← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لا تنصرف من حيث استعملت بلفظ الماضي للحال، ولها أحكام انفردت بها عن أخواتها. وقد أخرج الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ أنه قال: "إذا استجمر أحدكم فليستجمر وِتْرًا، وإذا توضأ فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر". هذا لفظ حديث البيهقي (١) قال في آخره: رواه الشافعي في من سنن حرملة عن سفيان. وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢). وأخرج أيضًا البيهقي (٣) عن سفيان، عن منصور، عن بلال بن يساف، عن سلمة [بن] (٤) قيس يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا استجمرت فأوتر، وإذا توضأت فانتثر". قال البيهقي: رواه الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان. وأخرج الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن منصور [عن] (٥) مجاهد، عن رجل يقال له الحكم بن سفيان، عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ : "نَضَحَ فَرْجَهُ". وقد أخرجه الترمذي: عن محمد بن يحيى [بن] (٦) أبي عمر، عن سفيان

стр. 177

عن منصور [و] (١) ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ بال ثم توضأ ونضح فرجه بالماء" (٢). قال سفيان: هو الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم.

стр. 178

الفصل الثالث في الاستنجاء باليمين قد تقدم في حديث أبي هريرة في أول الباب؛ النهي عن الاستنجاء باليمن. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أييه قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتنفس أحدنا في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستنجي بيمينه". هذا لفظ حديث البيهقي (١) بالإسناد وقال: أخرجه الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان، عن معمر. وقد أخرجه: البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث هشام وغيره، عن يحيى ابن أبي كثير. ...

стр. 179

الفصل الرابع في الاستتار لم يرد في المسند حديث في هذا الفصل. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ وبيده درقة (١) أو شبيهة بالدرقة، فاستتر بها فبال وهو جالس، فقلت لصاحبي: ألا ترى إلى رسول اللَّه ﷺ كيف يبول كما تبول المرأة! قال: فأتانا فقال: "ألا تدرون ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كان إذا أصاب أحدًا منهم شَيءٌ من البول قرضه بالمقراض، قال: فنهاهم عن ذلك فعذب في قبره". هذا لفظ حديث البيهقي (٢) وقال: رواه الشافعي في سنن حرملة عن سفيان ابن عيينة. وقد أخرجه أبو داود (٣): في كتابه من وجه آخر عن الأعمش.

стр. 180

الفصل الخامس في ترك ذكر اللَّه تعالى أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا مَرَّ على النبي ﷺ -وهو يبول- فسلم عليه الرجل فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه النبي ﷺ فقال: "إنما حملني على الرد عليك؛ خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على رسول اللَّه ﷺ فلم يرد عليَّ السلام، فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليَّ، فإنك إن تفعل لا أَرُدُّ عليك". هكذا جاء في الحديث؛ في هذه الرواية، والصحيح أنه سلم عليه فلم يرد عليه، ويحتمل أن يكون المراد به: فلم يرد عليه حتى تَيَمَّمَ ثم رد عليه. وقد ذكره الشافعي في حديث ابن الصمة (١)، وسيرد في كتاب التيمم، وقد ذكره أيضًا في حديث آخر مرسل، عن سليمان بن يسار، وقال فيه: "فلم يرد عليه حتى وضع يده على جدار ثم ردَّ ﵇". أخرجه الشافعي قال: أنبأ إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ ذهب إلى بئر جمل ثم أقبل فسلم عليه؛ فلم يرد عليه، الحديث. فيكون المراد بحديث ابن عمر -واللَّه أعلم- أنه رد عليه بعد ما تيمم.

стр. 181

"البول": مَعروف، يقال: بال يبول بولًا، والاسم البيلة، كالجلسة والركبة، والمراد به إراقة الماء من الذكر في هذا الحديث. "والسلام": مصدر سلم يسلم تسليمًا وسلامًا، وقيل: هو اسم المصدر، وهو مشتق من السلامة ضد العطب، وهو أيضًا اسم من أسماء اللَّه تعالى. "والمجاوزة": العبور على الشيء وتركه وراءك، تقول: جزت الموضع أجوزه جوازًا، وجاوزته أجاوزه مجاوزة إذا سرت فيه وقطعته ثم خلفته. "والمناداة": مفاعلة من النداء. "ورد السلام": هو أن تقول: وعليك السلام، ونحو ذلك من ألفاظ الرد المعروفة شرعًا وعُرْفًا، والرد: إعادة الشيء أو مثله. "والخشية": الخوف، تقول: خشي الشيء يخشى خَشْيَةً أي خاف، وهو منصوب لأنه مفعول له. "ولم": حرف جزم لنفى قولك "فعل" فيقول "لم يفعل"، و"يَرُدّ" هو الفعل المجزوم بـ "لم". ولك فيما كان من هذا النوع ثلاثة مذاهب:- إن شئت فتحت الدال، وإن شئت كسرتها، وإن شئت ضَمَمْتَهَا. فمن فتح طلب أخف الحركات، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضمَّ أتْبَع الحركةَ الحركةَ. والأصل فيه "لم يردد" فلما شُدِّدَتِ الدَّالُ؛ حصل فيه هذه المذاهب الثلاثة. "والحال": الهيئة، يذكر ويؤنث، والأكثر التأنيث، وقد يضاف إليها فتقول: [الحالة] (١).

стр. 182

والذي ذهب إليه الشافعي والعلماء غيره: كراهية رد السلام في حالة البول والغائط، لأن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى، وذكرُ اللَّه عند قضاء الحاجة مكروه بالإجماع، مندوب إلى تركه لأجل أن لا يذكر اسم اللَّه على غير وضوء. وهذا من باب الاستحباب لا الوجوب - واللَّه أعلم. ***

стр. 183

الباب الخامس في الوضوء وفيه سِتَّة فصول الفصل الأول في صفته فرضًا ونفلًا أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أنه قال لعبد اللَّه بن زيد الأنصاري: "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللَّه ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد اللَّه بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، وتمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا؛ ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين؛ ثم مسح رأسه بيديه مرتين فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدم رأسه؛ ثم ذهب بهما إلى قفاه؛ ثم ردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه". وفي رواية أخرى بهذا الطريق المذكور "أن رسول اللَّه ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين مرتين؛ ومسح رأسه بيديه" وذكر الحديث. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، ومالك (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).

стр. 184

فأما مالك: فأخرجه بالإسناد وقال: استنثر [ثلاثًا] (١) واستنشق". وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بالإسناد وقال فيه: "إن رجلًا قال لعبد اللَّه بن زيد، ولم يقل: إنه قال لعبد اللَّه. فيحتمل أن يكون هذا (٢) القائل، إلا أنه كنى عن نفسه بقوله: إن رجلًا؛ ويجوز أن يكون السائل غيره، إلا أن البخاري قد ذكر في بعض طرقه لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى، عن أبيه أنه شَهِدَ عمرو بن أبي حسن سأل عبد اللَّه بن زيد، فهذا صريح في أن السائل كان غير الراوي -واللَّه أعلم. وله في أخرى: عن مسدد، عن خالد بن عبد اللَّه بن عمرو بن يحيى بالإسناد: أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما، وذكر نحوه، ثم قال في اخره: هكذا وضوء رسول اللَّه ﷺ . وله روايات أخرى. وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن الصباح، عن خالد بن [عبد] (٣) اللَّه، عن يحيى، بالإسناد وذكره أتم منه، وقال هو والبخاري: "وغسل رجليه إلى الكعبين". وله في أخرى: "ولم يذكر الكعبين". وفي بعض طرقه: "فمضمض واستنشق من كف واحدة". وفي بعضها: "واستنثر من ثلاث غرفات". وأما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بالإسناد ولم يقل في غسل يديه أول مرة: "مرتين". وله في روايات أخرى باختلاف الألفاظ.

стр. 185

وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن يحيى، بالإسناد وذكر نحوه. وله طرق متفرقة بأسانيد مخالفة لهذا الحديث. وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، بالإسناد. وفي الباب: عن ابن عباس، ومعاوية، والمقدام بن معدي كرب، وعائشة. وحديث الوضوء قد روي من غير وجه، باختلاف الألفاظ عن عليٍّ، وعثمان، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، والربيع بنت معوذ، وكعب بن عمرو اليامي، وأبي أمامة، وجابر، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن حنطب، وأوس بن أبي أوس. "هل": حرف يستفهم به، وقد يُدْخِلُون عليه هَمْزَةَ الاستفهام فيتأولون به معنى "قد" وقد ترد "هل" بمعنى "قد" أيضًا؛ قالوا في قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (١) أي: قد أتى. "والاستطاعة": القدرة والطاقة على الشيء، وأصلها من الطاعة وهي المتابعة والانقياد، فإن القدرة لا تتأتي إلا عن مطاوعة النفس والأعضاء، وربما قالوا في استطاع. اسطاع يسطيع، يحذفون التاء استثقالًا لها مع الطاء لقرب المخرجين، ويكرهون إدغام التاء في الطاء لئلا تتحرك السين، وليست موضع حركة. وقد قرأ حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ (٢) بالإدغام، فجمع بين الساكنين، وهو قليل. وهذه السين والتاء الداخلتان في "استفعل"، هما دليل التكلف والمعاناة في

стр. 186

طلب الفعل، وتَرِدان للتحول نحو: "استنوق الجمل، واستجمر الطين". ويردان أيضًا للإصابة على صفة، نحو استعظمته، واستنجدته. ويردان بمنزلة فعل نحو: قرّ، واستقر. "وكيف": اسم مبني على الفتح لالتقاء الساكنين، وُضِعَ للاستفهام عن الحال فأقيم مقام حروفه. وموضع "أن تريني" نصب بـ "تستطع"، لأنه المسئول عن استطاعته. "ونعم": حرف يجاب به، مصدقًا لما سبقه من كلام منفي أو مثبت، تقول قام زيد، ولم يقم زيد، فيقول في جوابهما نعم، فيكون مصدقًا لهما. وكذلك إذا وقع الكلامان بعد حرف الاستفهام، فإنها تكون مصدقة لما بعد الهمزة. "والمضمضة": تحريك الماء في الفم، مضمض وتمضمض بمعنى، وفرق بين اللفظتين من جهة التركيب لا من جهة الحكم، فإن مَضْمَضَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وتمضمض فعل قاصر لأن التاء تدخل على الفعل إما للمطاوعة نحو: كسرته فتكسر أي: انقاد للكسر وطاوعني على حصوله، وترد بمعنى التكلف نحو: تَشَجَّعَ، وتَصَبَّرَ أي: طلب أن يصير صبورًا، وتكلف الصبر، وترد بمعنى اسْتَفْعَلَ نحو: تَكَبَّرَ، وتَعَظَّمَ، وترد بمعنى اسْتفْعلْ نحو: تَكَبَّر، وتَعَظَّمْ، وترد للعمل بعد العمل نحو، تجَّرعَ، تحسّى، ومنه تَفَهَّمَ:، وتَبَصَّرَ، وترد بمعنى اتخاذ الشيء نحو: تَوَسَّدْتُ الحَجَرَ، وتَدَبَّرْتُ المكان، وترد بمعنى التجنب نحو: تأثم، وتحرَّجَ. و"الاستنشاق": إدخال الماء في الأنف مع التنفس إلى داخل، وأصله من استنشق الريح إذا شمها، والشَّمُّ لا يكون إلا باسترجاع التنفس في الأنف إلى داخل، ومنه النشوق وهو: سعوط يُجْعَلُ في المنخرين.

стр. 187

"والَمِرْفق": -بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء- موصل الذراع في العضد. "وإلى": حرف جر معناه: الانتهاء إلى الغاية، "وإلى" مقابلة "مِنْ" التي لابتداء الغاية، ولها في الكلام موضعان، أحدهما -حقيقي كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد، أي كان ابتداء مسيري من البصرة وانتهاؤه إلى بغداد، فجائز أن يدخل ما تجره "إلى" في حكم ما قبله، كقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) فالمرافق داخلة في حكم الغسل. والموضع الثانِي: مجازي وهو: إذا كان بمعنى المصاحبة، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) وكقولهم: الذود إلى الذود وقيل: إنها هاهنا بمعنى "مع". "والمسح": معروف تقول: مسحت الشيء، ومسحت به، ومسحت عليه، ومسحت عنه، وهو في الوضوء: أن تبل اليد بماء جديد غير ما فضل فيها من أثر الماء؛ فتمره على الرأس. وسنذكر كيفية مسح الرأس، عند ذكر أقوال الأئمة في المسح واختلافهم فيه؛ والفرق بين "مسحتُ رأسي"، "ومسحتُ برأسي"، أَنَّ "مسحتُ رأسي" مخرجه على العموم، ويجوز أن يكون بعض الرأس، كما تقول: شججت رأسه، وإنما يكون قد شج بعضه ومَوْضِعٌ منه، وكذلك تقول: قَبَّلَ رأسه، وإنما يكون قد قَبَّلَ مَوْضِعَ الشفتين منه. وإذا قلت: "مسحت برأسي"، فمخرجه إلصاق المسح بالرأس، فهو أقرب إلى الاختصاص من العموم، كما تقول: أخذت الزمام وأخذت بالزمام، فيكون مع الباء بمعنى: ألصقت يدي به وأعلقتها بطرفه.

стр. 188

ومع حذف الباء، يدل على أخذ جميعه والتمكن منه، وهذا مما يعضد قول مَنْ ذَهَبَ إلى إيجاب مسح اليسير من الرأس، على ما نذكر مفصلًا -إن شاء اللَّه تعالى. ولدخول الباء فائدة لولاها لم تكن، وذلك أن: "الغسل" لغة يقتضي متى ذُكِرَ مغسولًا به، والمسح لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قال: امسحوا رءوسكم، أو مسح رأسه، لم يفد ذلك ممسوحًا به، ولأجزأ مسح اليد على الرأس بغير شيء سوى إمرار اليد عليه، فدخلت الباء لتفيد متعلقًا به وهو الممسوح به وهو الماء، والتقدير: وامسحوا برءوسكم الماء، ويكون هذا على القلب، أي امسحوا رءوسكم بالماء، وذلك جائز في العربية. أو يكون على الاشتراط في الفعل والتساوي في نسبته، كأنه لما حصل في التلاقي بين الرأس والماء؛ كان كل واحد منهما ممسوحًا بالآخر، فَذَكَرَ أحدَ الأمرين الجائزين -واللَّه أعلم. وقوله "فأقبل بهما وأدبر": أي أنه وضع يديه على مقدم رأسه مما يلي وجهه، ومر بهما إلى دبره أي جهة قفاه، وكذلك قد شرحه في الحديث فقال: "بدأ بمقدم [رأسه] (١) ثم ذهب بهما إلى قفاه". "والاستنثار": الامتخاط وهو: نثر ما في الأنف من بالأذى بالنَّفَسِ، وهو من نثرت الشيء، أنتثره نثرًا؛ إذا غرفته وألقيته، والنثرة الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف، والنثرة للدواب شبه العطسة. وقد جاء في بعض الروايات الجمع بين الاستنشاق والاستنثار؛ لأن الاستنشاق إلى فوق، والاستنثار إلى تحت وبهما يحصل نظافة الأنف والغرض المطلوب من غسله.

стр. 189

"والغَرفة": بفتح الغين للمرة الواحدة من الاغتراف، وبضمها الاسم للمغروف منه، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، وقد قرى بهما. وتجمع "الغَرْفَةُ" بالفتح على غرفات وغرفات والغُرفة بالضم على غراف. "والكعبان": هما العظمان الناشزان عند ملتقى الساق والقدم عند الجماعة، وذهبت الشيعة: إلى أن الكعب هو العظم الناشز في ظهر القدم. والذي ذهب إليه الشافعي: أن فرائض الوضوء ستة: الأول- "النية" ولا يصح الوضوء إلا بها وكذلك الغسل والتيمم. ومحلها القلب، واللسان عبارة عما استقر في القلب، والتلفظ بها مستحب (١). ووقتها عند غسل الوجه، فإن تأخرت عنه لم يكفه. وصورتها: أن ينوي رفع الحدث مطلقًا أو استباحة الصلاة، أو ما لا يستباح إلا بالوضوء، كمس المصحف ونحوه، أو ينوي أداء الوضوء، أو فريضة الوضوء. الفرض الثاني: "غسل الوجه": وحده من مبدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن في الطول، ومن الأذن إلى الأذن في العرض. الفرض الثالث: "غسل اليدين إلى المرفقين" ويدخل المرفقان في الغسل. الفرض الرابع: "مسح الرأس" بماء جديد غير البلل الباقي في يده، فأقل ما يجزئه في المسح، ما يطلق عليه اسم المسح؛ ولو أنه بعض شعرة من الرأس، وقيل لا يجزئه أقل من ثلاث شعرات. والذي قاله الشافعي: وإن مسح بعض رأسه بيده أو بعضها، ما لم يخرج عن منابت شعر رأسه أجزأه.

стр. 190

وقال ابن الصباغ: وتقديره بثلاث شعرات ليس بمقدار منقول عن الشافعي، وإنما يجزئ ما يقع عليه الاسم، وبه قال داود. وقال مالك: يجب مسح الجميع، وحكي عنه أنه إن ترك قدر الثلث جاز. وقيل: إن ترك يسيرًا لغير قصد جاز. وأما أحمد بن حنبل: عنه روايتان إحداهما يجب مسح الجميع، والثانية -يجب مسح أكثره. وأما أبو حنيفة: فَرُوِي عنه ثلاث روايات:- إحداها:- الربع، والثانية: قدر الناصية، والثالثة: قدر ثلاث أصابع، ومنهم من قال يرجع ذلك إلى الربع، وعليه يُعوِّل أصحابه، والتكرار مستحب. وروى ذلك عن أنس بن مالك، وهو مذهب عطاء. وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد وأبو ثور: لا يستحب التكرار فيه بماء جديد، وبه قال الحسن ومجاهد. وقال ابن سيرين: يمسح مرتين؛ مرة فرضًا ومرة سنة. الفرض الخامس: "غسل الرجلين إلى الكعبين" والكعبان يدخلان في الغسل، وقد ذكرنا معنى الكعبين. الفرض السادس: "الترتيب" فبدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم بالرأس، ثم بالرجلين. وقال في القديم: إن نَسِي الترتيب أجزأه، وهو ضعيف. وأما قول الأئمة من العلماء في هذه الفرائض: فقد قال بوجوب النية في الوضوء، والغسل، والتيمم، مع الشافعي؛ على ابن أبي طالب، وربيعة، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق وأبو ثور،

стр. 191

وأبو داود، وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية. وقال الحسن بن صالح: يجوز التيمم. وعن الأوزاعي روايتان: إحداهما- مثل أبي حنيفة، والأخرى مثل الحسن. وأما الوجه: فواجب بالإجماع. وحكى عن الزهري أنه قال: الأذنان من الوجه، فأوجب غسلهما. وحكي عن أبي حنيفة؛ في الشعر المحاذي لمحل الفرض روايتان إحداهما: يجب غسله، والثانية: يجب مسح ربعه. ورويت هذه الرواية عن أبي يوسف. وروي عن أبي يوسف أنه: يسقط الفرض عن البشرة، ولا يتعلق بالشعر. واعتبر أبو حنيفة ذلك بشعر الرأس فقال: الفرض إذا تعلق بالشعر كان مسحًا. وإرسال الماء على ما انحدر من شعر اللحية، فيه عند الشافعي قولان: أحدهما: يجب؛ وبه قال مالك، والثاني: لا يجب؛ وبه قال أبو حنيفة، والمزني. أما الرِّجْلاَن: فغسلهما واجب، إلا ما حكي عن محمد بن جرير الطبري فإنه قال: يُخَيَّرُ بين الغسل والمسح. وقالت الشيعة: لا يجب إلا المسح، والغسل لا يجوز. وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال: يجب الجمع بينهما. وقال زفر، وابن داود: لا يدخلان الكعبان في الغسل كما قالا في المرفقين. وأما الترتيب فيه، قال بوجوبه: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد.

стр. 192

وقال قوم: إنه ليس بواجب وروي ذلك عن على، وابن مسعود، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، والنخعي، ومكحول، وإليه ذهب الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والمزني، وداود. واستدل الشافعي بحديث عبد اللَّه بن زيد هذا، وبما أخرجه في القديم عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه "أن رسول الله ﷺ حين فرغ من ركعتي الطواف وخرج إلى الصفا فقال: نبدأ بما بدأ اللَّه به" يعني قوله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) فبدأ بالصفا، وذلك ذهاب منه إلى أن الواو تفيد الترتيب، وكذلك الآية، قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) فبدأ بالوجه، ثم ثنى باليدين، فأفادت الواو فيها الترتيب. وهذا الحديث قد أخرجه الترمذي (٣). وأما سنن الوضوء فكثيرة وسيجيء في أحاديثها. إلا أن هذا الحديث يتضمن منها: غسل اليدين في أول الوضوء والمضمضة، والاستنشاق، فإنهما (٤) والاستنثار التكرار. أما غسل اليدين فيجيء في حديثه. وأما المضمضة والاستنشاق فإنهما سنة، وبه قال الزهري، وربيعة، ومالك والأوزاعي.

стр. 193

وقال أحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، هما واجبان في الوضوء. وقال أبو حنيفة، والثوري: هما واجبان في الغسل دون الوضوء. وأما التكرار: فإن السنة أن يأتي فيه ثلاثًا ولا يزيد عليه؛ لأنه ﷺ "توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: من توضأ مرتين، آتاه أجره مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم" (١).

стр. 194

قال الشافعي في رواية حرملة عنه: ولأنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا قال: "فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم" أَمّا الإساءة فلأنه وضع الشيء في غير موضعه. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأحمد، وأبو ثور: لا يستحب التكرار في مسح الرأس بماء جديد، وبه قال الحسن ومجاهد. وقد جمع هذا الحديث من أحكام الوضوء، وفروضه، وسننه: الابتداء بغسل اليدين، والمضمضة، والاستنشاق والاستنثار، وغسل والوجه، واليدين، ومسح الرأس واستيعابه، وغسل الرجلين، والترتيب، والتكرار، إلا أن في [روايات] (١) الحديث قد اختلف في التكرار، ففي بعضها "ثلاثًا ثلاثًا"، وفي بعضها "مرتين، مرتين" وفي بعضها "مرة مرة"، وهذا دليل على أن التكرار ليس بواجب، وأن الواجب المرة الواحدة لا غير. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن ابن عباس قال: "توضأ رسول اللَّه ﷺ فأدخل يده في الإناء، فاستنشق، ومضمض مرة واحدة، ثم أدخل يده وصب على وجهه مرة، وصب على يده مرة، ومسح رأسه وأذنيه مرة واحدة". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، إلا أنهم أخرجوه باختلاف ألفاظهم، وزيادة فيه من طرق كثيرة.

стр. 195

والذي في هذا الحديث من الأحكام؛ التي لم ترد في حديث عبد اللَّه بن زيد وضوؤه مرة مرة؛ لكل أعضائه المذكورة في الحديث، وذلك هو الفرض الذي لا تصح الصلاة إلا به. والثاني: أنه أدخل يده في الإناء، ولم يذكر أنه غسلهما قبل إدخاله إياها الإناء، فهذا دليل على بطلان من أوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، اللهم إلا أن يقال: إنه لم يذكر في هذا الحديث، أنه كان عند الانتباه من النوم. والثالث: أنه استنشق ومضمض من كف واحدة، ويجوز أن يكون قوله "استنشق ومضمض مرة واحدة" أنه فعل ذلك من كفين. وفيه دليل على جواز تقديم الاستنشاق على المضمضة، لأنه عَقَّبَ إدخاله يده الإناء بالاستنشاق بالفاء، ثم عطف عليه المضمضة. وقوله "واحدة" تأكيد لمرة، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). وقوله "صب على يديه مرة واحدة" يريد: على كل واحد من يديه يكون في [...] (٢).

стр. 196

مكانه الذي كان نحله. "والانحراف": الميل من جهة إلى جهة أخرى، وكأنه من حَرَفَ الشَّيْءَ أي طَرَّفَهُ، فكأن المائل كان على حرف الشيء فمال عنه بانحرافه. وقوله "تَحْسَبَنَّ وتَحْسِبَنَّ" بكسر السين وفتحها، من الحِسْبان بالكسر، وهو الظن، تقول: حَسِبْتُ الشيء أَحْسَبُه وأَحْسِبُه حسابًا، وقد قرئ القرآن بالاثنين معًا، والكسر لغة علياء مضر، والفتح لغة سفلاها وإن كان القياس، فإن الكسر شاذ، وأبو داود أخرجه في كتاب القراءات لبيان القراءة بكسر السين بالفتح. وهذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، تقول: حسبت زيدًا قائمًا، والمفعول الأول في هذا الحديث، هو: أنا والتقدير: "لا تحسبننا"، والمفعول الثاني هو: الجملة من الفعل والفاعل والمفعول. "ذبحناها من أجلك": جار ومجرور متعلق بقوله: "ذبحناها". ومعنى قوله: "لا تحسبن أَنَّا من أجلك ذبحناها" ترك الاعتبار به والمنَّة على الضيف والتبرؤ من والرياء هذا من ألطف أخلاقه ﷺ ، وحسن عشرته. والمائة عنهم مرتحل لجملة من العدد معلومة، وهي مؤنثة مضافة إلى مفرد من العدد، نحو: مائة درهم، وقد يتأولون بها معنى العدد والاجتماع. ويكون: صفة ... في هذا الحديث في قوله: "لنا غنم مائة". "والبذاء": -بفتح الباء وبالذال المعجمة والمد- الفحش في النطق، وفلان بذىء اللسان، والمرأة بذيئة.

стр. 197

"والصحبة": مصدر صَحِبَه، يَصْحَبُهُ، صُحْبةً بالضم، وصَحَابة بالفتح. "والوعظ": النصح والتذكير بالعواقب. وقوله: "فإن يك" أي فإن يكن، إلا أنهم حذفوا النون لغير علة لا أن يكون تخفيفًا، لأن أصله يكون، فلما دخل عليه حرف الجزم سَكَّنَ النون، والواو قبلها ساكنة، فالتقى ساكنان الواو والنون، فحذفت الواو لأنها حرف علة، والحذف يتطرق إلى حروف العلة أكثر من غيرها، ثم لما كثر استعمالهم لها حذفوا النون تخفيفًا لغير علة سواه، فبقي "يك" بغير نون، لكنهم متى جاءت في موضع تكون النون متحركة فإنهم لا يحذفونها، نحو قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١) وأجاز يونس حذفها مع الحركة وأنشد:- إذا لم تَكُ الحاجات منَ هِمَّة الفتى ... فليس بِمُغْنٍ عَنْكَ عَقْدُ الزَّنايمِ و"الزنايم" جمع زنيمة، وهي خيط يشد في الأصبع ليستذكر به الحاجة، على أن هذا البيت قد أنشدوه: إذا لم تكن حاجتنا في نفوسكم ... فليس بمغنٍ عنك عقد الزنايم وحينئذ لا يكون فيه حجة. وقوله: "فستقبل" أي تقبل وعظك وينفعها. وقد رواه أبو داود: فستفعل، أي تفعل الخير وتترك البذاء. والنون في "تضربنَّ" نون التأكيد الثقيلة، وهما نونان: ثقيلة، وخفيفة، وهما

стр. 198

يدخلان الأمر، والنهي، والاستفهام، والقسم المستقبلين. "والظعينة": في الأصل الهودج كانت فيه المرأة أو لم تكن، والجمع ظعن وظُعن، وظعائن، وأظعان، ثم قيل للمرأة ظعينة مادامت في الهودج، تسمية للشيء باسم مكانه، فإذا لم تكن فيه فليْست بالظعينة، وكأن اشتقاقها من الظعن وهو: السير إما لأن المرأة تسير مع زوجها، أو لأنها تكون في الهودج غالبًا في حالة السفر (١). "وضربك هذا": منصوب على المصدر، في الأصل تقول: ضربته ضربًا مثل ضَرْبِ زَيْدٍ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل لأن الكاف هنا ضمير الفاعل. "والأَمَة": خلاف الحرة، والجمع "إماء"، فأصلها أَمَوَة بوزن ثَمَرةَ، وتصغيرها "أُمَيَّةٌ"، وقد سُمِّى "بأمية" الرجل والمرأة ولذلك لم ينصرف للتعريف والتأنيث، وليس هذا النهي من الضرب مما يمنع الأزواج من ضرب نسائهم عند الحاجة إليه، فقد أباح اللَّه -تعالى- ذلك في قول ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢) وإنما النهي عن تبريح الضرب كما يُضرب المماليك، في عادات من يستحسن ضربهم، ويستعمل سوء المملكة فيهم. وتمثيله بضرب الأماء، لا يوجب إباحة ضربهن، وإنما جرى على طريق الذم لأفعالهم. "والإسباغ": الإكمال والإتمام، وشيء سابغ: شامل وافٍ ومنه درع سابغة أي واسعة، والمراد به في الوضوء: المبالغة في مجاوزة الموضع المفترض غسله من الأعضاء، مثل أن يتجاوز المرفقين، والكعبين، إلى قريب من نصف الباقي. "وتخليل الأصابع": يريد به أصابع الرجلين يدخل بينهما أصابع يديه ليصل الماء إلى باطنهما.

стр. 199

"والمبالغة في الاستنشاق": هو إيصال الماء إلى أعلى الأنف والخياشيم ليغسلها. والندب إلى المبالغة فيه، يجوز أن يكون لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى النفس الذي يكون به النطق والصوت بإزالة ما فيه من الثقل لتصح مخارج الحروف، أو لأن الأنف ضيق المجرى ولا تناله اليد، فَأُمْروا بالمبالغة في الاستنشاق، ليصل الماء إلى أعاليه التي لا تبلغها اليد. وقوله: "إلا أن يكون صائمًا" احترازًا من خوف وصول الماء إلى الباطن فيفطر. "والمُرَاح": -بضم الميم- الموضع الذي [تأوى] (١) إليه الإبل والغنم ليلًا. وبفتح الميم: الموضع الذي يروح منه القوم، أو يروح إليه، وأصله من الرواح وهو: اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وقد جاء في رواية أبي داود بدل "فلم يَلْبَثْ"، "فلم يَنْشَبْ" وهو من نشب الشيء في الشيء ينشب نشوبًا، إذا علق فيه، والمعنى "يلبث" لأن من علق في الشيء يبطئ في الخلاص منه، فيلبث في خلاصه زمانًا فإذا لم ينشب لم يحتج إلى زمان، فاستعمل في الأمر إذ المرء يبطئ على من يريد فعله أو قوله أو انتظاره. والذي ذهب إليه الشافعي في هذه السنن (٢) أن يذكر في موضعه. وأما تخليل الأصابع فإنه مستحب، فإن علم وَصل الماء إلى الأصابع أجزأه، واستحب له التخليل، وإن لم يعلم ذلك وجب عليه إيصال الماء إليها [وابتدأ] (٣) بالتخليل من الخنصر. قال الشافعي في "الأم": وإن كان في أصابعه شيء خلق ملتصقًا [أوصل] (٤) الماء على عضويه حتى يصل الماء ما ظهر من جلده، وليس عليه أن يفتق ما خُلِقَ مرتتقًا.

стр. 200

الفصل السابع (*) في إسباغ الوضوء أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن أبي فديك، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن عمران بن بشير بن [مُحَرَّر] (٢)، عن سالم سبلان مولى النصريين، قال: "خرجنا مع عائشة زوج النبي ﷺ إلى مكة، وكانت تخرج بأبي حتى يصلي بها، قال: فأتى عبد الرحمن بن أبي بكر، وتوضأ، فقالت عائشة زوج النبي ﷺ : أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار" (٣). هذا حديث صحيح، أخرجه الموطأ (٤)، ومسلم (٥). فأما مالك: فأخرجه تعليقًا قال: بلغني: أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل على عائشة -زوج النبي ﷺ يوم مات سعد بن أبي وقاص فدعا بوضوء فقالت له عائشة: "يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء". وذكر الرواية الثانية. وأما مسلم: فأخرجه عن هارون بن سعيد الأيلي، وأبي طاهر، وأحمد بن عيسى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة -زوج النبي ﷺ ، وذكر مثل رواية مالك. "والوضوء": هاهنا مفتوح الواو، وهو الماء الذي يُتَوَضَّأ به، وقد تقدم بيان

стр. 201

ذلك مُسْتَوْفىً. "والإسباغ": قد ذكر في الحديث الذي قبل هذا. "والأعقاب": جمع عقب الرجل، وهو مؤخرها وذلك أنهم كانوا يغسلون أرجلهم عند الوضوء ولا يستقصون في غسلها، فلا يكاد الماء يصل إلى أعقابهم، فَتُوُعِّدُوا بالنار بعد القيامة. "وويل" كلمة تتضمن دعاءً وعذابًا، تقول: وَيْلٌ لزيد، وويلًا لزيد، فالرفع على الابتداء، وإنماء جاز الابتداء به وهو نكرة؛ لما فيه من الدعاء كقوله: "سلام عليكم"، والنصب على إضمار الفعل، فإذا ما أضفته فقلت: وَيْلَ زيد، لم يكن إلا النصب، لأنك لو رفعته لم يكن له خبر. وقيل: "ويل" وادٍ في جهنم، فعلى الأول تكون "من" في قوله: "من النار" لابتداء الغاية أي: ابتداؤه الويل من النار، ويجوز أن يكون للتبعيض، لأن العذاب الذي وُعِدَ به هو من النار أي بعضها، وعلى الثاني: يكون لتمييز الجنس، أي لها الويل الذي هو النار، ويجوز أن يكون للتبعيض أيضًا لأن الوادي -هو ويل- بعض النار. وفي هذا الحديث دليل على:- بطلان قول من ذهب إلى جواز مسح الأقدام، لأن المسح لا يبلغ الأعقاب، وإنما يكون على مشط القدم أو بعضه، والنبي ﷺ لا يتوعد بالنار على ما ليس بواجب. والذي ذهب إليه الشافعي: أن إسباغ الوضوء مستحب عنده، وعليه الأئمة.

стр. 202

الفرع الثامن (*) في الموالاة أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعِىَ لجنازة فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها. هكذا أخرجه في كتاب الطهارة، وأعاد إخراجه في موضعين اخرين من كتاب اختلافه مع مالك بهذا الإسناد أيضًا، وفي اللفظ تقديم وتأخير. هذا حديث صحيح، أخرجه في الموطأ (١) بالإسناد قال: ابن عمر بال بالسوق، ثم توضأ وغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه ثم صلى عليها. "الباء": في قوله: "بالسوق" واقعة في موقع "في" وقد جاءت في الشعر كذلك قال: ما بكاء الكبير بالأطلال (٢) أي فيها. "والسوق": يذكر ويؤنث، وتأنيثها أكثر. واللام في قوله: "لجنازة" يجوز أن تكون باقية على بابها، أي: دُعي لأجلها، ويجوز أن تكون متنقلة بمعنى "إلى" أي: دعي إليها، قال اللَّه -تعالى- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٣) أي إلى هذا. ويعضد هذا التأويل الثاني، ما جاء في رواية الموطأ "ثم دعي لجنازة ليصلي عليها" فلو كانت اللام على بابها كان تكرارها مستكرهًا وإن أفاد زيادة تأكيد بكونه بدلًا منه. وإذا جُعِلَت "اللام" بمعنى إلى كان "اللام" متسقًا لا تكرار فيه.

стр. 203

ويجوز أن يجاب عن هذا بأن اللام في "ليصلي عليها" إنما هي بمعنى "كي" أي دعي لها كي يصلي عليها. واللام في "ليصلي" متعلقة بقوله "فدخل المسجد" في رواية الشافعي، وبقوله "ثم دعى" في رواية الموطأ. "والجنازة": -بكسر الجيم وفتحها- فبالكسر: هي السرير، وبالفتح: الميت، قاله ثعلب. وقيل بالكسر هو الميت نفسه، قاله الأصمعي. قال: والعوام يتوهمون أنه السرير. وقال الليث: قد جرى في أفواه الناس جنازة -بالفتح- والنحارير ينكرونه. وقيل الجنازة: الرجل والسرير معًا، وهو من قولهم: جنز الشيء، وهو مجنوز إذا جمع. "والمسجد": موضع السجود في الأصل، ثم جعل علمًا على هذه البِنْية المخصوصة بجميع أجزائها وجهاتها؛ وإن كان موضع السجود بعضها، ويقال فيه: بفتح الجيم. والذي ذهب إليه الشافعي في الموالاة، قال في القديم: إنه واجب، ولا يجوز تفريق الوضوء؛ وأن يتخلل بين الفرضين زمان يجف فيه العضو المتقدم في الزمان المعتدل، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب. وروي عن قتادة، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وحكي عن الليث بن سعد، ومالك بن أنس، أنه إن تعمد التفريق بطلت طهارته، وإن كان لعذر جاز في قول مالك ما لم يجف العضو. وقال في الحديث: يجوز التفريق، وروي ذلك عن ابن عمر، وذكر هذا

стр. 204

الحديث وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. قال الشافعي: وأحب أن يتابع الوضوء ولا يفرقه، لأن رسول اللَّه ﷺ جاء به متتابعًا؛ وإن قطع الوضوء فأحب إليّ أن يستأنف وضوءه، ولا يقين لي أن يكون عليه استئناف وضوئه، ثم احتج بهذا الحديث. ووجوه الاستدلال منه، تأخير مسح خُفَّيهِ إلى أن دخل المسجد. وفيه دليل على أن الفرض في الوضوء، إنما هو متعلق بهذه الأعضاء الأربعة دون غيرها, ولم يذكر أنه تعرض لعضو اخر سواها. وفيه دليل: على أن البول في السوق إذا كان مستترًا؛ ليس قادحًا في العدالة. وفيه دليل: على جواز المسح على الخفين، وسيرد بيان ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى. ***

стр. 205

الفرع الثالث (*) في مقدار الماء الذي يتوضأ به أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوَضُوءَ فلم يجدوه فأتي رسول اللَّه ﷺ بِوَضُوءٍ فوضع في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، قال: "فرأيت الماء ينبع تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأ من عند اخرهم": وفي نسخة "ينبع من تحت أصابعه" وفي أخرى: "فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). فأما الموطأ: فأخرجه بالإسناد واللفظ إلا أنه قال: "التمسَ الناسُ وَضُوءًا". وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بالإسناد واللفظ وقال: "من تحت أصابعه" ولم يذكر فتوضأ الناس (٦). وفي أخرى: عن عبد اللَّه بن منير، عن عبد اللَّه بن بكر، عن حميد، عن أنس، وذكره، وزاد فيه: فأُتِيَ بمخضب من حجارة فيه ماء، فَصَغُرَ المِخْضبُ أن

стр. 206

يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم، قلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة. وفي أخرى عن محمد بن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد عن قتادة، وفيه: قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة. وأما مسلم: فأخرجه عن سليمان بن داود (١) العتكي، عن حماد بن زيد، عن أنس وفيه: "فأتى بقدح رحراح"، وفيه: "فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين". وفي أخرى عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، وعن أبي طاهر، عن ابن وهب جميعًا عن مالك بالإسناد واللفظ. وفي أخرى: عن أبي غسان المسمعي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، وذكر مثل البخاري. وله وللبخاري روايات غير هذه. وأما الترمذي: فأخرجه عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك، بالإسناد واللفظ. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد واللفظ. وله في أخرى: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس وفيه: "فوضع يده في الإناء ويقول: "توضئوا باسم اللَّه" فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه. وفي الباب عن جابر، وأبي قتادة، وعمران بن حصين، وسلمة بن الأكوع، وابن مسعود. "حان الشيء" يحين حينًا، إذا قرب، وحان حينه أي قَرُبَ وقته، والحين:

стр. 207

الوقت والمدة. والواو في قوله "وحانت": واو الحال، مثل قولك: جاء زيد ويده على رأسه، وقدم الأمير وطلعت الشمس، أي: وقد طلعت. وحكم هذه الواو إذا دخلت على فعلٍ ماضٍ، أنها لا تَحْسُنُ إلا ومعها قد مظهرة أو مقدرة، وتحتاج إلى عائد، والواو تنوب مناب العائد، تقول: يا زيد فقد ركب الأمير، وقد حذفوا "قد" اكتفاءً بالواو عنها، فقالوا: جاء زيد وخرج أخوه، أي وقد خرج أخوه، وقد حذفوا الواو رأسًا كقوله تعالى ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (١) أي وقد حصرت في -أحد الوجهين. "والعصر": اسم لصلاة معروفة، والأصل فيه أن "العصر" اسم لوقت الغداة ووقت العشي، ومنه قولهم: العصران وهي الغداة فسميت هذه الصلاة المخصوصة باسم وقتها. "والالتماس": الطلب، والتلمس التطلب مرة بعد مرة، وكأن أصله من لمس الشيء باليد، لأن الذي يلتمس الأشياء يتطلبها، فكأنه يلمسها بيده ليجد غرضه. "والناس": اسم يقع علي بني ادم ذكرهم وأنثاهم، وقد يقع على -الجن- في قولٍ -وأصل الناس "أناس" فخفف، ولم يجعلوا الألف فيه عوضًا من الهمزة المحذوفة، لأنه لو كان كذلك لما اجتمع العِوَصُ والمعوض منه، قال الشاعر:- إن المنايا تطلعن علي الأناس الا منينا. "والوَضوء": في هذا الحديث بفتح الواو يريد الماء. "وأُتِي" بكذا: أي أحضر عنده وجيء به، وهو من أتى يأتي إذا جاء كأنه جاء إليه بالماء، فالباء مُعَدِّيَةٌ لفعل الإتيان، ولو كانت "أوتى" لم يحتج إلى

стр. 208

الباء، لأن اتى يُؤْتِي متعدٍّ، وهذه الباء هي للملابسة والمخالطة، التقدير: أتاه حاملًا للماء وملتبسًا به، وقد جاء في معظم روايات هذا الحديث، "فوضع في ذلك الإناء يده"، وفي بعضها "فوضع يده في ذلك الإناء"، فأما من قدم حرف الجر على اليد، فلأن العناية في هذا المقام؛ كانت بذكر الإناء أشد، وبه أهم، لأن الغرض منه أن إناء صغيرًا يتوضأ منه خلقٌ كثيرٌ، مما تنصرف الهمم إلى الوقوف على كنه أمره؛ والعلم بعجيب حاله؛ فقدم في الذكر ما هو به أعنى، وعندهم أهم. وأما من قدم اليد على الإناء، فإن الإناء وإن كان صغر حجمه وسعته لهذا الماء الكثير، عجبيًا غرييًا مُعْجِزًا فإن ورود الماء اليد من الأصابع، أكثر غرابة وأشد عجبًا, ولأن اليد هي الأصل في وجود الماء، وهي السبب في ظهوره، فالإعجاز فيها أكثر منه في القدح، فكان الابتداء بذكرها أولى، والاهتمام بتقديمها أعني. وقوله: "أن يتوضأ" في موضع نصبٍ لأنه مفعول "أَمرَ" والأصل فيه أمر الناس أن تتوضأ، لأن فعل الأمر يتعدى إلى مفعول واحد وهو "الناس"، فاحتاج أن يجىء بحرف الجر؛ الذي هو الباء لتعديه إلى مفعول اخر، التقدير: أمر الناس بالوضوء، ولكنه لما كثر استعماله حذف حرف الجر وهو مراد، ومثله في العربية كثير. وقوله: و"منه" يجوز أن تكون لابتداء الغاية أي يكون ابتداء وضوئهم من هذا الماء، ويجوز أن تكون للتبعيض، أي: أنهم توضئوا ببعضه لا بكله، وكلا الوجهين صحيح فصيح.

стр. 209

"ونبع الماء" ينبُع وينبَع نبوعًا إذا خرج، "والينبوع": عين الماء، والذي في الروايات ينبع من تحت أصابعه، وفي رواية الشافعي الواحدة بحذف "من" وهما في المعنى سواء، وقد جاء بهما القرآن العزيز، وإثباتها فيه أكثر كقوله تعالى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١) وقال في اية أخرى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) وهذه "من" لابتداء الغاية، أي ابتداء نبوعه من ذلك المكان، وإذا حذفها لم يكن متعرضًا لابتداء النبوع، إنما أراد أن نبوع الماء كان تحت الأصابع. وقوله: "فتوضأ من عند اخرهم"، يريد أنهم توضئوا جميعًا؛ ولم يبق منهم أحد حتى وصلوا إلى اخرهم. وهذه "من" لابتداء الغاية، فكأنهم لما كملوا في الوضوء ولم يتخلف منهم أحد كانوا كأنهم ابتدأوا من اخرهم، فكأن الأول والاخر منهم سواء في الاكتفاء بالماء والوضوء منه؛ وأنه لا فرق بين الطرفين في الحالة، وأن الماء كان اخره مثل أوله ولم ينقص، حتى إن الأول الذي من شأن مثله في هذه الحال أن يتسابق إلى الوضوء لعلمه بقلة الماء وصغر الإناء؛ كي لا يفوته الوضوء إن أهمل المسابقة إليه، فكأنه ترك المسابقة إلى الماء والمبالغة عليه، كما يتركه إذا كان الماء كثيرًا غزيرًا؛ حتى يدع سَبْقَهُ للاخر فيقدمه عليه، وهذا من لطائف الألفاظ العربية، ودقائقها الشريفة. وفي الرواية الأخرى: "فرأيته -بالهاء- نبع من أصابعه"، وبين نبع وينبع فرق دقيق. أما "بين" فهو بمعنى وسط، تقول: جلست بين القوم، أي وسْطهم، ساكن السين وهو ظرف مكان لا يزال منصوبًا، فإن جعلته اسمًا رفعته وجررته، كقوله

стр. 210

تعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) في إحدى القراءتين. وأما الفرق بين "نبع" و"ينبع"، فإنه مع المستقبل حكاية الحال الحاصلة عند نبوع الماء، كأنه استحضر الحال عند حديثه، وصورها عند خطابه، وليس كذلك "نبع" إنما هو حكاية حال ماضية، والمستقبل في هذا النوع من الخطابة أبلغ وأحسن وإلى القلوب أقرب، وبها أعلق وعندها أبين، وكثيرا ما يجيء هذا الفعل في القرآن العزيز؛ لما فيه من الفصاحة والبيان. وقوله في رواية البخاري: "حضرت الصلاة" أي حضر وقتها ودنا زمانها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ثم لما حذف المضاف واتصل الفعل بالصلاة أثبت فيه تاء التأنيث لتأنيث الصلاة. "والمخضب": كالإجانة والمركن (٢). و"من" في قوله: "من حجارة"، لتبيين الجنس، كقولك: ثوب من خَزٍّ. وقوله: "فصغر المخضب أن يبسط فيه يده" وقيل في رواية: "عن أن يبسط"، وفي رواية بحذف "عن"؛ والأصل إثباتها لأن "صَغُرَ" فعل قاصر لا يتعدى إلا بمعد، كأنه قال: صغر عن بسط يده، وأما من حذفها فلأن حروف الجر قد تحذف، وهي مدارة لكثرة الاستعمال؛ والأصل ما ذكرناه. "والبسط": ضد القبض، والمراد نشر أصابعه وكفه في الإناء، وتكتب بالسين والصاد لأجل الطاء، لأن السين تبدل صادًا إذا وقعت قبل أربعة أحرف وهي: الطاء، والحاء، والعين، والقاف، هربًا من كلفه الصعود من الأدنى إلى الأعلى عند النطق، وليصير النطق بالحرفين من مكان واحد، بخلاف ما إذا وقعت بعدها فإنه يكون نزولًا من الأعلى إلى الأدنى. وبيان ذلك: أن هذه الأحرف الأربعة مخرجها من أعلى الحنك الأعلى،

стр. 211

والسين من أسفل الحنك الأسفل، فإذا كانت قبل الطاء احتجت أن تنطق بالسين من الأسفل، وبالطاء من الأعلى وإذا تأخرت انعكست الحال فسهل النطق. "والقوم": الجماعة من الرجال خاصة، ولا واحد من لفظه، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبعية، ويُذكَّر لفظه ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إن كانت للادميين تذكر ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم، قال اللَّه -تعالى- ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (١) وقال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢). و"كل" اسم للتأكيد معناه الإحاطة والعموم، ولا يؤكد به إلا ما يتبعض نحو: جاء القوم كلهم، ويؤكد بها المُظْهَرُ والمُضْمَرُ، وقد تجيء اسمًا غير تأكيد، تقول: جاءني كلهم، إلا أن الأصل وضعها للتأكيد. وقد اختلفوا في إدخال الألف واللام على "كل" و"بعض"، فمنع منه قوم لتقدير الإضافة فيه، وأجازه اخرون اعتبارًا بنصبه على الحال، في قولهم، مررت بهم كلاًّ. وأكثر ما يجيء مضافًا إلى المظهر والمضمر، وقد يقطع عن الإضافة ويُنَوَّن كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣). وكم: اسم منه تارة بمعنى الاستفهام، وأخرى بمعنى الخبر، وهي في الحديث استفهامية. و"الرحراح": الواسع الذي ليس بضيق. "وزهاء الشيء": قدره وما يقاربه، تقول: هم زهاء مائة أي قدر مائة.

стр. 212

وفي رواية النسائي: "فوضع يده في الماء ويقول: باسم اللَّه" الواو في يقول واو الحال وهي أبلغ وأحسن في الخطاب. قال: لما تقدم بيانه في نبع وينبع. والباء في "باسم اللَّه" متعلقة بقوله: "بوضوء" ومعنى تعلق اسم اللَّه بالوضوء له وجهان:- أحدهما: أن يتعلق به تعلق القلم بالكتابة، في قولك: كتبت بالقلم، على أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدًّا به في الشرع، حتى يصدر باسم اللَّه لقوله ﷺ : "كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لم يُبْدَأْ فيه باسم اللَّه فهو أبتر" وإلا كان فِعْلًا كالأ فعال، جَعَلَ فِعْله مفعولًا باسم اللَّه، كما تُفْعَلُ الكتابة بالقلم. والثاني: أن يتعلق به تعلق الدُّهْنِ بالإنبات؛ في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) التقدير: تَنْبتُ مختطة بالدهن، وهنا يكون التقدير أتوضأ مُتَبَرِّكًا باسم اللَّه. "والاسم": أصله مختلف فيه، فذهب البصريون من النُّحَاة إلى أنه سمي بوزن "فعل"، وجمعه "أسماء" مثل: "قنْو" و"أقناء" فحذفت الواو استثقالًا ونقلت حركتها إلى الميم، ونُقِلَ سكونُ الميم إلى السين، ثم أدخلت همزة الوصل عليها توصُّلًا إلى النطق بالساكن يدلك على ذلك سمي في التصغير واسمًا في التكسير، وسميت في التصغير لأن هذه الأشياء ترد الأشياء غيرها إلى أصولها، فاشتقاقه حينئذ من "السمو" وهو العلو، وقال الكوفيون: هو من السِّمَة: العلامة، وأصله عندهم "وسم" فأبدلوا من الواو همزة، ومقتضى القياس أن يكون جمعه "أوسامًا"، وتصغيره "وُسَيمًا"؛ والحال بخلافه. وهذا الحديث قد جاء في المسند؛ مسرودًا مع باقي الأحاديث قبله وبعده، وليس للأحاديث المسندة تراجم تعرف بها, ولهذا الحديث معانٍ يجوز أن يكون

стр. 213

كل واحد منها ترجمة عليه، وقد اختلفت تراجم الأئمة في كتبها عليه، فترجم البخاري في كتابه في موضعين:- أحدهما -باب الوضوء والغسل من المخضب والقدح. والثاني -باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة. وأما النسائي: فأخرجه في موضعين من كتابه:- أحدهما -باب الوضوء من الإناء. والثاني -باب التسمية عند الوضوء. فأما مالك فأخرجه في "الموطأ" في باب "جامع الوضوء"، ولم يخصه بترجمة مفردة. وأما الترمذي ومسلم: فأخرجاه في باب معجزات النبي ﷺ . وأورده صاحب الشامل: في باب الجنب وغيره. وأورده البيهقي: في باب مقدار الماء الذي يتوضأ منه، وهو فقد ذكر في أول كتابه، أنه قد خَرَّجَ الأحاديث على ترتيب أبواب مختصر المزني، وهذا إشارة منه إلى أن الشافعي أورد هذا الحديث في الباب الذي قد أورده فيه البيهقي -واللَّه أعلم. ولذلك اقتدينا نحن به، فأوردناه في هذا الباب وكل من هذه التراجم مناسب؛ لأنه يدل على كل باب منها بالمعنى الذي يخصه. فلنذكر الان ما يتعلق بمقدار ماء الوضوء والغسل. قال البيهقي في روايته لهذا الحديث: قال الشافعي: وفي مثل هذا المعنى أن رسول اللَّه ﷺ كان يغتسل وبعض نسائه من إناء واحد، وأكثر ما حكت وغسلها "فرق" و"الفرق" ثلاثة اصع؛ وقد تقدم تخريج هذا الحديث في الباب الأول من هذا الكتاب.

стр. 214

قال الشافعي: وبلغنا أن النبي ﷺ توضأ بالمُدِّ واغتسل بالصاع (١). قال الشافعي: وفي هذا ما دل على أن لا وقت فيه لإكماله؛ واللَّه أعلم. مع أنه قد روى عن النبي ﷺ أنه قال في الجنب: "فإذا وجدت الماء فأمسه طهرك" (٢) بغير توقيت شيء منه. وبيان المذهب هو: أنه لا حد للماء الذي يغتسل به الجنب ويتوضأ به المحدث، إلا بأن يُمِرَّ الماء على الأعضاء ثم يجريه عليها. قال الشافعي: فقد يخرق بالكثير فلا يكفى، ويرفق بالقليل فيكفي. قال: وأحب إليَّ أن لا ينقص مما روى عن النبي ﷺ ، أنه توضأ بالمُدِّ واغتسل بالصاع. وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا يمكن للمغتسل أن يعم جسده بأقل من صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوئه بأقل من مد. وفي هذا نظر: فإنه روى عن النبي ﷺ أنه توضأ بثلثي مد (٣). ويمكن أن يستخرج من هذا الحديث مسألة معاياة (٤).

стр. 215

فيقال: هل يجوز الوضوء بماء لم ينزل من السماء ولا ينبع من الأرض؟ فإن هذا الماء الذي توضأ به هذا الخلق العظيم؛ لم يكن ذلك القدر اليسير الذي كان في القدح؛ إنما هو نابع من أصابع ﷺ ، ولا شبهة أنه لم ينزل من السماء ولا نبع من الأرض، والماء هو معجزة أظهرها اللَّه لرسوله ﷺ ، وقد تكرر ظهور الماء من بين أصابعه مرات، وهذا أكثر في باب الإعجاز من ظهور الماء من الحجر على يد موسى ﵇ لأن الحجر من شأنه أن ينبع الماء منه كثيرًا في أماكن عدة، فأما من الأصابع!! ولا يعرف ذلك إلا للمؤيَّدِ بالمعجزة الإلهية ﷺ . ***
следующие страницы →