عمر ﵁ كان يلبي على المنبر؟ فلبى ابن الزبير.
قال الشافعي: ويلبي الإِمام على المنبر يوم عرفة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه عن النبي ﷺ "أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعفاه برحمته من النار".
الرضوان -بكسر الراء وضمها-: الرضى.
والاستعفاء: طلب العفو عن الشيء فالإعفاء منه، تقول: اعفني من كذا أي دعني منه، واستعفاه من كذا أي طلب الإعفاء منه، ومنه العفو عن الذنب وهو أن يتركه فلا يعاقبه.
والباء في "برحمته" متعلقة باستعفاه، أي سأله برحمته أن يعفيه من النار.
قال الشافعي: وأخبرنا إبراهيم بن محمد، أن القاسم بن محمد كان يأمر إذا فرغ من التلبية أن يصلي على النبي ﷺ .
قال الشافعي: ومعقول أن الملبي وافد الله -تعالى- وأن منطقه بالتلبية منطقه بإجابة داعي الله، وإتمام الدعاء ورجاء إجابته أن يصلي على النبي ﷺ ، وأن يسأل في إثر إكمال ذلك بالصلاة على النبي ﷺ الجنة ويتعوذ من النار، فإن ذلك أعظم ما يسأل ويسأل بعدها ما أحب. والله أعلم.
стр. 1507
الباب الرابع من كتاب الحج
في الإفراد والقران والتمتع
وفيه ثلاثة فصول:-
الفصل الأول في الإفراد
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ أقت الحج".
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "أهل رسول الله ﷺ بالحج":
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري، وقد أخرجه البخاري في جملة حديث طويل من طرق كثيرة.
أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك.
وعن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أبي مصعب، عن مالك.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن عبد الله بن سعيد وإسحاق بن منصور، عن
стр. 1508
عبد الرحمن، عن مالك.
وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة.
وهذه الرواية الثانية هي طرف من حديث طويل قد أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة: وأهل رسول الله ﷺ بحج وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة".
وهذا الحديث صريح الدلالة في إفراد الحج، وأن النبي ﷺ اختاره لنفسه من
بين الجائزات الثلاثة، وما اختار لنفسه إلا ما هو الأول عنده والأحب إليه، وخيَّر الناس في الثلاثة ليبين لهم جوازها وصحتها، وقد سبق فيما تقدم بيان اختيار الشافعي ومن وافقه من الأئمة وخالفه، فلا حاجة إلى إعادته.
قال الشافعي: إذا أراد الرجل أن يحرم كان ممن حج أو لم يحج، فواسع له أن يهل بعمرة، وواسع له أن يهل بحج وعمرة، وواسع أن يفرد لأن الثابت عندنا أن النبي ﷺ أفرد.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد العزيز الدراوردي، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس بالحج، فتدارك الناس بالمدينة ليخرجوا معه، فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقنا لا نعرف إلا الحج وله خرجنا، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليه القرءآن وهو يعرف تأويله، وإنما يفعل ما أمر به،
стр. 1509
فقدمنا مكة فلما طاف رسول الله ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة قال: "من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
وقد تقدم فيما سبق لهذا الحديث روايات أخرى، والحديث في نفسه حديث طويل وهو حديث حجة الوداع، وقد أخرجه بطوله مسلم وقد ذكرنا طرقها فيما مضى.
وقد أخرج المزني (١): عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ "أنه أهلَّ هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئذ هدْي غير النبي ﷺ وطلحة، وكان علي قدم من المدينة ومعه هدي، فقال: أهللت بما أهلَّ به رسول الله ﷺ ، وأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا إلا مَن كان معه هدي، فقالوا: أننطلق إلى منى وذَكَرُ أحدنا يقطر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت" وأن عائشة حاضت فَنَسَكَت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت فلما طهرت وأفاضت، قالت: يا رسول الله، أتنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، واعتمرت بعد الحج في ذي الحجة، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقى رسول الله ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة؟ فقال: "لا بل للأبد".
وهو أيضًا مؤكد لبيان أن النبي ﷺ إنما أهل بالحج مُفْرِدًا.
وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا ابن علية، عن
стр. 1510
أبي حمزة ميمون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله -يعني- أنه أمر بإفراد [الحج] (١).
[قال] (٢) قلت: كان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر، وهم يزعمون أن القِران أفضل وبه يُفتون من استفتاهم.
وعبد الله كان يكره القران، هكذا جاء في المسند في كتاب اختلاف علي وعبد الله.
والذي جاء في كتاب البيهقي (٣) عن الشافعي بهذا الإسناد عن عبد الله قال: نُسُكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر.
قال الشافعي: وهم يزعمون أن القِران أفضل وذكرنا فيه.
وقال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله أنه قال: [الحج] (٤) أشهر معلومات ليس فيها عمرة.
ويشبه أن يكون ابن مسعود ذهب فيها مذهب الاختيار، لإفراد العمرة عن الحج ورواية الأسود عنه تدل على ذلك وإن ذهب مذهب الكراهة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة وهو أحد ترجيحات مَنْ اختار الإفراد على القِران والتمتع، فلم ينقل عن أحد منهم أنه كره الإفراد.
وهذا الأثر إنما أورده الشافعي مستدلًا به على ترجيح الإفراد.
وقوله: "أحب أن يكون لكل واحد منهما" يعني الحج والعمرة يريد: إذا أفرد الحج وأفرد العمرة كان لكل واحد منهما إحرام وشعث وسفر يخصه، لأنه
стр. 1511
يريد أن يعود إلى الميقات ويحرم بالعمرة بعد الفراغ من الحج، فيكون كل واحدة من العبادتين مستقلة بنفسها، منفردة بأحكامها من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق، وتقصير، وشعث، وبعد عهد بِغُسل وتسريح وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بها.
وقوله: "وهم يزعمون -يعني العراقيين- يقولون: القِران أفضل من الإفراد والتمتع. وبه يفتون الناس وعبد الله بن مسعود يكرهه. وقد تقدم في الباب الثالث أحاديث لعائشة، وسنبسط القول بذكر ما قاله الشافعي ﵀ عند الفراغ من الفصل الثالث في التمتع، إن شاء الله تعالى.
стр. 1512
الفصل الثاني
في القِران
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، أن ابن عمر حج في الفتنة فأهلَّ ثم نظر فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت مع الحج العمرة.
هكذا أخرجه في كتاب اختلافه مع مالك (١)، وأخرجه في كتاب المناسك (٢) بهذا الإسناد أنه خرج إلى مكة زمن الفتنة معتمرًا فقال: إن صُدِدْت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ .
قال الشافعي: أحللنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية.
هذا طرف من حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي.
فأما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد قال: حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة إن صُدِدْت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ، فأهلَّ بعمرة من أجل أن رسول الله ﷺ أهل بعمرة عام الحديبية، ثم قال: إن عبد الله نظر في أمره، فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، ثم نفذ حتى جاء البيت، فطاف طوافًا واحدًا ورأى ذلك مجزئًا عنه وأهدى.
قال مالك: فهذا الأمر عندنا فيمن أُحصر بعدو كما أُحْصِر النبي ﷺ وأصحابه.
стр. 1513
وأما البخاري (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع "أن ابن عمر أراد الحج" .. وذكر الحديث بطوله أتمَّ من حديث مالك.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك مثله.
وأخرج رواية البخاري: من محمد بن رمح وقتيبة، عن الليث.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث بطوله.
وقد أخرج الشافعي هذا الحديث بطوله مثل مالك من رواية الربيع عنه عن مالك.
أوجبتُ الشيء: فرضتُه والتزمتُه، يريد أنه نوى الحج مع العمرة.
والفتنة: يريد بها فتنة الحجاج بن يوسف الثقفي عامل عبد الملك بن مروان، مع عبد الله بن الزبير ومحاصرته له بمكة وكان ذلك عند الموسم.
وقوله: "فأهلَّ" أراد أنه كان قد نوى العمرة. وقد فسر ذلك لفظ حديث الموطأ.
ثم إنه نظر في أمره: أي فكر فيه فقال: ما أمرهما -يعني الحج والعمرة- إلا واحد، أي إن صُدِدْت عن مكة والطواف بالبيت والسعي، فسواء كنت حاجًّا أو معتمرًا إذ لا فرق بين الأمرين، فلذلك أضاف الحج إلى العمرة.
والصدّ: المنع.
قوله: "ثم نفذ" أي مضى لشأنه.
وأجزأ هذا الأمر يجزئ: إذا كفي، والقارن بين الحج والعمرة يجزئه لهما طواف واحد وسعي. وبه قال مالك وإحدى الروايتين عن أحمد، وإليه ذهب إسحاق، ورُوي عن جابر، وبه قال الحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد وقال أبو حنيفة والثوري: يطوف طوافين ويسعى سعيين.
стр. 1514
ورُوي ذلك عن علي وابن مسعود، والشعبي، والنخعي.
ويكون الطواف الأول عقيب دخول مكة، والسعي الأول بعده للعمرة، والطواف الثاني يوم النحر، والسعي بعده للحج.
قال الشافعي: ونحن لا نرى بهذا بأسًا.
قال الربيع: فقلت للشافعي: أما تكره أن يُقْرن بين الحج والعمرة؟
فقال الشافعي: فكيف كرهتم غير مكروه، وخالفتم من لا ينبغي لكم خلافه.
وأخرج الشافعي في رواية حرملة عنه قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ أهل فقال: لبيك بعمرة وحج معًا".
***
стр. 1515
الفصل الثالث
في التمتع
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد ابن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يتذاكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: [لا يضع ذلك إلا عن جَهِل أمر الله تعالى، فقال سعد: بئسما قلت يا أخي، فقال الضحاك] (١): فإن عمر قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه.
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري وأبا داود.
أما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد.
وأما مسلم (٣): فأخرج المسند منه فقط عن سعيد بن منصور وابن أبي عمر جميعًا عن الفزاري، عن مروان بن معاوية، عن سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة؟ فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعُرُش -يعني بيوت مكة.
وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد، عن التيمي بهذا الإسناد وقال في روايته: يعني معاوية:-
وأما الترمذي (٤) والنسائي (٥): فأخرجاه عن قتيبة، عن مالك.
قوله: "يتذاكران التمتع" أي يخوضان في شأنه ويتحدثان في أمره، هل هو جائز أم لا.
стр. 1516
والتمتع في الحج: هو أن يحرم بعمرة في أشهر الحج، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت، وسعى بالصفا والمروة، وقصّر أو حلق، وحلّ من عمرته، وأقام إلى وقت الحج ثم أحرم من مكة بحجة فيكون قد تمتع بالعمرة، أي حلّ من الإحرام إلى وقت الحج، ولها شروط مستقصاة في كتب الفقه لم نطل بها للجواب.
وقوله: "إلا من جهل أمر الله" يريد حكمه الذي حكم به في بيان الحج ظنًا به أن المتعة بالعمرة إلى الحج لا تجوز، لأن العمرة عنده لا تصح في أشهر الحج، فلما احتجّ عليه بفعل عمر احتجّ عليه سعد بفعل النبي ﷺ فسكت.
وبئس: فعل ماض مبني على الفتح غير منصرف، وهو موضوع للذم بمنزلة نعم للمدح، والنحاة من أهل الكوفة يزعمون أنهما اسمان.
فقدّم في الباب الثالث من كتاب الحج أحاديث تتعلق بالمتعة، اقتضت الحال ذكرها هناك لاشتمالها على فسخ الحج، وإدخال الحج على العمرة.
قال الربيع: سألت الشافعي -رحمه الله تعالى- عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: حسن غير مكروه، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ ، فإنما اخترنا الإفراد لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أفرد غير كراهة التمتع، ولا يجوز إذا كان فعل المتمتع بأمر النبي ﷺ أن يكون مكروهًا. فقلت للشافعي: ما الحجة فيما ذكرت؟ فقال: الأحاديث الثابتة من غير وجه، ثم قد حدثنا مالك بعضها، ثم ذكر هذا الحديث عن سعد والضحاك بن قيس.
قال الربيع: فقلت لشافعي: قد قال مالك: قول الضحاك أحب إليّ من قول سعد، وعمر أعلم برسول الله ﷺ ، قال الشافعي: عمر وسعد عالمان برسول الله ﷺ ، وما قال عمر، عن النبي ﷺ شيئًا يخالف ما قال سعد، وإنما رُوي عن مالك، عن عمر أنه قال: "افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج
стр. 1517
أحدكم وعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج". ولم يروَ عنه أنه نهى عن العمرة في أشهر الحج.
وقد أخرج الربيع، عن الشافِعِي ﵁ عن مالك، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر أنه قال: "لأن أعتمر قبل الحج وأهدي، أحب إليّ من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة".
قال الشافعي: فهذان الحديثان -يريد حديث عائشة وابن عمر عن حفصة، وقد تقدم ذكرهما في الباب الثالث من حديث عن مالك- موافقان ما قال سعد من أنه قد عمل بالعمرة مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج.
قال الشافعي: وليس مما وصفت من الأحاديث المختلفة شيء أحرى أن لا يكون متوافقًا من وجه أو مختلفًا لا ينسب صاحبه إلى الغلط باختلاف فعله من حديث أنس، ومن قال: قرن النبي ﷺ ، ثم حديث من قال: كان ابتداء إحرامه حجًا لا عمرة، لأن رسول الله ﷺ لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة، ولم يُخْتَلف في شيء من السنن، والاختلاف أيسر من جهة أنه مباح، وإن كان الغلط فيه قبيحًا فيما حمل من الاختلاف، ومن فعل شيئًا مما قيل إن رسول الله ﷺ فعله كان له واسعًا، لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافًا، يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران واسع كله.
قال: وأشبه الرواية أن يكون محفوظًا رواية جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ خرج لا يسمي حجًا ولا عمرة.
وطاوس: أن النبي ﷺ خرج محرمًا ينتظر القضاء.
لأن رواية يحيى بن سعيد، عن القاسم وعمرة، عن عائشة توافق روايته، وهؤلاء نقصوا الحديث، ومن قال: أفرد الحج يشبه -والله أعلم- أن يكون ما قاله علي ما يُعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله ﷺ أن أحدًا لا يكون مقيمًا على حج إلا وقد ابتدأ إحرامه بحج وأحسب عروة حين حدّث أن
стр. 1518
رسول الله ﷺ أحرم بحج، إنما ذهب إلى أن سمع عائشة قالت: ففعلتُ في عمرتي كذا، إلا أنه خالف خلافًا بينا في قوله عن عائشة: "ومنا من جمع بين العمرة والحج"، فإن قال قائل: قد قرن الصُبي بن معبد، فقال له عمر: هديتَ لسنة نبيك.
قيل: حكى له أن رجلين قالا له: هذا أصل من حمل أهله، فقال: هديتَ لسنة نبيك أن من سنة نبيك ﷺ أن القران والإفراد والعمرة هُدىً لا ضلال.
قلت: وهذان الرجلان القائلان للصبي بن معبد هما:
سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان.
قال الشافعي: فإن قال قائل: فما دل على هذا؟ قيل: أمر عمر أن يفصل بين الحج والعمرة، وهو لا يأمر إلا بما يسع ويجوز في سنة رسول الله ﷺ ، لا ما يخالف سنته وإفراده الحج. فإن قيل: فما قول حفصة للنبى ﷺ ما شأن الناس حلّوا ولم تحلل من عمرتك؟ قيل: أكثر الناس مع رسول الله ﷺ لم يكن معه هدي وكانت حفصة معهم، فأُمِروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة ويحلّوا، فقالت: لم تحلَّل الناس ولم تحلل من عمرتك؟ -يعني: إحرامك الذي ابتدأته وهم بنية واحدة -والله أعلم. فقال: "لبدت رأسي وقلدت هدي، ولا أحل حتى أنحر بدني" -يعني -والله أعلم- حتى يحل الحاج لأن [القضاء نزل] (١) أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًا، وهذا من سعة لسان العرب الذي يعرف بالجواب فيه.
فإن قال قائل: من أين ثبتَّ حديث عائشة، وجابر، وابن عمر، وطاوس، دون حديث من قال قرن؟ قيل: بتقدم صحبة جابر وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره، وقرب عائشة من النبي ﷺ وفضل حفظها عنه، وقرب ابن عمر منه، ولأن من يصف انتظار النبي ﷺ القضاء إذ لم يحج من المدينة بعد
стр. 1519
نزول فرض الحج قبل حجته -حجة الإِسلام- طلبًا للاختيار فيما وسع في الحج والعمرة يشبه أن يكون حفظ عنه، لأنه قد أتى في المتلاعنين فانتظر القضاء وكذلك حفظ عنه في غيرهما.
وقد رجح الشافعي اختيار (١) الإفراد على اختيار (١) القران، بما يكون ترجيحًا عند أهل العلم بالحديث، فإنه قد أنكر ابن عمر على أنس بن مالك روايته تلبية النبي ﷺ بالحج والعمرة جميعًا.
ورواه أبو قلابة عن أنس بن مالك قال: سمعتهم يصرخون بهما جميعًا، قال سليمان حرب: الصحيح رواية أبي قلابة، فقد جمع بعض أصحاب النبي ﷺ بين الحج والعمرة، وإنما سمع أنس بن مالك أولئك دون النبي ﷺ هذا أو نحوه، فقد سمعه أنس بن مالك يعلم بعض أصحابه كيف الإهلال بالقران؟ فتوهم أنه يهل بهما عن نفسه، وهكذا القول في رواية غيره أنه قرن.
وقد روي عن مطرف، عن عمران بن حصين قوله في المتعة دون القران، ومقصوده ومقصود غيره من رواية التمتع والقران: بيان جوازهما، فإن بعض أصحابه كان يكرهها فيروون فيه الأخبار التي تدل على جوازهما، وربما يضيف بعضهم الفعل إلى النبي ﷺ ، وإنما أراد -والله أعلم- إذنه فيهما.
وقوله ﷺ -في حديث عمر بن الخطاب-: "أتاني جبريل وأنا بالعقيق، وقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين".
وقيل: "عمرة في حجة، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
وقد روى فيه، وقال: "عمرة في حجة" والمراد به -والله أعلم-:
إباحتهما والإذن فيهما في أشهر الحج، والذي يدل على ذلك أن رواية عمر بن الخطاب وهو ممن يختار الإفراد على التمتع والقران، وممن اختار الإفراد من أعلام الصحابة عبد الله بن مسعود.
стр. 1520
قال الشافعي: وقد روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة". فذهب المكيون إلى اختيار التمتع، وهذا وجه لولا أنه يحتمل أنه قال هذا لكره الناس للإحلال حين أمرهم به؛ وأقام هو مفردًا ﷺ ، فلما احتمل هذا اخترت الإفراد لأنه الذي عزم له عليه، وهذان الوجهان معًا أحب إليَّ من القران.
قال الخطابي (١): وقد ذهبت طائفة من أهل البدع والفساد في الاعتقاد والملاحدة ذوي العناد، إلى الطعن في أحاديث رسول الله ﷺ ، وفي أهل الرواية والنقل من أئمة الحديث المعدَّلين، فمن جملة ما قالوه في هذا الحديث: أن النبي ﷺ لم يحج في الإِسلام إلا حجة واحدة، فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفردًا، وقارنًا، ومتمتعًا، وأفعال نسكها مختلفة وأحكامها غير متفقة، وأسانيد هذا الحديث كلها عند أهل النقل والرواية صحيحة؟ ثم قد وجد فيها هذا الاختلاف والتناقض. يريدون بذلك توهين الحديث، والإزراء على نقلته، وتضعيف أمرهم، ومستند هذا جميعه خذلان الله تعالى لهم وسد باب التوفيق عليهم، ولقد أنعم الشافعي في بيان هذا المعنى وذكره في كتاب اختلاف الحديث، وجود الكلام فيه واقتصاص طرقه على كمالها مبسوطا، ونحن نذكر خلاصة ما ذكره قال: إن من المعلوم في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به، كجواز إضافته إلى الفاعل له، تقول بنى فلان دارًا أمر ببنائها وضرب الأمير فلانًا، إذا أمر بضربه، ورجم رسول الله ﷺ ماعزًا، وقطع سارق رداء صفوان، وإنما أمر برجمه هذا وقطع هذا ومثل ذلك كثير في الكلام وفي هذه الحجة، كان من أصحاب رسول الله ﷺ المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع. وكل منهم يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه.
قلت: ويشهد لذلك ما روته عائشة -في الصحيحين- قالت: خرجنا مع
стр. 1521
رسول الله ﷺ ، فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل". قالت عائشة: فأهلّ رسول الله ﷺ بحج، وأهل ناس جمعة بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة. وحيث كان كذلك فجاز أن يضاف بدء الثلاث كلها إلى رسول الله ﷺ ، على معنى أنه أمر بها وأذن فيها، وكل من الرواة قال صدقًا وروى حقًا لا ينكره إلا من جهل وعاند. والله الموفق.
قال -رحمه الله تعالى-: ويحتمل ذلك وجهًا آخر وهو أن يكون النبي ﷺ قارنًا، ويكون بعضهم قد سمعه يقول: لبيك بحج، فحكم أنه أفرد وخفي عليه قوله: وعمرة فلم يحك إلا [ما] (١) سمع، وكذلك روت عائشة ووعى الزيادة غيرها فرواها، وكذلك روى أنس، والزيادة في الحديث مقبولة لا سيما من الثقة كما لا ينكر في الشهادات، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافيًا لقول صاحبه، فأما إذا كان مثبتًا وزائدًا عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع. ويحتمل أيضًا: أن يكون الراوي سمع ذلك يقوله على سبيل التعليم لغيره، فيقول: لبيك بحجة وعمرة.
فأما من روى أنه كان متمتعًا فإنه أثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، فأثبت ما رواه أنس أنه أحرم بالعمرة والحج، إلا أنه أفاد الزيادة في البيان والتمييز من الفعلين بإيقاعهما في زمانين، كما روت حفصة أنها قالت: "لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر" فثبت أنه كان هناك عمرة، إلا أنه أدخل عليها الحج فصار في حكم القارن، فهذه الروايات على اختلافها في الظاهر ليس فيها تكاذيب ولا تهاتر، ولا اختلاف في المعنى. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم -يعني ابن سعد- عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة "في المتمتع إذا لم يجد هديا" ولم يصم قبل
стр. 1522
عرفة، فليصم أيام منى".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (١): عن ابن شهاب بالإسناد أنها كانت تقول: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديًا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام منى.
المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يجد الهدي فعليه صوم عشرة أيام، ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من مكة.
وقد اختلف العلماء في صوم الأيام الثلاثة في أيام منى -وهي أيام التشريق- ولا يجوز الصوم إلا بعد الإحرام بالحج.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا أحرم بالعمرة، والمستحب أن يكون يوم التروية، فإن صام يوم عرفة أجزأه، فأما أيام التشريق فقال الشافعي في القديم: يجوز له صومها. وروى ذلك عن عائشة، وابن عمر. وبه قال مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال في الجديد: لا يجوز. وروي ذلك عن علي. وبه قال أبو حنيفة.
قال المزني: رجع الشافعي عن قوله القديم.
فعلى الجديد يصوم بعد أيام التشريق، ويكون ذلك قضًاء خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: يسقط الصوم ويبقى الهدي في ذمته.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه مثل ذلك.
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٢) عن ابن شهاب بالإسناد أن ابن عمر كان يقول في ذلك مثل قول عائشة أم المؤمنين.
стр. 1523
وهذا الحديث مؤكد لما ذهب إليه الشافعي في القول القديم.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: ما استيسر من الهدي بعير أو بقرة.
قال الشافعي: ونحن نقول: ما استيسر من الهدي شاة، ويرويه عن ابن عباس، وكذلك يروى عن علي بن أبي طالب مثل قول ابن عباس.
***
стр. 1524
الباب الخامس
في الطواف والسعي ودخول مكة والحرم والبيت
وفيه اثنا عشر فصلًا:-
الفصل الأول في دخول مكة والحرم
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يغتسل لدخول مكة".
هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي (١)، قال: حدثني يحيى بن موسى، عن هارون بن صالح، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: "اغتسل النبي ﷺ لدخول مكة بفخ".
قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ والصحيح ما روي عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يغتسل لدخول مكة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، ضعفه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني وغيرهما, ولا يعرف هذا مرفوعًا إلا من حديثه.
فخ -بالفاء والخاء المعجمة-: موضع بمكة من جهة الغرب قريبًا من طريق العمرة.
ثم الاغتسال لدخول مكة مستحب عند الشافعي، وأغسال الحج المسنونة ثمانية: الإحرام، ولدخول مكة، والوقوف بعرفة، والمزدلفة، وثلاثة أيام التشريق، ولطواف الوداع. قاله في القديم.
стр. 1525
قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان إذا أحرم حاجًا أو معتمرًا، لم يدخل مكة حتى يغتسل ويأمر من معه فيغتسلوا".
قال الشافعي: وأحب للمحرم أن يغتسل بذي طوى لدخول مكة.
وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: وروى عن إسحاق عبد الله بن أبي فروة، عن عثمان بن عروة، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ بات بذي طوى حتى صلى الصبح، ثم اغتسل لها ودخل مكة".
قال: وروى عن جعفر بن محمد، عن أبيه "أن علي بن أبي طالب كان يغتسل بمنزله بمكة حين يقدم قبل أن يدخل المسجد".
قال: وروى عن صالح بن محمد بن أبي زائدة، عن أم ذرة "أن عائشة كانت تغتسل بذي طوى حين تقدم مكة".
وقد أخرج في سنن حرملة، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ دخل من أعلى مكة وخرج من أسفلها".
أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج: "أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا [وتكريمًا ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا] (٣) وبرًا".
التشريف: مصدر شرف يشرف تشريفا.
والشرف: العلو، وكذلك التعظيم مصدر عظم، والتكريم مصدر كرم.
وقوله: "زد من شرفه" يريد به من حجه من الناس الذين يشرفونه ويعظمونه.
стр. 1526
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه أنه كان حين نظر إلى البيت يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام.
قوله: "حين نظر" مقتضى اللفظ أن يقول: حين ينظر، فيأتي بالمستقبل حتى يتناسق اللفظ، فإن صحت الرواية بقوله: "نظر" فإنه يكون قد أعطى لفظة حين معنى إذا لأنهما من أسماء الزمان. التقدير: أنه كان إذا نظر إلى البيت يقول.
والسلام: اسم من أسماء الله تعالى، وقد تقدم معناه على اختلاف أقوال العلماء فيه.
وقوله: "ومنك السلام" يريد السلامة والأمن.
وقوله: "فحينا ربنا بالسلام" أي اجعل تحيتنا منك السلام، وهو قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١).
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: حُدِّثت عن مقسم -مولى عبد الله بن الحارث- عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع عند الجمرتين، وعلى الميت".
قوله: "ترفع الأيدي" إخبار يتضمن أمرًا أي لرفع الأيدي. وقد جاء مثل هذا في العربية كثير.
والذي ذهب إليه الشافعي -فيما حكاه أبو حامد في الجامع-: أنه إذا رأى البيت يستحب أن يرفع يديه.
والذي قاله الشافعي في الإملاء: لا أكرهه ولا أستحبه، ولكن إن رفع كان حسنًا. وحكى ذلك عن الثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك.
стр. 1527
وحكى عن مالك: أنه لا يرى ذلك. وروى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر.
قال الشافعي: وإذا رأيت البيت قال. وذكر هذا الذي رواه عن ابن جريج وابن المسيب.
قال: وقد كان بعض من مضى من أهل العلم، يتكلم بكلام عند رؤية البيت، وربما تكلم به على الصفا والمروة، ويقول: ما زلنا نحل عقدة ونشد أخرى، ونهبط واديًا ونعلو آخر حتى أتيناك، غير محجوب أنت دوننا، فيا من إليه بينة وحجتنا (١) ارحم ملقى رحالنا بفناء بيتك.
وإنما قال الشافعي في رفع الأيدي ما قال في الإملاء، لأنه لم يعتمد على الحديث المذكور فيه لانقطاعه، فإنه قد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
وعن نافع، عن ابن عمر، مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا دون ذكر الميت.
...
стр. 1528
الفصل الثاني
في ابتداء الطواف وهيئته
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: "لما دخل رسول الله ﷺ مكة لم يلو ولم يعرج".
وهكذا رواه في كتاب المناسك (١)، وقال في القديم (٢): عن سعيد وسالم بالإسناد. وقال: "لما قدم مكة لم يعرج حتى طاف بالبيت".
لوى الرجل رأسه وألوى به: إذا أماله وأعرض، وكذلك إذا عطف عليه.
وعرج فلان على المنزل يعرج تعريجًا: إذا حبس ناقته عليه وأقام.
والمراد بالحديث: أنه لما دخل مكة لم يمل إلى شيء، ولا اشتغل بشيء دون البيت والشروع في الطواف به.
وكذا هو السنة لأن الطواف تحية البيت فاستحب الابتداء به كما أنه من دخل المسجد يستحب له أن يبتدئ بيمينه.
فإن قيل: هلا ابتدأ بتحية المسجد، لأن دخوله إلى المسجد قبل وصوله إلى البيت؟
قيل: إنما دخل المسجد لأجل قصد البيت فقدم الأهم عنده، والداعي له إلى دخول المسجد، ولأن البيت أشرف بقعة في المسجد، فكان تقديم تحيته أولى من تحية المسجد.
قال الشافعي (٣): إن فعل فلا بأس لأنه عمل بغير وقت، وقد بلغنا عن علي
стр. 1529
ابن أبي طالب أنه كان يأتي منزله قبل أن يطوف بالبيت، أخبر بذلك رجل عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود: أنه رآه بدأ فاستلم الحجر، ثم أخذ عن يمينه فرمل ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم أتى المقام فصلى خلفه ركعتين.
الاستلام: افتعال من السلام التحية، كما يقال: اقترأت من القراءة، وكذلك أهل اليمن يسمون الركن الأسود المُحيَّا، أي أن الناس يحيونه بالسلام ويشيرون إليه بأيديهم.
وقيل: لأنهم يحيون أنفسهم عن الحجر الأسود، إذ ليس الحجر ممن يحييهم، كما يقال: اختدم إذا خدم نفسه.
وحكي عن ابن الأعرابي أنه قال: هو مهموز وترك همزه تخفيفًا، يعني أنه من الملاءمة والموافقة، كما يقال: استلأم كذا استلآما إذا رآه موافقًا له وملائمًا.
وقيل: الاستلام: افتعال من السِلام -بكسر السين- جمع سلمة وهي الحجر، تقول: استلمت الحجر إذا لمسته، كما يقال: اكتحلت من الكحل.
هذا هو الأصل في الاستلام.
والرمَل -بفتح الميم-: سرعة المشي والهرولة والحصير رمل يرمل رملًا ورملانًا.
والأطواف: جمع طواف، والطواف مصدر طاف بالبيت يطوف طوافا وطوفانا، والمصدر لا يجوز جمعه إلا إذا اختلفت أجناسه أو تعددت مراته ولا أجناس للطواف حتى يجمع فينبغي أن يكون لتعدد المرات.
والذي ذهب إِليه الشافعي ﵁ أن الحاج أو المعتمر يستحب له أن يدخل من باب بني شيبة، ثم يقصد الركن الأسود فيستلم الحجر ويقبله، فإن
стр. 1530
لم يتمكن من تقبيله استلمه بيده ثم قبل يده. وبه قال ابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، والخدري، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعروة، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: يضعها على فيه ولا يقبلها، ثم يبتدئ بالطواف من محاذاة الحجر.
ويستحب أن يرمل في الأشواط الأُوَّل ويمشي في الأربع الباقية، فعله رسول الله ﷺ وعمر، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال ابن الزبير، وعروة، والنخعي، ومالك، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب طاوس، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله: إلى المشي بين الركنين اليمانيين (١).
وأجمع أهل العلم: على [أنه لا] (٢) رمل على النساء، ولا سعي بين الصفا والمروة، إنما يمشين حيث يرمل الرجال ويسعون.
والمقام: هو مقام إبراهيم (الخليل ﵇ مقام باب الكعبة.
والركعتان اللتان يصليهما خلف المقام فيهما قولان:-
أحدهما: أنه سنة. وبه قال مالك، وأحمد، والثوري.
والثاني: أنهما واجب. وبه قال أبو حنيفة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك وعبد العزيز، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ "أنه كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف بالبيت ومشى أربعة، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة".
стр. 1531
هذا الحديث قد رواه الشافعي عن جابر، وعن عبد الله بن عمر من طريقين، والحديث من هذين الطريقين مجمع عليه بين الأئمة -أئمة الحديث-.
فأما رواية جابر: فأخرجها مالك ومسلم والترمذي والنسائي.
وأما رواية ابن عمر: فأخرجها مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
أما مالك (١): فأخرج حديث جابر عن جعفر بن محمد.
وأخرج (٢) حديث ابن عمر: عن نافع.
وأما البخاري (٣): فأخرج حديث ابن عمر عن إبراهيم بن المنذر، عن أبي ضمرة أنس، عن موسى بن عقبة.
وأما مسلم (٤): فأخرج حديث جابر عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن جعفر بن محمد.
وأخرج حديث ابن عمر (٥): عن محمد بن عباد، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة.
وأما أبو داود (٦): فأخرج حديث ابن عمر عن قتيبة، عن يعقوب، عن موسى ابن عقبة.
وأما الترمذي (٧): فأخرج حديث جابر عن محمود بن غيلان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن جعفر.
وأما النسائي (٨): فأخرج حديث جابر عن عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن سفيان.
وأخرج حديث ابن عمر (٩): عن قتيبة، عن يعقوب، عن موسى بن عقبة.
стр. 1532
العامل في "أول" طاف، أي كان إذا طاف في أول قدومه.
وسعى: متعلق بإذا طاف، أي كان إذا طاف وسعى ومشى وثم الكلام، ثم عطف على هذه الجملة المشتملة على الطواف، الجملة الثانية المشتملة على الصلاة، وإنما قلنا ذلك لينتظم المعطوف في سلك المعطوف عليه، لأن الجملة الثانية مصدرة بفعل مستقبل والأولى بفعل ماض، ولا يعطف المستقبل على الماضي إذا كانا مفردين.
قال الشافعي: عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد أنه كره أن تقول: شوط دور للطواف، ولكن ليقل طوافين.
قال الشافعي: وأكره ما كره مجاهد لأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) فسماه طوافًا.
...
стр. 1533
الفصل الثالث
في تقبيل الحجر ومسح الأركان
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن ابن جعفر قال: "رأيت ابن عباس يوم التروية مُسَبِّدًا رأسه، فقبَّل الركن ثم سجد عليه ثم قبَّله، ثم سجد عليه ثلاث مرات".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر قال: "رأيت ابن عباس أتى الركن الأسود مُسَبِّدًا، فقبله ثم سجد عليه ثم قبَّله، ثم سجد عليه ثم قبَّله، ثم سجد عليه".
يوم التروية. هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون من الماء بعده، وذلك أن منى لا ماء بها فيرتوون من الماء ويأخذونه معهم؛ ويتوجهون إليها وقد تزودوا من الماء. يقال: رويت لأهلي وعلى أهلي إذا أتيتهم بالماء، ورويت أروي وارتويت وتروِّيت كله بمعنى.
وقال ابن السكيت: رويت القوم أرويهم إذا استقيت لهم الماء فالتروية تفعلة من ذلك.
والتسبيد في اللغة: هو استئصال شعر الرأس، والتسبيد أيضًا ترك الادِّهان.
قال الجوهري: وفي الحديث قدم ابن عباس مكة مسبِّدًا رأسه هكذا، قال: فيدل أنه أراد به ترك الادهان. -والله أعلم- لأن الطائف إنما يطوف بالبيت قبل الحلق لا سيما طواف القدوم فإن أراد به طواف الإفاضة فذاك إنما يكون بعد الحلق، هذا في الحج فأما في العمرة فكلا الأمرين جائز.
قال الأزهري: وذكر هذا الحديث عن ابن عباس، فقال: التسبيد ها هنا ترك الادهان والغسل، وأراد بالسجود عليه ترك وجهه على الحجر كما يضعه الساجد على الأرض، لا أنه صار على الحجر كهيئة الساجد فإن ذلك متعذر
стр. 1534
عليه، لأن غاية ما يقدر عليه أن يضع وجهه على الحجر وهو قائم.
وحكم وضع الجبهة عليه حكم التقبيل، وهو نوع من زيادة التكريم والتعظيم وكان يفعله عمر بن الخطاب، وابن عباس، وطاوس. وبه قال الشافعي، وأحمد.
وأنكر مالك ذلك وقال: هو بدعة.
قال الشافعي: ولا بأس إن خلا له الركن الأسود أن يقبله ثم يسجد عليه.
قال: وإن ترك استلام الركن لم أحب ذلك ولا شيء عليه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: قلنا لعطاء: هل رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقال: نعم رأيت جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا أيديهم.
قلت: وابن عباس؟.
قال: نعم حسبت كثيرًا.
قلت: هل تدع أنت إذا استلمت أن تقبل يدك؟.
قال: فلم استلمه إذا.
قوله: "حسبت كثيرًا" يريد حسبت أنه قبلها كثيرًا.
وقوله: "هل تدع أنت إذا استلمت أن تقبل يدك"؟ يريد: هل تدع تقبيل يدك إذا استلمت، وتكتفي باللمس دون تقبيل اليد.
وقوله في الجواب: "فَلِمَ استلمه إذًا" اللام في مكسورة المعنى لأي معنى استلمه إذا لم أقبل يدي، ولو فتحت اللام لكان المعنى: إني إذا استلمت ولم أقبل يدي لم أكن إذًا قد استلمته، أي أن الاستلام لا يعد استلامًا كاملًا حتى تقبل اليد، لأن تقبيل اليد إنما هو عن تقبيل الحجر إذا لم يتقبل (١) من تقبيله.
стр. 1535
وإذا: حرف مكافأة وجواب، فإن قدمتها على الفعل المستقبل نصبت بها، إذًا جعلت الفعل معتمدا عليها، كقولك: الليلة أزورك تقول: إذا أكرمك، فإن وسطتها وجعلت الفعل بعدها معتمدا على ما قبلها ألغيتها، تقول: أنا إذا أكرمك، وإن أخرتها ألغيت العمل فقلت: أكرمك إذا، فإن الفعل الذي بعدها فعل الحال لم تعمل، وإذا نطقت بها نطقت بالنون وإذا وقفت عليها وقفت بالألف.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن موسى بن عبيد، عن محمد بن كعب القرظي أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ كان يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
وأخبرنا الشافعي بهذا الإسناد أن ابن عباس كان يمسح الركن اليماني والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
هذا حديث متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن أبي الشعثاء أنه قال: ومن يتقي شيئا من البيت، وكان معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس: إنه لا يُستلم هذان الركنان، يقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن أبي الطفيل أنه سمع ابن عباس يقول: إن رسول الله ﷺ لم يستلم غير هذين الركنين اليمانين.
стр. 1536
مسح الأركان: هو لمسها باليد، تقول: مسحت الركن ومسحت به، وقد جاء في الشعر مشددًا قال: ولما قضينا من منى كل حاجة.
ومسّح بالأركان من هو ماسح ... فجمع بين اللغتين التشديد والتخفيف
وينبغي: مضارع بغى، تقول: بغيته فانبغى أي طلبته فواتاني، وبغيت فعل يتعدى إلى مفعول واحد وإلى مفعولين تقول: بغيت الشيء إذا طلبته، وبغيتك الشيء أي طلبته لك، وأبغيتك الشيء أي جعلتك طالبًا له، والمعنى: لا يتأتى ولا يجوز أن يهجر شيء من أركان البيت ولا يمسح.
وقول ابن عباس: "لقد كان في رسول الله أسوة حسنة" إنكار على ابن الزبير حيث مسح الأركان، يعني أن الاقتداء برسول الله ﷺ أولى، فإنه لم يكن يمسح غير الركنين.
والركنان اللذان يستلمان: هما الركن الأسود والركن اليماني، واللذان لا يستلمان: هما الركن العراقي والركن الشامي.
وقوله: غير الركنين اليمانيين فسماهما معا يمانيين لأحد أمرين:-
إما لأن الركن الأسود قريب من جهة اليمن.
أو تغليبًا لأحد الاسمين على الثاني، كقولهم: القمران والعمران.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الطائف يستلم الركن اليماني وإذا مر به، ويقبل يده ولا يقبل الركن.
قال إمام الحرمين: وذكر الأصحاب وجهين في كيفية ذلك:-
أحدهما: أن يقبل يده ويمس الركن كالذي ينقل حديثه إليه.
والثاني: أن يمس الركن ثم يقبل كالذي ينقل تيمنا إلى نفسه.
وأما الركنان الباقيان فلا يستلمهما، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن عباس. وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقال مالك: يستلم الركن اليماني ولا يقبل يده وإنما يضعها على فيه.
стр. 1537
وقال أبو حنيفة: لا يستلم الركن اليماني.
وروي عن جابر بن عبد الله، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وعروة أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها. وروي ذلك عن الحسن والحسين.
وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ لم يترك استلام الركنين الآخرين إلا لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم الخليل، فإن بعض الحجر من البيت.
قال الشافعي -في قول معاوية ليس شيء من البيت مهجورًا-:
أن من طاف بالبيت ما هجره فليس ترك الاستلام هجرًا، ألا ترى أن ما بين الركنين لا يستلم وليس ذلك هجران له.
قال الشافعي: الذي فعله ابن عباس أحب إليَّ، لأنه كان يرويه عن النبي ﷺ وقد رواه ابن عمر عن النبي ﷺ ، وليس ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر يدل على أن منهما مهجورًا، فكيف يهجر ما يطاف به؟ ولو كان ترك استلامهما هجرانًا لهما، لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرانًا لها.
قال: والعلة في الركنين الآخرين فنرى أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، فكان كسائر البيت إذا لم يكونا مستوظفًا لهما البيت، فإن مسحهما رجل كما مسح سائر البيت فحسن، إلا أني أحب أن يقتدي برسول الله ﷺ .
وقد أخرج المزني (١) عن الشافعي، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن ابن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها، قال: ما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال؛ ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية. فقال ابن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله ﷺ لم يمس إلا اليمانين، وأما النعال السبتية: فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس
стр. 1538
فيها شعر ويتوضأ فيها؛ فأنا أحب أن ألبسهما.
وأما الصفرة: فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها، وأما الإهلال: فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته.
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤).
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا وجدت على الركن زحامًا فانصرف ولا تقف.
هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه النسائي (٥): عن عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن حنظلة قال: رأيت طاوسًا يمر بالركن فإن وجد عليه زحامًا مر ولم يزاحم، وإن رآه خاليا قبله ثلاثا، ثم قال: رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك، ثم قال: إنك حجر لا ضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك، ثم قال عمر: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الطائف إذا لم يقدر على تقبيل الحجر واستلامه لازدحام الناس عليه؛ أشار إليه بيده وانصرف.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد بن سالم، عن عمر بن سعيد ابن أبي حسين، عن منبوذ بن أبي سليمان، عن أمه أنها كانت عند عائشة -زوج النبي ﷺ فدخلت عليها مولاة لها فقالت: يا أم المؤمنين، طفت بالبيت
стр. 1539
سبعًا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثًا؟ فقالت لها عائشة: لا آجرك الله، لا آجرك الله، تدافعين الرجال ألا كبرت ومررت.
آجره الله يؤجره، وآجره يأجره وبأجره: أي أثابه وجازاه على طاعته، وكأن أصله من الأجرة أي أعطاه أجرته.
وهذا الحديث مسوق لبيان: أن النساء يستحب لهن أن يطفن من وراء الرجال لئلا يزدحمن مع الرجال.
وفيه: بيان أن من زحم عن البيت كفاه أن يطوف ويشير إلى الركن.
وقد أخرج المزني (١) عن الشافعي: عن سفيان، عن أبي يعفور قال: سمعت رجلاً من خزاعة حين قتل ابن الزبير بمكة -وكان أميرًا على مكة- يقول: قال نبي الله ﷺ "يا أبا حفص، إنك رجل قوى ولا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلم وإلا فكبر وامض".
قال سفيان -وهو عبد الرحمن بن [نافع بن عبد] (٢) الحارث-: كان حجاج استعمله [عليها منصرفه منها] (٢) حين قتل ابن الزبير.
وقد أخرج مالك في الموطأ (٣): عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن: "كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن؟
فقال: استلمت وتركت، فقال رسول الله ﷺ : "أصبت".
قال الشافعي: وأحسب أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن: أصبت أنه وصف له أنه استلم في غير زحام وترك في زحام، لأنه أشبه أن يقول له: أصبت في فعل وترك، إلا إذا اختلف في الفعل والترك.
...
стр. 1540
الفصل الرابع
في الاضطباع والرَمَل
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن [بن] (١) أبي مليكة "أن عمر بن الخطاب استلم الركن ليسعى ثم قال: لمن نبدي الآن مناكبنا ومن نرائي فقد أظهر الله الإِسلام، والله على ذلك لأسعين كما سعى".
هذا الحديث قد أخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، عن عبد الملك بن عمرو، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب [يقول] (٣): قيم الَرمَلان والكشف عن المناكب وقد أطَّأ الله الإِسلام، ونفى الكفر واهله، لكن مع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ".
يريد بالسعى في هذا الحديث: الرمل في الطواف، لأن السعي فوق المشي ودون العدو.
والإبداء: الإظهار، والكشف ضد الخفاء.
والمناكب: جمع منكب وهو ما بين الكتفين.
ويرائي: تفاعل من الرياء وهو أن يفعل الشيء ويقوله ظاهرًا وباطنه بخلافه، تقول منه راءى يرائي فهو مراءٍ، وقوم مراؤن والاسم الرياء، ويقال: فعل ذلك رياء وسمعة أي ليرى ويسمع فيحمد عليه لا لأنه يؤثره بباطنه.
وقوله: "فقد أظهر الله الإِسلام" يريد أعزه وبسط كلمته ونشر دعوته في
стр. 1541
البلاد والعباد، بعد أن كان مخفيًا مغلوبًا.
وقوله: "والله على ذلك" أي على هذه الحالة من إظهار الإِسلام، بعد الخفاء، لأسعين كما سعى النبي ﷺ ، وأن السبب الموجب للسعي قد زال كما سنذكره.
والرمَلان -بفتح الميم-: مصدر رمل يرمل رملًا ورملانًا.
وقوله: "والكشف عن المناكب" يريد كشف الثياب عنها، تقول: كشف وجهي، وكشف عن وجهي. ففي الأول أوقعت الفعل على الوجه، وفي الثاني أوقعته على الثوب وحذفته من اللفظ، لأنه المفعول ولفهم المعنى، والمراد بكشف المناكب: الاضطباع عند الطواف.
وأطَّأ: أثبت وأرسى ومهد، وإنما هو وطأ بواو والهمزة فيه مبدلة من الواو.
وأما سبب هذا القول من عمر ﵁ كما ورد في سبب الرمل في الطواف من وجوه عدة:-
منها ما رواه ابن عباس فيما أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، قال ابن عباس: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا للإبقاء عليهم.
وفي رواية: إنما سعى رسول الله ﷺ بالبيت وبين الصفا والمروة ليرى
стр. 1542
المشركون قوته، فلذلك قال عمر ﵁ لمن نبدي مناكبنا، ومن نرائي. لأنهم إنما فعلوا ذلك لأجل المشركين، فأما اليوم مع زوال السبب الموجب لم يفعله، ثم عاد قال: اتباع السنة أولى، ففعله.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ في الرمل قد ذكرناه قبل هذا، وذكرنا أقوال الأئمة فيه ونزيده ها هنا بسطًا: وهو أن الرمل والاضطباع إنما يستحبان في طواف القدوم لا في طواف الزيارة، إلا أن يكون قد تركه في طواف القدوم، فيأتي في طواف الزيارة قاله الشيخ أبو حامد.
وقال غيره فيه وجهان، والمذهب أنه لا يأتي به.
وأما هيئة الاضطباع: وهو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويجمع طرفيه على عاتقه الأيسر، فيبدوا منكبه الأيمن ويغطي الأيسر.
وسمى بذلك: لإبداء الضبعين وهما ما تحت الإبط من العضد، والضبع العضد.
وهذا الاضطباع عند الشافعي يستحب استدامته إلى أن يفرغ من الطواف، فإذا صلى ركعتي الطواف تركه لأنه في الصلاة مكروه، ثم يعيده إذا خرج إلى السعي بين الصفا والمروة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يرمل من الحجر، ثم يقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ ".
وقد أخرجه في القديم (١) عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يرمل من الحجر الأسود ثلاثة أطواف ويمشي أربعة أطواف".
стр. 1543
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
فأما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد عن سريج بن النعمان، عن فليح، عن نافع، عن ابن عمر قال: "سعى النبي ﷺ ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، عن ابن المبارك، عن عبيد الله بن عمر بالإسناد قال: "رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا".
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أبي كامل الجحدري، عن [سليم] (٥) بن أخضر، عن عبيد الله بن عمر بالإسناد مثل لفظ مسلم.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى عن عبيد الله ابن عمر بالإسناد "أنه كان يرمل الثلاثة ويمشي الأربع، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك".
هذا الحديث مسوق لبيان الرمل هو في الابتداء بالطواف، وأنه لا يبتدئ به في أثناء الطواف، لأنه قال: كان يرمل من الحجر إلى الحجر، والحجر من عنده يبتدأ بالطواف.
وفيه: بيان أن الرمل يكون حول البيت جميعه، وليمر كما إليه من قال: أنه
стр. 1544
يمشي بين الركن اليماني والركن الأسود، لأن قوله: يرمل من الحجر إلى الحجر، يقتضي أن يستوعب مدار البيت جميعه رملًا.
وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم (١): عن مالك، عن نافع "أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، قال: وكان لا يسعى إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة".
قال الشافعي: يعني الرمل.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء: "أن رسول الله ﷺ سعى في عُمَره كلهن الأربع بالبيت وبين الصفا والمروة، إلا أنهم ردوه في الأولى أو الرابعة من الحديبية".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء "أن رسول الله ﷺ رمل من سبعة ثلاثة أطواف خببًا ليس بينهن مشي".
يريد بالسعي في العُمَر: الرمل الذي قدمنا ذكره في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة.
والعُمَر: جمع عمرة، والذي صح وتعاضدت به الأحاديث: أن النبي ﷺ حج من المدينة حجة واحدة، وأحرم بأربع عمر:-
الأولى: عام الحديبية في سنة ست من الهجرة، وصده المشركون عن البيت وصالحوه على أن يعتمر من قابل، فنحر هديه بالحديبية وحلق وحل ثم عاد ولم يدخل مكة.
والعمرة الثانية: في ذي القعدة من قابل سنة سبع، وتسمى عمرة القضاء
стр. 1545
وعمرة القضية لأنهم تقاضوا وجعلوا يينهم قضية في أن يعتمر النبي ﷺ من قابل.
والعمرة الثالثة: عمرة الجعرانة في سنة ثمان لما قسم غنائم حنين.
والعمرة الرابعة: التي مع حجته سنة عشر.
فقوله: "سعى في عمره الأربع" يقتضي أنه أثبت له عمرة الحديبية فلما عمم القول استثنى فقال: إلا أنهم ردوه في الأولى يعني عمرة الحديبية.
وأما قوله: "الأولى الرابعة" فما أعرف معناه، وهكذا جاء في المسند وفي كتاب البيهقي أيضًا وقد ضبب (١) عليه، وجاء في نسخة أخرى للمسند مقروءة: "الأولى والرابعة" وهذا أيضًا مشكل فإن النبي ﷺ لم يردَّ في عمرة الحديبية وحدها، وعمرته الرابعة هي التي مع حجته وتلك لم يرد فيها فإن مكة كانت له وذلك بعد الفتح بعامين.
والسبع: واحد من سبعة والسبع، والمراد به ها هنا: اسم الأشواط السبعة، يقال: طاف سبعًا إذا طاف سبعة الأشواط ويقال له أيضًا: أسبوع.
والخبب: ضرب من العدو، تقول: خب يخُب -بالضم- خبا وخببا وخبيبًا وهو منصوب على الحال، والعامل فيه قوله: رمل، والأحسن أن يكون منصوبًا على المصدر من غير لفظ الفعل لأن الرمل والخبب بمعنى.
وقوله: "ليس بينهن مشي" يبطل قول من ذهب إلى أنه يمشي بين الركنين ولا يرمل.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء