للنبي ﷺ هديًا من اليمن، ويكون ذلك من نصيبه في سعايته، ويجوز أن يعود الضمير إلى علي، أي أنه لما قال له النبي ﷺ : "اهد وامكث حرامًا" أهدى لنفسه هديًا حيث أن النبي ﷺ كان معه هدي لنفسه، وكان علي قد نوى نية النبي ﷺ فاحتاج أن يكون معه هدي مثله.
وفقه هذا الحديث:-
جواز تعليق النية في الحج على نية الغير.
وفيه: بيان أن من أهدى لا يحل يبلغ (١) الهدي محله.
وأما الأول: فالذي ذهب إليه الشافعي أنه إن نوى حجة كان حاجًا، أو نوى عمرة كان معتمرًا، أو نوى قرانًا فهو قارن، أو نوى متعة فهو متمتع، أو نوى مطلقًا من غير تعيين صح إحرامه، ولو صرف النية إلى هذه الأنواع أراد، وإن نوى إحرامًا مبهما، كإهلال فلان مثلًا صح إحرامه وكان عليه ما على من علق نيته عليه.
وهذا هو المراد من الحديث، فإن عليًّا أحرم إحرامًا مبهمًا كإحرام النبي ﷺ ، وأن إحرامه انعقد لإقرار النبي ﷺ إياه على ذلك.
وأما حكم الهدي: فإنه يستحب لمن قصد مكة حاجًا أو معتمرًا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، ثم ينحره ويفرقه على المساكين، والهدي وإن كان متعلقًا بالإحرام وكان هدي إحصار فإنه للنحر في الحرم وهو محله.
ووقت النحر: هو يوم الأضحى، وأفضل أماكنه بمنى.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أن جابر بن عبد الله قال: "ما سمى رسول الله ﷺ حجًا قط ولا عمرة".
стр. 1472
هكذا أخرجه في كتاب المناسك، ووقع في موضع آخر عن إبراهيم، عن سعيد أن رسول الله ﷺ ما سمى إحرامه حجًا ولا عمرة.
ولم يذكر جابرًا وقد جاء هذا أيضًا عن عائشة، وسيرد في موضعه إن شاء الله تعالى.
معنى قوله: "ما سمى في تلبيته حجًا ولا عمرة" له تأويلان:-
أحدهما: أنه لم ينو عند إحرامه شيئًا من هذين النسكين، إنما نوى إحرامًا مطلقًا من غير تعيين، وله بعد ذلك أن يصرفه إن شاء إلى الحج، وإن شاء إلى العمرة.
والثاني: أنه لم يذكر في تلبيته لفظ الحج ولا لفظ العمرة، إنما كان التلبية عارية عن تسمية أحدهما، وإن كانت النية فيها متعينة وذلك لأن الاعتماد في نية الحج عند الإحرام؛ على ما يقصده المحرم لا على ما يتلفظ به، فإن التلبية ليست عند الشافعي شرطًا في النية، وسيرد بيان ذلك فيما بعد، والذي نذكره هاهنا أن المحرم لا يخلو أن يعين إحرامه أو يطلقه، والتعيين أولى وأفضل لأنه يكون عالمًا بما يلابسه من العبادة. هكذا قال في الأم (١).
وقال في الإملاء: الإطلاق أفضل لأنه أحوط له إذ لا نأمن مانعًا من إحصار أو عدو يمنعه عن الحج، فيجعله عمرة ويتمكن من أدائها، إذا ثبت هذا فإن قلنا الإطلاق أفضل فلا كلام، وإن قلنا التعيين أفضل ثم عين فهل يستحب له أن يذكر ما عين في تلبيته أم لا؟ فالذي قاله في عامة كتبه: أن يجرد تلبيته ولا يذكر فيها نسكه أخذًا بهذا الحديث، فإنه قال: ويلبي المرء أو ينوي حجًا إن أراد أو عمرة أو هما, ولا أحب أن يسمي لأنه يروى عن جابر: "ما سمى
стр. 1473
رسول الله ﷺ في تلبيته قط حجا ولا عمرة" قال: ولو سمى المحرم ذلك [لم] (١) أكرهه له إلا أنه لو كان سنة سماه رسول الله ﷺ ومن بعده.
قال: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن [أبي] (٢) نجيح، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه سمع بعض أهله يسمى حجًا وعمرة، فضرب في صدره، ثم قال: أتعلم الله بما في صدرك؟.
ومن أصحابه من قال: أن الأولى أن يذكر ذلك في تلبيته. وبه قال أحمد.
...
стр. 1474
الفرع الثالث
في فسخ الحج وإدخال العمرة عليه
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، حدثني ابن طاوس وإبراهيم ابن ميسرة وهشام بن حجير (١) سمعوا طاوسًا يقول: خرج رسول الله ﷺ من المدينة لا يسمي حجًا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هديً أن يجعلها عمرة، وقال رسول الله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولكن لبدت رأسي وسقت هديي، فليس لي محل دون محل هدي" فقام إليه سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله ﷺ ، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" ودخل علي بن أبي طالب من اليمن، فقال النبي ﷺ : "بما أهللت"؟ فقال -: أحدهما عن طاوس- إهلال النبي ﷺ ، قال الآخر: لبيك حجة النبي ﷺ .
هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي هكذا مرسلًا عن طاوس.
وقد أخرج هذا المعنى البخاري ومسلم، من رواية طاوس في طرق عدة إلا أن كل طرقه تتضمن أن النبي ﷺ أهل بالحج مفردًا, ولم يذكر واحد منهم أنه أهل إهلالًا مطلقًا كما ذكره الشافعي، فلعل طاوس قد روى هذا الحديث عن غير جابر، وقد تقدم بيان جواز الإحرام للوقوف، وهذا هو معنى قوله: "لا يسمي حجًا ولا عمرة، وإنما كان ينتظر القضاء وما ينزل به الوحي، وأنه لم
стр. 1475
ينزل عليه الوحي إلا وهو بين الصفا والمروة في السعي، وذلك عند الفراغ من أعمال العمرة، فلما نزل الوحي أمرهم أن يجعلوها عمرة.
قال الشافعي: ومن وصف انتظار النبي ﷺ أن ينزل عليه القضاء، طلبًا للاختيار فيما وسع الله عليه من الحج والعمرة، يشبه أن يكون أحفظ.
وتلبيد الشعر: هو أن يسرح ثم يجعل فيه شيء من صمغ أو نحوه حتى يلتزق ولا يتشعث في الإحرام، وييبس فيسقط منه شيء فتجب فيه الفدية.
والأبد: الدهر.
وقوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" مختلف في تأويله:-
فمن قال بوجوب العمرة، قال: معناه أن العمرة قد دخلت في أشهر الحج، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج، فأبطل النبي ﷺ ذلك [بقوله] (١) هذا.
وقيل: معناه أن عمل العمرة قد دخل في عمل الحج، فلا يرى على القارن أكثر من إحرام واحد.
ومن قال: إن العمرة سنة قال: معناه أن فرضها ساقط بالحج وهو معنى دخولها فيه.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف -أو قريبًا منها- أمر النبي ﷺ من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، فلما كان بمنى أتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه.
قال يحيى: فحدثت به القاسم بن محمد، فقال: جاءتك والله بالحديث
стр. 1476
على وجهه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى، عن عمرة والقاسم مثل حديث سفيان لا يخالف معناه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجته لا نرى إلا الحج، حتى إذا كنا بسرف -أو قريبا منها- حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما لك أنفست"؟ فقالت: نعم، فقال: "إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت".
قالت: ثم ضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر.
هذا الحديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أخصر من هذا فيما يتعلق بحيضها وما أمرها به النبي ﷺ .
وأما البخاري ومسلم: فأخرجا لهذا طرقًا كثيرة طويلة ومختصرة، فمن جملتها أن البخاري (٢): أخرج عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بإسناده.
وفي أخرى (٣): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. وذكر الرواية الأولى.
وأما مسلم (٤): فأخرج الأولى عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة.
وأخرج الثالثة: عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب جميعًا
стр. 1477
عن ابن عيينة.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أبي سلمة موسى، عن حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وذكر نحو الثالثة أطول منها.
وفي أخرى: عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة وذكر نحو الأولى ولم يذكر لحم البقر.
وأما الترمذي (٢): فأخرج منه طرفًا عن علي بن حجر، عن شريك، عن جابر ابن يزيد الجعفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: حضت فأمرني رسول الله ﷺ أن أقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.
وهذا الطرف لا تعلق له بهذا الباب، وإنما هو مختص بأحكام الطواف.
وأما النسائي (٣): فأخرج عن محمد بن عبد الله بن يزيد والحارث بن مسكين، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.
وذكر نحو الثالثة ولم يذكر التضحية بالبقر.
تقول: نفست المرأة -بالفتح- إذا حاضت وإذا ولدت، فأما بالضم فإنما الولادة دون الحيض.
وقوله: "هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم" تسلية لها بالأمر المقضي الذي لا حيلة في دفعه.
وفي هذا الحديث من الفقه، غير ما هو مسوق لأجله من فسخ الحج: بيان التضحية بالبقر وحكم طواف الحائض، وما يجوز لها من أعمال الحج، وسيرد ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم، عن ابن جريج عن
стр. 1478
منصور ابن عبد الرحمن، عن صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "من كان معه هدي [فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي] (١) فليحلل" ولم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحلل.
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والنسائي.
فأما مسلم (٢): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بكر، وعن زهير، عن روح جميعًا عن ابن جريج، عن منصور بالإسناد، قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ محرمين، [فلما] (٣) قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي ... " وذكر الحديث وزاد في آخره، قالت: "فلبست ثيابي ثم خرجت فجلست إلى جنب الزبير، فقال لي: قومي، فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟ ".
وفي أخرى: عن عباس بن عبد العظيم، عن أبي هشام المخزومي، عن وهيب، عن منصور بالإسناد قال: قدمنا مع النبي ﷺ مهلين بالحج. وذكر الحديث.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن أبي هشام بإسناد مسلم كروايته، وزاد فيه: فلبست ثيابي وتطيبت من طيبي، وهذا الحديث مؤكد لحديث قبله.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ﷺ ، ما شأن الناس حلو بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى
стр. 1479
أنحر".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف، عن مالك.
وعن مسدد (٣)، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع.
وعن إبراهيم (٤) بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع.
وأما مسلم (٥): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وعن ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع.
وعن ابن نمير، عن خالد بن مخلد، عن مالك.
وعن أبي بكر، عن أبي أسامة، عن عبيد الله.
وعن ابن أبي عمر، عن هشام بن سليمان وعبد المجيد، عن ابن جريج كلهم عن نافع.
وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما النسائي (٧): فأخرجه عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك.
تقليد الهدي: أن يجعل في رقابها قلادة من أي شيء كان ليكون علامة له
стр. 1480
أنه هدي، ومن فعل لا يحل حتى ينحر الهدي، وتلبيد الشعر قد ذكرناه.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله وذكر حجة النبي ﷺ وأمره إياهم بالإحلال، وأنه قال لهم: "إذا توجهتم إلى منى رائحين فأهلوا".
هذا طرف من حديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن ابن جريج.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج.
ولهما روايات كثيرة عن أبي الزبير وغيره عن [] (٣).
ونحن نذكر بعض طرقهما ليعلم منها الحديث الذي هذا طرف منه، قال جرير (٤) -من رواية أبي الزبير عنه-: "أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: "الحل كله". فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تبكي، فقال: "ما شأنك" قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت،
стр. 1481
والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: "إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج". ففعلت ووقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا"، قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم" وذلك ليلة الحصبة".
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير.
وعن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير.
وأما النسائي (٢): فأخرجه بإسناد ولفظ أبي داود.
عركت المرأة: إذا حاضت.
ومواقعة النساء: كناية عن جماعهن.
ويوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جابر -وهو يحدث عن حجة النبي ﷺ - قال: "خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا أتى البيداء، فنظرت مد بصري من راكب وراحل بين يديه وعن يمينه، وعن شماله ومن [ورائه] (٣)، كلهم يريد أن يأتم به يلتمس أن يقول كما قال رسول الله ﷺ ، لا ينوي إلا الحج ولا يعرف غيره ولا يعرف العمرة، فلما طفنا فكنا عند المروة، قال: "يا أيها الناس، من لم يكن معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت" فحل من لم يكن معه هدي".
стр. 1482
هذا طرف من حديث طويل صحيح، أخرجه مسلم، وأبو داود بطوله يتضمن ذكر حجة الوداع من أولها إلى آخرها.
أخرجها مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة وإبراهيم بن أبي شيبة وإسحاق ابن إبراهيم جميعًا عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه وسيرد الحديث وذكر فيه الطرف الذي ذكره الشافعي.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بطوله.
وهذا الطرف هو نحو الطرف الذي قبله عن جابر أيضًا، إلا أنه لما كان ذلك الطرف هو حديث قد أخرجه البخاري ومسلم عن جابر وليس فيه ذكر حجة الوداع، وهذا الطرف هو من طريق حجة الوداع ولم يخرج البخاري حجة الوداع أفردناه لذلك.
قوله: "وهو يحدث" الواو للحال، تقديره: أخبرنا بهذا الطرف الذي ذكرناه وهو يحدث بالحديث كله.
والبيداء: موضع معروف قريب من المدينة على طريق ذي الحليفة يسلكها من يمضي إلى مكة، والبيداء في الأصل: المفازة من الأرض وهي الصحراء، والجمع: البيد.
ومد البصر: كل ما ينتهي النظر إليه من الآفاق، كأن البصر قد امتد إلى منتهاه، وهو منصوب على الظرف، أي نظرت في مد بصري، أو على أنه مصدر من غير لفظ الفعل، كأنه قال: نظرت نظرًا ممتدًا.
стр. 1483
وقوله: "من بين راكب وراجل" يريد أن. يمد بصره كان ممتلئًا ركبانًا ورجالة، فجاء به بلفظ الواحد لأن العين لا تدرك الأشياء واحدا ثم ينتقل نظرها إلى ما يجاوز ذلك الواحد، فكأن بصره أول ما أدرك راكبًا أو راجلاً، ثم تعدى إلى جميع الركبان والرجالة.
وقوله: "أن يقول كما يقول رسول الله ﷺ " يريد به نية الحج والتلبية والأذكار التي يقولها في أعمال الحج جميعها.
وقوله: "لا ينوي إلا الحج" جملة منصوبة على الحال وهي متعلقة بقوله: "خرجنا لا ننوي إلا الحج".
والمروة: أحد أمدي المسعى، وهي في الأصل: حجر أبيض براق يقدح منه النار، والجمع: مرو.
ومعنى قوله: "فليحلل وليجعلها عمرة" أنهم كانوا قد أحرموا بالحج فلما وصلوا إلى مكة وطافوا وسعوا بقي عليهم من أعمال الحج: الوقوف والرمي، والحلق وغير ذلك من باقي أعماله، فأمرهم أن ينقضوا فيه الحج ويجعلوا بدله عمرة ويحلوا، لأن العمرة تنقضي بالطواف والسعي والحلق أو التقصير.
وقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اهديت" (١) يعني أن سنة من أهدى ونوى الحج أن لا يحل من حجه، ولا يجوز له فسخه وجعله عمرة حتى ينحر هديه يوم النحر، ومعناه: أني لو عنَّ لي لما اهديت، أي لما جعلت علي هديًا، فإن من لم يكن معه هدي لم يلتزم ذلك، وجاز له فسخ الحج.
قال إمام الحرمين: قول النبي ﷺ في هذا محمول على أني سقت الهدي لاتطوع به، وهو الهدي في إطلاق الشرع، فلو تمتع صار ما ساقه كفارة وخرج عن كونه تطوعًا، فلم يرد النبي ﷺ أن يبطل قصده في التطوع، وإنما أراد النبي
стр. 1484
- ﷺ بهذا القول لأصحابه تطييبًا لقلوبهم، لأنهم كان يشق عليهم أن يحلوا ورسول الله ﷺ محرم، فإنهم لا يرغبون بأنفسهم عن نفسه، ولا يتركون الاقتداء به، فقال لهم ذلك تأنيسا وإعلامًا أن الأفضل ما أمرهم به ودعاهم إليه، وبهذا يستدل أن من قال أن التمتع أفضل من الإفراد والقران، وقيل: بل كان قوله هذا مع تطييب قلوبهم دلالة على الجواز لا الفضيلة، فإنه لولا الهدي لفعله.
وقد اختلف الأئمة: في أمره لهم بالإحلال، فقيل: كان أمرًا مبهمًا موقوفًا على انتظار الوحي إلى النبي ﷺ بما يحرم، فنزل الوحي أن يجعلوها عمرة ثم يحرموا بالحج.
وقيل: بل كانوا محرمين بالحج مفردًا فأمرهم بفسخه إلى العمرة. ثم اختلفوا فقالت طائفة: إن هذا الفسخ كان خاصًا لهم.
وقالت طائفة: بل الفسخ للناس كافة.
وقد روى فسخ الحج: ابن عباس، وجابر، وعائشة وغيرهم.
وقيل: إن الفسخ إنما وقع لأن العرب كانوا يحرِّمون العمرة في أشهر الحج، فأمرهم بذلك صرفًا لهم عن سنة الجاهلية.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن من أحرم بالحج لا يجوز له فسخه إلى العمرة.
وبه قال عامة الفقهاء.
وقال أحمد: يجوز له ذلك وإن لم يسق الهدي.
وأن من أهل بالعمرة فله أن يدخل عليها الحج قبل أن يفسخ الطواف، ولا يجوز بعده إلا أن يتحلل منها بعد إتمام عملها ثم يحرم بالحج.
فأما إدخال العمرة على الحج فلا يجوز على أصح القولين، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يجوز ويكون قارنًا.
ولا خلاف بين العلماء أن الإفراد، والقران، والتمتع معمول بها ثلاثتها، وإنما
стр. 1485
اختلفوا في الأفضل منها.
فأما ما دل عليه هذا الحديث: وهو فسخ الحج بعمرة واستئناف الحج فهو نوع من أنواع التمتع، وأصل التمتع: أن ينوي عمرة في أشهر الحج ثم يفرغ منها ويحرم بالحج من مكة، وهو أفضل من الإفراد والقران في إحدى قولي الشافعي، وبه قال أحمد.
والظاهر من مذهب الشافعي وهو الأشهر والذي عليه أصحابه: أن الإفراد أفضل من القران والتمتع. وبه قال مالك وأبو ثور. وكان ابن عمر، وجابر، وعائشة يرونه أفضل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر، والمزني: القران أفضل ثم التمتع إذا ساق الهدي؛ فلا يحل حتى يفرغ من العمرة والحج معًا، فإنه إذا أحرم بالحج بعد العمرة يكون قارنًا. وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال الشافعي، ومالك: يحل بالفراغ من العمرة كمن لم يسق الهدي وأن الذي فعله النبي ﷺ استحباب وسنة.
وهذه الأحاديث التي ذكرناها في هذا، كلها دالة على جواز فسخ الحج بالعمرة، والشافعي لا يقول به وعامة الفقهاء معه، ويعتذر بأن هذا كان خاصًّا لهم ويستدل بحديث أبي ذر أنها كانت رخصة لهم. والله أعلم.
стр. 1486
الفرع الرابع
في الاشتراط والاستثناء في الحج
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ مر بضباعة بنت الزبير فقال: "أما تريدين الحج"؟ فقالت: إني شاكية، فقال لها: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني".
هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي هكذا مرسلًا عن عروة بن الزبير، وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي مسندًا عن عائشة.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: "لعلك أردت الحج"؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني" وكانت تحت المقداد بن الأسود.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني، عن أبي أسامة. وذكر الحديث.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري وهشام بن عروة.
قال النسائي: لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث عن الزهري غير معمر.
شكى الإنسان يشكو شكاية: إذا كان يؤلمه شيء فأظهر التألم به، فهو شاك
стр. 1487
والمرأة شاكية أو مريضة.
والمَحِل -بفتح الميم وكسر الحاء-: موضع الحل ووقته أي يحل المحرم فيه ما كان عليه حرامًا بإحرامه.
والحبس: المنع والصد.
وقولها: "ما أجدني" من وجدت بمعنى رأيت ولهذا تعدى إلى مفعولين.
والذي ذهب إليه الشافعي في الاشتراط قد اختلف فيه قوله، وذلك أنه إذا أحرم واشترط عند الإحرام أن يتحلل متى عرض له عارض من مرض، أو أخطأ الطريق، أو ذهاب نفقة فقطع؛ في القديم يُجوِّز ذلك، وعلق القول في الجديد، فقال: إن صح حديث ضباعة قلت به.
فاختلف أصحابنا في معنى هذا القول:-
فمنهم من قال: في القديم يجوز له ذلك قولًا واحداً، وقال في الجديد قولان.
ومنهم من قال: يجوز قولًا واحدًا، وإنما علق القول في الجديد بصحة الحديث وقد صح.
وبعدم الجواز قال مالك وأبو حنيفة.
وأنكره طاوس، وابن جبير، والزهري.
وبالجواز روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر. وبه قال الأسود بن يزيد، وعلقمة، وشريح، وابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
قال الشافعي: لو ثبت حديث عروة عن النبي ﷺ في الاستثناء لم أعده إلى غيره، لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله ﷺ .
وقال فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
стр. 1488
عن سويد بن غفلة قال: قال لي [عمر] (١): يا أبا أمية حج واشترط، فإن لك ما اشترطت ولله عليك ما اشترطت قال: وبعض أصحابنا يذهب إلى إبطال الشرط، وليس يذهب في إبطاله أي شيء حيال حفظه.
أخبرنا مالك، عن ابن شهاب أنه سأله عن الاستثناء في الحج، فأنكره.
إذا ثبت هذا فإنما التعليق بغرض صحيح، وعذر ظاهر مانع كما سابق، وإن اشترط التحلل لا من عذر لم يصح شرطه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن هشام، عن أبيه قال: قالت لي عائشة: هل تستثني إذا حججت؟ قلت: فماذا أقول؟ فقالت: قل: اللهم الحج أردت وله عمدت وإن يسرته فهو الحج حججت، وإن حبسني حابس فهو عمرة.
الاستثناء: عبارة عن الشرط الذي قالته.
والعمد: القصد، عمدت إلى الشيء وللشيء أعمد عمدًا وتعمدته تعمدًا.
والحج منصوب بأردت.
والتيسير: التسهيل.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المحرم بالحج إذا أحصر ففاته الحج تحلل بأعمال العمرة.
وهل يجب عليه قضاء الحج؟ قولان، وبوجوب القضاء قال عمر، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: يحل بعمرة وعليه الحج من قابل.
وهذا الحكم سواء اشترط الفراق أو لم يشترط. والله أعلم.
стр. 1489
الفصل الثاني
من الباب الثالث في التلبية وفيه فرعان
الفرع الأول: في لفظها
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك [لك] (١)، قال نافع: وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك، والخير في يديك (٢)، لبيك والرغباء إليك والعمل".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
أما مالك (٣): فأخرجه إسنادًا ولفظًا، وزاد فيه زيادة ابن عمر لبيك مرة أخرى.
وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٥): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك.
وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
стр. 1490
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وفي الباب: عن جابر، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة.
التلبية: إجابة النداء، وهي آداب الخطاب دالة على تعظيم الداعي في إجابته، وللعلماء في معناها واشتقاقها خلاف، وهي مصدر مبني للكثير والمبالغة، ومعناه: إجابة بعد إجابة لزوما لطاعتك بعد لزوم، فتثنيته للتأكيد ولا تثنية حقيقة.
ويونس بن حبيب -من نحاة البصرة- يثبت في "لبيك" إلى أنها اسم مفرد غير مثنى، وأن ألفها انقلبت ياء لاتصالها بالضم على حد لدي وعلي.
ومذهب سيبويه: أنه مبني بدليل قلبها ياًء مع المظهر.
وأكثر العلماء على [ما] (٣) ذهب إليه سيبويه.
قال ابن الأنباري: ثنو "لبيك" كما ثنو "حنانيك" أي: تحننا بعد تحنين، وأصل لبيك لبيك فاستثقلوا الجمع بين ثلاث ياءات فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا في تظنَّيت من الظن تظنيت، وأما اشتقاقها: فإنهم قالوا: هو من قولهم: داري تُلِبُ دارك، أي تواجهها فيكون المعنى: أن اتجاهي وقصدي إليك.
وقيل: معناها مجيئي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبت إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه.
وقيل: معناها إخلاصي لك، من قولهم: حَسَبٌ لُباب إذا كان خالصًا
стр. 1491
محضًا، ومنه لب الطعام ولبابة.
وقيل: معناها ما ذكرنا أولاً مأخوذ من قولهم: ألب بالمكان إذا أقام فيه ولزمه.
قال ابن الأنباري: وإلى هذا كان مذهب الخليل والأصم.
والمراد بالتلبية في الحج: إجابة لدعاء الله الناس إلى الحج، في قوله لخليله إبراهيم ﵇ - ﴿وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (١).
والحمد: نقيض الذم.
والنعمة -بكسر النون-: "الإحسان والعطاء، يريد أن النعمة منك والحمد لك، فأنت مالك السبب والمسبب، فسبب الحمد النعمة، والحمد مسبب عنها، وإذا كان السبب لك فالمسبب أولى أن يكون لك.
والرواية أن الحمد بكسر الهمزة على الابتداء وهو أشهر ويروى بالفتح على التعليل وهو أخص، وتقدير: لبيك لأن الحمد لك.
والكسر أولى لأن التلبية هي جواب قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ فإذا كانت جوابا للنداء فكيف تكون متعلقة بالحمد والنعمة؟ لأنه إذا قال: لبيك لأن الحمد والنعمة لك، قطعها عن كونها جوابا للنداء المذكور. والله أعلم.
وقوله: "والملك" بعد الحمد والنعمة، يريد تعميم أسباب الطاعة وإيضاح وجوه الانقياد والعبادة، فإن الملك الذي هو الحاوي جميع الموجودات لك، وبذلك يتمخض الإخلاص في العبودية والإجابة.
ثم أتبعه بقوله: "لا شريك لك" ليزول الشبه عنه ويستقل بالملك والحمد والنعمة منفردًا.
стр. 1492
وسعديك: حكمها حكم لبيك، يريد إسعادًا بعد إسعاد.
وقوله: "والخير في يديك" يريد خير الدنيا والآخرة ليس بشيء منه في يد غيرك، وفي بعض الروايات "بيديك" والباء فيه بمعنى في، أو هي للإلصاق أي أنه ملتصق بيديك، أو للتسبب إلى الخير مفعول بيديك، واليد هاهنا وفي أشباهه: عبارة عن يد العطاء والإنعام، من قولهم: لفلان عندي يد، وله إلي يد، وإلا فالله لا جارحة له، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا (١).
والرغباء -بضم الراء والقصر، وبفتح الراء والمد لغتان- بمعنى الرغبة: رغبت إليه وفيه أرغب رغبة ورغبًا إذا طلبت منه وسألته، ورغبت عن الشيء إذا لم ترده.
ويريد بقوله: "والرغباء إليك" أنه لما قدم في أول الحديث ذكر التلبية، التي هي دالة على الانقياد والطاعة، وقرر ثبوت النعمة له، واستحقاق الحمد عليها، وعمم بإثبات الملك له، قال: والطلب منك فالسؤال لك، لأن من كانت هذه الأشياء له تخصصت الرغبة إليه وتحقق العمل له.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المستحب أن يلبي تلبية رسول الله ﷺ ، وهي ما رواه في هذا الحديث بغير زيادة ابن عمر، ثم قال: ولا يضيق أن يزيد عليها، وأختار أن يفرد تلبية رسول الله ﷺ لا يقصر عنها ولا يجاوزها، إلا أن يرى شيئًا يعجبه، فيقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، فإنه لا يروى عنه من وجه يثبت أنه زاد غير هذا.
وهكذا يروى عن أحمد أنه لا يزيد على تلبية رسول الله ﷺ .
وقال أصحاب الرأي: السنة أن يأتي بتلبية رسول الله ﷺ ، وإن زاد فهو
стр. 1493
مستحب. وبه قال سفيان الثوري، وأبو ثور.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا بعض أهل العلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله ﷺ أهلَّ بالتوحيد لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".
قال الشافعي: وذكر عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ لبيك إله الحق لبيك.
هذا طرف من حديث طويل يتضمن حجة الوداع، وقد أخرجه مسلم وأبو داود، وقد ذكرنا إسنادهما في الطرف الذي أخرجه عن جابر في آخر الفرع الثالث من الفصل الأول قبل هذا، وزاد مسلم وأبو داود في هذا الطرف: "والناس يهلون بهذا الذي يهلون به، فلم يزد عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته".
وأخرج أبو داود أيضًا (١): عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: "أهلَّ رسول الله ﷺ .... " فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر ولم يذكر لفظه، ثم قال: والناس يريدون المعراج ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا.
وأما الطرف الذي ذكره عن أبي هريرة، فقد أخرجه النسائي (٢) عن قتيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد العزيز بن أبي سلمة بالإسناد واللفظ، ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا أسند هذا عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز، رواه إسماعيل بن أمية عنه مرسلًا.
стр. 1494
التوحيد: تفعيل من الوحدة ويريد به أنه أهل بالحج مفردًا لم يكن قارنًا ولا متمتعًا، ويعضد ذلك ما جاء في روايات كثيرة لهذا الحديث عن جابر أنه أهل بالحج مفردًا، وفي أخرى: بالحج خالصًا، وفي أخرى: نحن نقول: لبيك بالحج، وفي أخرى: أقبلنا مهلين بالحج مفردًا، وفي أخرى: بالحج خالصًا وحده، وفي أخرى: لا يخالطه شيء.
ولو قيل: إنه أراد بالتوحيد الإخلاص بالتلبية والتخصيص بها لله تعالى، أي أنه لباه وحده، لكان جائزًا ويعضده قوله: "لبيك لا شريك لك لبيك" أي لا شريك لك في هذه التلبية، والأول أوجه.
وقوله: "إله الحق" يريد الإله الحق، فأضاف الموصوف إلى الصفة، كقولهم: صلاة الأولى ومسجد الجامع.
والمدارج: المصاعد والدرج عرج يعرج عروجًا إذا ارتقى في الدرج.
والمعراج: السلم، قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد معرج -بالكسر- أو معرج -بالفتح- والمراد بالمعراج في صفة الله تعالى: مصاعد الملائكة إلى السماء.
وقيل: المعارج السموات نفسها، وذو المعارج مالكها وصاحبها وربها.
وقول جابر: "يهلون بما يهلون به ولا يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئًا" يدل على جواز الزيادة في التلبية، والتلبية بما شاء الإنسان، إلا أن تلبية رسول الله ﷺ أولى ولا سيما وقد لزمها ولم يزد عليها.
قال الشافعي: كما روى جابر وابن عمر كانت تلبية رسول الله ﷺ ، وهي التي أحب أن تكون تلبية المحرم، إلا أن يدخل ما روى أبو هريرة لأنه مثلها في المعنى، لأنه تلبية والتلبية إجابة فأبان أنه أجاب إله الحق بلبيك أولًا وآخرًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال:
стр. 1495
أخبرني حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قال: كان النبي ﷺ يظهر من التلبية لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس يُصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة، قال ابن جريج: وحسبت أن ذلك يوم عرفة.
هذا حجة لما ذهب إليه الشافعي، أنه قال: أحب أن لا يتجاوز تلبية رسول الله ﷺ ، إلا أن يرى شيئًا يعجبه فيقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
قال الشافعي: وهذه تلبية كالتلبية التي رويت عنه، وأخبر أن العيش عيش الآخرة لا عيش الدنيا وما فيها.
قال: ولا ضيق على أحد في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره، من تعظيم الله ودعائه مع التلبية، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن رسول الله ﷺ من التلبية.
وإنما قال النبي ﷺ هذه الزيادة -والله أعلم-: لأنه لما نظر إلى ازدحام الناس عليه وصرفهم عنه، كأنه سره ذلك وأعجبه، فقال -مستغفرًا من هذا الخاطر-: لبيك إن العيش عيش الآخرة لا هذا العيش الفاني الزائل، وأن هذا وأمثاله -وإن كان محبوبًا إلى النفوس قريبًا إلى القلوب، فإنه ظل زائل وسحابة صيف ليس يرجى دوامها، وإنما العيش هو الباقي الدائم الذي هو عيش الآخرة، فكأنه جمع في هذا القول بين فوائد:-
أحدها: توهين ما أعجبته عند نفسه وتقليله ليتتركه [وتصد] (١) ويصدق عنه.
والأخرى: إعلامها أن وراء هذا ما هو خير منه وأبقى إليه، ليميل إليه ويرغب
стр. 1496
فيه.
والأخرى: الاعتذار إلى الله -تعالى- من هذا الخاطر الذي خطر له، والإقرار بالذنب والاعتراف بالخطأ فيه.
والعيش: الحياة، عاش الرجل يعيش إذا حي معاشًا أو معيشًا، كل واحد منهما يصلح أن يكون مصدرًا وأن يكون اسمًا.
والآخرة: صفة لدار القيامة لا أنها من الصفات العالية كالدنيا يريد الدار الدنيا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن القاسم بن معن، عن محمد بن عجلان، عن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: سمع سعد بن أبي وقاص بعض بني أخيه يلبي: ياذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ .
قوله: "فقال سعد: المعارج": يريد به أن سعدًا لما سمع ياذا المعارج فأنكره، أخذ يجري اللفظ على لسانه، كمن يسمع شيئًا يستغربه فيعيده ليستبينه، واللفظة مرفوعة على أنها مبتدأ محذوف الخبر تقديره: المعارج نقول، وهذا القول من سعد يعضد ما ذهب إليه الشافعي، من لزوم تلبية رسول الله ﷺ وترك الزيادة عليها.
стр. 1497
الفرع الثاني
في أحكام التلبية
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، [عن] (١) عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، [عن خلاَّد] (٢) بن السائب الأنصاري، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم (٣) بالتلبية والإهلال" يريد أحدهما.
هذا حديث صحيح أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
أما مالك (٤): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، وقال فيه: ومن معي، وقدم الإهلال على التلبية.
وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر ولم يذكر: ومن معي.
وأما النسائي (٧): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن عبد الله
стр. 1498
ابن أبي بكر. الحديث نحوه.
قوله: "أو من معي" بالشك بخلاف قوله: "ومن معي" بغير شك، فإنه مع عدم الشك يكون قد أمره أن يأمر أصحابه ومن معه، ويدل ذلك على أن أصحابه ليسوا كل من صحبه أي صحبة كانت، لأن الذين معه قد صحبوه بالجملة بكونهم معه، ومع ذلك فقال: أصحابي ومن معي فعطفهم على أصحابه، وذلك على أن اسم الصحابي لا يطلق إلا على من هو معروف بصحبة النبي ﷺ ، دون من سمعه ورافقه وكان معه وقتًا ما, ولأنه لو قال: "أمرني أن آمر أصحابي" واقتصر على هذا ربما يظن الناس كافة أن الأمر لهؤلاء الذين صحبوه وعرفوا به، دون من كان قد حج معه ممن لم يكن صحبه، فقال: "أو من معي" ليشمل الجميع ويزول هذا الظن. والله أعلم.
وأما قوله: "أو من معي" بالشك فالظاهر أنه شك من أحد الرواة، على أن أنه جائز أن يكون من النبي ﷺ ، لأن الشك في مثل هذا جائز إذ هو نوع من النسيان ولا يعصم منه البشر، ويكون هذا الشك في اللفظ ولا يفيد اختلافًا في المعنى كما أفادت الواو، لأن قوله: "أن آمر أصحابي" يطلق في أصل الوضع على كل من صحبه وقتًا.
وقوله: "أن آمر من معي" يفيد ذلك المفاد أيضًا ولا تناقض بينهما فإن من معه هم أصحابه.
وإن كان الشك من أحد الرواة: فالمعنى أن النبي ﷺ قال أحد اللفظين وكل منهما ساد مسد الآخر، ثم إن فرقنا بين القولين وميزنا بين مدلول اللفظين، وقلنا: إن النبي ﷺ قال: أمرني أن آمر أصحابي: فتخصيصه الصحابة بالأمر لمزية فضيلة فيهم دون غيرهم ممن معهم، وزيادة اهتمام بشأنهم على من سواهم، وإن قلنا: إن النبي ﷺ قال: "أمرني أن آمر من معي" فتخصيصه الذين معه بالأمر دون الصحابة، لعلمه أن الصحابة عارفون بالسنة لطول
стр. 1499
ملازمتهم النبي ﷺ ، واطلاعهم على خفايا الشريعة، وأن الذين كانوا معه ممن لم يطلق عليه اسم الصحبة لقرب عهده بالإِسلام، أو بالهجرة، أو بالمجاورة وهم أخفى بتأكيد الوصية والتوقيف، والتعريف بالسنة، والاطلاع على أسرارها، والاعلام بأحكامها.
وقوله: "بالتلبية أو بالإهلال" يريد أحدهما، أو التلبية فهي قوله: لبيك اللهم لبيك.
وأما الإهلال: فهو إظهار الصوت بهذا الذكر.
والتلبية في هذا المقام أولى من الإهلال، لأن التلبية تكون مخصوصة (١) ومرفوعة، والإهلال لا يكون إلا مرفوعًا، وإذا قلنا: أنه قال بالإهلال، فلأن الإهلال وإن كان رفع الصوت بالتلبية فإن ما من صوت إلا وفوقه ما هو أرفع منه وأظهر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن رفع الصوت بالتلبية مستحب لإظهار شعار الإِسلام، وليسمعه الجاهل فيقتدي.
وقد قال في الأم: يرفع صوته جهده ما لم يبلغ به أن يقطع صوته.
وقال مالك: لا يرفع صوته إلا في المسجد الحرام ومسجد منى، ويكره أن يرفعه في غيرهما من المساجد.
وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا سعيد بن سالم ومسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن [سابط] (٢) قال: كان سلفنا لا يدعون التلبية إلا عند أربع: عند انضمام الرفاق حين تنضم، وعند إشرافهم على الشيء وهبوطهم من بطون الأودية -أو عند هبوطهم من الشيء الذي يشرفون منه- وعند الصلاة إذا فرغوا منها.
قال الشافعي: وما روى ابن [سابط] (٢) موافق لما روى عن رسول الله ﷺ ،
стр. 1500
من أن جبريل أمره أن يأمرهم برفع الصوت بالتلبية. قال: ومن قال: لا يرفع صوته بها في مساجد الجماعات إلا مسجد مكة ومنى، فقوله يخالف الحديث، واحتج في "الإملاء" بحديث جبريل وقال: لم يخص موضعًا دون موضع.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن محمد [بن] (١) أبي حميد، عن محمد بن المنكدر: "أن النبي ﷺ كان يكثر من التلبية".
هذا الحديث مسوق لبيان فضيلة التلبية، وأن الإكثار منها ولزومها على كل حال مستحب، ويعضد هذا الحديث الذي يليه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يلبي راكبًا، ونازلاً، ومضطجعًا".
هذه المنصوبات الثلاث على الحال، أي كان يلبي في هذه الأحوال.
قال الشافعي: ويستحب للمحرم أن يلبي قائمًا، وقاعدًا، وراكبًا، ونازلًا، وجنبًا ومتطهرًا وعلى كل حال رافعًا صوته في جميع المساجد، مساجد الجماعة وغيرها، في كل موضع كل متجرد وعند اضطلام (٢) الرفاق، وعند الإشراف والهبوط، وخلف الصلوات، وفي استقبال الليل والنهار وفي الأسحار.
قال: وبلغني عن محمد بن الحنفية أنه سئل: أيلبي المحرم وهو جنب؟ فقال: نعم.
قال الشافعي: وقد قال رسول الله ﷺ لعائشة وعركت:
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت". قال: والتلبية مما يفعل الحاج.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن محمد بن أبي بكر
стр. 1501
الثقفي "أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ قال: كان يهل المهل من الميقات منا ولا ينكر عليه ويكبر المكبر منا ولا ينكر عليه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي.
أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وعن سريج بن يونس، عن عبد الله بن رجاء، عن موسى بن عقبة [عن] (٤) محمد بن أبي بكر الثقفي.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي نعيم، عن مالك.
وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الله بن رجاء مثل مسلم.
غدا يغدو: إذا سار في أول النهار، وهو من الغدو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وكثر استعماله حتى صار يطلق على كل من مضى متوجها إلى مصلى، كما أن راح من الرواح: وهو السير بعد الزوال والعود إلى المكان، ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل من سار غاديًا كان أو رائحًا.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الملبِّي لا يزال يلبي إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر. وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، وميمونة، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وسعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق.
стр. 1502
ثم اختلفوا في وقت قطعها من رمي جمرة العقبة:-
فقال الشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يقطعها مع أول حصاة يرمي بها.
وقال غيرهم: يقطعها مع استكمال رمي الجمرة.
وكان ابن عمر يقطع التلبية إذا رأى الحرم إلى أن يطوف ويسعى، ثم يعود إليها.
وقال سعد بن أبي وقاص، وعائشة: يقطعها إذا راح إلى الموقف.
وقال على، وأم سلمة: يلبي إلى أن تزول الشمس يوم عرفة.
وكان مالك يرى قطع التلبية إذا راح إلى المسجد.
وقال الحسن البصري: يلبي حتى يصلي الفجر من يوم عرفة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس قال: أخبرني الفضل بن عباس: "أن رسول الله ﷺ أردفه من جمع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة".
قال الشافعي: ورُوِيَ عن ابن مسعود مثله، قال: وأخبرنا سفيان، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب -مولى ابن عباس- عن ابن عباس عن الفضل عن النبي ﷺ مثله.
أخرج الرواية الأولى في كتاب "الحج" من الأمالي، وعاد أخرجها مع الثانية في كتاب "مختصر الحج الأكبر" (١).
وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
فأما البخاري (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة
стр. 1503
وأما مسلم (١): فأخرجه عن قتيبة ويحيى بن أيوب وابن حجر، عن إسماعيل ابن جعفر.
ولهما روايات كثيرة لهذا الحديث.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن ابن جريج.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن عبد الملك بن جريج وعبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء.
وفي الباب: عن علي، وابن مسعود، وابن عباس.
قوله: "حتى رمى الجمرة" يريد جمرة العقبة، وكذا جاءت في بعض روايات هذا الحديث مفسرة.
قال الشافعي -بعد هذا الحديث-: ولبى عمر حتى رمى جمرة العقبة.
وقال في القديم -في كتاب "العيدين": أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "سمعت عمر بن الخطاب يلبي عند الجمرة، فقلت: يا أمير المؤمنين، فَثَمَّ التلبية؟ فقال: وهل قضينا من نسكنا بَعْدُ؟ ".
قال الشافعي: ولبى ابن مسعود حتى رمى جمرة العقبة وعطاء، وعكرمة، وطاوس، ومجاهد، وابن أبي مليكة وإنما يقطعها إذا شرع في رمي الجمرة؛ لأنه
стр. 1504
قد شرع في التحلل، فإن شرع في التحلل بالطواف أو الحلاق -على أحد القولين- وقدَّمهما على الرمي قطعها أيضًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "يلبي المعتمر حتى يفتتح الطواف مشيًا أو غير مشي".
هكذا أخرجه في كتاب الحج (١)، وأخرجه في كتاب الأمالي بهذا الإسناد، قال في المعتمر: يلبي حتى يستلم الركن.
وأخرج فيه أيضًا: عن مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "يلبي المعتمر حتى يفتتح الطواف مستلمًا أو غير مستلم".
المعتمر والحاج إذا أحرما يستديم كل منهما التلبية، ولا يقطعها إلا إذا شرع في التحلل كما قلنا، لأن التلبية إجابة لله تعالى إلى العبادة، وإلى شعار الإقامة على الطاعة، فالأخذ في التحلل ينافيها.
وحكى عن مالك: أنه إذا أحرم من الميقات قطع التلبية حتى يرى البيت إذا دخل الحرم، وإن كان أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حتى يرى البيت.
وقوله: "مشيًا أو غير مشي" هكذا رواه الأصم، قال الإِمام البيهقي: والصواب مستلمًا أو غير مستلم.
ولا فرق بين قوله: "حتى يستلم" وبين قوله: "حتى يفتتح الطواف" فاستلام الركن -وهو الركن الأسود- هو افتتاح الطواف؛ لأنه لا يطوف حتى يبتدئ باستلام الحجر الأسود.
قال الشافعي: وروى ابن أبي ليلى، عن عطاء [عن] (٢) ابن عباس "أن النبي ﷺ لبى في عمرة حتى استلم الركن". ولكنا هبنا روايته لأنا وجدنا حُفَّاظ المكين يقفونه على ابن عباس، وهو كما قال، فإن زهيرًا وهشيمًا وغيرهما رووه
стр. 1505
عن ابن أبي ليلي مرفوعًا ورفعه خطأ، كان ابن أبي ليلى كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرًا, ولأجل ذلك ضعفوه في الرواية مع أن محله في الفقه.
وقد أخرج الشافعي: عن ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله "أنه لبى على الصفا في عمرة بعد ما طاف بالبيت".
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا ولا أحد من الناس علِمْناه، إنما اختلف الناس عندنا:- فمنهم من يقطع التلبية في العمرة إذا دخل الحرم وهو قول ابن عمر.
ومنهم من قال: إذا استلم الركن وهو قول ابن عباس وبهذا نقول ويقولون هم أيضًا.
وأما بعد الطواف بالبيت فلا يلبي أحد، أورده إلزامًا للعراقيين فيما خالفوا فيه عبد الله بن مسعود ﵁ (١).
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن نافع، "أن ابن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم، حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك التلبية في العمرة إذا انتهى إلى الحرم".
وقد رَغِبَ الشافعي عن قوله في العمرة، بما روى فيه عن ابن عباس وغيره، ورغب عن قوله في الحج بما مضى من حديث أنس بن مالك وحديث الفضل بن العباس.
وقد أخرج الشافعي ﵁: عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم قال: أخبرني الشيخ الذي كان يكثر الحج -يعني عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد- عن أبيه أنه صعد إلى ابن الزبير وهو على المنبر بعرفة فقال: ما يمنعك أن تلبي فإن
стр. 1506
عمر ﵁ كان يلبي على المنبر؟ فلبى ابن الزبير.
قال الشافعي: ويلبي الإِمام على المنبر يوم عرفة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه عن النبي ﷺ "أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعفاه برحمته من النار".
الرضوان -بكسر الراء وضمها-: الرضى.
والاستعفاء: طلب العفو عن الشيء فالإعفاء منه، تقول: اعفني من كذا أي دعني منه، واستعفاه من كذا أي طلب الإعفاء منه، ومنه العفو عن الذنب وهو أن يتركه فلا يعاقبه.
والباء في "برحمته" متعلقة باستعفاه، أي سأله برحمته أن يعفيه من النار.
قال الشافعي: وأخبرنا إبراهيم بن محمد، أن القاسم بن محمد كان يأمر إذا فرغ من التلبية أن يصلي على النبي ﷺ .
قال الشافعي: ومعقول أن الملبي وافد الله -تعالى- وأن منطقه بالتلبية منطقه بإجابة داعي الله، وإتمام الدعاء ورجاء إجابته أن يصلي على النبي ﷺ ، وأن يسأل في إثر إكمال ذلك بالصلاة على النبي ﷺ الجنة ويتعوذ من النار، فإن ذلك أعظم ما يسأل ويسأل بعدها ما أحب. والله أعلم.
стр. 1507
الباب الرابع من كتاب الحج
في الإفراد والقران والتمتع
وفيه ثلاثة فصول:-
الفصل الأول في الإفراد
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ أقت الحج".
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "أهل رسول الله ﷺ بالحج":
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري، وقد أخرجه البخاري في جملة حديث طويل من طرق كثيرة.
أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك.
وعن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أبي مصعب، عن مالك.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن عبد الله بن سعيد وإسحاق بن منصور، عن
стр. 1508
عبد الرحمن، عن مالك.
وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة.
وهذه الرواية الثانية هي طرف من حديث طويل قد أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة: وأهل رسول الله ﷺ بحج وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة".
وهذا الحديث صريح الدلالة في إفراد الحج، وأن النبي ﷺ اختاره لنفسه من
بين الجائزات الثلاثة، وما اختار لنفسه إلا ما هو الأول عنده والأحب إليه، وخيَّر الناس في الثلاثة ليبين لهم جوازها وصحتها، وقد سبق فيما تقدم بيان اختيار الشافعي ومن وافقه من الأئمة وخالفه، فلا حاجة إلى إعادته.
قال الشافعي: إذا أراد الرجل أن يحرم كان ممن حج أو لم يحج، فواسع له أن يهل بعمرة، وواسع له أن يهل بحج وعمرة، وواسع أن يفرد لأن الثابت عندنا أن النبي ﷺ أفرد.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد العزيز الدراوردي، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس بالحج، فتدارك الناس بالمدينة ليخرجوا معه، فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقنا لا نعرف إلا الحج وله خرجنا، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليه القرءآن وهو يعرف تأويله، وإنما يفعل ما أمر به،
стр. 1509
فقدمنا مكة فلما طاف رسول الله ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة قال: "من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
وقد تقدم فيما سبق لهذا الحديث روايات أخرى، والحديث في نفسه حديث طويل وهو حديث حجة الوداع، وقد أخرجه بطوله مسلم وقد ذكرنا طرقها فيما مضى.
وقد أخرج المزني (١): عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ "أنه أهلَّ هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئذ هدْي غير النبي ﷺ وطلحة، وكان علي قدم من المدينة ومعه هدي، فقال: أهللت بما أهلَّ به رسول الله ﷺ ، وأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا إلا مَن كان معه هدي، فقالوا: أننطلق إلى منى وذَكَرُ أحدنا يقطر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت" وأن عائشة حاضت فَنَسَكَت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت فلما طهرت وأفاضت، قالت: يا رسول الله، أتنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، واعتمرت بعد الحج في ذي الحجة، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقى رسول الله ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة؟ فقال: "لا بل للأبد".
وهو أيضًا مؤكد لبيان أن النبي ﷺ إنما أهل بالحج مُفْرِدًا.
وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا ابن علية، عن
стр. 1510
أبي حمزة ميمون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله -يعني- أنه أمر بإفراد [الحج] (١).
[قال] (٢) قلت: كان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر، وهم يزعمون أن القِران أفضل وبه يُفتون من استفتاهم.
وعبد الله كان يكره القران، هكذا جاء في المسند في كتاب اختلاف علي وعبد الله.
والذي جاء في كتاب البيهقي (٣) عن الشافعي بهذا الإسناد عن عبد الله قال: نُسُكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر.
قال الشافعي: وهم يزعمون أن القِران أفضل وذكرنا فيه.
وقال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله أنه قال: [الحج] (٤) أشهر معلومات ليس فيها عمرة.
ويشبه أن يكون ابن مسعود ذهب فيها مذهب الاختيار، لإفراد العمرة عن الحج ورواية الأسود عنه تدل على ذلك وإن ذهب مذهب الكراهة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة وهو أحد ترجيحات مَنْ اختار الإفراد على القِران والتمتع، فلم ينقل عن أحد منهم أنه كره الإفراد.
وهذا الأثر إنما أورده الشافعي مستدلًا به على ترجيح الإفراد.
وقوله: "أحب أن يكون لكل واحد منهما" يعني الحج والعمرة يريد: إذا أفرد الحج وأفرد العمرة كان لكل واحد منهما إحرام وشعث وسفر يخصه، لأنه