الاستمتاع: الانتفاع، تمتع واستمتع والاسم المتعة، ومنه متعة الطلاق والنكاح والحج لأنه انتفاع.
والمعنى: أن النبي ﷺ لما حد المواقيت أذن لهم أن ينتفعوا بأهلهم وثيابهم نكاحًا ولباسًا، إلى أن يصلوا إلى المواقيت ثم يمتنعوا من النكاح ولبس الثياب.
قال الشافعي: وأستحب أن لا يتجرد الرجل حتى يأتي ميقاته، مع أنه إذا كان يحتاج إلى الثياب كرهت له إذا كان واجدًا لها أن يدع لبسها، لأنه لا يرى التجرد حتى يصير إلى الإحرام.
قال: ولا بأس أن يهل الرجل من بيته قبل أن يأتي الميقات، ثم ذكر حديث ابن عمر وهو ما يذكر الآن.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه أهل من بيت المقدس".
هذا الحديث أخرجه مالك (١).
يقال: البيت المقدس، وبيت المقدس بالتشديد فيهما، وبيت المقدس بالتخفيف.
قال الشافعي: اجتمع رأي عمر وعلي على أن أتم العمرة أن يحرم الرجل من دويرة أهله، وقطع بعد ذلك في الإملاء بأن أفضل ذلك أن ينشئ من أهله، لأن ذلك أزيد في الإحرام.
قال الربيع: سألت الشافعي عن الإهلال من وراء الميقات؟ فقال: حسن، فقلت: ما الحجة فيه؟ قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه أهل من إيلياء" قال: وإذا كان ابن عمر روى عن النبي ﷺ "أنه لما وقت المواقيت قال: يستمتع الرجل من أهله وثيابه حتى يأتي ميقاته، يدل على أنه لم يحظر أن يحرم من ورائه، ولكنه أمر أن لا يجاوز حاج ولا معتمر إلا بإحرام. قال فقلت
стр. 1367
للشافعي: وإنا نكره أن يهل أحد من وراء الميقات، قال الشافعي: فكيف كرهتم ما اختار ابن عمر لنفسه، وقاله مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ لرجل من أهل العراق إتمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك.
وأخرج عن وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي في هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) قال: أن يحرم الرجل من دويرة أهله.
قال الشافعي: وهم يقولون: أحب إلينا أن يحرم من الميقات.
وأخرج الشافعي: عن سفيان، عن عمرو بن دينار -قال: عمرو لم يسم القائل إلا أنا نراه عن ابن عباس-: الرجل يهل من أهله ومن بعد ما يجاوز إن شاء ولا يجاوز الميقات إلا محرمًا.
...
стр. 1368
الفرع الثاني
في العمرة من التنعيم والجعرانة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت عمرو بن أوس يقول: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر: "أن النبي ﷺ أمره أن يردف عائشة فيعمرها من التنعيم".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان أنه سمع عمرو (١) بن دينار يقول: أخبرني ابن أوس الثقفي قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكر يقول: أمرني رسول الله ﷺ أن أعمر عائشة، فأعمرتها من التنعيم، قال هو -أو غيره- في الحديث: ليلة الحصبة.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
أما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عبد الأعلى بن حماد، عن داود بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها. وذكر نحوه أطول منه.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن يحيى بن موسى، وابن أبي عمر، عن سفيان.
أردفت الراكب: إذا أركبته على الدابة التي أنت راكبها وراءك.
والتنعيم: موضع بأراضي مكة وهو مما يلي الركن العراقي هو أقرب الحل إلى
стр. 1369
مكة، فإذا خرج الإنسان من مكة إليه يكون قد خرج من الحرم.
وليلة الحصبة: هي ليلة الخروج إلى الأبطح من مكة، والحصبة: موضع فيه الحصباء.
قال الشافعي: إذا اعتمر قبل الحج ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة لا من الميقات.
قال: والذي أختار أن يهل إذا توجه إلى منى، لأن جابرًا روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا توجهتم إلى منى رائحين فأهلوا".
قال: وإن أفرد الحج فأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أهل من أين شاء.
قال الشافعي: وقد كانت عائشة ﵂ ممن حل بعمرة، فعائشة قد اعتمرت في تسع ليال من ذي الحجة مرتين، لأنها دخلت يوم رابع ذي الحجة؛ واعتمرت ليلة الحصباء ليلة أربع عشرة من ذي الحجة بأمر رسول الله ﷺ .
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، عن محرش الكعبي "أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلاً فاعتمر وأصبح بها كبائت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال ابن جريج: هو محرش.
قال الشافعي: أصاب ابن جريج لأن ولده عندنا: بنو محرش.
هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
أما أبو داود (١): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد [عن] (٢) بن مزاحم، عن أبيه بالإسناد قال: دخل النبي ﷺ الجعرانة، فجاء إلى المسجد فركع ما شاء الله -
стр. 1370
عز وجل- ثم أحرم، ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سَرف حتى لقي طريق مكة فأصبح بمكة.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن مزاحم بالإسناد أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة ليلاً معتمرًا، فدخل مكة ليلاً فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولا نعرف لمحرش الكعبي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن هناد بن السري، عن سفيان يإسناد الشافعي ولفظه، وزاد فيه بعد قوله: ليلاً كأنه سبيكة فضة.
وفي أخرى: عن عمران بن يزيد، عن شعيب، عن ابن جريج. وذكر نحو الترمذي.
الجعرانة: موضع قريب من مكة وتخفف راؤه وتشدد، وهو خارج من الحرم وأبعد عنه من التنعيم.
والبائت بالمكان: الذي ينقضي الليل عليه وهو فيه سواء كان نائمًا أو يقظان، يريد أن النبي ﷺ لما قفل من غزوة حنين كان بالجعرانة فأحرم منها بعمرة في الليل، ومضى إلى مكة فطاف وسعى وقضى عمرته ثم عاد إلى الجعرانة، فكان بها في الليل وأصبح فيها كمن كان بائتًا بها، وقد أوضح الترمذي هذا في روايته مصرحًا به.
وأما رواية أبي داود ففي لفظها تناقض لأنه قال: "فأصبح بمكة كبائت" وإنما ينبغي أن يكون فأصبح بالجعرانة كبائت، وقد رأيته في هذه نسخ كذلك ولعله
стр. 1371
سهو من الكاتب الأول، لأنه لا خلاف أن النبي ﷺ لما اعتمر من الجعرانة كان ليلاً وأنه عاد في الليل إلى الجعرانة، فكيف يقول: فأصبح بمكة كبائت. والله أعلم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن أفضل الاعتمار من الجعرانة لأن النبي ﷺ اعتمر فيها، فإن لم يقدر فمن التنعيم لأن النبي ﷺ أعمر عائشة منها، فإن لم يقدر فمن الحديبية لأن النبي ﷺ صلى بها، ولأنه أراد أن يدخل إلى مكة في عمرته سنة الحديبية منها.
قال الشافعي: وإذا تنحى عن هذين الموضعن -يريد الجعرانة والتنعيم- فأين (١) أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلي، وكان ابن عباس يستحب للمعتمر أن يجعل بينه وبين الحرم بطن واد، فإن أخطأه ذلك اعتمر من الحديبية.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
...
стр. 1372
الباب الثالث
في الإحرام والتلبية
وفيه فصلان:
الفصل الأول في الإحرام وأحكامه وفيه أربعة فروع
الفرع الأول في ما يحل للمحرم وما يحرم عليه
وفيه أحد عشر نوعًا: النوع الأول اللباس
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فسأله ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال له: "لا يلبس القميص ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا الحفين إلا لمن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القمص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس، قال: فمن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
стр. 1373
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرجه عن نافع وذكر الرواية الثانية ولم يذكر العمائم، وزاد فيه: "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس".
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بلفظه وذكر العمائم.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد وزهير بن حرب كلهم عن ابن عيينة بإسناد الرواية الأولى، وزاد قبل ذكر الخفين: "ولا ثوب مسه ورس ولا زعفران".
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن حنبل ومسدد، عن سفيان قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ ما يترك المحرم من الثياب". وذكر الحديث وزاد زيادة مسلم.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر وذكر لفظ مالك وفيه العمائم، وزاد "لا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين".
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بلفظ الشافعي وزاد: الورس والزعفران.
والبرانس: جمع برنس وهو قلنسوة طويلة كان يلبسها النساك في صدر الإِسلام.
стр. 1374
والورس: نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه ويصبغ به الثياب.
والإحرام: مصدر أحرم يحرم إحرامًا فهو محرم وامرأة محرمة، ورجل حرام وامرأة حرام؛ إذا تلبَّس بأعمال الحج أو العمرة من الإهلال، والتلبية، وخلع المخيط، واجتناب الأشياء التي من الشرع منها: كالطيب والنكاح والصيد، والأصل فيه المنع فكأن المحرم ممتنع من هذه الأشياء.
والقُفَّاز -بضم القاف وتشديد الفاء-: شيء يعمل لليدين يحشى بقطن ويعمل له أزرار يزر بها على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها ويغطى به الكفان والأصابع.
وقيل: هو ضرب من الحلي. والأول أوجه.
وقوله: ما يلبس المحرم؟ سؤال عما يجوز له لبسه.
وقوله في الجواب: "ولا يلبس كذا وكذا" جواب عما لا يلبسه وإنما عدل ﷺ -والله أعلم- إلى ذكر ما لا يلبسه فإنما سأله عما يلبسه المحرم، كان محتاج لو أجابه عما يلبسه أن يأتي على جميع أنواع اللباس الجائز لبسه وفي ذلك مشقة، فأجابه بما لا يجوز له لبسه لقلته وبينها للسائل على أنه نزل السؤال عما يحتاج إليه من أقرب طرقه، وسلك أبعد الطريقين في حصول غرضه، وذلك أن المحرم إنما هو محتاج إلى أن يسأل عما يجتنبه، عما كان له مباحًا لأن الأصل بقاء الشيء على إباحته، فلما حدث سبب يوجب تغيرًا احتاج أن يسأل عما يقتضي ذلك الحادث من التغير، وحيث لم يسأل عما هو محتاج إلى معرفته، أجابه النبي ﷺ بجواب ما كان ينبغي له أن يسأل عنه.
والذي جاء في رواية أبي داود وجاء على القياس، فإنه قال: يا رسول الله ﷺ ، ما يترك المحرم من الثياب؟، فطابق الجواب السؤال.
وقال في الرواية الأولى: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل" فذكرها بلفظ الواحد وذلك مطابق لقوله: ما يلبس المحرم؟ حيث
стр. 1375
كان السؤال عن الواحد أجاب بالواحد، ودخل في هذا الواحد الجميع لوقوع لفظ المحرم على كل محرم.
وقال في الرواية الثانية: "لا يلبس القمص ولا السراويلات، ولا العمائم ولا البرانس" فجاء بلفظ الجمع لأنه لما سأله عن المحرم وهو عبارة عن الواحد، أجابه بما يلزم كل محرم اجتنابه لئلا يتوهم متوهم أن هذا حكم يخص محرمًا بعينه، فأزال هذا الوهم بقوله: "لا تلبسوا" ثم لما قال: لا تلبسوا، قال: "القمص والعمائم والسراويلات" فجمع الملابس كما جمع اللابسين.
وقوله في الرواية الأولى: "ولا يلبس الخفين إلا لمن لم يجد نعلين" فاستثنى عامًّا من خاص، وكان ينبغي أن يعكس القضية وذلك أن قوله: "لا يلبس المحرم خفين" مستثنى منه وهو خاص، وقوله: "إلا لمن لم يجد نعلين" استثناء عام، والقياس أن يقول: إلا أن لا يجد نعلين، وإنما جوّز ذلك أن لفظة المحرم تقع -كما قلنا- على كل محرم لدلالته على الجنسية، كما تقول: لا يأكل المريض سمكًا، إلا من لم يجد غيره، وكان القياس: إلا أن لا يجد غيره، وإنما جاز ذلك لوقوع لفظ المريض على كل مريض، أي لا يأكل من يقع عليه اسم المرض سمكًا إلا من لم يجد غيره.
والذي جاء في الرواية الثانية ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.
وقال في رواية "خفين" في حيث وجد الملابس وكل لابس فله خفان، وقال في رواية أخرى: "خفاف" فجمع حيث جمع اللابسين.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المحرم يحرم عليه من اللباس أمران:-
أحدهما: ما يتعلق بالرأس، والثاني: بالبدن.
فأما الرأس: فيحرم ستره بكل ما يسمى ساترًا معتادًا مخيطًا كان أو غير مخيط. والاستظلال بالسقف، وغطاء المحمل، والانغماس في الماء لا يحرم عليه. هذا الرجل، فأما المرأة: فيلزمها في وجهها ما لزم الرجل في رأسه.
стр. 1376
وأما البدن: فلا يجوز للرجل أن يلبس مخيطًا كالقميص والسراويل (١)، فإن ارتدى بمخيط فلا بأس إلا أن يكون قباء فإن ذلك يعد لبسًا.
وأما المرأة: فلا حجر عليها في بدنها.
وقال مالك وأحمد، والأوزاعي في القباء مثل الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لبسه ولم يدخل يديه في كميه فلا فدية عليه. وبه قال النخعي وأبو ثور.
وأما الاستظلال بالمحمل فيه: قال أبو حنيفة وقال مالك وأحمد: لا يجوز، فإن فعل فعليه فدية.
وللمحرم أن يغطي وجهه. وبه قال الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: لا يغطيه كما لا يغطي رأسه.
وأما الثوب المصبوغ بالطيب: كالمسك والزعفران والورس وكل ما له رائحة طيبة، فلا يجوز للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه ولا الاضطجاع، لأنه طيب والطيب حرام عليه، وسواء كان رطبًا أو يابسًا ينفض لونه أو لم ينفض.
وقال أبو حنيفة: إن كان رطبًا يلي بدنه أو يابسًا ينفض لزمته الفدية، وإن لم يلِ بدنه ولم ينفض فلا فدية عليه.
وأما إذا صبغ بما ليس بطيب: كالمغرة والمعصفر وماء الفواكه فإن لبسه جائز، وروي ذلك عن عائشة، وأسماء، وعبد الله بن جعفر، وعقيل بن أبي طالب.
وبه قال أحمد.
وكان عمر بن الخطاب يكره لبس الثياب المصبغة.
وكان عطاء لا يراه طيبًا.
وكان الثوري وأبو ثور يقولان: لا يلبس المحرم المصبوغ بالعصفر.
وكره مالك لبس المقدم بالعصفر للرجال والنساء.
стр. 1377
وأما القفاز: فحرام على الرجال لبسه، وفي المرأة قولان أصحهما: الجواز لأن لها ستر جميع جسدها ما عدا الوجه.
وأما الخف: فإن الشافعي قال: من لم يجد النعلين فله أن يلبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يجوز له أن يلبسهما قبل القطع. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق.
وقال عطاء وأحمد: لا يقطعان فإن قطعهما إفساد للمال.
وأما الإزار: فإن لم يجده فله أن يلبس السراويل ولا شيء عليه. وبه قال عطاء، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يلبس السراويل، فإن لبسه فعليه الفدية.
ووجه الجواز: الحديث الذي يتلو هذا الحديث.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا ابن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت أبا الشعثاء يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي الوليد وآدم، عن شعبة، عن عمرو بن دينار وقال: يخطب بعرفات.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وأبي الربيع الزهراني وقتيبة جميعًا عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار.
وفي أخرى: عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن
стр. 1378
عمرو بن دينار وقال: بعرفات.
قال مسلم: لم يذكر عرفات إلا شعبة وحده.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي، عن يزيد بن زريع، عن أيوب، عن عمرو.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد، عن [عمرو] (٤).
قوله: "يخطب" فعل مستقبل في موضع الحال من سمعته.
وقوله: "وهو يقول" جملة أخرى معطوفة على يخطب في موضع الحال.
والنعل: معروفة.
والإزار: الثوب الذي يشد على العورة.
ورواية الشافعي أوضح لفظًا من غيرها، لأنه قال: إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل وغيره قال: "السراويل لمن لم يجد الإزار، والخف لمن لم يجد النعل" فلم يتعرضوا إلى ذكر اللبس لفهم المعنى منه، ولفظ رواية الشافعي أدل على الانتقال من الفعل إلى الخف، ومن الإزار إلى السراويل، وفي روايته أيضًا: "إزارًا" منكر، وفي رواية غيره معرف، والتنكير أولى لتزاوج قوله: "نعلين".
قال الشافعي: فكما قلنا عن ابن عمر أن زاد في الخفين القطع ولم يذكره ابن عباس، ولذلك قلنا: عن ابن عباس أنه سمع من النبي ﷺ يرخص للمحرم
стр. 1379
أن يلبس سراويل إذا لم يجد إزارًا، قال: وألا يقطع من السراويل شيئًا، لأن رسول الله ﷺ لم يأمر بقطعه.
وقد أخرج الشافعي: عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: في كتاب علي: من لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما، قلت أيقين بأنه كتاب علي؟ قال: ما أشك أنه كتابه وليس فيه: وليقطعهما.
قال الشافعي: وأرى أن يقطعهما لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم يكن في حديث ابن عباس، وكلاهما صادق وحافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يؤده الآخر إما عزب عنه، وإما شك فيه فلم يزد، وإما سكت عنه، وإما أداه فلم يؤد عنه لبعض هذه المعاني اختلافًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر قال: "أبصر عمر بن الخطاب على عبد الله بن جعفر ثوبين [مضرجين] (١) وهو محرم، فقال: ما هذه الثياب؟ فقال علي بن أبي طالب: ما إخال أحدا يعلمنا السنة، فسكت عمر".
هذا حديث مرسل، أبو جعفر هو محمد بن علي الباقر لم يدرك عمر ولا عليًّا.
والمضرج: المصبوغ بالحمرة صبغا لبس بالمشبع وفوق المورد وأصله من قولهم: تضرج بالدم إذا تلطخ.
وقوله: "ما هذه الثياب"؟ استفهام يتضمن إنكارًا أو توبيخًا، لأنه أنكر عليه لبس الثياب المصبوغة وهو محرم.
وخال يخال إذا ظن، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين مثل: ظننت، ويقال فيه: أخال -بفتح الهمزة وكسرها- والكسر أفصح اللغتين، والفتح لبني أسد وهو القياس.
стр. 1380
والسنة يريد بها: أحكام الشرع من جائزاته ومحظوراته.
وأراد -علي بقوله هذا- ردًا على اعتراض عمر، وجاء به على نحوٍ من سؤال عمر، فضمنه إنكارًا وتوبيخًا أعظم مما تضمنه السؤال، كأنه قال: إن كنت استغربت لبس هذه الثياب المضرجة؛ فإننا أعرف بالسنة من غيرنا ما يحتاج أن يعرفنا ذلك أحد ولا يظن أن ذلك يقع، إلا أنه -كرم الله وجهه- لما كان غرضه هذا المعنى؛ وكان فيه من خشونة الخطاب ما لا خفاء به، وكان منزلة عمر ﵁ عنده عظيمة يفترض تعظيمها؛ عدل عن كاف الخطاب إلى الغيبة ولم يواجه عمر بذلك، فقال: "ما أظن أحدا يعلمنا السنة"، ولذلك سكت عمر لما سمع كلامه فإنه كان وقافًا عند الحق ﵁ ثم إنه قال: "ما إخال" بلفظ الواحد، "ويعلمنا" بلفظ الجمع وذلك أنه نسب الفعل إلى نفسه لأمرين:-
أحدهما: أنه كان في هذا المقام دون أهله وجماعته، لا سيما مثل عبد الله ابن جعفر على صغره، فقال: "ما أظن أحدا" فله أن يقول ذلك لأنه بمكانة أن يقوله.
والثاني: أنه إنما يخبر عن نفسه، وليس له أن يخبر عن غيره أنه لا يظن ما يظنه هو، فإن الإنسان قد يظن شيئًا وغيره لا يظنه.
وأما قوله: "يعلمنا" فخرج على لفظ الجمع لأنه عارف بها من وجهين:-
أحدهما: أنه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وأن علمهم علم لدني لا تعليمي (١).
стр. 1381
والثاني: أنه يكون هو قد علَّمه السنة وعرَّفه جائزها ومحظورها.
ووجه علمه بذلك من عبد الله بن جعفر: أنه بمنزلة ولده وأمه كانت تحته وهي أسماء بنت عميس وكل هذه الأسباب داعية إلى ذلك.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر "أنها كانت تلبس المعصرفات المشبعات وهي محرمة ليس فيها زعفران".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أنه سمعه يقول: "لا تلبس المرأة ثياب الطيب، وتلبس ثياب المعصفر، لا أرى المعصفر طيبًا".
المعصفر: المصبوغ بالعصفر.
وقوله: "ثياب الطيب" يريد الثياب المختلطَ بالطيب المعروفة به، فلذلك أضافها إليه.
وقوله: "ثياب المعصفر" يريد بيان اللون المعصفر، فحذف اختصارًا لدلالة الحال عليه وفهم الخاطب.
وقوله: "لا أرى المعصفر طيبًا" إنما يريد لا أرى المعصفر طيبًا فاستعمل المسبب موضع السبب، وهذا شائع في العربية.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المعصفر ليس بطيب، فلا شيء عليه إذا لبس مصبوغًا بالعصفر. وبه قال أحمد.
стр. 1382
وقال أبو حنيفة: العصفر طيب وتجب فيه الفدية.
قال الشافعي: ولو تركا ذلك -يعني الرجل والمرأة- ولبسا البياض، كان أحب إلي.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنه كان يفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفين، حتى أخبرته صفية عن عائشة أنها تفتي النساء أن لا يقطعن، فانتهى عنه".
هذا الحديث مسوق: لبيان ما يجب على الرجل من قطع خفيه عند الإحرام غير واجب على النساء، وهو قول عامة الفقهاء: أن المرأة لا يجب عليها في الإحرام، إلا كشف وجهها لا غير.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تدلي عليها من جلابيبها ولا تضرب به، قلت: وما لا تضرب به، فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب، فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها، فذلك الذي لا ينبغي عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولًا, ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه.
الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها.
وقيل: هو الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل.
وقيل: هو الملحفة.
ومعنى قوله: "تدلي عليها من جلابيبها" أي ترسله على وجهها و"من" للتبعيض أي بعض جلابيبها، ويحتمل هذا اللفظ وجهين:-
أحدهما: أن تتجلبب المرأة ببعض ما لها من الجلابيب، أي لا تكون المرأة مسدلة قانعة من الثياب بما دون الجلباب!
والثاني: أن ترخي بعض جلبابها وتصله على وجهها تتقنع به.
стр. 1383
وهذا هو تفسير قوله: "ولا تضرب به" يعني أنها تتقنع به وتلويه على وجهها من أحد جانبيه إلى الجانب الآخر، فإن ذلك يكون سترًا لوجهها الذي وجب عليها كشفه في الإحرام، فأما إرساله على وجهها إرسالاً من غير أن تضرب به عليها فلا.
ولهذا قال الفقهاء: إن المرأة إذا أرسلت ثوبًا حذاء وجهها إرسالاً من غير أن تضرب عليه ويكون متجافيًا عنه، فلا بأس عليها وذلك جائز لها.
وحقيقة قوله: "ولا تضرب به" يريد أنها لا تلصق جلبابها ببشرة وجهها، كأن الجلباب قد ضرب الوجه بمباشرته له، ومنه قول الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) أي: ترسلها ساقطة على الجيوب.
وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن نافع أن عبد الله ابن عمر كان يقول: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين".
هذا الحديث رواه مالك (٢) وأيوب موقوفًا على ابن عمر.
ورواه الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ مدرجًا في حديث ما لا يلبس المحرم من الثياب.
وتابعه على ذلك موسى بن عقبة [وإسماعيل بن إبراهيم] (٣) بن عقبة، وجويرية بن أسماء، ومحمد بن إسحاق.
وأخرجه البخاري في الصحيح (٤)، ورواه الشافعي في رواية حرملة عنه، عن الثقة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مرفوعًا.
وأخرج الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة "أنه رأى عثمان يغطي وجهه وهو محرم".
стр. 1384
وأخرج عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه "أن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم. وقال في موضع آخر: وهم محرمون".
قال الربيع: قلت للشافعي: إنا نكره تخميرة الوجه للمحرم ويكرهه صاحبنا -يعني مالكًا-، وروى فيه عن ابن عمر أنه قال: "ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره التحريم".
قال الشافعي: فكيف أخذت بقول ابن عمر دون قول عثمان، ومع عثمان زيد بن ثابت ومروان بن الحكم؟!.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سعيد، عن إسماعيل بن أمية، أن نافعًا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه إنما غرز طرفه على إزاره.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد (١)، عن سعيد، عن مسلم بن جندب قال: "جاء رجل يسأل ابن عمر وأنا معه، فقال: أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي ثم أعقده وأنا محرم؟ فقال عبد الله بن عمر: لا تعقد شيئًا".
يريد بقوله: "لم يكن عقد الثوب عليه" لم يكن يعقده، فاستعمل الماضي موضع المستقبل وكأنه قد كان يسأل عن حالته في إحرامه وهيئة إزاره وردائه، أو إن قائلًا قال: إن ابن عمر عقد ثوبه عليه، فقال نافع -منكرًا مقالته-: لم يكن عقده، فأعاد لفظه ماضيًا بحاله.
والمخالفة بين طرفي الثوب: هو أن يأخذ الجانب الأيمن فيرده إلى الأيسر، والأيسر فيرده إلى الأيمن.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإزار هو الذي تستر به العورة ويجوز عقده ليستمسك على عورته ويثبت عليها، فأما الرداء: وهو الذي يضعه على منكبيه وظهره، فلا يعقده بل يغرز طرفيه في إزاره. وحكى مثل ذلك عن ابن عمر،
стр. 1385
هكذا حكاه العراقيون عن الشافعي.
وقال إمام الحرمين: ولو ارتدى برداء وعقد أحد طرفيه بالآخر فلا بأس، فإن هذا يخالف الستر المعتاد، والعقد الذي جرى استيثاق في التوشح وهو بمثابة عقد الإزار، وكذلك لو عقد طرف ردائه بإزاره فلا منع لما ذكرنا، وإن شد فوق الإزار خيطًا أو منديلًا جاز لأنه بمثابة عقده.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: "رأيت ابن عمر يسعى بالبيت وقد حزم على بطنه بثوب".
يريد بالسعي: الطواف حول البيت، فأعطى سعيت معنى طفت فعداها بالباء.
والحزم: اتخاذ الثوب كالحزم على بطن الدابة، وهذا يرجع إلى شد الإزار بحبل وقد ذكرناه.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً محتزمًا بحبل [أبرق] (١) فقال: "انزع الحبل" مرتين".
المحتزم: مفتعل من الحزام.
والأبرق: حبل ذو لونين أسود وأبيض، وكل شيء اجتمع فيه سواد وبياض فهو أبرق.
وهذا محبوب على جهة الاستحباب لا على جهة الوجوب. والله أعلم.
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "من خير ثيابكم البياض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم".
стр. 1386
هذا حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي.
أما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زهير بن عبد الله بن عثمان وذكر نحوه.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان.
قوله: "من خير ثيابكم" في موضع الخبر، والمبتدأ "البياض" وفي الكلام محذوف تقديره: الثوب ذو البياض من خير ثيابكم، لأن البياض عرض ولا تكون الجثة خبرًا عن الأحداث.
دخول "من" للتبعيض أي هي من خير الثياب، فكأن خير الثياب يشتمل على البياض وغيره، وتخصيصها بالذكر إشارة إلى وصلها.
وقد روى الشافعي هذا الحديث في "سنن حرملة"، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن سمرة بن جندب.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن [مئزر] (٣) الإحرام يستحب أن يكون أبيض، قال: والجديد أحب إلي من المغسول، فإن لم يكن جديد لبس المغسول.
قال الشافعي: وأحب أن يلبس ثوبين أبيضين جديدين أو غسيلين، وفسرهما قال: ويلبس الرجل الإزار والرداء أو ثوبًا يطرحه كما يطرح الرداء.
...
стр. 1387
النوع الثاني
الطيب
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم قال: قالت عائشة ﵂ "أنا طيبت رسول الله ﷺ ". وقال في كتاب الإملاء: "لحله وإحرامه".
قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق [أن] (١) تتبع.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
وأخبرنا الشافعي: ﵁ أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال سمعت عائشة ﵂ وبسطت يديها تقول: "أنا طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عثمان بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه وحله. فقلت لها: بأي الطيب؟ فقالت: باطيب بالطيب".
قال عثمان: ما روى هشام هذا الحديث إلا عني.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عطاء بن السائب،
стр. 1388
عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ بعد ثلاث".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عمر بن عبد الله بن عروة، أنه سمع القاسم بن محمد وعروة يخبران عن عائشة أنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي في حجة الوداع للحل والإحرام".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرج الثانية عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأخرج السادسة (٣): عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر يدهن بالزيت.
فذكرته لإبراهيم، فقال: ما تصنع بقوله حدثني الأسود، عن عائشة وذكره.
وأخرج السابعة (٤): عن عثمان بن الهيثم أو محمد، عنه، عن ابن جريج.
وأخرج الخامسة (٥): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن هشام، عن عثمان.
وأما مسلم (٦): فأخرج الثانية عن القعنبي، عن أفلح بن حميد، عن القاسم.
وعن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأخرج الرابعة: عن محمد بن عباد، عن سفيان.
стр. 1389
وأخرج السادسة (١): عن يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وأبي الربيع وخلف بن هشام وقتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور عن إبراهيم، عن الأسود. ولم يقل بعد ثلاث.
وأخرج السابعة (٢): عن محمد بن حاتم وعبد بن حميد وعمرو (٣) ومحمد بن بكر، عن ابن جريج.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه الثانية عن القعنبي وأحمد بن يونس، عن مالك.
وأخرج السادسة (٥): عن محمد بن الصباح، عن إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم.
وأما الترمذي (٦): فأخرج عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بطيب فيه مسك".
وأما النسائي (٧): فأخرج الأولى عن قتيبة، عن حماد، عن عمرو نحوها.
وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن مالك.
والرابعة: عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن الزهري.
والخامسة: عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن عثمان.
والسادسة: عن أحمد بن نصر، عن عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم.
الحرم والحل، والإحرام والإحلال كله بمعنى وقد تقدم بيانه.
والوبيص: البريق والبصيص.
стр. 1390
والمفارق: جمع مفرق الشعر من الرأس.
واللام في "لحله" هي اللام (١) والتي في قولهم: لعشر خلون ولخمس بقين، أي طيبته طيبًا مقترنًا بحله وحرمه، ويجوز أن تكون لام أجل، أي لأجل حله وحرمه، وكلا الأمرين حقيقة ومعناهما: التخصيص، كقولك: المسجد لعبد الله والسرج للدابة.
وفي هذا الحديث من الفقه:-
بيان جواز الطيب قبل الإحرام، وذلك أنه يستحب للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه؛ بطيب يبقى أثره أو عينه بعد الإحرام كالمسك والغالية والعود؛ فإن بقاءه بعد الإحرام لا يضره ولا يوجب عليه فدية. وهو مذهب الشافعي، ومذهب أكثر الصحابة والفقهاء، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك ومحمد: يكره الطيب للمحرم بطيب تبقي رائحته بعد الإحرام.
وفي هذا الحديث من الفقه:-
جواز الطيب قبل الطواف وبعد الرمي والحلق، وقد اختلف أصحاب الشافعي:-
فمنهم من قال: يحل له الطيب قولًا واحدًا أخذًا بهذا الحديث.
ومنهم من قال: فيه قولان: وبالجواز قال ابن الزبير، وعائشة، وابن عباس، وعلقمة، وسالم بن عبد الله، وطاوس، والنخعي وخارجة بن زيد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقال عمر بن الخطاب وابنه: لا يحل له الطيب.
واختلف فيه عن الحسن البصري.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن محمد بن عجلان
стр. 1391
أنه سمع عائشة بنت سعد تقول: طيبت أبي عند إحرإمه بالمسك والذريرة.
الذريرة: ضرب من الطيب مجموع، وقال الأزهري: هو فتات من قصب الطيب يجاء به من بلاد الهند.
وفي هذا الحديث: زيادة تأكيد لجواز الطيب قبل الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام، فإن المسك يبقى أثر لونه وريحه أكثر من غيره وكذلك الذريرة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن حسن بن زيد، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس محرمًا وإن على رأسه مثل الرُّبِّ من الغالية.
الرُّبّ: ماء العنب إذا عصر وأوقد تحته النار، ليذهب نصفه أو ثلثاه فنحى (١) ويمتنع من الفساد.
والغالية: أخلاط من مسك وعنبر وعود ودهن، وهي فاعلة من غلا الشيء يغلو فهو غال، والأنثى غالية، يقال: إن أول من سماها بذلك سليمان بن عبد الملك بن مروان، وذلك أنه سأل عن أخلاطها، فقيل له، فقال: إن هذه غالية، فسميت بذلك حتى صارت من الأسماء الغالية وان كانت في الأصل صفة، وهذا الحديث عن تسمية سليمان فيه نظر، فإن ابن عباس قبل سليمان بن عبد الملك، اللهم إلا أن يكون هذا الاسم أحدثه له سليمان واشتهرت به، وقد كان لها قبله اسم آخر فغلب اسمه عليها، ويكون الراوي لما حكى ما رأى على ابن عباس ذكر الاسم الذي اشتهرت به. والله أعلم.
واللام في قوله: "لمثل" لام تأكيد دخلت على اسم "إن" لما كان متأخرا عن الخبر فإنها لا تدخل عليه إلا إذا تأخر، فلا يقال: إن لزيدًا في الدار، ولكن إنَّ في الدار لزيدًا.
стр. 1392
وهذا الحديث أقوى ما يقال في جواز الطيب قبل الإحرام بما له أثر، فإن الغالية قد ذكر أنه رآها فوق رأسه مثل الرب وذلك بقاء جرمها نفسه وهو محرم.
قال الشافعي: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا في التطيب قبل الإحرام، وبعد الرمي والحلاق وقبل طواف الزيارة، فقال: لا يتطيب بما يبقى ريحه عليه، وكان الذي ذكرناه احتج به [في ذلك أن] (١) عمر بن الخطاب أمر معاوية وأحرم معه فوجد منه طيبًا، فأمره أن يغسل الطيب، وأنه قال: من رمى الجمرة وحلق فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب.
قال الشافعي: وسالم بن عبد الله أفقه وأحمد مذهبًا من قائل هذا القول، ثم قال: هذا الحديث، عن سالم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله -وربما قال: عن أبيه، وربما لم يقله- قال عمر: "إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب". قال سالم: وقالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله بعد أن رمى الجمرة وقبل أن يزور". قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله "أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة". قال سالم: فقالت عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، وحله قبل أن يطوف بالبيت" وسنة رسول الله ﷺ أحق.
قال الشافعي: ولم أعلم له مذهبًا -يعني لمن خالفه- في جواز الطيب قبل الإحرام، إلا أن يكون شُبِّه عليه بحديث يعلى بن أمية، في أن يغسل المحرم
стр. 1393
الصفرة عنه، ثم ذكر حديثه وهو هذا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: "كنا عند رسول الله ﷺ بالجعرانة، فأتاه رجل وعليه مقطعة -يعني جبة- وهو متضمغ بالخلوق، فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بالعمرة وهذه على؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت تصنع في حجك"؟ قال: كنت أنزع هذه المقطعة وأغسل هذا الخلوق، فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت صانعه في حجك فاصنعه في عمرتك".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية "أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ [وعليه] (١) -إما قال: قميص، وإما قال: جبة- وبه أثر صفرة، فقال: أحرمت وهذا عليَّ؟ فقال: "انزع -إما قميصك، وإما جبتك- واغسل هذه الصفرة عنك، وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
أما مالك (٢): فأخرجه مرسلًا عن حميد بن قيس، عن عطاء "أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ وهو بحنين" وذكره.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن أبي نعيم، عن همام، عن عطاء، عن صفوان، عن أبيه أتم من هذا.
وفي أخرى: عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء.
стр. 1394
وأما مسلم (١): فأخرجه عن شيبان بن فروخ، عن همام، عن عطاء بالإسناد أتم من هذا.
وعن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء.
ولهما روايات أخرى.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن همام، عن عطاء.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة عن عبد الله بن إدريس، عن عبد الملك ابن [أبي] (٤) سليمان، عن عطاء، عن يعلى بن أمية قال: "رأى رسول الله ﷺ أعرابيًا قد أحرم وعليه جبة، فأمره أن ينزعها".
وفي أخرى (٥): عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو عن عطاء، عن صفوان، عن أبيه.
وقال: هذا أصح -يعني أنه عن صفوان، عن أبيه، من عطاء، عن يعلى (٦) -وأما النسائي (٧): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن عمرو بالإسناد.
المقطعة وجمعها المقطعات، قال الأزهري: قال الكسائي: هي الثياب القصار، وسميت الأراجيز مقطعات لقصرها وقال: سمى المقطعات من
стр. 1395
الثياب: كل ثوب يقطع من قميص وغيره، أراد أن من الثياب الأزدية والمطارف والأطيبة التي لم تقطع، وإنما يتعطف بها مرة ويتلفع بها أخرى، ومنها القمص والجباب والسراويلات التي تقطع تخاط، فهذه هي المقطعات.
وقال ابن الأعرابي: المقطعات: برود عليها وشي مقطع.
قال: ولا يقال للثياب القصار مقطعات.
وقال أبو عمرو: مقطعات الثياب والشعر قصارها.
والتضمخ بالطيب: التلطخ به، تضمخ يتضمخ تضمخًا.
والخلوق -بفتح الخلوق-: ضرب من الطيب ذو لون أصفر أو أحمر، وقد خلقته به فتخلق أي: طيبته به فأطلى.
وقوله: "ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" يريد: أن أحكام الحج والعمرة في الإحرام واجتناب محظوراته: من المخيط والطيب سواء.
وإنما سأله أولاً عما يصنع في حجه: ليأخذ ذلك منه معترفًا به مسلمًا له، فلما سأله وأجابه مقرًا بما كان يصنع في حجه، وعلم منه أنه عارف بما عليه في الحج من الإحرام والاجتناب، أنه قال له: اصنع في عمرتك كذا.
ولا يخلو هذا السؤال من أحد أمرين:-
إما أنه كان ﷺ عارفًا منه أنه يعلم ما له وعليه في الحج، أو لم يكن عارفًا.
فإن كان عارفًا أنه عارف: فيكون سؤاله تقريرًا أو تثبيتًا كما سبق.
وإن لم يكن عارفًا بحاله: فلا يخلو أن يكون المسئول عالمًا أو جاهلاً، فإن كان عالمًا فحكمه حكم الأول، وإن كان جاهلاً احتاج أن يعرف أولاً حكم الحج الذي هو الأصل، ثم يتبعه حكم العمرة التي هي فرع على الحج، فإن السائل سأله عن العمرة، وإذا كان جاهلاً بالحج كان توقيف النبي ﷺ إياه على
стр. 1396
أحكام الحج أهم عنده وأولى به.
قال الشافعي: وهذا لا يخالف حديث عائشة، إنما أمره ﷺ فيما نرى -والله أعلم- للصفرة عليه، لأنه نهى أن يتزعفر الرجل، وذكر حديث النهي عن التزعفر وسيجيء هذا الحديث.
قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه: أن من أحرم وعليه ثياب مخيط، لم يجب عليه إلا نزعها من رأسه ولا يلزمه تمزيقها. وإلى هذا ذهب الفقهاء.
وروي عن النخعي أنه قال: يشقه.
وعن الشعبي أنه قال: يمزق ثيابه.
وهذا خلاف السنة، فإن النبي ﷺ أمره بخلع الجبة، وخلعها إنما يكون من جهة الرأس.
وفيه: أن المحرم إذا لبس ناسيًا فلا شيء عليه، لأن الناسي في المعنى كالجاهل، وهذا الرجل كان حديث العهد بالإِسلام جاهلاً بأحكامه، فعذره النبي ﷺ لذلك، فلا يلزمه غرامة.
قال: وقد يتوهم من لا ينعم النظر أن أمره إياه أن يغسل أثر الخلوق أو الصفرة، إنما كان من أجل أن المحرم لا يجوز له أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام، وليس هذا من أجل تلك ولكن من قبل أن التضمخ بالزعفران حرام على الرجل في حال حرمه وحله.
وقال القفال الشاشي: وكل ما لبسه الرجال من الثياب الطاهرة المصبوغة، من جلد وشعر، وصوف وقطن فهو مباح ما لم يكن حريرًا أو ديباجًا، أو ما يدخل في عامة ملابس النساء من الثياب المصبغة بالخلوق والعصفر ونحوهما، وكذلك المعصفر بما لا يلبسه إلا النساء، لما فيه من الشهرة ولما له من التزين والرونق والأخذ بالأبصار والقلوب.
стр. 1397
قال القاضي أبو الطيب الطبري: لا يجوز له لبس المزعفر لعلتين: إحداهما لإحرامه، والثانية: أن المزعفر محرم على الرجال في حال الإحلال، والورس بمنزلة الزعفران.
قال ابن الصباغ في كتاب "الشامل": أما المصبوغ بماء الورس والزعفران فلا يجوز للرجال لبسه لمعنيين: لأن ذلك طيب ولأن الرجل ممنوع من لبس المزعفر، وتمنع المرأة من لبسه لأنه طيب خاصة والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بورس أو زعفران" وما روى أنس أن النبي ﷺ نهى الرجال عن المزعفر، وإذا حرم عليه الزعفران والورس فما عداه من الطيب أولى.
وقال المتولي -في تتمة الإبانة-: المصبوغ بالورس والزعفران إذا انقطعت رائحته لا يجوز للرجل لبسه، لما روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى الرجال عن المزعفر. وهذا يدل أنه أراد به انقطاع الرائحة، لأن في حال بقاء الرائحة لا يختص التحريم بالرجال.
وقال القدوري -من أصحاب أبي حنيفة- في شرح مختصر الكرخي: أن المزعفر ممنوع من الرجال.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إسماعيل -الذي يعرف بابن علية- قال: أخبرني عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
أما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز إسنادًا ولفظًا.
стр. 1398
وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة وأبي الربيع، عن حماد، عن عبد العزيز.
وعن أبي بكر والناقد وزهير بن حرب وابن نمير وأبي كريب، عن ابن علية، عن عبد العزيز إسنادًا ولفظًا.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن عبد العزيز.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد.
وعن إسحاق بن منصور، عن [عبد الرحمن بن] (٤) مهدي، عن حماد، عن عبد العزيز بن صهيب.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل، عن عبد العزيز.
التزعفر: التلطخ بالزعفران، زعفرت الثوب إذا صبغته بالزعفران.
واللام في "الرجل" لام الجنس، يريد أن التزعفر حرام على الرجال، ويعضده ما جاء في رواية أبي داود: نهى عن التزعفر للرجال.
وفي قوله: "نهى أن يتزعفر" محذوف تقديره نهى أن يتزعفر بمعنى المصدر، التقدير: نهى الرجل عن التزعفر، لأنك إنما تقول: نهيته عن كذا لا نهيته كذا، وإنما حذف "عن" لكثرة الاستعمال وفهم الخطاب.
وهذا هو الحديث الذي أشرنا أن الشافعي أخرجه عقيب الحديث الأول، وإنما
стр. 1399
ذكره تقريرًا لما قاله: من أن النبي ﷺ إنما أمر الأعرابي بغسل الخلوق، لأنه عليه حرام سواء كان محرمًا أو محلًا.
قال الشافعي: لا يجوز أن يكون أمر الأعرابي أن يغسل الصفرة إلا لما وصفت؛ لأنه لا ينهى عن الطيب في حال ما يتطيب فيها ﷺ ولو كان [نهيه إياه] (١) لأنها طيب كان أمره إياه حين أمره بغسل الصفرة عام الجعرانة وهي سنة ثمان، وكان حجه حجة الإِسلام وهي سنة عشر، فكان تطيبه لإحرامه ولحله ناسخًا لأمره الأعرابي بغسل الصفرة، قال: والذي خالفنا يروى أن أم حبيبة طيبت معاوية.
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر "أنه سئل أيشم المحرم الريحان والدهن والطيب؟ فقال: لا".
شممت -بكسر الميم- أشم بفتح الشين.
والريحان: هو النبات المعروف، ويقع على (٢) غيرهن كل نبات له ريح طيبة كالورد والياسمين والبهار (٣) ونحو ذلك.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن شم الريحان والتطيب به حرام على المحرم، لا يجوز له استعماله في حال إحرامه.
وتفصيل القول في الطيب: أن كل ما يقصد رائحته وإن بعد منه غيَّره كالزعفران والورس، وأما الفواكه الطيبة الرائحة: كالسفرجل والتفاح والأترج، والأدوية كالقرنفل والدارصيني فليست طيبًا، وأما النبات ذو الرائحة الطيبة، فثلاثة أضرب:-
ضرب يقصد شمه ويتخذ طيبًا: كالورد والنسرين واللينوفر وهذا طيب،
стр. 1400
وتجب الفدية بشمه ويجري مجرى الزعفران والورس والعود والكافور.
وضرب يقصد شمه ولا يتخذ طيبًا: كالريحان والمزربخوس والمنثور, فقال الشافعي في القديم: ليس طيبًا، وقال في الجديد: هو طيب.
وضرب لا يقصد شمه ولا يتخذ طيبًا: كالسفرجل والتفاح، والأدوية كالقرنفل والزنجبيل، فليس بطيب ويجوز شمه.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تجب الفدية بشم شيء من ذلك.
وأما الدهن فعلى ضرين:-
ضرب ليس بطيب: كالشيرج والزيت والسمن ويجوز استعماله في بدنه دون رأسه.
وقال أبو حنيفة: إذا استعمل الشيرج والزيت وجبت الفدية سواء استعمله في بدنه أو شعره، إلا أن يداوى به جميعاً ونحوه.
وعن أحمد فيه روايتان.
وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه يكره شم الريحان للمحرم".
قال الشافعي: وهذا القول أحوط وبه نأخذ.
стр. 1401
النوع الثالث
الغسل والحمَّام
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الدراوردي وحاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: حدثنا جابر -وهو محدث عن حجة النبي ﷺ قال: "فلما كنا بذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس فأمرها بالغسل والإحرام".
وقد روى المزني (١) عنه عن حاتم بن إسماعيل وإبراهيم بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: "لما كنا بالبيداء ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فذكر للنبي ﷺ ، فقال: "مرها -أو مروها- فلتغتسل ثم لتهل".
وررى المزني (٢) أيضًا عنه عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه "أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ ، فقال: "مرها فلتغتسل ثم لتهل".
هذا الحرف من حديث طويل صحيح أخرجه مسلم وأبو داود، وأخرج النسائي منه طرفًا.
أما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإبراهيم بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم بن إسماعيل.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن، عن حاتم بن إسماعيل.
стр. 1402
وأما النسائي (١): فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمد.
وهذا الحديث مسوق لبيان الاغتسال قبل الإهلال، وفيه من الفقه.
أن إحرام المحدث يصح، لأن أسماء لما ولدت كانت في نفاسها, ولا شبهة أن غسل النفساء والحائض لا يصح ولا يطهرها، ما لم تنقض أيام نفاسها وحيضها ثم تغتسل فتطهر، وإنما أمرها بالغسل تشبيها بالمحرمين واقتداء بأفعالهم، طمعًا في درك الفضيلة التي نالوها.
وغسل الإحرام: غسل مسنون مستحب للرجل والصبي والمرأة والحائض والنفساء.
قال الشافعي: فإن كان الوقت على الحائض والنفساء واسعًا، أحببت لكل واحد منهما أن يقيم حتى يطهر، ثم يغتسل ويحرم ليكون على أكمل حالهما، فإن ضاق الوقت اغتسلت حائضًا وأحرمت.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، فقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمت، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله، أرسلني إليك ابن عباس أسألك. كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ قال: فوضع أبو أيوب يديه على الثوب فطأطأه حتى بدا إليَّ رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، قال: هكذا رأيته (٢) يفعل.
стр. 1403
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٢) فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير ابن حرب، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم.
وعن قتيبة، عن مالك.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
الأبواء: موضع بين مكة والمدينة.
والقرنان: هما قرنا البئر وهما عضادتاها المبنيتان من جانبيها لتعلق البكرة عليها.
وهذا الحديث مسوق: لبيان جواز اغتسال المحرم للجنابة والتنظف والتبرد، وأن يغتسل بالسدر والخطمي. وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى إن اغتسل بهما وجبت عليه الفدية.
قال الشافعي: إن كان يريد الاغتسال لتبرد أو تنظف لم يحرك شعره بيده وإن كان للجنابة أحببت أن يغسله ببطون أنامله ولا يحرك شعره بأظفاره، ويخلل الماء في أصول شعره تخليلاً رقيقًا، فإن حركه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا
стр. 1404
فخرج في يده من الشعر شيء فالاختيار أن يفديه، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قطعه أو نتفه، لأنه قد ينتف ويتعلق بين الشعر، فإذا مس أو حرك خرج وسقط، قال: وذلك هكذا في لحيته.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره عن أبيه يعلى بن أمية قال: "بينما عمر بن الخطاب يغتسل إلى بعيره وأنا أستر عليه بثوب، إذ قال عمر بن الخطاب: يا يعلى، اصبب على رأسي. فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال عمر بن الخطاب: والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثًا فسمى الله، ثم أفاض على رأسه".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (١): عن حميد بن قيس، عن عطاء: "أن عمر بن الخطاب قال ليعلى بن منية -وهو يصب على عمر بن الخطاب وهو يغتسل-: "اصبب على رأسي، فقال له يعلى: أتريد أن تجعلها فيّ؟ إن أمرتني صببت، فقال له عمر بن الخطاب: اصبب فلن يزيد الماء إلا شعثا".
وقد أخرج الشافعي هذه الرواية أيضًا في القديم (٢)، عن مالك، عن حميد.
وأخرجه أيضًا: عن مسلم بن خالد وغيره، عن ابن جريج.
قوله: "اصبب على رأسي" يحتمل أن يكون أمرًا، وأن يكون استفهامًا، فأما يحيى بن يحيى الغساني فإنه رواها بالاستفهام وأما ابن وضاح فإنه رواه بالأمر، إلا أن رواية الشافعي الأظهر فيها أن يكون استفهامًا، لأنه قال يعلى في الجواب: أمير المؤمنين أعلم، ولو كان أمرًا لم يقل له ذلك، أو يجوز أن يكون قال له هذا القول على سبيل الاستظهار، وإقامة عذر نفسه عنده، فإنه لما استغرب أمره إياه بالصب عليه وحصل في نفسه منه شيء، قال له: أمير المؤمنين أعلم.
стр. 1405
وكذلك رواية مالك: فالاستفهام فيها أظهر، لأنه لما قال له: اصبب على رأسي، أراد أن يأخذ ما عنده في ذلك لتقوى عزيمته على الغسل، فقال له يعلى: أتريد أن تجعلها في، أي: أتريد أن تقلدني أمر ذلك وتجعلني الآثم، وهذا إنما يكون جواب الاستفهام لا جواب الأمر، لأنه إذا أمره وامتثل أمره لم يكن عليه معه في ذلك، فالتأنيث في قوله: أن تجعلها في "راجع إلى القضية والحالة".
والشعث: تغير حالة الشعر عن الاستواء لبعد العهد بالتسريح والاغتسال، وهو من التفرق، يقال: لم الله شعثه، أي ضمه وجمعه.
والماء: قال عمر: إن الماء لا يزيد الشعر إلا شعثا، لأن المحرم إذا أراد أن يغتسل لا يمكنه تسريح شعره، لأن المشط ينثره فيلزمه الفدية، فإذا قلب الماء عليه وهو على حالة شعث ولم يسرحه إذًا زاد بالماء شعثا، لأن التراب إذا وقع على النداوة لصق بها وثبت عليها.
وقوله في رواية الشافعي: "يسمي الله وأفاض على رأسه" يجوز أن يكون المفيض عمر وأن يكون يعلى، على اختلاف التقدير في الأمر والاستفهام.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفسا ونحن محرمون.
أباقيك: من البقاء الثبات والدوام، المعنى يقال: نغوص في الماء ونبصر أينا يبقى في الماء أكثر، تقول: باقيته أباقيه مباقاة، وقد روي في هذا الأمر في بعض الكتب فقال: "أنافسك" بالفاء والسين من النفس، والذي جاء في المسند بالقاف والياء كما ذكرنا.
وربما يجوز أن يكون بمعناها الحقيقي وهو التعليل، وأن يكون قصد معناها وهو التكثير، وكأنه فيها أحسن لأنه مستدل بوقوع هذا الفعل من عمر وكثرة