← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وعن أحمد روايتان أحدهما مثل قول الشافعي، والأخرى: أنه على الترتيب فإن عدم المثل أخرج القيمة. وقال أبو حنيفة: الواجب فيه قيمته، ويجوز أن يصرف القيمة في المثل من النعم. وأما بلوغه الكعبة: فإن الشافعي: يوجب ذبحه بالحرم ويتصدق به في الحرم. وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وأبو ثور، والنخعي. وقال أبو حنيفة: يذبحه أين شاء. قال الشافعي: أخبرني سعيد، عن ابن جريج، أن عطاء قال: يتصدق الذي يصيب بمكة، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) قال: يتصدق بمكة. قال الشافعي ﵁: يريد عطاء ما وصفت من أن الطعام والنعم كله هدي. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد [عن] (٢) ابن جريج، عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣) له أيتهن شاء. وعن عمرو بن دينار قال: كل شئ في القرآءن "أو" له كيف شاء. قال ابن جريج: إلا قول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤) فليس بمخير فيهما. قال الشافعي: كما قال ابن جريج وغيره في المحارب وغيره في هذه المسألة أقوال. هذا الحديث مسوق لبيان ما ذهب إليه الشافعي، من التخيير في كفارة جزاء

стр. 1437

الصيد، لأن عمرو بن دينار قال: له أيتهن شاء، وعم القول بقوله: كل شء في القرآن "أو" له أيه شاء، واستئنى ابن جريج آيه المحاربة، وهو قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) فجاء بـ "أو" وليست للتخيير، قال الشافعي: وبقول ابن جريج وغيره -يعني عمرو بن دينار- في المحارب وغيره أقول. وقوله: "في هذه المسألة" يريد جزاء الصيد. وفي آية المحاربة خلاف هل هو للتخيير أم لا؟ قال الربيع: قلت للشافعي: هل قال أحد ليس بالخيار؟ فقال: نعم. أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم قال: من أصاب ما يبلغ فيه شاة فذلك الذي قال الله ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) وأما ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي العصفور، يقتل فلا يكون فيه هدي، قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: عدل النعامة وعدل العصفور. قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء، فقال عطاء: كل شئ في القرآن أو يختار منه صاحبه ما شاء. قال الشافعي: وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج أنه قال لعطاء: ما قوله: "أو عدل ذلك صيامًا". قال: إن أصاب ما عدل شاة فصاعدًا أقيمت الشاة طعامًا، ثم جعل مكان كل مد يومًا يصومه. قال الشافعي: وهذا -إن شاء الله- كما قال عطاء وبه أقول. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: في الضَّبع كبش.

стр. 1438

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة -مولى ابن عباس- يقول: "أنزل رسول الله ﷺ ضبعًا كبشًا صيدًا وقضى فيها كبشًا". الضبع معروفة، ولا تقول: ضبعة لأن الذكر ضبعان وجمع الضبع: ضباع، ويقع هذا الجمع على الذكور والإناث. وكبش: مرفوع بالابتداء وخبره قوله: "في الضبع" وإنما أخره لأنه نكرة. وقوله: "أنزل رسول الله ﷺ ضبعا صيدا" أي حكم وفرض فيما حكم به، وافترضه أن الضبع صيد وأن فيه كبشا. قال الشافعي: وهذا حديث لا يثبت مثله لو انفرد. وإنما قال هذا لانقطاعه، وقد روي عن الوليد، عن ابن جريج، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً مرفوعًا وليس بالقوي. قال الشافعي: وإنما ذكرنا أن مسلمًا أخبرنا عن ابن جريج وذكر الحديث وهو. أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عمير، عن ابن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هي؟ قال: نعم. فقلت: أتؤكل؟ فقال: نعم. فقلت: سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم. هذا حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن محمد بن عبد الله الخزاعي، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد (٢)، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر

стр. 1439

قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع؟ فقال: "هو صيد" وجعل فيه كبشًا إذا صاده المحرم. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج بالإسناد قال: قلت لجابر: الضّبُع أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن [محمد بن منصور، عن سفيان، عن ابن جريج بنحو رواية الترمذي] (٣). قال الترمذي: سألت عنه البخاري، فقال: هو حديث صحيح. وإنما قال الشافعي في سياق حديث ابن عباس: وإنما ذكرناه لأجل هذا الحديث، لأن حديث ابن عباس قد تضمن أن الضبع صيد وإن صيد، وأن فيها كبشًا، فقال: إن مثل هذا الحديث لا يثبت لو انفرد، وإنما ذكرناه وإن كان منقطعًا لا يثبت مثله لأن جابرًا روى عنه من وجه صحيح مما يعضده، وذكر الحديث. قوله: "أصيد هي" جملة من مبتدأ وخبر فالمبتدأ "هي" والخبر "أصيد" مقدم عليه، والجملة في رواية الترمذي خبر المبتدأ الأول الذي هو الضبع. [وأنا أولى] (٤) حرف الاستفهام للصيد لأنه عن الصيد أراد أن يسأل فأوقع الاستفهام على ما هو ألزم. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن من قتل ضبعًا وهو محرم أو كان في الحرم، فإن عليه أن يذبح كبشًا. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن الزبير.

стр. 1440

وأن الكبش من النعم بمنزلة الضبع من الصيد. قال الشافعي: الضبع يؤكل. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أكلها. وقال مالك: يكره أكلها. قال الشافعي: وفي الحديث بيان أنه إنما يفدي ما يؤكل من الصيد دون ما لا يؤكل. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك أن أبا الزبير حدثه عن جابر ابن عبد الله: "أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش". ورواه أيضًا عن مالك وابن عيينة، عن أبي الزبير، ثم قال: وهذا قول من حفظت عنه من مفتينا المكيين. وقد أخرج الشافعي أيضًا في كتاب "اختلافه مع مالك" في جملة حديث هكذا قال: "إن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة". وقد فرقه في كتاب الحج، وسيرد ذكره مفرقًا إن شاء الله تعالى. وقد أخرج -أيضًا- الشافعي: عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال في الضبع: "صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم". كذا قال في كتاب المناسك (١) وفي القديم (٢) قال الربيع: قال الشافعي، عن ابن علية، كذا قال في كتاب "علي وعبد الله" عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي في الضبع كبش. قال: وقال -فيما بلغه-: عن ابن أبان، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، "أن عليًّا قضى في الضبع بكبش".

стр. 1441

قال الشافعي: وبهذا نقول، وهو يوافق ما روي عن عمر وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم يقولون: يغرم قيمتها لا يجعلون فيها شيئًا مؤقتًا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك وسفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أن عمر بن الخطاب قضى في الغزال بعنز. العنز: الأنثى من المعز، وإنما قضى في الغزال بعنز: لأن العنز بمنزلة الغزال في القدر. قال ابن المنذر: ثبت أن عمر بن الخطاب قال: "في الظبي شاة" وروي ذلك عن علي. وبه قال عطاء وعروة، وابن الزبير، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. قال: ولا يحفظ فيه عن غيرهم خلافهم، وليس لاشتراط العنز في الغزال وجه، وإنما الواجب في الغزال شاة، والضابط في المثلية: أن يراعي الخلقة والقدر، والكبر والصغر، وما وجد للصحابة فيه قضية اتبعت وما لا يوجد فيه لهم قضية فعلى ما يناسبها ويقرب منها بعد الاجتهاد. وقد أخرج الشافعي: عن سعيد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: "في الظبي تيس أعفر أو شاة مسنة". قال: وأخبرنا سعيد، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة أن رجلاً بالطائف أصاب ظبيًا وهو محرم، فأتى عليًّا، فقال: اهد كبشًا، أو قال: شيئًا من الغنم". قال الشافعي: وبهذا نأخذ لما وصفت قبله مما يثبت. يريد حديث عمر، فأما هذا فلا يثبته أهل الحديث، وإنما قال ذلك لانقطاعه وأن عكرمة لم يدرك عليًّا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك وسفيان، عن أبي الزبير، عن جابر: أن عمر قضى في الأرنب بعناق، وأن عمر قضى في اليربوع بجفرة. وهذا أيضًا طرف من الحديث الذي أخرجه في كتاب "اختلافه مع مالك"

стр. 1442

وقد أخرجه مالك في الموطأ بطوله (١). العناق: الأنثى من ولد المعز، والجمع: أعنق وعنوق. واليربوع: حيوان صغير معروف، والياء في أوله زائدة لأن ليس في كلام العرب فعلول، قاله الجوهري. والجفرة والجفر: من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر إلا أنه دون العناق، لأن اليربوع دون الأرنب. وبهذين الجزاءين قال الشافعي. وقال ابن عباس: في الأرنب حَمَلَ. وقال عطاء: شاة. ولم يوقت فيه الحسن البصري شيئًا. وقال أبو حنيفة: فيه قيمته، دون الجذع من الضأن أو الثني من المعز ففيه صدقة أو صيام. وقال ابن مسعود في اليربوع مثل قول عمر، وبه قال عطاء، وأبو ثور. وقال مجاهد: مرة سخلة، ومرة شاة. وقال النخعي: فيه ثمنه. وقال مالك: قيمته طعام. وقال أبو حنيفة: قيمته. وقد أخرج الشافعي: عن سفيان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن عباس أنه قال: "في الأرنب شاة". قال: وأخبرني سعيد، عن ابن جريج أن مجاهدًا قال: في الأرنب شاة. قال البيهقي (٢): كذا وجدته في ثلاث نسخ، والصواب عن ابن عباس في

стр. 1443

الأرنب عناق، وسقطت رواية سعيد عن ابن جريج عن عطاء في الأرنب شاة، ودخل حديث عطاء في حديث ابن عباس. وكلامه يدل على صحة ما قلت. قال الشافعي: الصغيرة والكبيرة من الغنم يقع عليها شاة، فإن كان عطاء ومجاهد أرادا صغيرة فكذلك نقول، ولو كانا أرادا مسنة خالفناهما وقلنا قول عمر بن الخطاب، وما روي عن ابن عباس أن فيها عناقًا دون المسنة، وكان أشبه لمعنى كتاب الله . رحم الله -تعالى- الشافعي ما كان أتقنه، ألا تراه قال: قلنا قول عمر بن الخطاب، لأنه عنه صحيح موصول، ثم قال: وما روي عن ابن عباس، لأن الضحاك بن مزاحم لا يثبت سماعه -عند أهل العلم بالحديث- من ابن عباس (١)، فلم يطلق القول بأنه قول ابن عباس، فكذلك ينبغي لأهل العلم أن يقتدوا به في الإتقان والتثبت في الرواية. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: أنه قضى في اليربوع بجفر -أو جفرة. هذا الحديث مؤكد لحديث جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب والحكم إذا تعاضدت على العمل به الأقوال ولا سيما من الصحابة، وخاصة عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وهما مما فباهيك به وثوقًا واتباعًا. وقد رواه الشافعي وأيضًا عن [] (٢) ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن ابن مسعود حكم في اليربوع بجفر أو جفرة. وأخرج أيضًا عن سعيد، عن الربيع بن صبيح، عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: في اليربوع جفرة.

стр. 1444

قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، أخبرنا مخارق، عن طارق بن شهاب قال: "خرجنا حجاجًا فأوطأ رجل منا -يقال له: أربد- ضبًّا ففزر (١) ظهره، فقدمنا على عمر فسأله أربد، فقال عمر: احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني، فقال أربد: أرى فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذاك فيه". تقول: وطئت الشيء أطؤه وطأ: إذا دسته، وأوطأت دابتي فلانًا: إذا جعلتها تطؤه، فكأنه أراد أنه أوطأ بعيره ضبًّا فشق ظهره. والفزر: القطع والشق. والتزكية: المدح والإطراء، والأصل فيه: التطهير والزيادة. وقوله: قد جمع الماء والشجر، يريد أنه قد أكل ورعى وشرب الماء وتجاوز حد الرضاع من أمه. وبهذا الحديث قال الشافعي. وقال جابر بن عبد الله وعطاء: فيه شاة. وقال مجاهد: حفنة من طعام. وقال قتادة: صاع من طعام. وقال مالك: فيه قيمته من الطعام. وقال أبو حنيفة ﵀: من (٢) قيمته. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف، عن أبي السفر: أن عثمان بن عفان قضى في أم حبين بحلان من الغنم.

стр. 1445

أم حُبين -بضم الحاء المهملة، وفتح الباء المعجمة بواحدة من تحتها، وبعدها ياء معجمة بنقطتين من تحتها، وبالنون-: دويبة معروفة عند العرب وهي معروفة مثل: ابن عرس، وابن آوى، إلا أنه تعريف جنس فربما أدخلوا عليها الألف واللام، قالوا: أم الحبين، لا تكون بحذف الألف واللام منها نكرة وهو شاذ، ويقال: حبيبة أيضًا: وهي دابة منتفخة البطن، وسميت أم حبين: لانتفاخ بطنها، ومنه الأحبن وهو المستسقي. والحلان -بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام والنون -الجدي- يؤخذ من بطن أمه، وهو فعال لأنه مبدل من حلام وهما بمعنى، وإن جعلته من الحلال فهو فعلان والميم مبدلة منه. قال الأصمعي: الحلان والحلام -بالنون والميم-: صغار الغنم. قال الأزهري -وذكر هذا الحديث- فقال: وفسر في الحديث أنه الحمل، قال: وروي عن عمر: أنه قضى في الأرنب إذا قتله المحرم بحلان، وفسر في الحديث أنه جدي ذكر. قال: وقال الليث: الحلان: الجدي الذي يُبقر عن بطن أمه. وقال أبو عبيد، عن الأصمعي أنه قال: ولد المعز حُلَام وحلَّان. وقال أبو العباس: عن ابن الأعرابي: الحلام والحلان واحد وهو ما يولد من الغنم صغيرًا. وقال أبو سعيد: ذكر أن أهل الجاهلية كانوا إذا ولَّدوا شاة عمدوا إلى السخلة فشرطوا أذنها، وقالوا وهم يشرطون: حلان. أي حلال هذا الشرط أن يؤكل، فإن مات كان ذكاته عندهم ذلك الشرط الذي تقدم. قال: ويسمى حُلَانا إذا حُلّ من الرِّبق فأقبل وأدبر، وقال ابن شميل: الحلان: الحمل.

стр. 1446

انتهى كلام الأزهري في باب "حل" (١) ولم يذكره في باب حلن، لأن النون عنده زائدة، ثم ذكره في باب "حلم". قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ولد المعز حلام وحلان. والشافعي فسر الحلان بالحمل، وقال: فإن كانت العرب تأكلها -يعني أم حبين- فهذا كما روي عن عثمان، يقضي فيها بولد شاة حمل أو بمثله من المعز مما لا يقوته. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني: أن عمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية، قالوا: "في النعامة يقتلها المحرم بدنة من الإبل". قال الشافعي: غير ثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو قول الأكثر ممن لقيت فبقولهم أن في النعامة بدنة، وبالقياس قلنا: في النعامة بدنة لا بهذا وإنما قال ذلك لأنه منقطع، فإن عطاء الخراساني ولد سنة خمسين فلم يدرك عمر ولا عثمان ولا عليًّا ولا زيدًا، وكان في زمان معاوية صبيًّا, ولم يثبت له سماع من ابن عباس، وقد كان يحتمل أنه سمع منه لأن ابن عباس توفي سنة ثمان وستين، وعطاء الخراساني مع انقطاع حديثه هذا قد تكلم فيه أهل العلم بالحديث. وأخرج الشافعي أيضًا: عن سعيد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أنه قال: "في بقرة الوحش بقرة، وفي الإبل بقرة". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين، عن عبد الله بن كثير الداري، عن طلحة بن أبي حفصة،

стр. 1447

عن نافع بن عبد الحارث قال: قدم عمر بن الخطاب مكة فدخل دار الندوة في يوم الجمعة وأراد أن يستقرب منها الرواح إلى المسجد، فألقى رداءه على واقف في البيت، فوقع عليه طير من هذا الحمام فأطاره، فانتهزته حية فقتلته، فلما صلى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان بن عفان، فقال احكما: عليَّ في شيء صنعته اليوم، إنى دخلت هذه الدار فوقع عليه طير من هذا الحمام، فخشيت أن يلطخه بسلحه فأطرته عنه، فوقع على هذا الواقف الآخر فانتهزته حية فقتلته، فوجدت في نفسي أن أطرته -وفي نسخة: أطردته- من منزل كان فيه حتفه، فقلت لعثمان كيف ترى في عنز ثنية عفراء نحكم بها على أمير المؤمنين؟ فقال: إني أرى ذلك، فأمر بها عمر بن الخطاب. مساق هذا الحديث: البيان حكم الواجب في جزاء الطير، وفيه: بيان حكم الجزاء إذا لم يكن فيه نص لا بد من حكم عدلين، لقول الله -تعالى-: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وفيه: بيان أن من كان سببًا في إتلاف الصيد وهو غير مباشر ولا قاصد ما عليه. ودار الندوة: كانت قديمًا في الجاهلية، وكانت مجتمعًا القرين يتشاورون فيها ويجتمعون بها، وأصل الكلمة: من الندى والنادي والمنتدى والندوة، فإن تفرق القوم فليس ندى، ومن ذلك سميت دار الندوة، وكان بناها قصي بن كلاب لأنهم كانوا يندون بها أي يجتمعون فيها للرأي والمشورة. والاستقراب: استفعال من القرب وكانت دار الندوة ملاصقة الحرم، ومنه باب الندوة وهو اليوم أحد أبواب الحرم، فإن دار الندوة إذًا دخلت في الحرم وهي معروفة إلى الآن.

стр. 1448

والواقف: [] (١). والطير: جمع طائر قال أبو عبيد وقطرب: ويقع على الواحد وهاهنا قد أطلق على الواحد. والانتهاز والاقراص: الاغتنام، تقول: انتهز الفرصة أي اغتنمها. وقوله: "فأطرته"، من الطيران، تقول: طار الطائر، وأطرته أنا وطيرته. وأما فأطردته فمعناه: أمرت بطرده، فإن الأصل طردته أطرد طردا. والثنية من المعز: هي التي دخلت في السنة الثالثة وذلك أنها تلقي ثنيتها فيها. والعفراء من الغنم: البيضاء التي يعلو بياضها حمرة. والأعفر: الأبيض الذي ليس بالشديد. والحتف: الموت وانتهاء العمر. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الطير أصناف: فالحمام منها شاة. وبه قال مالك، وأحمد، وروي عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وإليه ذهب ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وقتادة، وأبو ثور. وسواء عند الشافعي حمام مكة وغيرها إذا قتله المحرم. وبه قال ابن عباس، وابن المسيب، وعطاء، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: في حمام الحرم والحل قيمته. وقال الزهري والنخعي: مثله في حمام الحل. وقال مالك: في حمام الحل حكومة ولا يشبه حمام مكة. وقال قتادة: فيه درهم.

стр. 1449

وأما بيان ما حكمت فيه الصحابة والتابعون وما لم تحكم فيه، فإن الشافعي قال: يجب اتباعهم فيما حكمت فيه، ولا يجوز الاجتهاد في مثله وتيقن ما حكموا به. وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت وما لم تحكم، وأما إذا لم يحكموا فيه: يجتهد فيه ذوا عدل من المسلمين، يلحقانه بما هو أقرب إليه من النعم. قال الشافعي: وأحب أن يكونا فقيهين. وأما بيان من كان سببًا إلى إتلاف الصيد بزيادة، فإن الأسباب الموجبة للضمان لا تخفى، ويختص الصيد بزيادة في الأسباب، كما لو نفر صيدًا فمضى وسقط في نُفُورِه ضمن، وإن مات بآفة سماوية وقت النفور فوجهان، وكما لو أرسل كلبًا فاصطاد ضمن ما اصطاد، وينزل هذا الحديث منزلة من نفَّر الصيد بعرض له لا من المفر، لأن الحية لا تعلق المنفر بها وإنما كان سببًا بتنفيره من مكان إلى مكان. وقال صاحب الشامل: يجب عليه الضمان قولًا واحدًا. وقد أخرج الشافعي: عن سعيد، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: أمر عمر ابن الخطاب بحمامة فأطرت، فوقف بالمروة وأخذتها حية، فجعل فيها شاة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء أن عثمان بن عبيد بن حميد قتل ابن له حمامة، فجاء إلى ابن عباس فقال ذلك، فقال ابن عباس: يذبح شاة فيتصدق بها. قال ابن جريج: فقلت لعطاء: من حمام مكة؟ قال: نعم. هذا الحديث مسوق لبيان جزاء حمام مكة، وأن حكمه حكم جزاء حمام غير مكة على المحرم، وهو ما ذهب إليه الشافعي لأنه قال: فقلت: أمن حمام مكة؟ قال: نعم، فصرح بأنه من حمام مكة.

стр. 1450

وقوله: "يذبح (١) شاة" يجوز أن يكون أمرًا، وقد حذف لام الأمر بكثرة الاستعمال، أراد: ليذبح شاة، لأن الأمر للغائب يحتاج إلى اللام، تقول: ليقم زيد، ويجوز أن يكون خبرًا، كأنه قال: إن ابني قتل حمامة فما عليه؟ قال له: يذبح شاة أي عليه ذبح شاة ويتصدق بها. قال الشافعي: وقد ذهب ذاهب: إلى أن في حمام مكة شاة وما سواه من حمام غير مكة من الطائر قيمته. وأظنه أراد. مالكًا. قال الشافعي: وما عب في الماء عبًّا من الطائر فهو حمام، وما شربه قطرة قطرة كشرب الدجاج فليس بحمام، وهكذا أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار "أن غلامًا من قريش قتل حمامة من حمام مكة، فأمر ابن عباس أن يفدى عنه بشاة". هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "الحج" (٢) من الأمالي. وأخرج أيضًا عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس "أنه قضى في حمام مكة بشاة". قال الشافعي: وقال ذلك عمر، وعثمان، ونافع بن عبد الحارث وعبد الله ابن عمرو، وعاصم بن عمرو، وسعيد بن المسيب، وعطاء. قلت: وهذا الحديث يجوز أن يكون هو الحديث الذي قبله، إلا أنه سمى في الأولى قاتل الحمامة وهو ابن عثمان بن عبيد الله وهنا لم يسمه، إنما قال: غلام من قريش، ويجوز أن يكون الحديث غير الأول، وأن الغلام المذكور فيه غير ابن عثمان بن عبيد الله بن حميد. والله أعلم.

стр. 1451

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن أبي عمار أخبره "أنه أقبل مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة، حتى إذا كنا ببعض الطريق وكعب على نار يصطلي، مرت به رجل من جراد فأخذ جرادتين فملهما ونسي إحرامه، ثم ذكر إحرامه فألقاهما، فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر ودخلت معهم، فقص كعب قصة الجرادتين على عمر، فقال عمر بن الخطاب: ومن ذلك؟ لعلك بذلك كعب؟ ". قال: نعم إن حمير تحب الجراد، قال: ما جعلت في نفسك؟ قال: درهمين. قال: بخ درهمان خير من مائة جرادة، اجعل ما جعلت في نفسك. قوله: "محرمين" يجوز أن يكون حالًا من الراوي وممن كان معه من المذكورين، ويجوز أن يكون وصفًا لأناس. ومن في قوله: "من بيت المقدس" متعلقة بأقبل أو بمحرمين. وهو أولى. والباء في "بعمرة" متعلقه بمحرمين. وقوله: "حتى إذا كنا ببعض الطريق" رجوع من الغيبة إلى المتكلم، لأنه قال: أخبره أنه أقبل، فالكلام ليوسف بن ماهك، عن عبد الله بن أبي عمار، ثم قال: "إذا كنا" فالكلام لعبد الله بن أبي عمار، وهذا نوع من أنواع البلاغة والتصرف في الكلام، وهو في القرآءن العزيز كثير وله حسن في المجاورة وأوفق. والاصطلاء: التدفي بالنار وهو افتعال صلى يصلى فهو مصتل، فقلبت التاء طاء لقرب المخرج في التاء والطاء، ولمشاركة الطاء للصاد في الإطباق. والرجل -بكسر الراء وسكون الجيم-: الجماعة الكثيرة من الجراد خاصة،

стр. 1452

وهو جمع على غير لفظ الواحد وذلك في كلامهم كثير، كقولهم لجماعة البقر: صوار، ولجماعة الحمير: عانة. وقوله: فملهم: أي سواهما بالملة وهي الرماد الحار، تقول: مللت الخبز أمله ملا وأمللته إذا عملته في الملة. وقوله: "ومن بذلك؟ " أي من المتلبس بهذا الفعل والمباشر له، وذلك كأن كعبًا حكى لعمر القضية ولم يعزها إلى نفسه، إنما قالها مطلقًا كالمخبر أو المستفتي، فقال له عمر: ومن الذي فعل ذلك؟ ولهذا قال له عمر بعد ذلك ولعلك أنت المتلبس به يا كعب إن حمير تحب الجراد؟! لأن كعبًا من حمير وأنك إنما جعلت تأخذ الجرادتين لأنك من حمير وحمير تحب الجراد، وأنه أراد أنك بأخذ الجرادتين وتسرعك إليهما، يدل على أن القوم الذين أنت منهم يحبون الجراد، وأن هذا الوصف فيك تالدٌ لا أن هذا شيء معروف بهم. وقوله: "ما فعلت في نفسك" يريد ما نويت أن تجرئ به الجرادتين. وقوله: "بخ" هذه كلمة تقال عند المدح والرضا بالشئ وهي ساكنة وتكرر للمبالغة، فيقال: بخ بخ، فإن [فصلت خففت فقلت ونونت بخ (١) بخ وربما شددت. وبخخت الرجل إذا قلت له ذلك. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجراد يحب فيه الجزاء وروى عن عمر، وابن عباس، وأهل العلم. وقال أبو سعيد الخدري: لا جزاء فيه، لأنه زعم أن أقل ما خلق خروج من منخر حوت فهو يجزي وصيد البحر لا جزاء فيه. وروي ذلك عن عروة، وقد روي عن كعب أنه نترة حوت. وقال ابن عباس: قبضة من طعام.

стр. 1453

وقال عطاء: قبضة أو لقمة. وقال الشافعي: ما كان من الطائر ليس بحمام ففيه قيمته في الموضع الذي يصاد فيه. وبه قال أبو ثور. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد [عن] (١) ابن جريج قال: أخبرني بكير بن عبد الله قال: سمعت القاسم يقول: "كنت جالسًا عند ابن عباس، فسأله رجل عن جرادة قتلها وهو محرم، فقال ابن عباس: قبضه من طعام، ولتأخذن بقبضة جرادات ولكن ولو". قال الشافعي قوله: ولتأخذن بقبضة جرادات إنما فيها القيمة. وقوله: [ولو] (٢) يقول: تحتاط فنخرج أكثر مما عليك بعد أن أعلمتك أنه أكثر مما عليك. انتهى لفظ ابن عباس عند قوله ولو، وما بعده من كلام الشافعي شرح للفظ ابن عباس، لأنه قال: وفسر معنى قوله: لتأخذن بقبضة جرادات بالقيمة، لأنه جعل القبضة ثمنًا لعدة من الجراد. ومعنى قوله: "ولكن" يريد: ولكن أخرج القبضة وإن كانت أكثر من جرادة وجرادات أولى وأحوط. ومعنى قوله: "ولو" يريد: ولو أخرجت أكثر من ذلك كان الأجدر بك والأولى، وإليه أشار الشافعي في كلامه: تحتاط فتخرج أكثر مما عليك بعد أن أعلمك أنه أكثر مما عليك. [وأخرج] (٣) الشافعي هذا الحديث في كتاب "الحج" الأكبر عن مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن بكير بالإسناد "أن رجلاً سأله عن محرم أصاب جرادة، فقال: تصدق بقبضة من طعام" وقال ابن عباس: وليأخذن بقبضة

стр. 1454

جرادات، ولكن على ذلك رأيي. معنى قوله: ولكن على ذلك رأيي أن الجرادة دون القيمة القبضة من الطعام وهي أكثر منها, ولكن أرى -من الرأي- أن يكون ذلك جزاءها وإن كان أكثر منها وأوفى. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا [سعيد] (١) عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: "سئل ابن عباس عن صيد الجراد في الحرم فقال: لا. ونهى عنه. قال: أنا قلت له -أو رجل من القوم-: "فإن قومك يأخذونه وهم محتبون في المسجد؟ قال: لا يعلمون". وأخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مثله إلا أنه قال منحنون. قال الشافعي: ومسلم أصوبهما رواه الحفاظ عن ابن جريج: "منحنون". قوله: محتبون من الحبوة، لقول: احتبى يحتبي احتباءً إذا جمع ركبتيه إلى صدره وشدهما بمنديل أو حبل إلى ظهره، ليكون شبه المسند إلى شيء. والحبوة -بكسر حاؤها وتضم- وقد يحتبي الرجل بيديه. وأما منحنون: قاسم فاعل من الانحناء. وأراد بقوله: وهم محتبون وهم يأخذون الجراد ولا يحتاجون أن يقوموا أو سعوا في صيده، فيجمعون بين هتك حرمة الحرم والإحرام. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عبد الله بن الحصين، عن أبي موسى الأشعري أنه قال "في بيضة النعامة يصيبها المحرم: صوم يوم أو إطعام مسكين". صوم يوم مرفوع لأنه مبتدأ خبره متقدم عليه، وهو قوله: في بيضة النعامة،

стр. 1455

وإنما أخر المبتدأ لأنه نكرة والإطعام معطوف عليه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن ما كان من بيض طير يؤكل لحمه ففي بيضه قيمته. وروي ذلك في بيض النعام عن ابن مسعود، وابن عباس وبه قال الشافعي، والنخعي، والزهري، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. وقال مالك: فيه عشر البدنة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود مثله. هذا الحديث مؤكد لحديث أبي موسى. وقد رواه خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: فيه ثمنه أو قال: قيمته. قال ابن المنذر: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وروي عن ابن عباس: "أنه جعل في كل بيضتين من حمام الحرم درهمًا" وهذا يرجع إلى القيمة. قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: "إن أصبت بيضة نعام وأنت لا تعلم؛ غرمتها تعظم بذلك حرمات الله". قال الشافعي: وبهذا نقول، فإن بيضة الصيد جزء منها لأنها تكون صيدًا. قال الربيع: فقلت للشافعي: هل تروي فيها شيئًا عاليًا؟ فقال: أما شيء يثبت مثله فلا، فقلت له: فما هو؟ قال: أخبرني الثقة عن أبي الزناد "أن النبي ﷺ قال في بيضة النعامة يصيبها المحرم: قيمتها". ثم ذكر حديث أبي موسى وابن مسعود المقدم ذكرهما ولم يذكرهما ليستدل بهما على ما ذهب إليه. إنما حكى ذلك الربيع، وحديث أبي الزناد قد اختلف عليه في إسناده: فروي عن الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : صيام يوم. وأصح ما روي فيه: عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن

стр. 1456

أبي الزناد، عن رجل، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال "في بيض نعام كسره رجل: صيام يوم في كل بيضة". أخرجه أبو داود في المراسيل (١)، وقال: هذا هو الصحيح. قال الشافعي: فيما بلغه عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن علي "فيمن أصاب بيض نعام، قال: يضرب بقدرهن نوقا، قيل له: فإن أزلقت منهن ناقة؟ [قال] (٢) فإن من البيض ما يكون مارقًا وإنما أو (٣) ". هذا حكاية عمن استدل به على مذهبه، فإنه قال: وقال قوم: إذا كانت في النعامة بدنة فيحمل على البدنة، ورووا في هذا عن علي من وجه لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله ولذلك تركناه، وبأن من وجب عليه شيء لم جزه بمغيب يكون أو لا يكون وإنما يجزئه بقائم، وذكر هذا الأثر عن علي ووهنه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن حماد بن سلمة، عن زياد -مولى بني مخزوم وكان ثقة-: "أن قومًا حُرمًا أصابوا صيدًا، فقال لهم ابن عمر: عليكم جزاء، فقالوا: على كل واحد منا جزاء، أو على كلنا جزاء؟ فقال ابن عمر: إنكم لمغرر بكم بل عليكم كلكم جزاء واحد". إصابة الصيد: عبارة عن قتله. وقوله: "إنكم لمغرر بكم" أي إنكم مغرورون جاهلون بما يجب عليكم من الجزاء. وقد أخرج الشافعي هذا الحديث أيضًا عن الثقة، عن حماد بن سلمة، عن عمار -مولى بني هاشم- قال: "سئل ابن عباس: عن نفر أصابوا صيدًا؟ قال:

стр. 1457

عليهم جزاء، قيل: على كل واحد منهم جزاء؟ قال: إنه لمغرر بكم، بل عليكم ذلكم جزاء واحد. قال البيهقي (١): كذا وجدته في كتاب "اختلاف الشافعي ومالك" وفي كلام الشافعي دلالة على أنه ابن عمر وأن الغلط وقع من الكاتب. قال: وقد رويناه من حديث يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عمار -مولى بني هاشم- عن ابن عمر. ورواه ابن مهدي عن حماد، عن عمار، عن رباح، عن ابن عمر. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل صيد وجب عليهم جزاء واحد. وبه قال عمر، وابن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وبه قال الزهري، وعطاء، وحماد، وأحمد، وأبو ثور. وقال مالك وأبو حنيفة والثوري: يجب على كل واحد جزاء كامل. قال الشافعي -فيما ذهب إليه-: وهذا موافقه القرآن لأن الله يقول: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) وهذا مثل، ومن قال: عليه مثلان فقد خالف موافقة معنى القرءان. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن عبد الملك بن قرير، عن ابن سيرين "أن عمر قضى هو ورجل من أصحاب النبي ﷺ -قال مالك: هو عبد الرحمن بن عوف- عن رجلين وطئا ظبيًا فقتلاه؛ بشاة". قال المزني: سمعت الشافعي يقول: وهم مالك في ثلاثة أسامي، قال: عمر ابن عثمان وإنما هو عمرو بن عثمان، وقال: عمر بن الحكم وإنما هو معاوية بن الحكم، وقال: عبد الملك بن قرير، وإنما هو عبد العزيز بن قرير.

стр. 1458

النوع الثامن فيما يجوز قتله من الحيوانات لغير مأكله أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي عمار قال: "رأيت ابن عمر يرمي غرابًا بالبيداء وهو محرمًا" (١). البيداء: موضع قريب من المدينة والميقات قبله، فإذا كان في البيداء يكون قد أحرم من ميقات المدينة وهو ذو الحليفة. والغراب من الفواسق التي يجوز قتلها في الحرم وغيره، وهي: الحدأة، والغراب، والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور. وابن عمر لم يرد صيد الغراب، وإنما أراد دفعه عنه وطرده ليبعده عن أذاه، فلو أصابه برميه لنبله وفذلك جائز، ولهذا ذكره الشافعي مستدلًا به على جواز قتله لأنه صيد. قال الشافعي: قال الله ثناؤه-: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢). فلما أثبت الله -جل ثناؤه- إحلال صيد البحر، وحرم صيد البر ما كانوا حرمًا، دل على أن الصيد الذي حرم عليهم ما كانوا حرمًا؛ ما كان أكله حلالًا لهم قبل الإحرام. قال: وسنة رسول الله ﷺ تدل على ما قلت، وإن كان بيَّنا في الآية. والله أعلم. قال الشافعي: وبهذا نأخذ وهذا عندنا جواب على المسألة وكل ما جمع من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال وأن يكون يضر، قتله المحرم، لأن

стр. 1459

النبي ﷺ إذا أمر بقتل الفأرة، والغراب، والحدأة مع ضعف ضرها إذا كانت مما لا يؤكل لحمه وضره أكثر من ضرها، أولى أن يكون قتله مباحًا. قال: وقد زعم مالك، عن ابن شهاب أن عمر أمر بقتل الحيات في الحرم. قال الشافعي: وأمر عمر بقتل الزنبور في الإحرام. وقد روى محمد بن هارون قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فقال له رجل: أصلحك الله! ما تقول في المحرم قتل زنبورًا؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) حدثني سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ (٢): "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر". وحدثني سفيان، عن مسعر، عن قيس بن مسلم، عن [طارق بن] (٣) شهاب، عن عمر أنه أمر بقتل الزنبور. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب لا جناح عليَّ من قتلهن في الحل والحرم". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (٤): فأخرجه بالإسناد واللفظ.

стр. 1460

وأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف. وأما مسلم (٢): فعن يحيى بن يحيى. وأما النسائي (٣): فعن قتيبة كلهم عن مالك. وأما أبو داود (٤): فعن أحمد بن حنبل، عن سفيان. الجناح: الإثم والضيق، من جنح يجنح إذا مال. وقيل: الجناح: الحماية والحرم. والحدأة -بكسر الحاء وفتح الدال والهمزة-: معروفة وجمعها حدأ بحذف التاء. والعقور -بفتح العين-: الذي ينهش ويفترس وهو من أبنية المبالغة، ويدخل في حكم الكلب كل عقور من سبع كالأسد والنمر. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحيوان على ضربين:- أهلي، ووحشي. فالأهلي: يجوز للمحرم قتله بالذبح والنحر. وأما الوحشي: فعلى ضربين:- ما يؤكل لحمه: فيجوز له قتله كالحيوانات الخمس المذكورة وغيرها إلا أن يكون متولدًا بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، كالحمار المتولد بين الأهلي والوحشي، والسبع المتولد بين الضبع والذئب. فأما قتل ما لا يؤكل لحمه فلا جزاء عليه. وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق.

стр. 1461

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الجزاء إلا الذئب والكلب. وقال مالك: ما لا يبتدي بالأذى كالبازي والصقر والثعلب مضمون. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح قال: سمعت ميمون بن مهران قال: "كنت عند ابن عباس وسأله رجل، فقال: أخذت قملة فألقيتها، ثم طلبتها فلم أجدها، فقال ابن عباس: تلك ضالة لا تبتغى". هذا طرف من حديث قد أخرجه الشافعي أيضًا بطوله في كتاب الحج الأكبر (١) بهذا الإسناد، قال: "جلست إلى ابن عباس فجلس إليه رجل لم أجد رجلاً أطول شعرًا منه، فقال: أحرمت وعلي هذا الشعر؟، فقال ابن عباس: اشتمل على ما دون الأذنين منه، قال: قَبَّلتُ امرأة وليست بامرأتي؟ قال: زنا فوك، قال: رأيت قملة فطرحتها؟ قال: تلك الضالة لا تبتغى". الواو في قوله: "وسأله رجل" واو حال أي كنت عنده وقد سأله رجل. والضالة: الضائعة من ضل يضل إذا لم يهتد الطريق. والابيغاء: الطلب، وقوله: "لا تبتغى" في موضع رفع صفة لضالة أي مبتغاة، والصفة والموصوف في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ الذي هو "تلك". وقوله: "اشتمل على ما دون الأذنين منه" يريد اقطعه واترك منه ما دون الأذنين. قوله: "زنا فوك" يعني أن القبلة لا شيء فيها وإنما هي زنا الفم ولا حد فيه، ولكن عليك الإثم بتقبيلك غير امرأتك. والذي ذهب إليه الشافعي: أن القمل إن كان على ظاهر بدنه، أو ثوبه أماطه عنه، وإن كان في رأسه، فقال الشافعي: أكره أن يتفلى، فإن تفلى وقتل قملة

стр. 1462

تفتدى، وكل ما يفتدى به فهو خير منها وليس ذلك بواجب وكذلك البق والبعوض. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة بن [عبد الله] (١) بن الهدير "أنه رأى عمر بن الخطاب يقرِّد بعيرًا له في طين له بالسقيا وهو محرم. وقد أخرجه الشافعي في موضع آخر: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة. وهذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ إسنادًا ولفظًا (٢). وتقريد البعير: هو أخذ القراد من جسمه، والقراد: دويبة معروفة تلصق بأدبار الإبل، وجمعه القرادات، تقول: قرد بعيره ويقرد تقريدًا. والسقيا: موضع بين مكة والمدينة. قال الشافعي: قال ابن عباس: لا بأس بقتل القراد والحلمة. قال الربيع: فقلت للشافعي: قال صاحبنا -يعني مالكًا-: لا ينزع المحرم قرادًا ولا حلمة، ويحتج بأن ابن عمر كره أن ينزع المحرم قرادًا ولا حلمة، قال الشافعي: وكيف تركتم قول عمر وهو يوافق السنة لقول ابن عمر ومع عمر ابن عباس وغيره؟! وأخبرنا الشافعي ﵁: حدثنا [عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال " [صحبت] (٣) عمر بن

стр. 1463

الخطاب في الحج فما رأيته مضطربًا فسطاطًا حتى رجع". قال الشافعي: وأظنه قال في حديثه -أو غيره-: كان ينزل تحت الشجرة ويستظل بنطع أو كساء. وقال: فأما قول ابن عمر "اضح لما خرجت له" فلعله (١) أراد ما أصاب في ذلك مما يشق عليه كان جزاء له، وما أمره في ذلك بفدية ولا ضيقه عليه، وقد جاء في الحديث الصحيح في ذكر حجة الوداع حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزلها؛ وفي الحديث الثابت عن أم الحصين قالت: "حججت مع النبي ﷺ فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ خطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر "أنه نظر في المرآة وهو محرم". هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٢): عن أيوب بن موسى، "أن [عبد الله ابن] (٣) عمر نظر في المرآة لشكوى كانت بعينيه وهو محرم". وهذا جائز للمحرم أن يفعله لا حرج عليه فيه.

стр. 1464

النوع العاشر (*) في إنشاد الشعر أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشعر حكمة". هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد أخرجه البخاري وأبو داود موصولاً. أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي بكر، عن مروان، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي بن كعب. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري بالإسناد، عن أبي بن كعب قوله: "إن من الشعر لحكمة" أي بعض الشعر كلام جيد يمنع عن الجهل والسفه وينهى عنهما، وقد روى: "أن من الشعر حكمًا والحكم كالحكمة أيضًا". قال صعصعة بن صوحان: قوله: "إن من الشعر حكمة" معنى هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ الناس بها. وقال غيره: هو ما لا ريب فيه فلا سفه وأنه على سبيل المدح، والشكر، والثناء، والدعاء وأشباه ذلك من أنواع الشعر. هذا الحديث أخرجه الشافعي مستدلًا به على ما يجوز أن يقوله المحرم ويتكلم به، فإنه قال: لا بأس أن يفتي في الطلاق والزنا والنكاح وكل ذكر للنساء، قد

стр. 1465

كان ابن عباس ينشد: وهن يمشينا بنا هميسا ... إن يصدق الطير تَيكْ لميسا (١) فقيل له: يا ابن عباس: أترفث؟ فقال: إنما الرفث ما روجع به النساء. قال الشافعي: وأحب للمحرم والحلال أن يكون قولهما بذكر الله، وفيما يعود عليهما منفعته في دين أو دنيا, وليس يضيق على واحد منهما أن يتكلم بما لا يأثم فيه، والشعر والكلام غير الشعر سواء لا فرق بينهما، وذكر حديث عبد الرحمن بن الأسود. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه". هذا الحديث ذكره الشافعي في سياق الحديث الذي قبله، تبيينًا لما قاله وذهب إليه من كون الشعر لا فرق بينه وبين الكلام، غير الشعر فيما حسن من النثر وجاز للمحرم أن يقوله والحلال جاز لهما من الشعر مثله، وما قبح ولم يجز لهما قوله من النثر لم يجز مثله من الشعر. أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه "أن عمر بن الخطاب ركب راحلة وهو محرم، فتدلت به فجعلت تقدم رجلاً وتؤخر أخرى". قال الربيع: قال عمر شعرًا:- كأن راكبها غصن بمروحة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل ثم قال: الله أكبر، الله أكبر.

стр. 1466

تدلت به: من قولهم: دلوت الإبل أدلوها دلوًا سقتها سوقًا رويدًا، وتدلت هي: إذا سارت ومشت تلك المشية. والمروحة: مجرى الريح، يقال: فلان بمروحة أي بموضع تمر به الريح. والثمل: الذي قد عمل فيه الشراب وسكر أول السكر، فهو يتمايل هذا الراكب على الراحلة التي قد تدلت به وتمايلت في مشيتها. وهذا معنى قوله: تقدم رجلا وتؤخر أخرى. وقد استدل الشافعي بهذا الحديث: على جواز إنشاد الشعر ثم إنه لما أنشد أتبعه بالتكبير، لأن المحرم يكبر ويذكر الله تعالى ويلبي. ***

стр. 1467

النوع الحادي عشر (*) في المحرم إذا مات أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس يقول: "كنا مع النبي ﷺ فخر رجل عن بعيره فوقص فمات، فقال النبي ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه". قال سفيان: وزاد إبراهيم بن أبي حرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (١): فأخرجه عن أبي النعمان، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن ابن جبير. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن عمرو. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن عتبة بن عبد الله، عن يونس بن نافع، عن عمرو بن دينار.

стр. 1468

خر يخر: إذا سقط من موضع عال. ووقص الرجل: لما لم يسم فاعله إذا وقع فاندقت عنقه، وأوقصته: إذا ألقته فأصابه ذلك. والسدر: ورق النبق وهو من الغسولات المعروفة. وخمرت الشيء: إذا غطيته وسترته. والتلبية في الحج معروفة، وقد جاء في بعض الروايات "يبعث ملبدًا" والتلبيد: هو أن يجعل في الشعر يمسك بعضه ببعض، كصمغ أو غراء، وكذا كل ما يفعله المحرم أولاً لئلا يتشعث شعره. قال أحمد بن حنبل: في هذا الحديث خمس سنن: "كفنوه في ثوبيه" أي يكفن الميت في ثوبين، و"اغسلوه بماء وسدر" أي في الغسلات كلها سدرًا، "ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبًا" وأن الكفن من جميع المال. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن المحرم إذا مات يغسل كما يغسل غيره من الأموات، ويكفن في ثوبي إحرامه، ولا يغطى رأسه لأن إحرام المحرم في كشف رأسه دون وجهه، ولا يطيب لأن المحرم إذا مات لا يبطل إحرامه. وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عباس. وبه قال عطاء، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وداود لأنه قال: "يبعث يوم القيامة ملبيًا" فأثبت له حال المحرم من التلبية. وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: إحرام الرجل يتعلق برأسه ووجهه. وبه قال الأوزاعي. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن عثمان بن عفان صنع نحو ذلك. هذا ذكره مؤكد لحديث ابن عباس، قال: عثمان من الأئمة المهديين، وعلمه بالحديث حجة.

стр. 1469

الفرع الثاني من الفصل الأول من الباب الثالث في النية عند الإحرام أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد وغيره، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله قال: "قدم علي بن أبي طالب من سعايته، فقال النبي ﷺ : "بما أهللت يا علي"؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، قال: "فاهد وامكث حرامًا كما أنت"، قال: وأهدى له علي هديًا". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن مكي بن إبراهيم، عن ابن جريج. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج بالإسناد وذكر حديثًا طويلًا في آخره: فقدم من سعايته وذكر الحديث. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن عبد الوهاب الثقفي، عن حبيب المعلم، عن عطاء بالإسناد "أن رسول الله ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج وليس مع [أحد] (٤) منهم يومئذٍ هدي، إلا النبي ﷺ وطلحة، وكان علي قدم من اليمن ومعه الهدي، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ".

стр. 1470

وأما النسائي (١): فأخرجه عن عمران بن يزيد، عن شعيب، عن ابن جريج، بالإسناد وذكره. سعى الرجل يسعى سعيًا: إذا غدا، وكذلك إذا عمل فكسب، وكل من ولي شيئًا على قوم فهو ساع عليهم، وأكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة وأخذها من أربابها وهو الساعي، والسعاية فعلة منه: وهي الحالة والهيئة. وكان النبي ﷺ قد نفذ عليًّا إلى اليمن ساعيًا على صدقاتها، فجاء بها والنبى ﷺ بمكة في حجة الوداع، وكان لما بلغ الميقات نوى في إهلاله بما أهل به النبي ﷺ ، طلبًا لموافقته لما لم يكن عالمًا بما أهل به على إهلاله على إهلال النبي ﷺ . والإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية، أهل يهل إهلالًا فهو مهل، والمهل: الميقات، وحقيقته: موضع الإهلال ومنه استهل الصبي: إذا صاح عند الولادة. والمراد بقوله: "بما أهللت"؟ بأي نوع من أنواع نية الحج أصاب حجك ونويته، هل مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا؟ فإن وقت نية الحج هو عند الإحرام والتلبية. وفرق بين قوله: "بما أهللت"؟، وبين قوله: "بما أهل به النبي ﷺ ". فإن ما الأولى للاستفهام، أي بأي شيء استهللت، أما الثانية: فهي بمعنى الذي أي أهللت بالذي أهل به النبي ﷺ . والهدي: ما يسوقه الحاج أو المعتمر إلى البيت من الإبل والبقر والغنم تقربًا إلى الله تعالى، تقول: أهديت إلى البيت هديًا، وهديًا مخففًا ومثقلاً، الواحدة هدية وهدية. والمكث: المقام واللبث على الحالة وفي المكان. والحرام: الذي يكون قد أحرم بالحج أو العمرة، فلا يحل له شيء من محظورات الحج حتى يقضي حجه أو عمرته ويحل له ما كان عليه حرامًا. قوله: "كما أنت" يريد الحالة التي وصل عليها. والضمير في "له" يجوز أن يرجع إلى النبي ﷺ ، يعني أن عليًّا أهدى

стр. 1471

للنبي ﷺ هديًا من اليمن، ويكون ذلك من نصيبه في سعايته، ويجوز أن يعود الضمير إلى علي، أي أنه لما قال له النبي ﷺ : "اهد وامكث حرامًا" أهدى لنفسه هديًا حيث أن النبي ﷺ كان معه هدي لنفسه، وكان علي قد نوى نية النبي ﷺ فاحتاج أن يكون معه هدي مثله. وفقه هذا الحديث:- جواز تعليق النية في الحج على نية الغير. وفيه: بيان أن من أهدى لا يحل يبلغ (١) الهدي محله. وأما الأول: فالذي ذهب إليه الشافعي أنه إن نوى حجة كان حاجًا، أو نوى عمرة كان معتمرًا، أو نوى قرانًا فهو قارن، أو نوى متعة فهو متمتع، أو نوى مطلقًا من غير تعيين صح إحرامه، ولو صرف النية إلى هذه الأنواع أراد، وإن نوى إحرامًا مبهما، كإهلال فلان مثلًا صح إحرامه وكان عليه ما على من علق نيته عليه. وهذا هو المراد من الحديث، فإن عليًّا أحرم إحرامًا مبهمًا كإحرام النبي ﷺ ، وأن إحرامه انعقد لإقرار النبي ﷺ إياه على ذلك. وأما حكم الهدي: فإنه يستحب لمن قصد مكة حاجًا أو معتمرًا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، ثم ينحره ويفرقه على المساكين، والهدي وإن كان متعلقًا بالإحرام وكان هدي إحصار فإنه للنحر في الحرم وهو محله. ووقت النحر: هو يوم الأضحى، وأفضل أماكنه بمنى. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أن جابر بن عبد الله قال: "ما سمى رسول الله ﷺ حجًا قط ولا عمرة".

стр. 1472

هكذا أخرجه في كتاب المناسك، ووقع في موضع آخر عن إبراهيم، عن سعيد أن رسول الله ﷺ ما سمى إحرامه حجًا ولا عمرة. ولم يذكر جابرًا وقد جاء هذا أيضًا عن عائشة، وسيرد في موضعه إن شاء الله تعالى. معنى قوله: "ما سمى في تلبيته حجًا ولا عمرة" له تأويلان:- أحدهما: أنه لم ينو عند إحرامه شيئًا من هذين النسكين، إنما نوى إحرامًا مطلقًا من غير تعيين، وله بعد ذلك أن يصرفه إن شاء إلى الحج، وإن شاء إلى العمرة. والثاني: أنه لم يذكر في تلبيته لفظ الحج ولا لفظ العمرة، إنما كان التلبية عارية عن تسمية أحدهما، وإن كانت النية فيها متعينة وذلك لأن الاعتماد في نية الحج عند الإحرام؛ على ما يقصده المحرم لا على ما يتلفظ به، فإن التلبية ليست عند الشافعي شرطًا في النية، وسيرد بيان ذلك فيما بعد، والذي نذكره هاهنا أن المحرم لا يخلو أن يعين إحرامه أو يطلقه، والتعيين أولى وأفضل لأنه يكون عالمًا بما يلابسه من العبادة. هكذا قال في الأم (١). وقال في الإملاء: الإطلاق أفضل لأنه أحوط له إذ لا نأمن مانعًا من إحصار أو عدو يمنعه عن الحج، فيجعله عمرة ويتمكن من أدائها، إذا ثبت هذا فإن قلنا الإطلاق أفضل فلا كلام، وإن قلنا التعيين أفضل ثم عين فهل يستحب له أن يذكر ما عين في تلبيته أم لا؟ فالذي قاله في عامة كتبه: أن يجرد تلبيته ولا يذكر فيها نسكه أخذًا بهذا الحديث، فإنه قال: ويلبي المرء أو ينوي حجًا إن أراد أو عمرة أو هما, ولا أحب أن يسمي لأنه يروى عن جابر: "ما سمى

стр. 1473

رسول الله ﷺ في تلبيته قط حجا ولا عمرة" قال: ولو سمى المحرم ذلك [لم] (١) أكرهه له إلا أنه لو كان سنة سماه رسول الله ﷺ ومن بعده. قال: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن [أبي] (٢) نجيح، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه سمع بعض أهله يسمى حجًا وعمرة، فضرب في صدره، ثم قال: أتعلم الله بما في صدرك؟. ومن أصحابه من قال: أن الأولى أن يذكر ذلك في تلبيته. وبه قال أحمد. ...

стр. 1474

الفرع الثالث في فسخ الحج وإدخال العمرة عليه أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، حدثني ابن طاوس وإبراهيم ابن ميسرة وهشام بن حجير (١) سمعوا طاوسًا يقول: خرج رسول الله ﷺ من المدينة لا يسمي حجًا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هديً أن يجعلها عمرة، وقال رسول الله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولكن لبدت رأسي وسقت هديي، فليس لي محل دون محل هدي" فقام إليه سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله ﷺ ، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" ودخل علي بن أبي طالب من اليمن، فقال النبي ﷺ : "بما أهللت"؟ فقال -: أحدهما عن طاوس- إهلال النبي ﷺ ، قال الآخر: لبيك حجة النبي ﷺ . هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي هكذا مرسلًا عن طاوس. وقد أخرج هذا المعنى البخاري ومسلم، من رواية طاوس في طرق عدة إلا أن كل طرقه تتضمن أن النبي ﷺ أهل بالحج مفردًا, ولم يذكر واحد منهم أنه أهل إهلالًا مطلقًا كما ذكره الشافعي، فلعل طاوس قد روى هذا الحديث عن غير جابر، وقد تقدم بيان جواز الإحرام للوقوف، وهذا هو معنى قوله: "لا يسمي حجًا ولا عمرة، وإنما كان ينتظر القضاء وما ينزل به الوحي، وأنه لم

стр. 1475

ينزل عليه الوحي إلا وهو بين الصفا والمروة في السعي، وذلك عند الفراغ من أعمال العمرة، فلما نزل الوحي أمرهم أن يجعلوها عمرة. قال الشافعي: ومن وصف انتظار النبي ﷺ أن ينزل عليه القضاء، طلبًا للاختيار فيما وسع الله عليه من الحج والعمرة، يشبه أن يكون أحفظ. وتلبيد الشعر: هو أن يسرح ثم يجعل فيه شيء من صمغ أو نحوه حتى يلتزق ولا يتشعث في الإحرام، وييبس فيسقط منه شيء فتجب فيه الفدية. والأبد: الدهر. وقوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" مختلف في تأويله:- فمن قال بوجوب العمرة، قال: معناه أن العمرة قد دخلت في أشهر الحج، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج، فأبطل النبي ﷺ ذلك [بقوله] (١) هذا. وقيل: معناه أن عمل العمرة قد دخل في عمل الحج، فلا يرى على القارن أكثر من إحرام واحد. ومن قال: إن العمرة سنة قال: معناه أن فرضها ساقط بالحج وهو معنى دخولها فيه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف -أو قريبًا منها- أمر النبي ﷺ من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، فلما كان بمنى أتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه. قال يحيى: فحدثت به القاسم بن محمد، فقال: جاءتك والله بالحديث
следующие страницы →