← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وفي رواية الشافعي: "زادًا وراحلة" منكرًا، وفي رواية الترمذي: "الزاد والراحلة" معرفًا. والتنكير في هذا المقام أبلغ من التعريف, لأنه يدل على أن من ملك أي زاد كان وأي راحلة كانت فقد وجد السبيل، ألا ترى أنه لم يقل زاد وبعير، ولا زاد وناقة، ولا زاد وجمل، فإنه كان يجب وجود أي بعير كان، سواء كان يبلغه البيت أو لا، فلما قال: "زاد وراحلة" والراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال، استغنى عن ذلك التقدير فنكرها حينئذ ليدل على أنه أي راحلة كانت نفيسة أو غير نفيسة، للعلم أن هذا الاسم إنما يطلق على البعير الذي يمكن التحميل والمسير عليه. وأما التعريف الذي فيهما فهو تعريف الجنس الذي يقال: زاد وراحلة وهذا الحديث قد أخرجه الشافعي في معرض الحكاية، فإنه قال: وأحب لمن قوي على المشي ممن لم يحج أن يمشي، وليس بواجب عليه لأنه يروى عن النبي ﷺ [أنه قال: السبيل: الزاد والراحلة، وقد روى أحاديث عن النبي ﷺ ] (١) تدل على أنه لا يجب المشي على أحد إلى الحج وان أطاقه، غير أن منها منقطعة ومنها ما يمتنع أهل العلم بالحديث من تثبيته، ثم ذكر هذا الحديث، وإنما يمتنع أهل العلم بالحديث [من تثبيت هذا لأنه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي وقد ضعفه أهل العلم بالحديث] (١) يحيى بن معين وغيره. قال الشافعي: وروي عن شريك بن أبي نمر، عمن سمع أنسًا بحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيل: الزاد والراحلة". وقال أيضًا في القديم: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: سبيله: من وجد له سعة، ولم يُحَلْ بينه وبينه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج. وبه

стр. 1332

قال الحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وإسحاق. وقال مالك: لا يجب، ومن قدر على الوصول إلى البيت ببدنة وجب عليه الحج. وبه قال عكرمة والضحاك. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى -صاحب النبي ﷺ أنه قال: سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض للحج؟ قال: "لا". هذا الحديث مسوق لبيان ما تقدم أن من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه، لأنه قال: أيستقرض للحج، يريد: أنه إذا لم يكن قد حج ولا له ما يحج به ويوصله إلى البيت، فهل يستقرض ما يستعين به على الحج من الزاد والراحلة؟ فقال: لا وهذا يحقق بطلان ما ذهب إليه مالك من وجوب الحج على إمكان البدن لا غير. ولقائل أن يقول من جانب مالك: لا دليل في هذا بل هو دليل له، وذلك أنه لما سأله عن الإقراض فقال: لا تقترض فإن الحج واجب عليك، وإن لم يجد فلأي سبب يقترض حتى يحج، بل حج بغير قرض أداء لما وجب عليك. والجواب عن ذلك: أن هذا السائل أمر خارج زائد عن صحة البدن، ولم يكن عالمًا أنه يلزمه أن يقترض للحج، فلذلك سأل عن الاقتراض ولولا ذلك لما سأله عما كان جاهلاً به والله أعلم.

стр. 1333

الفصل الثاني في النيابة في الحج قد تقدم في الفصل أيضًا ما جاء فيه غير حديث ابن عباس. أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد العزيز ابن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "وكل منى منحر" ثم جاءته امرأة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ قد أفند، وأدركته فريضة الله على عباده في الحج ولا يستطيع أداءها، فهل يجزئ عنه أن أؤديها عنه؟، فقال "نعم". هذا طرف من حديث صحيح أخرجه الترمذي (١): عن محمد بن بشار، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بالإسناد، وذكر حديثًا طويلًا يتضمن أمورًا كثيرة من أحكام الحج منها: الوقوف بعرفة [والإفاضة] (٢) منها، وإتيان جمع والجمع بها، والوقوف بقزح والإفاضة منها، وإتيان المنحر لمنى، فقال: "هذا المنحر ومنى كلها منحر" وذكر المرأة الخثعمية وسؤالها في الحج عن أبيها، وذكر فيه أيضًا الحلق، والتقصير، والذبح، والرمي، والطواف بالبيت، وزمزم. ومنى: اسم المدينة المعروفة، وهو مقصور مذكر مصروف وإذا لم يصرف فعلى تأويل المدينة. والمنحر: الموضع الذي ينحر فيه الهدي والأضاحي، وليس شيء من فجاج منى مخصوصًا بالنحر دون غيره.

стр. 1334

والواو التي في "وكل منى منحر" هي عاطفة لهذه الجملة المقتطعة من الحديث على ما قبلها فإن قبلها: "أتى المنحر" فقال: "هذا المنحر ومنى كلها منحر" لأنه لما قال هذا المنحر إشارة إلى موضع معروف بمنى من عادة الحجيج أن ينحروا فيه عطف عليه، فقال: "وكل منى منحر" حتى لا يضيق على الناس بازدحامهم على موضع واحد فعرفهم أن جميع أراضي منى منحر. والفند: الضعف في الرأي، وأفند الرجل إذا خرف. قال الأزهري (١): الفند: إنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ فند، ولا يقال: عجوز فندة (٢) لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفنَّد في كبرها. قال: الفند: الضعيف الرأي وإن كان قوي الجسم، والمفند: الضعيف الرأي والجسم معا. والذي ذهب إليه الشافعي: أن النيابة في الحج صحيحة جائزة بأجرة وبغير أجرة، ولذلك تفصيل: وهو أن يكون عاجزًا عن المباشرة بنفسه إما بزمانة لا يرجى زوالها؛ فلا يقدر أن يستمسك على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، أو بلغ من الكبر بحيث لا يمكنه الاستمساك على الراحلة، أو يكون قد مات فيها ولا يجوز لهم أن يستنيبوا من يحج عنهم حجة الإِسلام، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: لا تجوز الاستنابة في الحج إلا بالموت وحده، وأما المريض فلا يخلو أن يكون ميؤساً منه أو غير ميؤسًا منه؛ فإن كان ميؤسًا فإنه يجوز الاستنابة وقيل, فيه قولان، وإن لم يكن ميؤسًا منه فإنه لا يجوز له أن يستنيب. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز.

стр. 1335

وفي النيابة في حج التطوع قولان: وبالجواز قال أبو حنيفة ومالك وأحمد. ولا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل. وقال الحسن بن صالح: يكره حج المرأة عن الرجل. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة قال: سمعت طاوسًا يقول: أتت النبي ﷺ امرأة، فقالت: إن أمي ماتت وعليها [حج] (١)، فقال: "حجي عن أمك". هذا الحديث مرسل، طاوس تابعي كثير الرواية عن ابن عباس، ويشبه أن يكون هذا الحديث رواية عنه، ولفظ هذا الحديث لا يدل على أن المرأة سألت النبي ﷺ عن جواز حجها عن أمها, لأنها لم تقل إلا أن أمها ماتت وعليها حج، فقال لها ابتداًء من نفسه: "حجي عن أمك" فأمرها بالحج عنها وإن كانت لم تسأله عن ذلك. وهذا حجة لمن قال: إن الميت يجوز أن يحج عنه وإن لم يوص. وهو مذهب الشافعي، وبه قال عطاء، وابن سيرين وأصحاب الرأي، وأبو ثور، وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة. وقال مالك: لا يحج عن الميت إلا أن يوصي. وبه قال النخعي. وقيل: إن مالكًا قال: إذا لم يوص فإن تطوع عنه بغير الحج كالصدقة، والعتق ونحوهما أحب إلى. وأخبرنا الشافعي قال: وذكر مالك -أو غيره-، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن نركبها على البعير وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". هكذا أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك (٢)، وقد تقدم حديث ابن

стр. 1336

عباس في الفصل الأول، فيجوز أن يكون هذا رواية من جملة رواياته لولا أنه قد عكس فيه القضية؛ فإنه قال: إن رجلاً سأل هل يحج عن أمه؟ وذاك امرأة سألت هل تحج عن أبيها، إلا أن النسائي أخرج في بعض طرقه مثل هذه الرواية, فيكون غير ذلك الحديث, ولهذه الشبهة أفردناه عن ذلك الحديث، وأشرنا إلى ما فيه من الاختلاف. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك -أو غيره- عن أيوب، عن ابن سيرين أن رجلاً جعل على نفسه أن لا يبلغ أحد من ولده الحلب، فيحلب ويشرب ويسقيه إلا حج وحج به معه، فبلغ رجل من ولده الذي قال الشيخ -وقد كبر الشيخ- فجاء ابنه إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر، فقال: إن أبي قد كبر ولا يستطيع أن يحج، أفأحج عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك (١)، مستدلًا به على مخالفته إياه. وقوله: جعل على نفسه يريد: النذر. والحلب -بفتح اللام-: حلب الإبل والبقر والغنم، تقول حلبت الناقة أحلبها حلبًا، والمراد: أنه نذر متى كبر له ولد حتى صار يمكنه أن يحلب فيشرب ويسقيه حج وحج معه. والذي في قوله: "فبلغ رجل من ولده الذي قال" في موضع نصب لأنه مفعول بلغ، تقديره: فبلغ بعض أولاده الأمر الذي قاله الشيخ، يعني: أنه بلغ أن يحلب فيشرب ويسقيه. وقد أخرج الشافعي في القديم (٢): عن رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن علي بن أبي طالب قال لشيخ كبير لم يحج: إن شئت فجهز رجلاً يحج عنك.

стр. 1337

قال الشافعي: وقد ذهب عطاء مذهبًا يشبه أن يكون أراد أنه يجزئ عنه؛ أن يتطوع بكل نسك من حج أو عمرة أو عملهما، مطيقاً له وغير مطيق، وذلك أن ابن عيينة أخبرنا عن يزيد -مولى عطاء- قال: ربما أمرني عطاء أن أطوف عنه. قال الشافعي: وقولنا لا يعمل أحد عن أحد إلا والمعمول عنه غير مطيق العمل، بكبر أو مرض لا يرجى أن يطيق بحال أو بعد موته، وهذا أشبه بالسنة. أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء: "سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: لبيك عن فلان، فقال النبي ﷺ : "إن كنت حججت فلب عنه، وإلا فاحجج عن نفسك ثم احجج عنه". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "سمع ابن عباس رجلاً قال: لبيك عن شبرمة، فقال ابن عباس: ويحك، وما شبرمة، قال: فذكر قرابة له، فقال: أحججت عن نفسك؟. قال: لا، قال: فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة". هذا الحديث هكذا جاء في المسند رواية مرسلة، عن عطاء عن النبي ﷺ ، وأخرى عن ابن عباس موقوفًا عليه والحديث فيه اختلاف. وقد أخرجه أبو داود (١): عن إسحاق بن إسماعيل وهناد بن السري، عن عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة -هو ابن عبد الرحمن الخزاعي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟. قال: أخ لي -أو قريب لي- قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فاحجج عن نفسك ثم حج عن شبرمة".

стр. 1338

والرواية الأولى عن عطاء هكذا أخرجها الثوري، عن ابن جريج مرسلة. ورواها: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة "أن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي عن شبرمة -أو عن قريب له-، فقال له: "لبيت عن نفسك"؟ قال: لا. قال: "فلب عن نفسك ثم لب عن شبرمة". ورواه شريك بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ . وقد أخرج الشافعي أيضًا: عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب بن أبي تميمة وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن عباس. الحديث موقوف عليه. وأصح ما في الباب رواية أبي داود المرفوعة قاله البيهقي. وكذلك رواه القاضي أبو يوسف عن ابن أبي عروبة مرفوعًا. وكذلك روي عن محمد بن عبد الله الأنصاري ومحمد بن بشر [عن] (١) ابن أبي عروبة مرفوعًا. ورواه: غندر، عن ابن أبي عروبة موقوفًا. فإن صح الحديث مرفوعًا من طريق ابن جبير ففيه الدلالة، ويكون بعض الرواة قد قصر به فلم يرفعه وإن لم يصح مرفوعًا وهو عن ابن عباس صحيح من رواية غندر وأبي قلابة وغيرهما، وإذا انضم إلى الموقوف حديث مرسل عن النبي ﷺ قويت به الحجة. لبيك: جواب النداء والأصل فيه من: ألب بالمكان إذا أتاه به وثبت فيه، وهو في تلبية الحج إجابة لدعاء الله -تعالى- الناس إلى الحج، في قوله عز من قائل: ﴿وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٢). ومعنى هذه التلبية فيها أي: مرة بعد مرة كأنه قال: أنا مقيم على إجابتك مرة بعد مرة.

стр. 1339

والذي ذهب إليه الشافعي: أنه لا يجوز أن ينوب في الحج إلا من قد حج حجة الإِسلام. وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز أن يحج عن غيره وإن لم يكن حج عن نفسه. وبه قال الحسن البصري، وجعفر بن محمد، والنخعي، وعطاء. وقال الثوري: إن كان النائب يستطيع أن يحج عن نفسه حج عن نفسه، وإن لم يكن مستطيعًا حج عن غيره. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رجلاً سأله فقال: أؤاجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك إلى أجر؟ فقال ابن عباس: نعم. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١). هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي في المسند، وقد أخرجه في الأمالي عن مسلم بن خالد وحده، إلا أنه قال: أيجزئ ذلك عني، بدل قوله: إلى أجر. وقد أخرج أبو داود (٢) عن ابن عمر حديثًا مسندًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ نحوًا من هذا. المؤاجرة: مفاعلة من الإجارة، أجرت نفسي أؤجرها إجارة ومؤآجرة وهو من الأجرة: وهي العوض المأخوذ في مقابلة العمل ومنه الأجر والثواب، لأنه في مقابلة الطاعة والعبادة. وقوله: "هؤلاء القوم". إشارة إلى قوم مخصوصين كان معهم أجيرًا. والنسك: العبادة، نسكت أنسك نسكًا.

стр. 1340

والمناسك: جمع منسك، وهو إما موضع العبادة أو العبادة نفسها. وقوله: "إلى أجر" يريد: هل لي ثواب على ما أفعله من أفعال الحج مع كوني أجيرًا لقوم آخرين، ولم يرد أنه أجير على أحد يحج عنه، وإنما هو أجير في الخدمة ومعاناة الأحمال، ولذلك قال له: نعم، ثم استدل بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١). ...

стр. 1341

الفصل الثالث في حج الصبي والمملوك أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب -مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قفل، فلما كان الروحاء لقي ركبًا فسلم عليهم، وقال: "من القوم"؟. فقالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "رسول الله" فرفعت إليه امرأة صبيًا لها من محفة، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم. ولك أجر". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مر بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ ، فأخذت بعضدي صبي كان معها، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم. ولك أجر". هذا حديث صحيح، أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والنسائي. أما مالك (١): فأخرجه عن إبراهيم بن عقبة، فأخرج الرواية الثانية، وقال: "فأخذت بضبعي صبي كان معها". هكذا رواه الربيع مرفوعًا، وقد رواه الزعفراني في القديم ولم يذكر ابن عباس. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن أبي عمر، عن ابن عيينة وذكر نحو الأولى. وفي أخرى: عن محمد بن العلاء، عن أبي أسامة، عن سفيان، عن محمد

стр. 1342

ابن عقبة، عن كريب نحو الثانية. وأما أبو داود (١): فأخرج الأولى عن أحمد بن حنبل، عن سفيان. وأما النسائي (٢): فأخرج الأولى عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن والحارث بن مسكين، عن سفيان. وأخرج الثانية (٣): عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن سفيان. قفل المسافر يقفل قفولاً: إذا رجع من سفره. والقافلة: الرفقة المسافرون إذا رجعوا طالبين بيوتهم، وإذا سافروا متوجهين قاله الأزهري، وأنكر على ابن قتيبة قوله: إن العامة تطلقه على الذاهبين، وقد تقدم فيما سبق شرح ذلك. والمراد بقوله: رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة. والروحاء: موضع بين مكة والمدينة وهو إلى المدينة أقرب. والركب: القوم المسافرون على الإبل هذا هو الأصل، وهم العشرة فما فوقها, ولا يقال: راكب إلا لمن كان على بعير خاصة، وإذا كان على فرس قلت: فارس، وإن كان على حمار، قلت: حمار، قالوا: ويقال: مر بنا فارس على حمار. والمسلمون: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: نحن المسلمون. ورسول الله ﷺ كذلك خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنا رسول الله. والقوم: لا يقع إلا على الرجال خاصة دون النساء، إلا أن يكون مع الرجال نساء فيدخلن في الإطلاق تغليبًا للذكر على الأنثى. والمحفة -بكسر الميم-: معروفة وهي مركب من مراكب النساء كالهودج،

стр. 1343

إلا أنها لا تقبب كما يقبب الهودج، هذا كان قديمًا فأما اليوم فإنها تقبب وتستر. والعضد: ما بين المرفق والكتف من اليد. والضبع -ساكن الباء-: العضد والجمع أضباع. والذي ذهب إليه الشافعي: أن حج الصبي يصح وإن لم يجب عليه، فإذا بلغ أعاد ولم يسقط عنه حجة الإِسلام بحجه الأول في حال الصبيّ، وعلى هذا أطبق العلماء، إلا من لا اعتبار بخلافه من بعض أهل العراق. وللصبي بحجه أجر, لأنه باشر عبادة صحت منه وأتى بأركانها وسننها، والذي حمله على الحج أجر لأنه حمل على فعل صالح. قال الشافعي (١): إن الله -جل ثناؤه- بفضل نعمته أثاب الناس على الأعمال أضعافها، ومنَّ على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم ووفر عليهم، فقال: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) فلما منَّ على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل، كان أن من عليهم بأن يكتب لهم عمل البر في الحج وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى, وقد جاءت الأحاديث في أطفال المسلمين، أنهم يدخلون الجنة والحجة فيه عن رسول الله ﷺ فذكر هذا الحديث. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر قال: قال ابن عباس: "أيها الناس، أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم، أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه، وإن أعتق قبل أن يموت فليحج، وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضى حجته، وإن بلغ فليحج".

стр. 1344

رواه مطرف عن أبي السفر بمعناه، إلا أنه قال: لم يذكر الموت، فقال: ما دام صغيرًا ما دام عبدًا. ورُوي عن أبي ظبيان، عن ابن عباس موقوفًا. قد تقدم في الحديث الذي قبله حكم حج الفريضة، كما سبق في حكم الصبي، والخلاف فيه مثله، إلا أن أبا حنيفة ينعقد عنده إحرام العبد دون الصبي والمراد بقوله: "فقد قضى حجه" صحة الحج منه ووقوعه معتدًا به مثابًا عليه. وقوله: "وإن أعتق قبل أن يموت فليحج، أو أدرك قبل أن يموت فليحج" بيان لوجوب الحج عليهما بعد العتق والبلوغ، وإن كانا قد حجا قبل العتق والبلوغ.

стр. 1345

الفصل الرابع في حج المرأة وسفرها أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن سعيد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع محرم". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك (١): فأخرجه عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة. وأما البخاري (٢): فأخرجه (٣) عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد. وأخرجه أيضًا (٤): عن القعنبي والنفيلي، عن مالك. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن الحسن بن علي الخلّال، عن بشر بن عمر عن مالك. وقد جاء في بعض روايات البخاري ومسلم "إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها". قوله: "تؤمن بالله" في موضع جر لأنه صفة لامرأة، تقديره: لامرأة مؤمنة بالله، وفيه تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم، فإنها تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر, لأن التعريض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي لها ذلك وقوله: "أن تسافر"

стр. 1346

في موضع رفع لأنه فاعل، محل التقدير: لا يحل لها السفر. والهاء في "مسيرة يوم" للمرة الواحدة من المسير، التقدير: أن تسافر مرة واحدة مخصوصة بيوم وليلة، فإن الأصل فيه سار يسير سيرًا ومسيرًا فهو سائر، فالمصدر بغيرها. ومثله قوله ﷺ : "نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر". ومحرم المرأة: من لا يجوز له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ ومن يجري مجراهم، تقول: هو ذو رحم محرم، هي ذات رحم محرم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة، ولا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي انطلقت حاجة، فقال: "انطلق فاحجج بامرأتك". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم. فأما البخاري (١): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان. وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد كلاهما عن عمرو بن دينار. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن سفيان. خلا يخلو خلوًا فهو خالٍ، وخلوت به خلوة وخلاء، وخلوت إليه إذا اجتمعت معه منفردًا. والباء في قوله: "بامرأة" للتسبب أي صار منفردًا بها وبسببها. وقول: "اكتتبت" أي كُتب اسمي في جملة من يغزو، ومنه قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٣) أي فُرِض.

стр. 1347

وقوله: "فاحجج بها" يريد أحجَّها، وهذا مثل قولك: أذهبته وذهبت به، فالباء للتسبب أيضًا أي: صِرْ حاجًّا بسببها، ويجوز أن تكون بمعنى "مع" والأول أولى. هذا الحديثان ذكرهما الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١) وذكر قبلهما حديثين مرفوعين:- أحدهما: عن أبي هريرة، والآخر: عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وقد ذكرناهما في كتاب الصلاة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المرأة لا تسافر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها، أو تكون مع نساء ثقات ولو امرأة واحدة ثقة. قال بعض أصحابه: إذا كان الطريق آمنا جاز الخروج لها. وقد اختاره القاضي أبو الطيب. وقال بعض الأصحاب: إن الكرابيسي حكى هذا عن الشافعي وبه قال الأوزاعي. وقال مالك: إذا كانت صحبة مأمونة جاز لها الخروج. وقال بعض [] (٢) أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز لها الخروج إلا بمحرم. وبه قال الحسن البصري وهو العمل بظاهر الحديث. قال الشافعي: قال الله -جل ثناؤه- ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). ورُوي عن النبي ﷺ "أن السبيل الزاد والراحلة" فإذا كانت المرأة ممن تجد مركبًا وزادًا وتطيق السفر للحج، فهي ممن يجب عليه فرض الحج فلا يحل أن تُمنع فريضة الحج، كما لا تُمنع فريضة الصلاة والصيام وغيرهما من الفرائض.

стр. 1348

قال: وأنا نهيت عن السفر فيما لا يلزم، واستدل على ذلك بخروجها في كل سفر يلزمها، مثل: خروجها إلى الحاكم فيما يلزمها من الحدود والحقوق؛ وخروجها في سفر التغريب إذا زنت وهي بكر. قال: وأنا آمر المرأة أن لا تخرج إلا مع محرم، فإن لم يكن لها محرم أو كان فامتنع من الخروج معها لم تُحبس على الخروج، فإن كانت طريقها ما حوله آمنة وكانت [مع] (١) نساء ثقات، أو امرأة واحدة ثقة خرجت فحجت، قال: وقد بلغنا عن عائشة، وابن عمر، وشيبة (٢) وعروة، مثل قولنا في أن تسافر المرأة للحج وإن لم يكن معها محرم قال: وبلغنا أن ابن عمر سافر بمولاة له ليس هو لها بمحرم ولا معها محرم. واستدل الشافعي ﵁ في جواز منعها عن سائر المساجد غير المسجد الحرام لغير الفريضة، بأن الأسفار إلى المساجد نافلة غير السفر للحج، وللزوج منعها عن النافلة. قال: ومنع عمر بن الخطاب أزواج النبي ﷺ الحج، لقول رسول الله ﷺ : "إنما هي هذه الحجة ثم ظهور الحصر". قال: ولما لم تختلف العامة أن ليس على المرأة شهود صلاة الجماعة كما هي على الرجال؛ وأن لوليها حبسها، كان هذا اختيارًا لا فرضًا على الولي أن يأذن، للمرأة في ذلك، وقد روت عمرة بنت عبد الرحمن أنها كانت عند عائشة ﵂ فأخبرت أن أبا سعيد الخدري يخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحل للمراة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم". فالتفتت إلينا عائشة فقالت: ما كلهن لها ذو محرم.

стр. 1349

الباب الثاني في المواقيت وفيه فصلان الفصل الأول في الميقات الزماني وفيه فرعان الفرع الأول: في ميقات الحج أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي أشهر الحج؟ فقال: نعم. كان يسمي شوال، ذو القعدة، وذو الحجة، قال: قلت لنافع: فإن أهلَّ إنسان بالحج قبلهن؟ قال: لم أسمع منه في ذلك شيئَّا. الأشهر: جمع قلة لشهر وأقل الجمع ثلاثة عند الأكثرين، وأشهر الحج إنما هي: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، وإنما جاز أن يقول فيه أشهر وهو شهران وبعض الثالث لأن العادة في العربية جارية أن يطلق بعض الشيء على كله كضرب من المجاز، تقول: ما رأيت زيدًا منذ ثلاثة أيام، ويكون بينك وبين رؤيته يومان وبعض الثالث، وهذا فاشٍ في العربية. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وبه قال أبو يوسف. وقال أصحاب أبي حنيفة: يوم النحر داخل فيها. وبه قال أحمد. وقال مالك: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة جميعه، تمسكًا بقوله: أشهر الحج.

стр. 1350

وإذا عدنا إلى الفرض المطلوب من قول الله ثناؤه- ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) إنما يريد الحج يقع في هذه الأشهر الثلاثة دون غيرها من الشهور، وحقيقة وقوع الحج إنما هو في ذي الحجة، ولكن لما كان إنشاء الحج في هذه الأشهر جائزًا، ومُنْشِئُ الحج والمتلبس به يسمى حاجًّا، سميت الأشهر أشهر الحج، إذا ثبت هذا فلا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل كانت عمرة ولا ينعقد إحرامه بالحج. وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والثوري: يكره أن يحرم قبل أشهر الحج فإن أحرم انعقد إحرامه. وقوله في هذا الحديث: كان يسمى شوال، وذو القعدة، وذو الحجة ولم يعمل فيها بشيء لأنه جاء به على طريق الحكاية أي هي شوال وذو القعدة وذو الحجة. والقَعدة: بفتح القاف، والحجة بكسر الحاء. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الرجل: أيُهِلُّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا. وقد روى الشافعي أيضًا عن جابر أنه قال: لا يُهِلّ أحد بالحج إلا في أشهر الحج. الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، وهو قسمان:- إهلال بالحج، وإهلال بالعمرة. والباء في قوله: "بالحج" التسبب والمباشرة معًا كأن الحج كان سبب إهلاله، وأن إهلاله ملتبس بالحج، والأصل فيه الإلصاق أي [ألصق] (٢) إهلاله بالحج.

стр. 1351

قال الشافعي: ولا يُهِلّ أحد بالحج في غير أشهر الحج، فإن فعل فحجه عمرة, لأن الله يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ (١). فذهب الشافعي إلى أن الله تعالى جعل للحج وقتًا، فإذا أهلّ به قبله كان كالمصلي قبل الوقت لا تكون صلاته مكتوبة وتكون نافلة, لأن ذلك الوقت وقت تصلح فيه النافلة، فكذلك كانت العمرة تصلح في كل وقت فجعل إحرامه ذلك عمرة. وقد روى مقسم عن ابن عباس أنه قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. ...

стр. 1352

الفرع الثاني في ميقات العمرة أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- قال: "في كل شهر عمرة". قال الشافعي في الجديد: إن العمرة واجبة. وبه قال ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأبو بردة، ومسروق، وعبد الله بن شداد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد. ورُوي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر. وقال في القديم: ليست واجبة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأبو ثور، والنخعي، ورُوي عن ابن مسعود. قال الشافعي: يجوز أن يُهِلّ الرجل بالعمرة في السنة كلها، يوم عرفة وأيام منى وغيرها من السنة إذا لم يكن حاجًّا, ولم يطمع بإدراك الحج. وهذا الحديث مسوق لبيان جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة واحدة، وأن تكرارها غير مكروه. وقال مالك: يكره للإنسان أن يعتمر في السنة أكثر من مرة واحدة، وإن اعتمر غيرها لزمته بدخوله فيها. وقال ابن سيرين والحسن البصري: لا يعتمر إلا مرة واحدة. وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الشهر لا يعتمر فيه إلا مرة واحدة, لأنه قال: "في كل شهر عمرة" والمذهب بخلافه. قال الربيع: سألت الشافعي عن العمرة في أشهر الحج فقال: حسنة استحسنها وهي أحب إلي منها بعد الحج لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ

стр. 1353

إِلَى الْحَجِّ﴾ (١) وأن رسول الله ﷺ أمر أصحابه من لم يكن معه هدي أن يجعل إحرامه عمرة، ثم قال: هذا الحديث هو ما. أخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر أنه قال: لأن أعتمر قبل الحج وأهدي، أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٢)، وقال في أوله: والله لأن أعتمر فجاء باسم الله. واللام التي في "لأن" هي جواب القسم المحذوف، وهي تقتضي وجوده وتستدعيه فسواء حذف القسم أو أظهر فإنه مراد. والهمزة التي بعدها مفتوحة، وهي "أن" الناصبة للفعل، وهي والفعل بمعنى المصدر، تقديره: والله لاعتماري قبل الحج والهدي أحب إلى من اعتماري بعده. في ذي الحجة: يريد: في باقي ذي الحجة بعد العيد ولا اعتماد بالزيادة، تقول: اعتمرت فلانًا إذا زادته، واعتمرته، إذا حملته على العمرة. والهدي: معروف، تقول: أهديت إلى البيت هديًا، وهديًا مخففًا ومثقلاً إذا سقت إليه إبلاً أو بقرًا أو غنمًا. وإنما جعل عمرته في أشهر الحج والهدي أحب إليه, لأن عمرته بوقوعها في أشهر الحج تكون أكثر ثوابًا، وإذا انقضى زمن الحج واعتمر كان أقل ثوابًا لفضيلة أشهر الحج على غيرها. وقال الربيع: فقلت للشافعي: فأكره (٣) العمرة قبل الحج. قال الشافعي: فقد كرهتم ما رويتم عن ابن عمر أنه أحبه منها، وما رويتم

стр. 1354

عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من جمع الحج والعمرة، ومنا من أهلّ بحج" فَلِمَ كرهتم ما رُوي أنه فُعِل مع رسول الله ﷺ ؟ وما ابن عمر استحسنه، وما أذن الله فيه من التمتع! إن هذا لسوء الاختيار. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب "أن عائشة اعتمرت في سنة مرتين مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن صدقة بن يسار، عن القاسم بن محمد "أن عائشة -زوج النبي ﷺ اعتمرت في سنة مرتين، قال صدقة: فقلت: هل عاب ذلك عليها أحد؟ قال: سبحان الله! أم المؤمنين. فاستحييت". وبهذا الإسناد "أن عائشة اعتمرت في سنة مرتين- أو قال مرارًا- قال: قلت: أعاب ذلك عليها أحد"؟ وذكره. وقد روي هذا الحديث عن سفيان وفيه: ثلاث مرات، وفي هذا الحديث من الدلالة على جواز الاعتمار في كل شهر ما هو أوضح من حديث علي, لأن ذلك قال: في كل شهر مرة، وهذا أخبر أنها اعتمرت في سنة مرتين أو مرارًا. وقوله: "سبحان الله أم المؤمنين" تقديره: هي أم المؤمنين أي أنها بمكانة من الفقه والعلم، وأن فعلها مقتدى به حجة لمن يأتم بها، فكيف يعاب عليها، ولذلك قال: "فاستحييت" يعني من قوله: هل عاب ذلك عليها أحد. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع قال: "اعتمر عبد الله بن عمر أعوامًا في عهد ابن الزبير، عمرتين في كل عام". وهذا الحديث أيضًا مؤكِّد لما سبق، وفيه زيادة بيان بقوله: "أعوامًا" فإن تكرار العمرة في أعوام عدة دليل على جوازها، بخلاف حديث عائشة فإنها

стр. 1355

اعتمرت في سنة مرتين، فإن ذلك ربما كان لسبب إذ الحكم الواحد الواقع مرة واحدة -وإن كان دالًا على- جوازه فإن وقوعه في أعوام مكررًا أدل وأوضح. وقوله: "في عهد ابن الزبير" يريد أيام خلافة عبد الله بن الزبير في زمان عبد الملك بن مروان. وقد أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي حسين، عن بعض ولد أنس بن مالك بمكة: فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. حمم رأس الإنسان: إذا اسود بعد الحلق بطلوع الشعر، أي صار كالحممة وهي الفحمة، المراد بذلك: أنه إنما كان يعتمر إذا طلع شعره حتى إذا اعتمر أمكنه أن يحلق أو يقصر، فأما إذا كان قد حلق شعره ثم اعتمر عقيبه فاته الحلق أو التقصير اللذان هما من شعائر العمرة, لأن العمرة تتم بالطواف والسعي والحلق أو التقصير.

стр. 1356

الفصل الثاني في الميقات المكاني وفيه فرعان الفرع الأول في ميقات الحج أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهلّ أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن" قال: ويزعمون أن رسول الله ﷺ : "ويهل أهل اليمن من يلملم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: "أُمِرَ أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن". قال ابن عمر: أما هؤلاء الثلاث فسمعتهن من رسول الله ﷺ ، وأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: "ويُهِلّ أهل اليمن من يلملم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: "قام رجل من أهل المدينة بالمدينة في المسجد فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نُهِلّ؟ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن". قال لي نافع: ويزعمون أن النبي ﷺ قال: "يهل أهل اليمن من يلملم". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.

стр. 1357

أما مالك (١): فأخرج الرواية الأولى عن نافع، عن ابن عمر. والثانية بإسنادها. وأما البخاري (٢): فأخرج الرواية الأولى عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع. وعن علي، عن سفيان وأخرج الثالثة أيضًا. وأما مسلم (٣): فأخرج الأولى عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع. وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم. وأخرج الثالثة: عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار. وأما أبو داود (٤): فأخرج الأولى عن القعنبي وأحمد بن يونس، عن مالك، عن نافع. وأما الترمذي (٥): فأخرج الثالثة عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع. وأما النسائي (٦): فأخرج الأولى عن قتيبة، عن الليث، عن نافع. الإهلال: قد ذكرناه وهو رفع الصوت بالتلبية، تقول: أَهَلّ يُهِلّ إهلالا، والموضع مُهَلّ -بضم الميم وفتح الهاء- وهذه الأماكن التي عينها هي مواقيت أهل كل قطر من الأقطار المذكورة، فذو الحليفة: على فرسخين أو دونهما من المدينة، والجحفة: على خمسين فرسخًا من مكة، وهي إليها أقرب من ذي الحليفة، وهي أيضًا ميقات لمن يجيء من المدينة إلى مكة عليها إذا لم يجتز

стр. 1358

بذي الحليفة، فإن ذا الحليفة ميقات لمن مرّ عليها. وعند الشافعي: أن من مر على ميقاته ولم يحرم منه وأحرم من غيره عليه؛ دم، كمن مرّ بذي الحليفة ولم يحرم منها وأحرم من الجحفة. ويلملم: على مرحلتين من مكة. وقرن: على مرحلتين من مكة. وذات عرق: على مرحلتين أيضًا. وقرن -بسكون الراء-: وهو قرن المنازل، وكثيرًا ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها وليس بصحيح، فقد جاء في شعر ابن أبي ربيعة ساكن الراء. ويقال: يلملم وألملم يُبْدلون من الياء همزة. والمراد من ذكر هذه المواقيت: أن من أراد إنشاء الحج فليبدأ به من هذه الأماكن، فينوي الحج ويحرم ويلبي، وهي أيضًا مواقيت لمن أراد أن يعتمر ولا فرق بين الحج والعمرة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المُهلّ فقال: سمعته، ثم انتهى -أراه يريد النبي ﷺ : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر من الجحفة وأهل المغرب، ويهل أهل العراق من ذات عرق، ويهل أهل نجد من قرن، ويهل أهل اليمن من يلملم. هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١): عن محمد بن حاتم وعبد بن حميد، عن محمد بن بكر (٢)، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت -أحسبه رفع إلى

стр. 1359

النبي ﷺ فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة وذكر الحديث، ولم يذكر أهل المغرب. وفي أخرى عن إسحاق بن إبراهيم، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج وذكر تمام إسناد الرواية إلى قوله: يريد النبي ﷺ . ولم يذكر لفظ الحديث. قوله: "فقال: سمعته" من كلام أبي الزبير، والهاء في "سمعته" راجعة إلى جابر. وقوله: "ثم انتهى" من كلام ابن جريج يريد أن أبا الزبير انتهى في الإسناد إلى النبي ﷺ . وكذلك قوله: "أراه يريد النبي ﷺ " والهاء عائدة إلى جابر، والقول لأبي الزبير، ويوضح ذلك ما جاء في رواية مسلم فإنه قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل، فقال: -يعني أبا الزبير- سمعت -أحسبه يعني جابرًا- رفع إلى النبي ﷺ . وقوله في رواية الشافعي: "وأهل المغرب" معطوف على أهل المدينة، التقدير يهل أهل المدينة وأهل المغرب إذا مروا في الطريق الآخر من الجحفة. وهذه المواقيت منصوصة من قِبَل النبي ﷺ ، وأما ذات عرق فقد اختلف فيه هل هو منصوص أو لا؟: فالذي ذهب إليه الشافعي: أنه غير منصوص. وقال جماعة من أصحابه: هو منصوص. هكذا حكاه ابن الصباغ وأبو إسحاق في الشامل والمهذب. وقال إمام الحرمين: الذي صحّ عن النبي ﷺ في المواقيت: هو ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم، ولم يصحَّ عنه توصيف ميقات لأهل المشرق، حسب صحة سائر الموقيت. قال: وما يُروى في ذلك فليس بمعوّل عليه، وإنما التعويل على أن عمر بن الخطاب وقّته لأهل المشرق بالاجتهاد.

стр. 1360

وهذه الأقوال فيها نظر: فإن الشافعي قد روى في هذا الحديث "أن رسول الله ﷺ وقّت ذات عرق لأهل العراق"، والحديث قد أخرجه مسلم في صحيحه، ثم الشافعي قد ذكر بعد هذا الحديث حديثين عن عطاء يتضمن ذلك، ثم قد روى فيه أحاديث، عن عائشة وابن عباس، والحارث بن عمرو السهمي، وأخرج هذه الأحاديث أبو داود في "السنن"، وفي حديث ابن عباس أنه وقت لأهل المشرق العقيق، والعقيق أبعد من ذات عرق (١). أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، أخبرني ابن جريج، أخبرني عطاء: "أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل المغرب الجحفة، ولأهل المشرق ذات عرق، ولأهل نجد قرن، ومن سلك نجدًا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم وسعيد [عن] (٢) ابن جريج فراجعت عطاء فقلت: إن النبي ﷺ وعمر لم يوقّت ذات عرق، ولم يكن أهل المشرق حينئذ، قال: كذلك سمعنا أنه وقّت ذات عرق -أو العقيق- لأهل المشرق، قال: ولم يكن يومئذ عراق ولكن لأهل المشرق، ولم يَعْزُه لأحد من الصحابة دون النبي ﷺ ، ولكنه يأبى إلا أن النبي ﷺ وقّته. هذا الحديث، وإن كان مرسلاً، إلا أنه واضحٌ في البيان عن توقيت ذات

стр. 1361

عرق لأهل المشرق، لأن ابن جريج راجع فيه عطاء وناظره عليه، وأن عطاء لما راجعه ابن جريج لم يرجع عن توقيت النبي ﷺ ذات عرق لأهل المشرق. وهو إن كان لم يَعْزُه إلى أحد من الصحابة دون النبي ﷺ ؛ أي أنه لم يسنده، وأنه مع ذلك لم يرجع عن صحة توقيت النبي ﷺ إياه، فهذا مما يوضح صحته. وقوله: "ومن سلك نجدًا من أهل اليمن" يريد أن من اجتاز على الميقات وجب عليه أن يحرم منه، سواء كان من أهل القطر أو غيره وقد تقدم ذلك. وأما قول ابن جريج: "أنه لم يكن يومئذ أهل مشرق ولا عراق" صحيح، ولكن إنما وقته رسول الله ﷺ ، لعلمه أن الإِسلام يفشوا ويكثر حتى يصل إلى العراق ويصير له أهل مشرق فبين الحكم في المستقبل قال صاحب الشامل: إذا ثبت ذلك عن النبي ﷺ كان أولى بالتقديم، وإليه ذهب أحمد وأصحاب أبي حنيفة. ولأجل قول عطاء: "وقت ذات عرق أو العقيق" استحب الشافعي أن يحرم العراقي وأهل المشرق من العقيق، لأنه أبعد عن مكة من ذات عرق فيكون أحوط في العبادة، وكان مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق. وعزوت الحديث أعزوه إلى فلان: إذا نسبته إليه ورويته عنه، وكذلك عزيته أعزيه لغة فيه. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: "لم يوقت رسول الله ﷺ ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل مشرق، فوقت الناس ذات عرق". قال الشافعي: ولا أحسبه إلا كما قال طاوس. والله أعلم. هذا الأثر ذكره الشافعي في إنكار توقيت ذات عرق بنص النبي ﷺ ، ثم

стр. 1362

قال: ولا أحسبه إلا كما قال طاوس، لأن تلك الأحاديث التي رواها عن جابر وعطاء، لم تثبت عنده ثبوتًا يركن إليه حتى يعول عليها. ومعنى "وقت" أي جعله له ميقاتًا وهو فعال من الوقت. ثم قال الشافعي: وأخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء أنه قال: "لم يوقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئًا، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق". فذكر هذا الأثر أيضًا من حديث أبي الشعثاء جابر بن زيد مسندًا كما ذكره طاوس. ومعنى قوله في الحديثين: "فوقت الناس ذات عرق، واتخذ الناس بحيال قرن" هو إشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح، الذي أخرجه البخاري (١) عن ابن عمر قال: "لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا، فإنا إن أردنا أن نأتي قرنا شق علينا، قال: فانظروا [حذوها] (٢) من طريقكم. فحد لهم ذات عرق. لأجل هذا الحديث الصحيح قال الشافعي: ولا أحسبه إلا كما قال طاوس، ومال إلى أن ذات عرق ثابت بالاجتهاد. وحيال الشيء: ما يحاذيه. والمصران: هما الكوفة والبصرة. وقد أخرج الشافعي: عن الثقة، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن عمر بن الخطاب وقت ذات عرق لأهل الشرق. قال الشافعي: وهذا عن عمر مرسل، وذات عرق شبيه بعرق في القرب وألملم، فإن أحرم أهل المشرق رجوت أن يجزئهم قياسًا على قرن وألملم، ولو

стр. 1363

أهلوا من العقيق كان أحب إلي. وأخرج أيضًا عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري قال: رأى سعيد بن جبير رجلاً يريد أن يحرم من ذات عرق، فأخذه بيده حتى خرج من البيوت وقطع به الوادي وأتى به المقابر، ثم قال: هذه ذات عرق الأولى. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذات الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا, ولأهل اليمن يلملم، ثم قال رسول الله ﷺ : "هذه المواقيت لأهلها, ولكل آت أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان أهله من دون ذلك الميقات فليهل من حيث ينشئ حتى يأتي ذلك على أهل مكة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في المواقيت مثل معنى حديث سفيان في المواقيت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم، عن القاسم بن معن، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا، ومن كان دون ذلك فمن حيث يبدأ". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس. وذكر الحديث إلى قوله: ويلملم، ثم قال: "هن لهم ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة يهلون". وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، عن

стр. 1364

وهيب مثل البخاري. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس. وعن ابن طاوس، عن أبيه. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن الربيع بن سليمان المرادي، عن يحيى بن حسان، عن وهيب وحماد بن زيد، عن ابن طاوس. فقه هذا الحديث: أن المواقيت المضروبة هي لمن يجتاز بها من أهل أقطارها ومن غير أهل أقطارها. قال: ضابطه هو المرور عليها، فكل من مر بها وهو يريد الحج والعمرة، فإنه يجب عليه أن يحرم منها كالشامي إذا مر بذي الحليفة، واليمني إذا مر بالجحفة، والمدني إذا مر بقرن، فإن ميقاته الميقات الذي يجتاز به لا ميقات بلده. وقوله: "ومن كان أهله دون ذلك فليهل من حيث ينتهي" معناه أن من كان مسكنه دون الميقات، فميقاته موضعه الساكن فيه، فيجوز له الإحرام من آخر حد مسكنه الذي يلي الحرم، والمستحب أن يحرم من حده الذي هو من مكة أبعد ليقطعه بإحرام، وكذلك أهل مكة يحرمون منها إذا أرادوا الحج دون العمرة، فأما العمرة فإنما يحرمون بها من أدنى الحل. وقوله: "ممن كان يريد الحج والعمرة" وفيه دليل على أن من أراد الدخول إلى مكة لغير حج ولا عمرة لا يجب عليه الإحرام، فإن تجاوز الميقات وتجدت له نية الحج أو العمرة، فإنه يحرم من حيث تجددت نيته ولا يرجع إلى الميقات ولا شيء عليه، كما يجب على من نوى الحج أو العمرة من بيته ثم اجتاز الميقات ولم يحرم أحرم بعده، فإنه يجب عليه دم.

стр. 1365

وقال أحمد، وإسحاق، والأوزاعي: أن عليه دمًا إن لم يرجع إلى الميقات. ولفظ الحديث "أن لا دم عليه". وقد أخرج الشافعي آثارًا عن طاوس وعطاء تعضد ما ذهب إليه. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه أهل من الفُرَع". قال الشافعي: وهذا عندنا -والله أعلم- أنه مر بميقاته ولم يرد حجًّا ولا عمرة، ثم بدا له من الفُرع وأهل منه، أو جاء الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له الإهلال، فأهل منها ولم يرجع إلى ذي الحليفة، وهو روى الحديث عن النبي ﷺ في المواقيت والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. قد ذكرنا حكم من يريد الحج أو العمرة واجتاز بالمواقيت ولم يحرم وما يجب عليه، وأنه إن اجتاز بها ولم يحرم وجب عليه دم. وتفصيل القول في ذلك: أنه إن لم يحرم من الميقات فليرجع إليه ويحرم منه، وهذا الرجوع واجب عليه أم لا؟ فيه تفصيل: وذلك أنه كان يخاف فوت الحج أو به مرض شاق، جاز له أن يحرم من مكانه ويجب عليه الدم، وإن لم يكن له عذر وجب عليه الرجوع، فإذا لم يرجع أثم بذلك ووجب الدم. وقد استدل الشافعي على وجوب الدم بما رواه عن مالك، عن أيوب بن أبي [تميمة] (١) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "من نسي من نسكه شيئًا أو تركه، فليهرق دمًا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء: أن رسول الله ﷺ لما وقَّت المواقيت قال: "ليستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا -للمواقيت-".

стр. 1366

الاستمتاع: الانتفاع، تمتع واستمتع والاسم المتعة، ومنه متعة الطلاق والنكاح والحج لأنه انتفاع. والمعنى: أن النبي ﷺ لما حد المواقيت أذن لهم أن ينتفعوا بأهلهم وثيابهم نكاحًا ولباسًا، إلى أن يصلوا إلى المواقيت ثم يمتنعوا من النكاح ولبس الثياب. قال الشافعي: وأستحب أن لا يتجرد الرجل حتى يأتي ميقاته، مع أنه إذا كان يحتاج إلى الثياب كرهت له إذا كان واجدًا لها أن يدع لبسها، لأنه لا يرى التجرد حتى يصير إلى الإحرام. قال: ولا بأس أن يهل الرجل من بيته قبل أن يأتي الميقات، ثم ذكر حديث ابن عمر وهو ما يذكر الآن. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه أهل من بيت المقدس". هذا الحديث أخرجه مالك (١). يقال: البيت المقدس، وبيت المقدس بالتشديد فيهما، وبيت المقدس بالتخفيف. قال الشافعي: اجتمع رأي عمر وعلي على أن أتم العمرة أن يحرم الرجل من دويرة أهله، وقطع بعد ذلك في الإملاء بأن أفضل ذلك أن ينشئ من أهله، لأن ذلك أزيد في الإحرام. قال الربيع: سألت الشافعي عن الإهلال من وراء الميقات؟ فقال: حسن، فقلت: ما الحجة فيه؟ قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه أهل من إيلياء" قال: وإذا كان ابن عمر روى عن النبي ﷺ "أنه لما وقت المواقيت قال: يستمتع الرجل من أهله وثيابه حتى يأتي ميقاته، يدل على أنه لم يحظر أن يحرم من ورائه، ولكنه أمر أن لا يجاوز حاج ولا معتمر إلا بإحرام. قال فقلت

стр. 1367

للشافعي: وإنا نكره أن يهل أحد من وراء الميقات، قال الشافعي: فكيف كرهتم ما اختار ابن عمر لنفسه، وقاله مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ لرجل من أهل العراق إتمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك. وأخرج عن وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي في هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) قال: أن يحرم الرجل من دويرة أهله. قال الشافعي: وهم يقولون: أحب إلينا أن يحرم من الميقات. وأخرج الشافعي: عن سفيان، عن عمرو بن دينار -قال: عمرو لم يسم القائل إلا أنا نراه عن ابن عباس-: الرجل يهل من أهله ومن بعد ما يجاوز إن شاء ولا يجاوز الميقات إلا محرمًا. ...

стр. 1368

الفرع الثاني في العمرة من التنعيم والجعرانة أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت عمرو بن أوس يقول: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر: "أن النبي ﷺ أمره أن يردف عائشة فيعمرها من التنعيم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان أنه سمع عمرو (١) بن دينار يقول: أخبرني ابن أوس الثقفي قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكر يقول: أمرني رسول الله ﷺ أن أعمر عائشة، فأعمرتها من التنعيم، قال هو -أو غيره- في الحديث: ليلة الحصبة. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. أما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عبد الأعلى بن حماد، عن داود بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها. وذكر نحوه أطول منه. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن يحيى بن موسى، وابن أبي عمر، عن سفيان. أردفت الراكب: إذا أركبته على الدابة التي أنت راكبها وراءك. والتنعيم: موضع بأراضي مكة وهو مما يلي الركن العراقي هو أقرب الحل إلى

стр. 1369

مكة، فإذا خرج الإنسان من مكة إليه يكون قد خرج من الحرم. وليلة الحصبة: هي ليلة الخروج إلى الأبطح من مكة، والحصبة: موضع فيه الحصباء. قال الشافعي: إذا اعتمر قبل الحج ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة لا من الميقات. قال: والذي أختار أن يهل إذا توجه إلى منى، لأن جابرًا روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا توجهتم إلى منى رائحين فأهلوا". قال: وإن أفرد الحج فأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أهل من أين شاء. قال الشافعي: وقد كانت عائشة ﵂ ممن حل بعمرة، فعائشة قد اعتمرت في تسع ليال من ذي الحجة مرتين، لأنها دخلت يوم رابع ذي الحجة؛ واعتمرت ليلة الحصباء ليلة أربع عشرة من ذي الحجة بأمر رسول الله ﷺ . وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، عن محرش الكعبي "أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلاً فاعتمر وأصبح بها كبائت". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال ابن جريج: هو محرش. قال الشافعي: أصاب ابن جريج لأن ولده عندنا: بنو محرش. هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد [عن] (٢) بن مزاحم، عن أبيه بالإسناد قال: دخل النبي ﷺ الجعرانة، فجاء إلى المسجد فركع ما شاء الله -

стр. 1370

عز وجل- ثم أحرم، ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سَرف حتى لقي طريق مكة فأصبح بمكة. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن مزاحم بالإسناد أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة ليلاً معتمرًا، فدخل مكة ليلاً فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولا نعرف لمحرش الكعبي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن هناد بن السري، عن سفيان يإسناد الشافعي ولفظه، وزاد فيه بعد قوله: ليلاً كأنه سبيكة فضة. وفي أخرى: عن عمران بن يزيد، عن شعيب، عن ابن جريج. وذكر نحو الترمذي. الجعرانة: موضع قريب من مكة وتخفف راؤه وتشدد، وهو خارج من الحرم وأبعد عنه من التنعيم. والبائت بالمكان: الذي ينقضي الليل عليه وهو فيه سواء كان نائمًا أو يقظان، يريد أن النبي ﷺ لما قفل من غزوة حنين كان بالجعرانة فأحرم منها بعمرة في الليل، ومضى إلى مكة فطاف وسعى وقضى عمرته ثم عاد إلى الجعرانة، فكان بها في الليل وأصبح فيها كمن كان بائتًا بها، وقد أوضح الترمذي هذا في روايته مصرحًا به. وأما رواية أبي داود ففي لفظها تناقض لأنه قال: "فأصبح بمكة كبائت" وإنما ينبغي أن يكون فأصبح بالجعرانة كبائت، وقد رأيته في هذه نسخ كذلك ولعله
следующие страницы →