعل عائشة إن كانت تذهب إلى أنه واجب ثم نسخ، قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي ﷺ لما صامه وأمر بصومه، كان صومه فرضًا ثم نسخه ترك أمره: من شاء أن يدع صومه. قال: ولا أحسبها ذهبت إلا إلى المذهب الأول، وأن الأول موافق للقرءان وأن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان ودل حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي ﷺ على مثل معنى القرءان بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان، وكذلك قول ابن عباس: ما علمت رسول الله ﷺ صام يومًا يتحرى فضله بالتطوع يصومه.
وجملة مذهب الشافعي في يوم عاشوراء اليوم: أنه مستحب مسنون، وقد اختلف فيه هل كان فرضًا أم لا؟ فظاهر المذهب أنه لم يكن فرضًا وإنما كان مستحبًا، وهذا الذي ذكرناه من كلام الشافعي يشهد لصحته.
وقال بعض الأصحاب: أنه كان واجبًا. وبه يقول أصحاب أبي حنيفة. والله أعلم.
وقد أخرج المزني (١) عن الشافعي، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عبد الرحمن، عن [ابن] (٢) أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لئن سلمت إلى قابل
стр. 1310
لأصومن اليوم التاسع".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١) والنسائي (٢).
وأخرج المزني (٣) أيضًا عن الشافعي، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: "صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود".
قال الشافعي: من صام التاسع فله أجره على نيته، وقول ابن عباس: ولا تشبهوا باليهود لأنه كره موافقة اليهود في إفراده، وأحب وصله بغيره.
وأما حديث التاسع: فيحتمل أنه يريد صومه احتياطًا، فربما نقص الهلال فيكون الغيم، فيكملون العدة ثلاثين فيكون التاسع في العدد هو العاشر في الهلال وأحب أن لا يفوته.
ويحتمل ما قاله ابن عباس من مخالفة اليهود.
ويحتمل أن يكون التاسع هو العاشر، والعامة تصوم يوم العاشر وهو بالحق أولى.
وأمره بالتطوع ولو كان فرضًا ما اختلفوا في وقته.
ومعنى قول الشافعي: أن يكون التاسع هو العاشر، هو ما قدمناه من حمله على أوراد الإبل -والله أعلم.
...
стр. 1311
الفرع الثالث
في صوم يوم عرفة والجمعة وغيرهما
أخرج المزني عن الشافعي (١) ﵄، عن داود بن شابور وغيره، عن أبي قزعة، عن أبي الخليل، عن أبي حرملة، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "صيام يوم عرفة كفارة السنة والسنة التي تليها، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة".
هذا الحديث أخرجه الترمذي (٢) مفرقًا.
قال الشافعي: وأحب صوم يوم عرفة لغير الحاج، فأما من حج فأحب أن يفطر ليقويه على الدعاء. واحتج بحديث أم الفضل بنت الحارث أنها أرسلت إلى النبي ﷺ بقدح لبن، وهو واقف على بعير بعرفة فشرب.
وأخرج الشافعي في رواية حرملة (٣) عنه عن سفيان، عن أيوب، عن سعيد ابن جبير قال: "أتيت ابن عباس بعرفة فوجدته يأكل رمانًا، فقال لي: ادن فكل، لعلك صائم!! إن رسول الله ﷺ لم يصم هذا اليوم".
قال الشافعي في القديم: فلو كان رجل يعلم أن الصوم لا يضعفه فصام كان حسنًا.
وأخرج المزني (٤) عن الشافعي، عن سفيان [عن] (٥) عبد [الحميد] (٦) بن جبير ابن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت [جابر] (٧) بن عبد الله -
стр. 1312
وهو يطوف البيت- أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت.
وأخرجه أيضًا عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عبد [الحميد] (١) بن جبير، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣).
وأخرج المزني (٤) أيضًا عن الشافعي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول: "ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة، ولكن محمد ﷺ ورب هذا البيت قاله".
وقد أخرج الشافعي: عن رجل، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث، عن علي أنه كره صوم الجمعة.
وإنما أورده الشافعي على طريق الإلزام في خلافهم عليًّا -كرم الله وجهه-.
وأخرج المزني (٥) عن الشافعي، عن مالك، عن أبي النضر -مولى عمرو بن عبد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (٦) باختلاف طرقهم.
стр. 1313
أخرج والمزني (١) عن الشافعي، عن سفيان، عن [ابن] (٢) أبي لبيد [قال] (٣): سمعت أبا سلمة يقول: دخلت على عائشة فقلت: أي أمه، أخبريني عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، وما رأيته صام في شهر قط أكثر من صيامه في شعبان، ما كان يصومه كله بل كان يصومه إلا قليلاً.
قال الشافعي: وإنما كرهته أن لا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب، وإن فعل فحسن قال: وأكره أن يحمل الرجل على نفسه من الصوم ما يمله، ويحول بينه وبين الصلاة، وليصم بقدر ما يقوى عليه.
وأخرج الشافعي في القديم (٤): عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، قال الله تعالى: إنما يذر طعامه وشرابه وشهواته من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به، كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به".
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (٥).
وأخرج الشافعي: عن مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين.
стр. 1314
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (١) إلا أبا داود.
وأخرج المزني (٢) عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه".
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦).
وأخرج الشافعي في القديم (٧): عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: "سئل رسول الله ﷺ عن السائحين؟ فقال: "هم الصائمون".
هكذا أخرجه مرسلاً، وقد أخرجه علي بن المديني، عن سفيان أيضًا مرسلًا.
وأخرج المزني عن الشافعي عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : "أنه كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان فيعرض على النبي ﷺ القرءان، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة".
ورواه الربيع عن الشافعي بالإسناد مثله.
стр. 1315
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
قال الشافعي: فأحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
وأخرج المزني عن الشافعي، عن سعيد بن مسلمة الكلبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "افعلوا المعروف إلى من هو أهله، وإلى من ليس من أهله، فإن أصبتم أهله فقد أصبتم أهله، وإن لم تصيبوا أهله فأنتم أهله".
وقد روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن النبي ﷺ .
...
стр. 1316
الباب الثامن
في الاعتكاف وليلة القدر
أخبرنا الشافعي ﵁: [عن سفيان] (١) عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر نذر أن يعتكف في الجاهلية، فسأل رسول الله ﷺ ، فأمره أن يعتكف في الإِسلام".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
أما البخاري (٢): فأخرجه عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، فقال: أراه ليلة، قال له رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن أبي بكر وابن المثنى وزهير، عن يحيى القطان وعن الأشج، عن أبي أسامة.
وعن محمد بن عمرو بن جبلة، عن غندر، عن شعبة كلهم عن عبيد الله، عن نافع.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن موسى، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
стр. 1317
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى القطان، عن عبيد الله، عن نافع.
وهذا الحديث: منهم من قال فيه عن ابن عمر، عن عمر.
ومنهم من قال فيه: عن ابن عمر أن عمر.
النذر: مصدر نذرت أنذر نذرًا، تقول: نذرت لله نذرًا، ونذرت على نفسي لله نذرًا.
والاعتكاف: الاحتباس على الشيء برًا كان أو إثمًا وملازمته إياه.
وهو في الشرع: عبارة عن المقام في المسجد على صفات مشروطه في الشرع، تقول: عكفه أي حبسه ووقفه يعكفه عكفًا واعتكف هو اعتكافًا، وكذلك عكف على الشيء عكوفًا إذا واظب عليه فهو عاكف.
والجاهلية: عبارة عن أيام العرب وزمانهم قبل الإِسلام، وما كانوا عليه من الجهل والضلال.
وحقيقة اللفظة: أنها منسوبة إلى جاهل بزيادة الهاء الدالة على تأنيث الجماعة أو تأنيث المدة، والأزمنة التي كانت لهم قبل الإِسلام، ثم غلبت هذه الصفة المنسوبة حتى صارت كأنها اسم مرتجل لذات مخصوصة.
والوفاء: ضد الغدر، يقال وفي بعهده وأوفى لغتان.
والمسجد الحرام: مسجد مكة وحرمه المحيط بالبيت.
وفي هذا الحديث من الفقه:
أن النذر في الجاهلية قديمًا معروفًا، وفيه أن الوفاء بالنذر متعين، وأن النذر من الكافر وأنه إذا أسلم يلزمه الوفاء به، وفيه جواز المبيت في المسجد وفيه أن الاعتكاف بالليل يصح.
لم يرد في المسند في الاعتكاف إلا هذا الحديث، وقد روى فيه الشافعي.
стр. 1318
-رحمه الله تعالى- أحاديث كثيرة فمنها:-
ما أخرجه المزني (١) عنه، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين -وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه- قال: "من كان اعتكف -يعني فليعتكف العشر الأواخر" وقال: "أرأيت هذه الليلة ثم أنسيتها"، وقال: "رأيتني أسجد في صبيحتها في طين وماء، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر" قال أبو سعيد: فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة (٢) إلا الترمذي.
قال الشافعي في القديم: وتطلب ليلة القدر في العشر الآخر (٣) من شهر رمضان، وكأني رأيت -والله أعلم- أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين، وقد جاء في ليلة سبع عشرة، وليلة أربع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ثم ذكر حديث ابن أنيس، قال: أخبرنا مالك، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبيد الله- أن عبد الله بن أنيس قال: يا رسول الله، إني شاسع الدار فمن لي (٣) بليلة أنزلها، فقال النبي ﷺ : "انزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان".
стр. 1319
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢).
وأخرج المزني (٣) عن الشافعي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "تحروا ليلة القدر في العشر (٤) الأواخر".
وفي رواية أخرى (٥): عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الآخر، فقال رسول الله ﷺ : "إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع الأواخر".
وفي أخرى (٦): عن سفيان، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه "أن رجلاً رأى ليلة القدر، فقال: رأيت أنها ليلة كذا، فقال النبي ﷺ : "أرى رؤياكم قد تواطأت فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها -أو في السبع البواقي-" شك سفيان.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٧) ومسلم (٨) وأبو داود (٩).
وأخرج المزني (١٠) عن الشافعي، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أنه قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في رمضان، فقال: "إني رأيت هذه الليلة فتلاحى رجلان فرفعت فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة".
وأخرج المزني (١١): عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن حميد، عن أنس،
стр. 1320
عن عبادة بن الصامت "أن رسول الله ﷺ خرج إليهم وهو يريد أن يخبرهم بليلة القدر فتلاحى رجلان فقال: "إني خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان، ولعل ذلك يكون خيرًا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١).
وأخرج المزني (٢): عن الشافعي، عن سفيان، عن عاصم وعبدة، عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن أخاك ابن مسعود قال: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد علم أنها في رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكن أراد أن لا يتكلوا، ثم حلف -أي لا يستثني- أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان، قلنا: يا أبا المنذر، بأي شيء تعلم ذلك؟ قال: بالآية التي أخبر رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع صبيحة ذلك اليوم لا شعاع لها.
حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥).
وأخرج المزني (٦): عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٧) ومسلم (٨) وأبو داود (٩).
وأخرج المزني عن الشافعي [] (١٠) زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول
стр. 1321
الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
وفي رواية أخرى (١): عن مالك وسفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا في المسجد، فأخرج إليَّ رأسه فغسلته وأنا حائض.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وغيرهما.
وقد أخرج المزني (٤) عن الشافعي، عن الدراوردي، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه، ويرجع من كان يجاور معه، ثم قام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجح فيها، فخطب الناس وأمرهم بما شاء الله، ثم قال: "إني كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الآخر وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتني في صبيحتها أسجد في طين وماء".
وذكر قول أبي سعيد الذي ذكرناه في الحديث الأول، الذي هذه رواية من جملة رواياته.
وقد أخرج الشافعي في القديم (٥): عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة،
стр. 1322
عن عائشة أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي ولا تقف.
وقد رواه غيره عن عمرة، عن عائشة.
وروى أيضًا عن عمرة وعروة، عن عائشة.
وأخرج أيضًا في القديم (١): عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة "أن رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه رأى أخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب بنت جحش، فلما رآهن سأل عنهن، فقيل له: هذا خباء عائشة وحفصة وزينب فقال رسول الله ﷺ : "آلبر تقولون بهن" وانصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال.
قال الشافعي: فبهذا كرهت اعتكاف المرأة إلا في مسجد بيتها، وذلك أنها إذا صارت إلى ملازمة المسجد المأهول ليلاً ونهارًا كثر من يراها ومن تراه.
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) ونحوه. والله أعلم.
...
стр. 1323
كتاب الحج والعمرة
ويشتمل على ثلاثة عشر بابًا
الباب الأول في وجوب الحج والعمرة وما يتعلق بهما
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول الوجوب والاستطاعة
قال الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١) من الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال الله لنبيه ﵇ فحجهم فقال لهم النبي ﷺ فحجوه قالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا قال الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، قال عكرمة: من كفر من أهل الملل فإن الله غني عن العالمين.
قال الشافعي: وما أشبه ما قال عكرمة بما قال -والله أعلم- لأن هذا كفر بفرض الحج وقد أنزله الله تعالى والكفر بآية من كتاب الله كفر.
وقد جاء في رواية أبي داود والنسائي (٣): عن زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس "أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول
стр. 1324
الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: "بل مرة واحدة فمن زاد فتطوعٌ".
وكذلك رواه سليمان بن كثير ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهري.
وقال الشافعي (١): قال الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). والاستطاعة في دلالة السنة والإجماع ثلاث: أن يكون الرجل يقدر على مركب وزاد يبلغه ذاهبًا وجائيًا وهو يقوى على المركب، ليس بزَمِن لا يثبت على مركب، ولا حائل بينه وبين ذلك. وإذا اجتمع هذا له فهو مستطيع، وأي هذا لم يكن فليس بمستطيع، وإن كان دونه حائل فليس بمستطيع وإن كان غير واجد للمال وهو قوي البدن فليس بمستطيع؛ وعليه الاستطاعة الثانية أن يكون له مال فيستأجر من يحج عنه، أو يكون له من إذا أمره أن يحج عنه [أطاعه] (٣).
وقال الشافعي (٤): قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) فاختلف الناس في العمرة: فقال بعض المشرقيين: العمرة تطوع، وقاله سعيد بن سالم واحتج بأن سفيان الثوري أخبره عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله ﷺ قال: "الحج جهاد، والعمرة تطوع" (٦).
قال الشافعي: فقلت له: أتثبت مثل هذا عن رسول الله ﷺ فقال: هو منقطع، ثم ساق الكلام إلى أن قال: والذي هو أشبه بظاهر القرءان وأولى بأهل العلم عندي، وأسأل الله التوفيق -أن تكون العمرة واجبة بأن الله تعالى قرنها
стр. 1325
مع الحج، فقال: ﴿وأَتُّمِوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، وأن رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحج، وأن رسول الله سَنَّ إحرامها والخروج منها بطواف وسعي وحلاق وميقات وفي الحج زيادة على عمل العمرة، فظاهر القرءان أولى إذا لم يكن دلالة أنه باطن دون ظاهر ومع ذلك قول ابن عباس وغيره.
قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده، إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) قال الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وسن رسول الله ﷺ في قرآن العمرة مع الحج هدْياً، ولو كان أصل العمرة تطوعًا أشبه أن لا يكون لأحد أن يقرن العمرة مع الحج, لأن أحدا لا يدْخِل في نافلة فرضًا حتى يخرج من أحدهما قبل الدخول في الآخر، وقد يدخل في أربع ركعات وأكثر نافلة، قيل يفصل بينهما بسلام وليس ذلك في مكتوبة ونافلة من الصلاة، وأشبه أن لا يلزمه بالتمتع والقران هدي إذا كان أصل العمرة تطوعًا بكل حال، لأن حكم ما لا يكون إلا تطوعًا بحال غير حكم ما يكون فرضًا في حال.
قال الشافعي ﵁: وأخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الله ابن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن العمرة هي الحج الأصغر"، قال ابن جريج ولم يحدثني عبد الله بن أبي بكر عن كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم شيئًا، إلا قلت له: أفي شك أنتم أنه في كتاب النبي ﷺ ؟ فقال: لا.
وبسط القول في هذا وأمثاله فلم نطل بذكره.
وهذا الحديث الذي ذكره الشافعي عن سعيد بن سالم وهو قول النبي ﷺ : "الحج جهاد والعمرة تطوع" مع أنه منقطع غير ثابت فله محمل، فإن قوله: "الحج جهاد" يريد أنه شاق على الأنفس كالجهاد لما فيه من تكلف السفر البعيد،
стр. 1326
والإحرام الطويل، ومحظوراته والوقوف بعرفات، ومزدلفة، والمشعر الحرام، والنحر، والمبيت بمنى، وغير ذلك من الأعمال التي ليست في العمرة، فإن المعتمرين -ولا سيما الحجاج- لا يطول زمان إحرامهم أكثر من ساعة من نهار، ثم يكفيه الطواف والسعي والتقصير.
وأما قوله: "والعمرة تطوع" فلا يريد بها أنها نافلة، وإنما يريد بالتطوع ما تنطاع له النفس وتنقاد إليه، ويسهل عليها مباشرته لخفة أعماله وقلة مشقتها.
والذي ذهب إليه الشافعي في الجديد: أن العمرة واجبة كالحج.
وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وإليه ذهب ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.
وقال في القديم: ليست بواجبة. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وروى ذلك عن ابن مسعود.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يحدث عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس أن امرأةً من خثعم سألت النبي ﷺ فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده، أَدْرَكتْ أبي شيخًا كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على راحلته، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال النبي ﷺ : "نعم". قال سفيان: هكذا حفظته من الزهري.
وأخبرني عمرو بن دينار، عن الزهري، عن سليمان بن يسار (١) عن النبي ﷺ مثله وزاد فيه: فقالت: يا رسول الله، فهل ينفعه ذلك؟. قال: "نعم. كما لو كان عليه دين فقضيته نفعه".
стр. 1327
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟. قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: قال ابن شهاب: حدثني سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول، إن أبي قد أدركته فريضة الله عليه في الحج وهو شيخ كبير، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: "فحجي عنه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة كلهم، وقد اختلفوا فيه: فمنهم من رواه عن عبد الله بن عباس، ومنهم من رواه عنه، عن أخيه الفضل، والشافعي قد روى الطريقين.
فأما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية.
وأما البخاري (٢): فأخرج الثانية عن القعنبي، عن مالك.
وأخرج الثالثة (٣): عن أبي عاصم، عن ابن جريج.
وعن موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، جميعًا عن ابن شهاب بإسنادها نحوها.
وأما مسلم (٤): فأخرج الثانية عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأخرج الثالثة: عن علي بن خشرم، عن عيسى [عن] (٥) بن جريج.
وأما أبو داود (٦): فأخرج الثانية، عن القعنبي، عن مالك.
стр. 1328
وأما الترمذي (١): فأخرج الثالثة عن أحمد بن منيع، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج بالإسناد.
وأما النسائي (٢): فأخرج الثانية عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
وله روايات أخرى وقد ذكر في بعضها أن المستفتي كان رجلاً لا امرأة.
أدركت أبي: أي: لحقته، قيل معناه: أنه أسلم وهو شيخ كبير.
والراحلة: البعير القوي على الأسفار والأحمال.
وقوله: "فهل ترى" من الرأي لا من الرؤية.
ورديف الإنسان: الذي يركب خلفه وهو الردف أيضًا، تقول: ردف يردف وأردفته أنا، وكل شيء تبع شيئًا فهو ردفه.
والاستفتاء: طلب الفتوى والفتيا لغتان.
وحجة الوداع: هي الحجة التي حجها رسول الله ﷺ سنة عشر من الهجرة، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وإنما سميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في حجته هذه؛ وعظ الناس وعرفهم مناسكهم، وقال: "هل بلغت"؟ فقالوا: نعم فقال: "اللهم اشهد". ثم ودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع.
هذا الحديث قد ذكره الشافعي مستدلاً به على أن من لا يقدر على ركوب الراحلة لا يلزمه الحج بنفسه، وأنه غير مستطيع. وقد أتبعه أحاديث أخر مؤكدة له وستجيء في موضعها إن شاء الله.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن إبراهيم بن
стр. 1329
يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر قال: قعدنا إلى عبد الله بن عمر فسمعته يقول: "سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: ما الحاج؟ قال: "الشعث التفل"، فقام آخر فقال: يا رسول الله، أي الحج أفضل؟ قال: "العج، والثج" فقام آخر فقال يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: "زادًا وراحلة".
هذا الحديث أخرجه الترمذي (١): عن يوسف بن عيسى، عن وكيع، عن إبراهيم بن يزيد بالإسناد، وقال: من الحاج (٢)؟ وقال: الزاد والراحلة.
"ما" كلمة استفهام ثابت مناب حروف الاستفهام، وهي في أصل الوضع أن يستفهم بها عما لا يعقل وعن صفة من يعقل، تقول: إذا استفهمت عن بنية أو بهيمة أو شجرة ما هذه؟ وكذلك إذا سألت عن صفة رجل قلت: ما لون زيد، أو عن حقيقته قلت: ما زيد.
فأما "من" فإنها موضوعة لمن يعقل من الذكر والأنثى، تقول: من زيد، ومن هند، فإذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل غلب من يعقل على ما لا يعقل، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) يريد بذلك جميع الموجودات، وقد جاء التنزيل أيضًا: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) يريد به غير العقلاء، أو أنه لما اجتمع من يعقل وما لا يعقل وكان ما لا يعقل أكثر ممن يعقل غلب الأكثر على الأقل.
فأما قوله: "ما الحاج" -إن صحت الرواية به- فهو القياس سؤال عن صفة من يحج, لأنه لم يرد أن يعرف ذات الحاج وحقيقته ولا واحدًا بعينه ممن يحج لهما، أراد أن صفة الحاج على من يطلق، فلذلك أجابه النبي ﷺ بالصفة التي إذا لابسها الإنسان سمي حاجًا، وهي "الشعث التفل"، وهذا الجواب وإن
стр. 1330
كان مجازًا في تعريف الحاج, لأن الشعث التفل ليسا من الأوصاف المقومة للحج كالإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، ولكن النبي ﷺ أراد بذلك أن ملابس أمور الحج الذي يأتي بها؛ فإنما تكون كامل الحج إذا أكمل فرائضها وسننها, ولأن من قصد باب الله -تعالى- راغبًا في حط أوزاره، طامعًا في قرب مزاره وفضل جواره، فالأفضل به أن يكون خاضعًا مسكينًا فقيرًا إلى رحمته مسكينًا، مظهرًا للذلة والفاقة، هاجرًا للدعة والنعمة، مجانبًا لهيئة المترفين، أشعث أغبر فإن ذلك بتحصيل غرضه أولى وأجزم فلذلك قال ﷺ : "الشعث التفل".
والشعث: هو البعيد العهد بالغسل وتسريح الشعر.
والتفل -بالكسر-: هو الذي ليس بمتطيب، وبالفتح التطيب.
فأما رواية الترمذي: فإن على القياس ينبغي أن يكون الجواب على قوله: "من الحاج عمرو أو زيدا؟ ونحو ذلك لأن "من" سؤال عمن يعقل تقول: من الرجل؟ فتقول: زيد، لكنه لما ارتفع من في الحديث على صفة من يعقل وهو الحج أجاب عنه بالصفة، كما تقول من المحسن إلى الناس؟ فتقول في الجواب: الجواد الكريم فيوقع الصفة العامة موقع الاسم لفهم المعنى، وإن كان السائل يريد بسؤاله ذات المسئول عنه، فلا يجزئه إلا زيد أو عمرو ونحو ذلك.
والعج: رفع الصوت بالتلبية، عج يعج عجًا إذا رفع صوته وصاح.
والثج: إراقة الدماء، دماء الهدي ودماء الأضاحي، تقول: ثججت الماء والدم أثجه ثجًا إذا أسلته.
والسبيل: الطريق والسبب الموصلة، ويذكر ويؤنث وكل ما يتوصل به إلى الشيء فهو سبيل وسبب.
стр. 1331
وفي رواية الشافعي: "زادًا وراحلة" منكرًا، وفي رواية الترمذي: "الزاد والراحلة" معرفًا.
والتنكير في هذا المقام أبلغ من التعريف, لأنه يدل على أن من ملك أي زاد كان وأي راحلة كانت فقد وجد السبيل، ألا ترى أنه لم يقل زاد وبعير، ولا زاد وناقة، ولا زاد وجمل، فإنه كان يجب وجود أي بعير كان، سواء كان يبلغه البيت أو لا، فلما قال: "زاد وراحلة" والراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال، استغنى عن ذلك التقدير فنكرها حينئذ ليدل على أنه أي راحلة كانت نفيسة أو غير نفيسة، للعلم أن هذا الاسم إنما يطلق على البعير الذي يمكن التحميل والمسير عليه.
وأما التعريف الذي فيهما فهو تعريف الجنس الذي يقال: زاد وراحلة وهذا الحديث قد أخرجه الشافعي في معرض الحكاية، فإنه قال: وأحب لمن قوي على المشي ممن لم يحج أن يمشي، وليس بواجب عليه لأنه يروى عن النبي ﷺ [أنه قال: السبيل: الزاد والراحلة، وقد روى أحاديث عن النبي ﷺ ] (١) تدل على أنه لا يجب المشي على أحد إلى الحج وان أطاقه، غير أن منها منقطعة ومنها ما يمتنع أهل العلم بالحديث من تثبيته، ثم ذكر هذا الحديث، وإنما يمتنع أهل العلم بالحديث [من تثبيت هذا لأنه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي وقد ضعفه أهل العلم بالحديث] (١) يحيى بن معين وغيره.
قال الشافعي: وروي عن شريك بن أبي نمر، عمن سمع أنسًا بحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيل: الزاد والراحلة".
وقال أيضًا في القديم: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: سبيله: من وجد له سعة، ولم يُحَلْ بينه وبينه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج. وبه
стр. 1332
قال الحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وإسحاق.
وقال مالك: لا يجب، ومن قدر على الوصول إلى البيت ببدنة وجب عليه الحج. وبه قال عكرمة والضحاك.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى -صاحب النبي ﷺ أنه قال: سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض للحج؟ قال: "لا".
هذا الحديث مسوق لبيان ما تقدم أن من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه، لأنه قال: أيستقرض للحج، يريد: أنه إذا لم يكن قد حج ولا له ما يحج به ويوصله إلى البيت، فهل يستقرض ما يستعين به على الحج من الزاد والراحلة؟ فقال: لا وهذا يحقق بطلان ما ذهب إليه مالك من وجوب الحج على إمكان البدن لا غير.
ولقائل أن يقول من جانب مالك: لا دليل في هذا بل هو دليل له، وذلك أنه لما سأله عن الإقراض فقال: لا تقترض فإن الحج واجب عليك، وإن لم يجد فلأي سبب يقترض حتى يحج، بل حج بغير قرض أداء لما وجب عليك.
والجواب عن ذلك: أن هذا السائل أمر خارج زائد عن صحة البدن، ولم يكن عالمًا أنه يلزمه أن يقترض للحج، فلذلك سأل عن الاقتراض ولولا ذلك لما سأله عما كان جاهلاً به والله أعلم.
стр. 1333
الفصل الثاني
في النيابة في الحج
قد تقدم في الفصل أيضًا ما جاء فيه غير حديث ابن عباس.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد العزيز ابن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "وكل منى منحر" ثم جاءته امرأة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ قد أفند، وأدركته فريضة الله على عباده في الحج ولا يستطيع أداءها، فهل يجزئ عنه أن أؤديها عنه؟، فقال "نعم".
هذا طرف من حديث صحيح أخرجه الترمذي (١): عن محمد بن بشار، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بالإسناد، وذكر حديثًا طويلًا يتضمن أمورًا كثيرة من أحكام الحج منها: الوقوف بعرفة [والإفاضة] (٢) منها، وإتيان جمع والجمع بها، والوقوف بقزح والإفاضة منها، وإتيان المنحر لمنى، فقال: "هذا المنحر ومنى كلها منحر" وذكر المرأة الخثعمية وسؤالها في الحج عن أبيها، وذكر فيه أيضًا الحلق، والتقصير، والذبح، والرمي، والطواف بالبيت، وزمزم.
ومنى: اسم المدينة المعروفة، وهو مقصور مذكر مصروف وإذا لم يصرف فعلى تأويل المدينة.
والمنحر: الموضع الذي ينحر فيه الهدي والأضاحي، وليس شيء من فجاج منى مخصوصًا بالنحر دون غيره.
стр. 1334
والواو التي في "وكل منى منحر" هي عاطفة لهذه الجملة المقتطعة من الحديث على ما قبلها فإن قبلها: "أتى المنحر" فقال: "هذا المنحر ومنى كلها منحر" لأنه لما قال هذا المنحر إشارة إلى موضع معروف بمنى من عادة الحجيج أن ينحروا فيه عطف عليه، فقال: "وكل منى منحر" حتى لا يضيق على الناس بازدحامهم على موضع واحد فعرفهم أن جميع أراضي منى منحر.
والفند: الضعف في الرأي، وأفند الرجل إذا خرف.
قال الأزهري (١): الفند: إنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ فند، ولا يقال: عجوز فندة (٢) لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفنَّد في كبرها.
قال: الفند: الضعيف الرأي وإن كان قوي الجسم، والمفند: الضعيف الرأي والجسم معا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن النيابة في الحج صحيحة جائزة بأجرة وبغير أجرة، ولذلك تفصيل: وهو أن يكون عاجزًا عن المباشرة بنفسه إما بزمانة لا يرجى زوالها؛ فلا يقدر أن يستمسك على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، أو بلغ من الكبر بحيث لا يمكنه الاستمساك على الراحلة، أو يكون قد مات فيها ولا يجوز لهم أن يستنيبوا من يحج عنهم حجة الإِسلام، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: لا تجوز الاستنابة في الحج إلا بالموت وحده، وأما المريض فلا يخلو أن يكون ميؤساً منه أو غير ميؤسًا منه؛ فإن كان ميؤسًا فإنه يجوز الاستنابة وقيل, فيه قولان، وإن لم يكن ميؤسًا منه فإنه لا يجوز له أن يستنيب.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
стр. 1335
وفي النيابة في حج التطوع قولان: وبالجواز قال أبو حنيفة ومالك وأحمد.
ولا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل.
وقال الحسن بن صالح: يكره حج المرأة عن الرجل.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة قال: سمعت طاوسًا يقول: أتت النبي ﷺ امرأة، فقالت: إن أمي ماتت وعليها [حج] (١)، فقال: "حجي عن أمك".
هذا الحديث مرسل، طاوس تابعي كثير الرواية عن ابن عباس، ويشبه أن يكون هذا الحديث رواية عنه، ولفظ هذا الحديث لا يدل على أن المرأة سألت النبي ﷺ عن جواز حجها عن أمها, لأنها لم تقل إلا أن أمها ماتت وعليها حج، فقال لها ابتداًء من نفسه: "حجي عن أمك" فأمرها بالحج عنها وإن كانت لم تسأله عن ذلك.
وهذا حجة لمن قال: إن الميت يجوز أن يحج عنه وإن لم يوص. وهو مذهب الشافعي، وبه قال عطاء، وابن سيرين وأصحاب الرأي، وأبو ثور، وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة.
وقال مالك: لا يحج عن الميت إلا أن يوصي. وبه قال النخعي.
وقيل: إن مالكًا قال: إذا لم يوص فإن تطوع عنه بغير الحج كالصدقة، والعتق ونحوهما أحب إلى.
وأخبرنا الشافعي قال: وذكر مالك -أو غيره-، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن نركبها على البعير وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم".
هكذا أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك (٢)، وقد تقدم حديث ابن