النوع الثالث
الغسل والحمَّام
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الدراوردي وحاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: حدثنا جابر -وهو محدث عن حجة النبي ﷺ قال: "فلما كنا بذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس فأمرها بالغسل والإحرام".
وقد روى المزني (١) عنه عن حاتم بن إسماعيل وإبراهيم بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: "لما كنا بالبيداء ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فذكر للنبي ﷺ ، فقال: "مرها -أو مروها- فلتغتسل ثم لتهل".
وررى المزني (٢) أيضًا عنه عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه "أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ ، فقال: "مرها فلتغتسل ثم لتهل".
هذا الحرف من حديث طويل صحيح أخرجه مسلم وأبو داود، وأخرج النسائي منه طرفًا.
أما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإبراهيم بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم بن إسماعيل.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن، عن حاتم بن إسماعيل.
стр. 1402
وأما النسائي (١): فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمد.
وهذا الحديث مسوق لبيان الاغتسال قبل الإهلال، وفيه من الفقه.
أن إحرام المحدث يصح، لأن أسماء لما ولدت كانت في نفاسها, ولا شبهة أن غسل النفساء والحائض لا يصح ولا يطهرها، ما لم تنقض أيام نفاسها وحيضها ثم تغتسل فتطهر، وإنما أمرها بالغسل تشبيها بالمحرمين واقتداء بأفعالهم، طمعًا في درك الفضيلة التي نالوها.
وغسل الإحرام: غسل مسنون مستحب للرجل والصبي والمرأة والحائض والنفساء.
قال الشافعي: فإن كان الوقت على الحائض والنفساء واسعًا، أحببت لكل واحد منهما أن يقيم حتى يطهر، ثم يغتسل ويحرم ليكون على أكمل حالهما، فإن ضاق الوقت اغتسلت حائضًا وأحرمت.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، فقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمت، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله، أرسلني إليك ابن عباس أسألك. كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ قال: فوضع أبو أيوب يديه على الثوب فطأطأه حتى بدا إليَّ رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، قال: هكذا رأيته (٢) يفعل.
стр. 1403
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٢) فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير ابن حرب، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم.
وعن قتيبة، عن مالك.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
الأبواء: موضع بين مكة والمدينة.
والقرنان: هما قرنا البئر وهما عضادتاها المبنيتان من جانبيها لتعلق البكرة عليها.
وهذا الحديث مسوق: لبيان جواز اغتسال المحرم للجنابة والتنظف والتبرد، وأن يغتسل بالسدر والخطمي. وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى إن اغتسل بهما وجبت عليه الفدية.
قال الشافعي: إن كان يريد الاغتسال لتبرد أو تنظف لم يحرك شعره بيده وإن كان للجنابة أحببت أن يغسله ببطون أنامله ولا يحرك شعره بأظفاره، ويخلل الماء في أصول شعره تخليلاً رقيقًا، فإن حركه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا
стр. 1404
فخرج في يده من الشعر شيء فالاختيار أن يفديه، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قطعه أو نتفه، لأنه قد ينتف ويتعلق بين الشعر، فإذا مس أو حرك خرج وسقط، قال: وذلك هكذا في لحيته.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره عن أبيه يعلى بن أمية قال: "بينما عمر بن الخطاب يغتسل إلى بعيره وأنا أستر عليه بثوب، إذ قال عمر بن الخطاب: يا يعلى، اصبب على رأسي. فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال عمر بن الخطاب: والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثًا فسمى الله، ثم أفاض على رأسه".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (١): عن حميد بن قيس، عن عطاء: "أن عمر بن الخطاب قال ليعلى بن منية -وهو يصب على عمر بن الخطاب وهو يغتسل-: "اصبب على رأسي، فقال له يعلى: أتريد أن تجعلها فيّ؟ إن أمرتني صببت، فقال له عمر بن الخطاب: اصبب فلن يزيد الماء إلا شعثا".
وقد أخرج الشافعي هذه الرواية أيضًا في القديم (٢)، عن مالك، عن حميد.
وأخرجه أيضًا: عن مسلم بن خالد وغيره، عن ابن جريج.
قوله: "اصبب على رأسي" يحتمل أن يكون أمرًا، وأن يكون استفهامًا، فأما يحيى بن يحيى الغساني فإنه رواها بالاستفهام وأما ابن وضاح فإنه رواه بالأمر، إلا أن رواية الشافعي الأظهر فيها أن يكون استفهامًا، لأنه قال يعلى في الجواب: أمير المؤمنين أعلم، ولو كان أمرًا لم يقل له ذلك، أو يجوز أن يكون قال له هذا القول على سبيل الاستظهار، وإقامة عذر نفسه عنده، فإنه لما استغرب أمره إياه بالصب عليه وحصل في نفسه منه شيء، قال له: أمير المؤمنين أعلم.
стр. 1405
وكذلك رواية مالك: فالاستفهام فيها أظهر، لأنه لما قال له: اصبب على رأسي، أراد أن يأخذ ما عنده في ذلك لتقوى عزيمته على الغسل، فقال له يعلى: أتريد أن تجعلها في، أي: أتريد أن تقلدني أمر ذلك وتجعلني الآثم، وهذا إنما يكون جواب الاستفهام لا جواب الأمر، لأنه إذا أمره وامتثل أمره لم يكن عليه معه في ذلك، فالتأنيث في قوله: أن تجعلها في "راجع إلى القضية والحالة".
والشعث: تغير حالة الشعر عن الاستواء لبعد العهد بالتسريح والاغتسال، وهو من التفرق، يقال: لم الله شعثه، أي ضمه وجمعه.
والماء: قال عمر: إن الماء لا يزيد الشعر إلا شعثا، لأن المحرم إذا أراد أن يغتسل لا يمكنه تسريح شعره، لأن المشط ينثره فيلزمه الفدية، فإذا قلب الماء عليه وهو على حالة شعث ولم يسرحه إذًا زاد بالماء شعثا، لأن التراب إذا وقع على النداوة لصق بها وثبت عليها.
وقوله في رواية الشافعي: "يسمي الله وأفاض على رأسه" يجوز أن يكون المفيض عمر وأن يكون يعلى، على اختلاف التقدير في الأمر والاستفهام.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفسا ونحن محرمون.
أباقيك: من البقاء الثبات والدوام، المعنى يقال: نغوص في الماء ونبصر أينا يبقى في الماء أكثر، تقول: باقيته أباقيه مباقاة، وقد روي في هذا الأمر في بعض الكتب فقال: "أنافسك" بالفاء والسين من النفس، والذي جاء في المسند بالقاف والياء كما ذكرنا.
وربما يجوز أن يكون بمعناها الحقيقي وهو التعليل، وأن يكون قصد معناها وهو التكثير، وكأنه فيها أحسن لأنه مستدل بوقوع هذا الفعل من عمر وكثرة
стр. 1406
وقوعه أدل على جوازه.
وقوله: "ونحن محرمون" وإنما أراد الناس كانوا محرمين في موسم الحج وهما في الجملة.
وتعال: أمر بالمجيء مبني على الفتح للرجل والمرأة، إلا أنك تضف إليها ياء فتقول: تعالي، وللرجلين والمرأتين تعاليا, وللرجال: تعالوا, وللنساء: تعالين، بالفتح في الكل.
وقد أخرج الشافعي (١): عن سفيان بن عيينة، عن أيوب عن نافع، عن أسلم -مولى عمر- قال: "تماقل عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وهما محرمان، وعمر ينظر".
وأخرج أيضًا: عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء أنه بلغه "أن ناسًا تماقلوا بين يدي عمر بن الخطاب وهم بساحل من السواحل، وعمر بن الخطاب ينظر إليهم فلم ينكره عليهم".
تماقلوا: تفاعلوا من المقل وهو الغمس في الماء، مقله في الماء مقلًا غمسه فيه، ومنه الحديث: "إذا وقع الذباب في الطعام فامقلوه -أي اغمسوه فيه- فإن في أحد جناحيه سمًا وفي الآخر الشفاء".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي يحيى، عن أيوب بن أبي تميمة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه دخل حمامًا وهو بالجحفة، وقال: ما يعبأ الله بأوساخنا شيئًا.
هكذا جاء هذا الحديث في المسند في كتاب "الحج" من الأمالي، وقد روى عن الشافعي: عن ثقة -إما ابن عيينة، وإما عن غيره- عن أيوب وذكر إلى قوله: وهو محرم.
стр. 1407
وقوله "ما يعبأ الله" أي ما يكترث ولا يبالي ولا يريد منا أن نكون وسخين ولا يرغب فيه، كيف والطهارة والوضوء والنظافة من أهم آداب الشريعة، وأتم فرائضها وأحسن أوضاعها، وقد أوجب الشرع ذلك في مواضع وحث عليه.
قال الشافعي: ولا بأس أن يدخل المحرم الحمام ويغتسل.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام".
قال الشافعي: ونحن ومالك لا نرى بأسًا أن يغسل المحرم رأسه. قال: وقد يذهب على ابن عمر وغيره السنن، ولو علمها ما خالفها ولا رغب عنها إن شاء الله تعالى.
стр. 1408
النوع الرابع
في الحجامة والتداوي والكحل
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء وطاوس -أحدهما أو كليهما-، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة (١) إلا الموطأ.
وقد تقدم ذكره وذكر طرقه ومعناه في كتاب الصوم، إلا أن رواية الشافعي هناك رواها عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ احتجم محرمًا صائمًا" فذكرنا الحديث هناك لأجل قوله: صائمًا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الفصد والحجامة يجوزان للمحرم. وبه قال مسروق، وعطاء، وعبيد بن عمير، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: لا يحتجم إلا من ضرورة. وروي ذلك عن ابن عمر.
وكان الحسن يرى على من احتجم دمًا.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: "أن رسول الله ﷺ احتجم في رأسه وهو محرم، وهو يومئذ بلحى جمل".
وقد جاء هذا الحديث مسندًا في صحيح البخاري (٢)، رواه خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن
стр. 1409
عبد الله بن بحينة قال: "احتجم رسول الله ﷺ بلحى جمل -وهو محرم- وسط رأسه".
وأخرج هذا الحديث مسلم (١) والنسائي (٢).
ولحى الجمل: موضع بطريق مكة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: "لا يحتجم المحرم إلا أن يضطر إليه مما لا بد منه".
قال: وقال مالك مثل ذلك.
هذا الحديث أخرجه الشافعي عقيب الحديث الذي قبله في كتاب "اختلافه مع مالك" (٣)، وقال: لعل ابن عمر كره ذلك ولم يحرمه، ولعله أن لا يكون قد سمع هذا عن النبي ﷺ -يعني أنه احتجم وهو محرم- ولو سمعه ما خالفه إن شاء الله تعالى.
واضطر: افتعل من الضرورة وهي الحاجة، تقول: حملتني الضرورة على هذا الأمر، وقد اضطر فلان -بضم الطاء- إلى كذا، أي ألجئ إليه وأكره عليه، فلما اجتمعت التاء والضاد -في اجتماعهما ثقل في النطق واستكراه- قلبوا التاء طاء، لأن الطاء من مخرج التاء وهي قريبة من الضاد سهلة من النطق معها، والمصدر: الاضطرار.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا رمد وهو محرم أقطر في عينيه الصبر إقطارًا"، وأنه قال: "يكتحل المحرم بأي كحل إذا رمد ما لم يكتحل بطيب ومن غير رمد" -ابن عمر القائل.
الرمد: مرض يعرض للعين، رمد الرجل -بالكسر- يرمد -بالفتح- رمدًا
стр. 1410
فهو رمد، والعين رمدة.
وقطر الماء، والدمع يقطر قطرًا وقطرته يتعدى ولا يتعدى، وقطرت الشيء تقطيرًا أسلته قطرة، وأما أقطرته فإنه يجوز أن يكون قد عداه بالهمزة، تقول: قطر الماء وأقطرته.
ويجوز أن تكون الهمزة همزة التعريض للشيء، كقولك: أبعت الدابة، أي عرضتها للبيع، والإقطار مصدر أقطرت.
والصبر: دواء معروف وهو مكسور الباء.
ومعنى قوله: "ابن عمر القائل" إيضاح وبيان لما في الحديث حتى [لا] (١) يظن أن القائل نافع أو غيره من الرواة، لأنه قال في أول الحديث: عن ابن عمر "أنه كان إذا رمد وهو محرم أقطر الصبر في عينيه" فهذا لفظ نافع حكاية عن فعل ابن عمر، ثم قال: وأنه كان يكتحل المحرم إلى آخر الحديث. فيجوز أن يكون هذا اللفظ منسوبًا إلى نافع أو إلى ابن عمر، فلما احتمل الأمرين خصص القول بمن هو له.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الكحل لا بأس به إلا أن يكون فيه طيب فلا يجوز الاكتحال به لأجل الطيب.
وأومأ في "الأم" وصرح في "الإملاء" أنه يكره.
قال: والكحل في المرأة أشد -يعني كراهة- هذا مع عدم الحاجة إليه، فأما مع الحاجة إليه فلا يكره.
وخصص ورخص في الكحل: الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، إلا أن أحمد وإسحاق قالا: لا يعجبنا ذلك للزينة.
وقال مالك: لا بأس به.
وكرهه للمرأة: الثوري وأحمد وإسحاق.
стр. 1411
النوع الخامس
في نكاح المحرم وإنكاحه
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب -زاد في نسخة يعني- أحد بني (١) عبد الدار، عن أبان بن عثمان، عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: "المحرم لا ينكح ولا يخطب".
وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخطب".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع -مولى ابن عمر- عن نبيه بن وهب -أخي بني عبد الدار- أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة (٢) بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضره ذلك وهما محرمان، فأنكر ذلك عليه أبان وقال: سمعت عثمان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخطب".
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري.
أما مالك (٣): فأخرجه عن نافع، عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحج وهما محرمان -وذكر الرواية الثالثة.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحو روايته.
وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك نحو روايته.
وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل ابن علية، عن
стр. 1412
أيوب، عن نافع، عن نبيه، وذكر نحو مالك ولم يقل: يخطب، إنما قال في آخره: أو كما قال.
وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، وذكر المسند فقط.
وفي أخرى: عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان مثل الشافعي.
النكاح في أصل اللغة: الوطء، ثم سمي به التزوج لأن التزويج سبب الوطء، ويجوز أن يسمى الشيء باسم سببه وأكثر ما جاء لفظ النكاح في كتاب الله وكله على معنى التزويج دون الوطء، كقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٤) وأمثال ذلك كثير.
والمحرم: يريد به الذي تَلَبَّس بأعمال الحج وأحرم به، والمراد بالنكاح في هذا الحديث: العقد لا الوطء، بدليل ما جاء في رواية مالك وباقي الأئمة، ولو صرفه صارف إلى الوطء إلا أن القصة تخالفه.
وقولى: "لا ينكح ولا ينكح" إحدى اللفظين مفتوحة الياء من نكح ينكح إذا كان الفعل له ويكون الفعل ثلاثيًا، والثانية مضمومة الياء من أنكح ينكح إذا زوج ابنته أو أخته، أو ابنه ومن هو وليه وعلى الاثنتين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.
والخِطبة بكسر الخاء، وفي النكاح: هي طلب التزويج، خطبت المرأة أخطبها خِطبة، وحقيقته أنه سأل المرأة حاجته في نفسها، وهو من قولهم: ما خطبك
стр. 1413
أي ما أمرك وما حاجتك، وقيل: الخطبة الذكر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه لا يجوز للمحرم (١) أن يتزوج ولا يزوج (٢)، ولا يكون وليًا في نكاح ولا وكيلًا وكذا المحرمة.
وروى ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وابن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري. وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتزوج ويزوج. وبه قال الحكم.
وأما الخطبة: فإن الشافعي قال: وأحب أن لا يخطب فهذا لا يحرم الخطبة عنده. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب قال: أخبرني يزيد بن الأصم: "أن رسول الله- ﷺ نكح وهو حلال" قال عمرو: وقلت لابن شهاب: أتجعل يزيد بن الأصم إلى ابن عباس.
هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي هكذا مرسلًا عن يزيد بن الأصم، وقد أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي مسندًا.
أما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، عن جرير بن حازم، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة: "أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال". قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن حبيب ابن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف".
стр. 1414
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن وهب بن جرير، عن أبي فزارة، عن يزيد، عن ميمونة: "أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال وبنى بها حلالاً، وماتت بسرف ودفناها في الظلة التي بني بها فيها".
وقد روى هذا الحديث الحميدي عن سفيان وزاد فيه قال: نكح ميمونة وهو حلال -وهي خالته- قال: فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابيًّا بوالًا على عقبيه إلى ابن عباس؟! وهي خالة ابن عباس أيضًا.
وقد ذكره الشافعي في رواية المزني عنه (٢).
الحلال: ضد الحرام ولا يرد به من ليس بحرم.
وقوله: "أتجعل يزيد بن الأصم إلى ابن عباس" يريد: أن ابن عباس روى أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وقد تعاضدت الروايات على تخريج حديث ابن عباس وهو حديث صحيح.
معنى أتجعل يزيد بن الأصم إلى ابن عباس أي: أتقيس ذا إلى ذا كأنه إنكار لأن يعارض حديث ابن عباس مع تقدمه في العلم واشتهاره في الصحابة والرواية بحديث يزيد بن الأصم مع نزوله عن مرتبة ابن عباس، فقال عمرو بن دينار هذا القول للزهري كالمنكر له، ويعضد ذلك ما جاء في الرواية "أتجعل أعرابيًّا بوالًا على عقبيه" وهذا الذي ذكره عمرو بن دينار لا يوجب طعنًا في رواية يزيد بن الأصم، فإنه لو كان ضعفًا أو مطعونا فيه لما احتج ابن شهاب به، وإذا قصد عمرو بما قال ترجيح حديث ابن عباس على حديث يزيد، فالتزويج يقع بما قال، لو كان يزيد روى الحديث مرسلًا كما رواه ابن عباس مرسلاً، لأن ابن عباس روى الحديث ولم يشهد وقت زواج ميمونة، فإن النبي ﷺ تزوجها في عمرة القضاء وابن عباس لم يشهد عمرة القضاء، ويزيد وإن كان لم يشهد عمرة القضاء فإنما روى حديثه مرة مرسلاً؛ ومرة مسندًا عن خالته ميمونة وهي أخبر
стр. 1415
بشأن زواجها، والحديث إذا روي مرة مرسلًا ومرة مسندًا فإرساله لا يقدح في إسناده (١)، وقد أشبع الشافعي -رحمه الله تعالى- الكلام على هذا الحديث، ونحن نذكر قوله.
قال الشافعي: وقد روى بعض قرابة ميمونة "أن النبي ﷺ نكح ميمونة محرمًا" -يريد ابن عباس- قال: فكان أشبه الأحاديث أن يكون ثابتًا عن النبي ﷺ أنه نكح ميمونة حلالاً، فإن قيل: ما يدل على أنه أثبتها؟ قيل: روى عثمان عن النبي ﷺ "النهي عن أن ينكح المحرم ولا ينكح" وعثمان متقدم الصحبة، ومن روى أن النبي ﷺ نكحها محرمًا لم يصحبه إلا بعد السفر الذي نكح فيه ميمونة، وإنما نكحها قبل عمرة القضية، وقيل: إنه إذا اختلف الحديثان فالمتصل الذي لا شك فيه، أولى عندنا أن يثبت لو لم تكن الحجة إلا فيه نفسه، ومع حديث عثمان [ما] (٢) يوافقه وإن لم يكن متصلًا اتصاله، فإن قيل لمن روى: إن رسول الله ﷺ نكحها محرمًا قرابة تعرف نكاحها؟ قيل: ولابن أختها يزيد بن الأصم ذلك المكان منها ولسليمان بن يسار منها مكان الولاية، شبيها به أن يعرف نكاحها، فإذا كان يزيد بن الأصم وسليمان بن يسار مع مكانهما يقولان: ينكحها حلالاً، وكان ابن المسيب يقول: نكحها حلالاً، ذهبت العلة في أن نثبت من قال: نكحها وهو محرم بسبب القرابة، وبأن حديث عثمان الإسناد المتصل لا شك في إيصاله أولى أن يثبت مع موافقة ما وصفت، فأي محرم نكح أو أنكح فنكاحه مفسوخ بما وصفت من نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المحرم.
وقد روى الشافعي بإسناده عن عمر بن الخطاب: أنه رد نكاح المحرم. ورواه عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وروي عن علي بن أبي طالب، وهو قول
стр. 1416
عثمان. فهؤلاء ثلاثة من الخلفاء الراشدين على رد نكاح المحرم، ومعهم إمامان آخران ابن عمر وزيد بن ثابت، وذلك أولى أن يعمل به.
وقد رجح من لا يجيز نكاح المحرم: بأن النهي الذي ورد من النبي ﷺ قول، والذي ذكر من حديث ميمونة فعل، والقول مقدم في الأخذ به على الفعل، لأنه يتعدى والفعل قد يكون مقصورًا على النبي ﷺ ، فإنه قد خص في النكاح وغيره بخصائص.
وقد روي حديث ميمونة أيضًا أنه تزوجها وهو حلال، وهذا مما يقوي تقديم القول على الفعل، لأن القول أولى بأن يقدم على فعل مختلف فيه، ويصح بناء الروايتين على القول، فيقال: من روى أنه تزوجها وهو حلال فهو الأصل، ومن روى أنه تزوجها وهو محرم فإنما يريد أنه في الحرم لا أنه متلبس بالإحرام، لأنه يقال لمن دخل الحرم: محرم، وإن لم يكن قد عقد الإحرام ونواه، فيمكن الجمع بين الروايتين بهذا التأويل ولا يتناقضان. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار: "أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع -مولاه- ورجلًا من الأنصار، فزوجاه ميمونة والنبي ﷺ بالمدينة".
وأخبرنا بهذا الإسناد مثله وزاد فيه: فقالت ميمونة بنت الحارث قال: وهو بالمدينة لم يخرج.
هكذا أخرجه في كتاب نكاح الشغار.
هذا الحديث هكذا جاء في الموطأ مرسلًا (١)، وقد أخرجه الترمذي (٢) مسندًا عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: "تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما, قال: ولا نعلمه أسنده أحد غير حماد عن مطر الوراق.
стр. 1417
قوله: "والنبي ﷺ بالمدينة" جملة في موضع الحال والعامل فيها أحد فعلين: إما "بعث"، وإما "زوجاه"، فإن كان "بعث" فيكون التقدير: بعثهما وهو بالمدينة، وقوله: "فزوجاه" جملة معطوفة على بعث ولا تعلق لها بالجملة الحالة.
وإن كان العامل "زوجاه" فيكون المعنى: زوجاه منها والنبي ﷺ يومئذٍ بالمدينة. ولكلا التقديرين وجه.
والشافعي إنما استدل بهذا الحديث: على أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال.
وإن جعلنا العامل "بعث" كان التقدير: بعثهما وهو بالمدينة وهو حلال؛ لأنه إنما يحرم من الميقات بعد خروجه من المدينة.
وإن جعلنا العامل "زوجاه": كان أظهر لأنه إذا زوجاه وهو بالمدينة فهو حلال لا شك فيه. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "وهل (١) فلان، ما نكح رسول الله ﷺ ميمونة إلا وهو حلال".
وأخبرنا الشافعي بالإسناد قال: أوهم الذي روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، ما نكحها رسول الله ﷺ إلا وهو حلال.
وهل إلى الشيء -بفتح الهاء- يهل -بالكسر- وهلاً: إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، مثل: وهمت -بالفتح- ووهل في الشيء وعنه -بالكسر.
وهذا فلان المكنى عنه هو: عبد الله بن عباس لأنه هو الذي روى أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو محرم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن داود بن الحصين،
стр. 1418
عن أبي غطفان بن طريف المري أنه أخبره أن أباه طريفًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه.
هذا الحديث أخرجه في الموطأ (١)، وقد استدل به الشافعي على ما ذهب إليه وهو قوي في الدلالة، لأن رد عمر نكاحه صريح في إبطال نكاح المحرم؛ لأنه الإِمام وقد أبطل النكاح، والصحابة في زمانه متوافرون ولم ينكره أحد منهم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع أن ابن عمر قال: "لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح، ولا يخطب على نفسه ولا على غيره".
وهذا الحديث قد أخرجه في الموطأ (٢).
وقال ابن عمر: كان يقول: لا ينكح المحرم ... الحديث. وكل هذه الأحاديث أخرجها الشافعي -رحمه الله تعالى- مؤكدة لما ذهب إليه من المنع من نكاح المحرم وإنكاحه.
...
стр. 1419
النوع السادس
في لبس الحلي وحمل السلاح
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد [عن] (١) ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة أنها قالت: "كنت عند عائشة إذ جاءتها امرأة من نساء بني عبد الدار يقال لها: تملك، قالت: يا أم المؤمنين، إن ابنتي فلانة حلفت أن لا تلبس حليها في الموسم، فقالت عائشة: قولي لها إن أم المؤمنين تقسم عليك إلا لبست حليك كله".
هذا الحديث مسوق لبيان: جواز لبس الحلي في الإحرام، وأنه ليس مما نهي عن لبسه. وفيه بيان جواز نقض اليمين إذا كانت على حلال، ولكن تجب فيها الكفارة.
والموسم: أيام الحج، والجمع المواسم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع "أن ابن عمر كان يكره لبس المنطقة للمحرم".
قال الشافعي: من استجاز خلاف ابن عمر ولم يرد خلافه إلا عن ابن المسيب، لحقيق أن يخالف سنة النبي ﷺ لقول ابن عمر.
والذي جاء في الموطأ (٢): روى مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول -في المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه- أن لا بأس بذلك، إذا جعل في طرفها جميعًا شبرين يعقد بعضها إلى بعض.
قال مالك: وهذا أحب ما سمعته في المنطقة إلي.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن عبد الله
стр. 1420
ابن أبي بكر أن أصحاب رسول الله ﷺ قدموا في عمرة القضية متقلدين للسيوف وهم محرمون.
عمرة القضية وعمرة القضاء: هي التي اعتمرها النبي ﷺ وأصحابه عوضًا عن العمرة التي كانوا أحرموا بها في سنة الحديبية، وصدهم المشركون عن الدخول إلى مكة ووقع الصلح بينهم: أن يعتمر النبي ﷺ وأصحابه من قابل، ويمكنوهم من الدخول إلى مكة والطواف بالبيت، واشترطوا أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف في قرابه، والحديث مشهور صحيح متفق عليه، والتقلد بالسيف جائز أن يفعله المحرم.
وقوله: "متقلدين" منصوب على الحال من قدموا، أي قدموا مكة وهم متقلدون السيوف في حالة الإحرام.
وسنة الحديبية كانت سنة ست، وعمرة القضاء سنة سبع.
стр. 1421
النوع السابع في الصيد
وهو قسمان:
الأول في أكل الصيد
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثَّامة "أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودَّان، فرده عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأى رسول الله ﷺ [ما في وجهي] (١) قال: "إأنَّا لم نرده عليك إلا أنا حرم".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا أبا داود.
أما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري وقال فيه: فلما رأى ما في وجهه من الكراهة.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
ومن الرواة من قال: عن ابن عباس أن الصعب أهدى فجعله من مسند ابن
стр. 1422
عباس، والأكثرون على أنه من مسند الصعب، فإن الصعب أخبر ابن عباس أنه أهدى، ويعضد ذلك قوله: فلما رأى ما في وجهي فهو المخبر عن نفسه، وكذا رواه عن الزهري: شعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، والليث بن سعد، ومعمر بن راشد، وابن أبي ذئب، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عمرو بن علقمة.
فقوله: "أهديت إليه" "وله" بمعنى، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، وإلا فأصل تعدى "أهدى" إنما أو بإلى لا باللام، ويجوز أن تكون اللام لام أجل أي أهدى لأجله، والأول الوجه.
والأبواء وودان: موضعان بين مكة والمدينة.
وقوله: "فلما رأى ما في وجهي" يريد من التغير بسبب رد هديته، وذلك أنه كره ردها عليه فبان أثر ذلك عليه، وقد صرح بذلك في رواية الترمذي.
والحرم: جمع حرام وهو المحرم بالحج أو العمرة.
وقوله: "إلا أنا حرم" يريد إلا لأنا حرم فحذف اللام وهي مرادة، لأنها لام التعليل والسبب في الرد.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن ما صاده المحرم لا يحل له أكله، وكذلك ما صاده له الحلال بأمره أو بغير أمره، إذا كان من المحرم فيه معونة أو استشارة. وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن فيه معونة أو أمر بصيده لم يحرم عليه أكله.
قال ابن المنذر: كان عمر، والزبير، وأبو هريرة، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل الصيد، وكان علي وابن عمر لا يريان أكله، ذكر ذلك جابر بن زيد، وطاوس، والثوري.
стр. 1423
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج وأخبرني مالك، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبيد الله التيمي- عن نافع -مولى أبي قتادة الأنصاري- أنه كان مع النبي ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين -وهو غير محرم- فرأى حمارًا وحشيًا فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذ رمحه فشد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ وأبى بعضهم، فلما أدركوا النبي ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر، زاد في بعض النسخ إلا أن في حديث زيد أن رسول الله ﷺ قال: "هل معكم من لحمه شيء".
هذا الحديث والذي قبله أخرجه الشافعي في اختلاف الأحاديث، وهو حديث صحيح أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرجه بالإسنادين المذكورين.
وأما البخاري (٢): فأخرجه من طرق كثيرة منها: عن سعيد بن الربيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة، عن مالك، عن أبي النضر وزيد بن أسلم.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر.
стр. 1424
وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن أبي [النضر] (٢).
وهذا الحديث هكذا جاء في المسند، وقد قدم على إسناد مالك الإسناد المذكور في أوله عن مسلم [و] (٣) سعيد بن سالم، عن ابن جريج، وعن مالك، عن أبي النضر وزيد بن أسلم. هذا ظاهر اللفظ.
ورأيت الإِمام أحمد البيهقي قد ذكر كلامًا في معنى هذا الإسناد هو أعلم بما قاله وأقوم به، وأنا أحكي قوله كما قاله (٤) قال:
ذكر هذا الإسناد إلى ابن جريج، ثم ذكر حديث مالك بإسناده عن أبي قتادة، فتوهم أبو عمرو بن مطر أو غيره ممن خرج المسند من المبسوط، أنه مضموم إليه في حديث أبي قتادة وليس كذلك، وإنما أراد الشافعي -والله أعلم- ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني أبو عاصم، عن ابن جريج قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن معاذ ابن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله وهم حرم، فأهدي له لحم طير وطلحة راقد، فمنا من أكل ومنا من تورع، فلما استيقظ أخبر بذلك قال: فوفَّق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ .
قال البيهقي: وظاهر في كلام الشافعي بعد هذا أنه أراد بحديث ابن جريج هذا, ولكنه حين كان بمصر في آخر عمره كانت كتبه غائبة عنه، فربما كان يكتب من إسناد حديث بعضه ويترك البياض، أو يكتب كله دون متنه ويدع البياض ليتمه إذا رجع إلى كتابه، ويكتب بعده حديثًا آخر فأدركته المنية قبل
стр. 1425
إصلاحه، فتوهم من لم يعلم علم ذلك أنه مضموم إلى ما بعده، وقد بينت (١) في كتابة وهذا غيره ما تبلغه علمي من ذلك. وبالله التوفيق. تم كلام البيهقي.
وقد قال الشافعي ﵁ عقيب حديث أبي قتادة هذا المذكور- وليس يخالف -والله أعلم- حديث الصعب بن جثامة حديث طلحة بن عبيد الله وأبي قتادة عن النبي ﷺ وكذلك لا يخالفهم (٢) حديث جابر بن عبد الله وبيان أنها ليست مختلفة يرد في حديث جابر.
فهذا القول من الشافعي يدل على ما قاله البيهقي، لأن حديث طلحة بن عبيد الله لم يذكره الشافعي ولا ورد في المسند؛ ولا ذكر من خرج المسند وجمعه إلا بعض إسناده إلى ابن جريج، يصح ما بينه البيهقي من عرض الشافعي بذكر ذلك البعض من الإسناد. والله أعلم.
وقوله في الحديث: "فسألهم رمحه فأبوا" سألهم أن يناولوه رمحه، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه فإنه قال: فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا.
الإباء: الامتناع، أبى يأبى إباء فهو آب، وهذا البناء شاذ لأنه فعل يفعل بالفتح فيها وليس فيه حرف حلقي.
وقوله: "فشد على الحمار" يريد حمل، والشد: العدو، تقول شد عليه في الحرب يشد شدًا، والشدة: الحملة الواحدة.
والطعمة -بضم الطاء-: الأكلة وهي ما يؤكل، والطعمة أيضًا المأكلة، تقول: جعلت هذه الضيعة طعمة لفلان، والطعمة أيضًا وجه المكسب، تقول: فلان عفيف الطعمة، وخبيث طعمه، والأصل الأول، وأطعم فلان يتعدى إلى مفعولين: الأول منهما: الميم التي هي ضمير الخاطبين، والثاني: الهاء التي هي ضمير الطعمة.
стр. 1426
وقوله: "إنما هي" فيه رد لما ظنوه حرامًا بطريق الحصر المؤكد بإن، وفي ذلك بيان لأنها مقصورة على الإطعام، فالإطعام إنما هو حلال لهم لأن ما كان حرامًا عليهم فليس بطعمة لهم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال؛ ما لم تصيدوه أو يصاد لكم".
وأخبرنا الشافعي أنه قال: أخبرنا من سمع سليمان بن بلال يحدث عن عمرو ابن أبي عمرو بهذا الإسناد عن النبي ﷺ هكذا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من بني سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ .
هكذا قال الشافعي، وابن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي (١)، وسليمان مع ابن أبي يحيى.
هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
أما أبو داود (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندري، عن عمرو، عن المطلب، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم".
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة بإسناد أبي داود ولفظه وزاد فيه بعد قوله حلال: وأنتم حرم.
وأما النسائي (٤) فأخرجه بإسناد أبي داود ولفظه.
стр. 1427
قال الترمذي: المطلب لا يعرف له سماع عن جابر.
وقال النسائي: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك.
اللام في لكم الأولى: لام الملك وهي متعلقة بمحذوف تقديره: ثبت أو أحل ونحو ذلك، وهو في موضع رفع لأنه خبر قوله حلال، وقد تقدم عليه لأن المبتدأ نكرة، وذلك كقولك: لك مال وعليك دين، ثم هذا المبتدأ وخبره جملة في موضع رفع لأنه خبر قولهم: لحم يصيد، ولا يجوز أن تكون اللام متعلقة بالصيد، لأنه كان يؤدي إلى أن يكون ما صيد لهم أي لأجلهم حلالاً، وذلك بخلاف ما سيق هذا الحديث له ودل عليه صريح لفظه، وهو قوله: "أو يصاد لكم".
واللام في لكم الثانية لام أجل أي: يصاد لأجلكم، وفي رواية أبي داود والنسائي لم يتعرضا إلى ذكر الإحرام، وقد ذكره الشافعي والثوري، وفي ذلك بيان الوقت الذي يحل فيه الصيد ويحرم وهو وقت الإحرام.
وفي قوله: "في الإحرام" متعلقة بقوله: حلال في الإحرام، وفي رواية الشافعي لحم الصيد مطلقًا وهذا يتناول صيد البر والبحر، وعند الباقين: صيد البحر مخصص بالذكر، وإنما جاز الإطلاق لأن الحديث مسوق لبيان حكم صيد البر، لأنه هو الذي يتعلق به حكم الإحرام، ولأن صيد البحر قد علم حله بقوله عز من قائل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) وكان هذا شيئًا معروفًا عندهم، فلما أطلق لفظ الصيد؛ علم المخاطب أنه منصرف إلى صيد البر خاصة دون صيد البحر. ومن أتى بلفظ البر كان الزيادة في البيان وإيضاح في الخطاب.
стр. 1428
وقوله الشافعي في آخر الحديث: وابن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي، وسليمان مع ابن أبي يحيى يريد بابن أبي يحيى: إبراهيم بن محمد الذي روى عنه هذا الحديث فإنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.
وقوله: أحفظ من الدراوردي يريد أن ابن أبي يحيى روى هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن جابر، والدراوردي رواه عن عمرو، عن رجل من بني سلمة ولم يسمه، والمطلب قرشي وليس سلميًا وإنما أراد أنه أحفظ منه، يعني في روايته عن المطلب عن جابر. وأن رواية الدراوردي، عن رجل من بني سلمة فيه نظر، ثم إنه قوى رواية ابن أبي يحيى بقوله: وسليمان مع بن أبي يحيى، يعني أن سليمان روى الحديث أيضًا عن عمرو، عن المطلب فاتفق هو وابن أبي يحيى على المطلب، وانفرد الدراوردي عنهما بروايته عن رجل من بني سلمة.
قال الشافعي: فإن كان الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي ﷺ الحمار حيًّا؛ فليس لمحرم ذبح حمار وحشي حي وإن كان له لحمًا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صِيْد له فرده عليه، ومن سنته ﷺ أن لا يحل للمحرم ما صيد له.
وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحارث أن عثمان أهديت له حجل وهو محرم، فأكل القوم إلا عليًّا فإنه كره ذلك.
قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، أما نحن فنقول بحديث أبي قتادة، وأمرهم أن يأكلوا لحم الصيد وهم حرم.
أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي قتادة قال: وقال سفيان، عن صالح بن كيسان، عن أبي محمد، عن أبي قتادة نحوه.
стр. 1429
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محرم، وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي.
هذا الحديث أخرجه مالك (١) في الموطأ بالإسناد واللفظ.
وقد أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك (٢).
يوم صائف: شديد الحر، تقول: صيف صائف اتباع له وتأكيد، كما يقال: ليل لائل ويوم صائف أي حار، وليلة صائفة وربما قالوا: يوم صاف بمعنى صائف، كما قال: يوم راح أي رائح.
والقطيفة: كساء له حمل أو منديل والجمع القطائف.
والأرجوان (٣): الأحمر وهو معرب أرغوان: وهو شجر معروف له زهر أحمر حسن اللون طيب الريح.
وقال الجوهري: هو صبغ أحمر شديد الحمرة.
قال أبو عبيد: هو الذي يقال له: النشاسج، والنون فيه زائدة كذا قال الجوهري، لأنه أورده في باب رجا في المعتل.
وقوله: "لست كهيئتكم" يريد مثلكم ولا حكمي حكمكم.
والهيئة: الحالة والصفة التي عليها الإنسان.
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن
стр. 1430
محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن [عمير بن سلمة الضمري، عن البهزي] (١) قال: كنا مع رسول الله ﷺ بصماح الروحاء إذا نحن بحمار وحشي عقر، فقال النبي ﷺ : "إن هذا الرجل أصابه يوشك أن يأتيكم" فجاء رجل من بني سليم فقال: يا رسول الله ﷺ ، هذا حمار أصبته بالأمس فشأنكم به، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يقسمه في الرفاق، ثم خرجنا حتى إذا كنا بالأثابة إذا نحن بظبي حاقف، فأمر النبي ﷺ أبا بكر أن يقف عنده حتى يجوز الناس.
قال الشافعي: سفيان يخالف في هذا، يقولون: عيسى بن طلحة، عن عمرو بن سلمة، عن الزهري.
وكذلك أخرجه مالك (٢) والنسائي (٣).
стр. 1431
القسم الثاني
في جزاء الصيد
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد [عن] (١) ابن جريج قال: قلت لعطاء: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) قال: قلت له: فمن قتله خطأ أيغرم؟
قال: نعم. يعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن.
الحرم: جمع حرام، وهو المحرم بالحج أو العمرة.
والتعمد: القصد فتقول: قتله عمدًا أي قصد قتله وأراده وباشره، والخطأ ضده وذلك إذا لم يقصد قتله.
والغرامة: إقامة العوض عما أتلفه، غرم يغرم غرامة، والغرم والمغرم بمعنى، وأغرمته وغرمته.
والحرمات: جمع حرمة يريد تعظم بما يغرمه ما حرمه الله عليه من قتل الصيد باتباع فرائضه وتوخي سننه.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن جزاء الصيد يجب على المتعمد والمخطئ والناسي. وبه قال عامة الفقهاء، إلا ما حكي عن مجاهد أنه قال: إذا قتله خطأ أو كان لا حراسة وجب عليه الجزاء، وإن كان عمدًا لم يجب.
وعن داود أنه قال: إن كان عمدًا وجب الجزاء، وإن كان خطأ لم يجب.
وهذا إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال إمام الحرمين -وعليه الشافعي- ومذهبه القول بالمفهوم إشكال، ولكن الوجه أن الله لما أراد الجمع بين الضمان والمأثم والتعرض للعقوبة، خصص سياق الآية بالعائد أما الضمان فلائح، وأما استشعار العقوبة ففي قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ
стр. 1432
فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (١) ومما يوضح تفسير الآية: أن التعمد هو أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله حرام عليه قتله فإن قتله وهو ناس لإحرامه، أو رمى صيدًا وهو يظن أنه غير صيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه غيره فعدل السهم فأصاب صيدًا فهو مخطئ، ومحظورات الحج يستوي فيه العمد والخطأ، وإنما ذكر التعمد لأن مورد الآية فيمن تعمد، كما فعل أبو اليسر فإنه روى أنهم بينا هم يسيرون مع النبي ﷺ في عمرة الحديبية -بين مكة والمدينة-، عرض لهم حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له: قتلت الصيد وأنت حرم، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، ولأن الأصل فعل والتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ، ويدل عليه قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (١) [عفا الله عما سلف] (٢) ومن عاد فينتقم الله منه".
وقيل: نزل الكتاب بالتعمد ووردت السنة بالخطأ.
قال الشافعي: وإيجابه على قاتل الصيد عمدًا لا يخطر أن يوجب على قاتله خطأ، قياسًا على القرآن والسنة والإجماع، ثم ذكر إيجاب الله تعالى الكفارة في قتل النفس الممنوعة بالإِسلام أو العهد خطأ، فلما كان الصيد محرمًا كله في الإحرام، كان ذلك كله ممنوع من الصيد في الإحرام لا يتفرق، كما لم يتفرق المسلمون في الغرم الممنوع من الناس والأموال بين العمد والخطأ إلا المأثم في العمد.
وقال الشافعي: وقد قاله من قبلنا غيري، ثم ذكر هذا الحديث عن ابن جريج وعطاء وقد ذكرناه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس يغرمون في الخطأ.
стр. 1433
هذا مؤكد لما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه، على وجوب الجزاء على قاتل الصيد خطأ، فإن قول عمرو بن دينار -وهو تابعي جليل القدر من كبار التابعين-: "رأيت الناس" فإنما يريد من شاهده من الصحابة والتابعين قبله، فإطلاقه: رأيت الناس، من أقوى الأدلة على تغريم المخطئ.
قال الشافعي: فإن قال قائل: فهل شيء أعلى من هذا؟ قيل: شيء يحتمل هذا المعنى ويحتمل خلافه، فإن قال: ما هو؟ قيل:
أخبرنا مالك، عن عبد الملك بن قرير. وانقطع الحديث من الأصل.
وإنما أراد ما أخرجه مالك في الموطأ: عن عبد الملك، عن ابن سيرين أن رجلاً قال: أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية، فأصبنًا ظبيا ونحن محرمان، فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال نحكم، قال: فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلاً، فدعاه عمر، فقال: هل تقرأ المائدة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم؟ قال: لا، قال: لو أخبرتني أنك تقرؤها لأوجعتك ضربًا، ثم قال: إن الله قال في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) وهذا عبد الرحمن بن عوف.
قال الشافعي: فيحتمل أن يكون أوطآ الظبية مخطئين والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: كان مجاهد يقول: ومن قتله منكم متعمدًا غير ناسٍ لحرمة ولا مريدًا غيره فأخطأ به فقد أحل وليست له برخصة، ومن قتله ناسيًا لحرمه وأراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر عليه النعم.
هذا شرح ما ذكرنا من مذهب مجاهد وإيضاح له، فإنه يقول: إن قاتل
стр. 1434
الصيد إذا كان متعمدًا لقتله وليس ناسيًا لإحرامه، ولا أراد أن يرمي شيئًا فأخطأ فوقع في صيد؛ أنه لا شيء عليه من الجزاء، إنما يحل إحرامه ولا رخصة له من كفارة ولا غيرها، يعني أن عليه العقوبة التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ (١) وإن كان قاتل الصيد قد تعمد قتله وهو ناس أنه محرم، أو أراد أن يرمي شيئًا غير الصيد فوقع في صيد فقتله، فإن هذا هو العمد الذي تكفره النعم ويجب فيه الجزاء، وبيان نظم لفظ هذا الحديث:-
أما القسم الأول: فإن قوله: "غير ناسٍ" منصوبًا على الحال تقديره: قتله ذكرًا لإحرامه، وقوله: "ولا مريدًا" منصوب بالعطف على موضع غير ناسٍ كما ذكرناه، وقوله: "فأخطأ به"من جملة المعطوف، تقديره: ولا مريدًا غيره ولا مخطئًا به، أي: لم يكن مريدًا لغيره بالرمي. فحصل من مجموع هذا اللفظ أنه قتل ذاكرًا أو غير مخطئ به.
وأما القسم الثاني: فتقديره: قتله ناسيًا أو مريدًا مخطئًا.
وقوله: "المكفر عليه النعم" يريد الذي يجب فيه الجزاء، فسمى الجزاء كفارة، والنعم: الإبل، والبقر، والغنم.
قال الشافعي: قوله: أحسبه ذهب إلى عقوبة الله قال: ومعناه في الصيد: أنه لا يكفر العمد الذي لا يخلطه ويكفر العمد الذي يخلطه الخطأ، يذهب إلى أنه إن عمد قتله ونسي إحرامه، أو عمد غيره فأصابه يعني كفر.
وقد أخرج الشافعي ﵁: عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (١) قال: يعني متعمدًا لقتله ناسيًا لحرمه فذلك الذي يحكم عليه، ومن قتله متعمدًا لقتله ذاكرًا لحرمه لم يحكم عليه.
قال الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا
стр. 1435
عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. قال: من أجل أنه أصابه في حرم -يريد البيت- كفارة ذلك عند البيت.
الجزاء: مصدر جزيته أجزيه جزاء، وهو مقابلة الصنع بما يماثله أو يكافئه، وهو من قوله: جزى عني هذا الأمر أي قضى.
ومعنى الآية: ومن قتله منكم متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم، أي فعليه من النعم جزاء مثل المقتول من الصيد، ومن النعم تتعلق بجزاء تعلق الخبر بالمبتدأ لا بالمقتول، وقد قرئ: "فجزاء مثل ما قتل" الرفع فيهما وتنوين الجزاء، أي: فيلزمه جزاء مثله من النعم، التقدير: فعليه جزاء مثله، فيكون مثله صفة الجزاء، ويجوز أن يرفع الجزاء بالابتداء ومثل ما قتل خبر، فالمعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل، وعلى القراءة الأولى: يكون من النعم خبر المبتدأ الذي هو الجزاء، وهديًا: منصوب على الحال من الضمير في يحكم به، أو أنه تلك من محل مثل لأن موضعه النصب، التقدير: يجزئ مثل ما قتل.
وبالغ الكعبة: وصف للهدي يريد أنه يبلغ بالهدي الكعبة ويذبحه عندها، ولذلك جاء في الجواب: من أجل أنه أصابه في حرم البيت، وذلك أن جزاء الصيد يجب بأمرين أحدهما: على المحرم، والثاني: على من قتله في الحرم وإن لم يكن محرمًا.
ولذلك قال عطاء: إنما وجب بلوغه الكعبة لأنه قتله في الحرم.
وكفارة عطف على قوله: فجزاء، أي فعليه هذا أو هذا.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الواجب في جزاء الصيد مثله من الإبل والبقر والغنم، وهو مخير أن يخرج المثل ويذبحه ويفرق لحمه، وبين أن يقومه بدراهم ويقوم الدراهم طعامًا ويتصدق بالطعام، وبين أن يصوم عن كل مد يومًا. وبه قال مالك إلا أنه قال: إذا قومَّ قوَّم الصيد وبذلك حكم عمر،
стр. 1436
وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وعن أحمد روايتان أحدهما مثل قول الشافعي، والأخرى: أنه على الترتيب فإن عدم المثل أخرج القيمة.
وقال أبو حنيفة: الواجب فيه قيمته، ويجوز أن يصرف القيمة في المثل من النعم.
وأما بلوغه الكعبة: فإن الشافعي: يوجب ذبحه بالحرم ويتصدق به في الحرم. وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وأبو ثور، والنخعي.
وقال أبو حنيفة: يذبحه أين شاء.
قال الشافعي: أخبرني سعيد، عن ابن جريج، أن عطاء قال: يتصدق الذي يصيب بمكة، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) قال: يتصدق بمكة.
قال الشافعي ﵁: يريد عطاء ما وصفت من أن الطعام والنعم كله هدي. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد [عن] (٢) ابن جريج، عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣) له أيتهن شاء.
وعن عمرو بن دينار قال: كل شئ في القرآءن "أو" له كيف شاء. قال ابن جريج: إلا قول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤) فليس بمخير فيهما.
قال الشافعي: كما قال ابن جريج وغيره في المحارب وغيره في هذه المسألة أقوال.
هذا الحديث مسوق لبيان ما ذهب إليه الشافعي، من التخيير في كفارة جزاء
стр. 1437
الصيد، لأن عمرو بن دينار قال: له أيتهن شاء، وعم القول بقوله: كل شء في القرآن "أو" له أيه شاء، واستئنى ابن جريج آيه المحاربة، وهو قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) فجاء بـ "أو" وليست للتخيير، قال الشافعي: وبقول ابن جريج وغيره -يعني عمرو بن دينار- في المحارب وغيره أقول.
وقوله: "في هذه المسألة" يريد جزاء الصيد.
وفي آية المحاربة خلاف هل هو للتخيير أم لا؟
قال الربيع: قلت للشافعي: هل قال أحد ليس بالخيار؟
فقال: نعم. أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم قال: من أصاب ما يبلغ فيه شاة فذلك الذي قال الله ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) وأما ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي العصفور، يقتل فلا يكون فيه هدي، قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: عدل النعامة وعدل العصفور.
قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء، فقال عطاء: كل شئ في القرآن أو يختار منه صاحبه ما شاء.
قال الشافعي: وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج أنه قال لعطاء: ما قوله: "أو عدل ذلك صيامًا". قال: إن أصاب ما عدل شاة فصاعدًا أقيمت الشاة طعامًا، ثم جعل مكان كل مد يومًا يصومه.
قال الشافعي: وهذا -إن شاء الله- كما قال عطاء وبه أقول.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: في الضَّبع كبش.
стр. 1438
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة -مولى ابن عباس- يقول: "أنزل رسول الله ﷺ ضبعًا كبشًا صيدًا وقضى فيها كبشًا".
الضبع معروفة، ولا تقول: ضبعة لأن الذكر ضبعان وجمع الضبع: ضباع، ويقع هذا الجمع على الذكور والإناث.
وكبش: مرفوع بالابتداء وخبره قوله: "في الضبع" وإنما أخره لأنه نكرة.
وقوله: "أنزل رسول الله ﷺ ضبعا صيدا" أي حكم وفرض فيما حكم به، وافترضه أن الضبع صيد وأن فيه كبشا.
قال الشافعي: وهذا حديث لا يثبت مثله لو انفرد.
وإنما قال هذا لانقطاعه، وقد روي عن الوليد، عن ابن جريج، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً مرفوعًا وليس بالقوي.
قال الشافعي: وإنما ذكرنا أن مسلمًا أخبرنا عن ابن جريج وذكر الحديث وهو.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عمير، عن ابن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هي؟ قال: نعم. فقلت: أتؤكل؟ فقال: نعم. فقلت: سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم.
هذا حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
أما أبو داود (١): فأخرجه عن محمد بن عبد الله الخزاعي، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد (٢)، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر
стр. 1439
قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع؟ فقال: "هو صيد" وجعل فيه كبشًا إذا صاده المحرم.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج بالإسناد قال: قلت لجابر: الضّبُع أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن [محمد بن منصور، عن سفيان، عن ابن جريج بنحو رواية الترمذي] (٣).
قال الترمذي: سألت عنه البخاري، فقال: هو حديث صحيح.
وإنما قال الشافعي في سياق حديث ابن عباس: وإنما ذكرناه لأجل هذا الحديث، لأن حديث ابن عباس قد تضمن أن الضبع صيد وإن صيد، وأن فيها كبشًا، فقال: إن مثل هذا الحديث لا يثبت لو انفرد، وإنما ذكرناه وإن كان منقطعًا لا يثبت مثله لأن جابرًا روى عنه من وجه صحيح مما يعضده، وذكر الحديث.
قوله: "أصيد هي" جملة من مبتدأ وخبر فالمبتدأ "هي" والخبر "أصيد" مقدم عليه، والجملة في رواية الترمذي خبر المبتدأ الأول الذي هو الضبع.
[وأنا أولى] (٤) حرف الاستفهام للصيد لأنه عن الصيد أراد أن يسأل فأوقع الاستفهام على ما هو ألزم.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن من قتل ضبعًا وهو محرم أو كان في الحرم، فإن عليه أن يذبح كبشًا. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن الزبير.
стр. 1440
وأن الكبش من النعم بمنزلة الضبع من الصيد.
قال الشافعي: الضبع يؤكل. وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أكلها.
وقال مالك: يكره أكلها.
قال الشافعي: وفي الحديث بيان أنه إنما يفدي ما يؤكل من الصيد دون ما لا يؤكل.
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك أن أبا الزبير حدثه عن جابر ابن عبد الله: "أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش".
ورواه أيضًا عن مالك وابن عيينة، عن أبي الزبير، ثم قال: وهذا قول من حفظت عنه من مفتينا المكيين.
وقد أخرج الشافعي أيضًا في كتاب "اختلافه مع مالك" في جملة حديث هكذا قال: "إن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة".
وقد فرقه في كتاب الحج، وسيرد ذكره مفرقًا إن شاء الله تعالى.
وقد أخرج -أيضًا- الشافعي: عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال في الضبع: "صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم".
كذا قال في كتاب المناسك (١) وفي القديم (٢) قال الربيع: قال الشافعي، عن ابن علية، كذا قال في كتاب "علي وعبد الله" عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي في الضبع كبش.
قال: وقال -فيما بلغه-: عن ابن أبان، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، "أن عليًّا قضى في الضبع بكبش".