← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

البلاد والعباد، بعد أن كان مخفيًا مغلوبًا. وقوله: "والله على ذلك" أي على هذه الحالة من إظهار الإِسلام، بعد الخفاء، لأسعين كما سعى النبي ﷺ ، وأن السبب الموجب للسعي قد زال كما سنذكره. والرمَلان -بفتح الميم-: مصدر رمل يرمل رملًا ورملانًا. وقوله: "والكشف عن المناكب" يريد كشف الثياب عنها، تقول: كشف وجهي، وكشف عن وجهي. ففي الأول أوقعت الفعل على الوجه، وفي الثاني أوقعته على الثوب وحذفته من اللفظ، لأنه المفعول ولفهم المعنى، والمراد بكشف المناكب: الاضطباع عند الطواف. وأطَّأ: أثبت وأرسى ومهد، وإنما هو وطأ بواو والهمزة فيه مبدلة من الواو. وأما سبب هذا القول من عمر ﵁ كما ورد في سبب الرمل في الطواف من وجوه عدة:- منها ما رواه ابن عباس فيما أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، قال ابن عباس: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا للإبقاء عليهم. وفي رواية: إنما سعى رسول الله ﷺ بالبيت وبين الصفا والمروة ليرى

стр. 1542

المشركون قوته، فلذلك قال عمر ﵁ لمن نبدي مناكبنا، ومن نرائي. لأنهم إنما فعلوا ذلك لأجل المشركين، فأما اليوم مع زوال السبب الموجب لم يفعله، ثم عاد قال: اتباع السنة أولى، ففعله. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ في الرمل قد ذكرناه قبل هذا، وذكرنا أقوال الأئمة فيه ونزيده ها هنا بسطًا: وهو أن الرمل والاضطباع إنما يستحبان في طواف القدوم لا في طواف الزيارة، إلا أن يكون قد تركه في طواف القدوم، فيأتي في طواف الزيارة قاله الشيخ أبو حامد. وقال غيره فيه وجهان، والمذهب أنه لا يأتي به. وأما هيئة الاضطباع: وهو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويجمع طرفيه على عاتقه الأيسر، فيبدوا منكبه الأيمن ويغطي الأيسر. وسمى بذلك: لإبداء الضبعين وهما ما تحت الإبط من العضد، والضبع العضد. وهذا الاضطباع عند الشافعي يستحب استدامته إلى أن يفرغ من الطواف، فإذا صلى ركعتي الطواف تركه لأنه في الصلاة مكروه، ثم يعيده إذا خرج إلى السعي بين الصفا والمروة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يرمل من الحجر، ثم يقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ ". وقد أخرجه في القديم (١) عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يرمل من الحجر الأسود ثلاثة أطواف ويمشي أربعة أطواف".

стр. 1543

هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. فأما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد عن سريج بن النعمان، عن فليح، عن نافع، عن ابن عمر قال: "سعى النبي ﷺ ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة". وأما مسلم (٣): فأخرجه عن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، عن ابن المبارك، عن عبيد الله بن عمر بالإسناد قال: "رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا". وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أبي كامل الجحدري، عن [سليم] (٥) بن أخضر، عن عبيد الله بن عمر بالإسناد مثل لفظ مسلم. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى عن عبيد الله ابن عمر بالإسناد "أنه كان يرمل الثلاثة ويمشي الأربع، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك". هذا الحديث مسوق لبيان الرمل هو في الابتداء بالطواف، وأنه لا يبتدئ به في أثناء الطواف، لأنه قال: كان يرمل من الحجر إلى الحجر، والحجر من عنده يبتدأ بالطواف. وفيه: بيان أن الرمل يكون حول البيت جميعه، وليمر كما إليه من قال: أنه

стр. 1544

يمشي بين الركن اليماني والركن الأسود، لأن قوله: يرمل من الحجر إلى الحجر، يقتضي أن يستوعب مدار البيت جميعه رملًا. وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم (١): عن مالك، عن نافع "أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، قال: وكان لا يسعى إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة". قال الشافعي: يعني الرمل. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء: "أن رسول الله ﷺ سعى في عُمَره كلهن الأربع بالبيت وبين الصفا والمروة، إلا أنهم ردوه في الأولى أو الرابعة من الحديبية". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء "أن رسول الله ﷺ رمل من سبعة ثلاثة أطواف خببًا ليس بينهن مشي". يريد بالسعي في العُمَر: الرمل الذي قدمنا ذكره في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة. والعُمَر: جمع عمرة، والذي صح وتعاضدت به الأحاديث: أن النبي ﷺ حج من المدينة حجة واحدة، وأحرم بأربع عمر:- الأولى: عام الحديبية في سنة ست من الهجرة، وصده المشركون عن البيت وصالحوه على أن يعتمر من قابل، فنحر هديه بالحديبية وحلق وحل ثم عاد ولم يدخل مكة. والعمرة الثانية: في ذي القعدة من قابل سنة سبع، وتسمى عمرة القضاء

стр. 1545

وعمرة القضية لأنهم تقاضوا وجعلوا يينهم قضية في أن يعتمر النبي ﷺ من قابل. والعمرة الثالثة: عمرة الجعرانة في سنة ثمان لما قسم غنائم حنين. والعمرة الرابعة: التي مع حجته سنة عشر. فقوله: "سعى في عمره الأربع" يقتضي أنه أثبت له عمرة الحديبية فلما عمم القول استثنى فقال: إلا أنهم ردوه في الأولى يعني عمرة الحديبية. وأما قوله: "الأولى الرابعة" فما أعرف معناه، وهكذا جاء في المسند وفي كتاب البيهقي أيضًا وقد ضبب (١) عليه، وجاء في نسخة أخرى للمسند مقروءة: "الأولى والرابعة" وهذا أيضًا مشكل فإن النبي ﷺ لم يردَّ في عمرة الحديبية وحدها، وعمرته الرابعة هي التي مع حجته وتلك لم يرد فيها فإن مكة كانت له وذلك بعد الفتح بعامين. والسبع: واحد من سبعة والسبع، والمراد به ها هنا: اسم الأشواط السبعة، يقال: طاف سبعًا إذا طاف سبعة الأشواط ويقال له أيضًا: أسبوع. والخبب: ضرب من العدو، تقول: خب يخُب -بالضم- خبا وخببا وخبيبًا وهو منصوب على الحال، والعامل فيه قوله: رمل، والأحسن أن يكون منصوبًا على المصدر من غير لفظ الفعل لأن الرمل والخبب بمعنى. وقوله: "ليس بينهن مشي" يبطل قول من ذهب إلى أنه يمشي بين الركنين ولا يرمل. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء

стр. 1546

قال: سعى أبو بكر في حجته عام حج إذ بعثه رسول الله ﷺ ، قال: ثم أبو بكر (١) وعمر وعثمان والخلفاء جرًّا يسعون كذلك. هذا الحديث مؤكد لما سبق من أحاديث الرمل والسعي في الطواف والسعي. وقوله: "جرا" من قوله لهم كان ذلك كل عام كذا وهلم جرا إلى اليوم، أي امتد ذلك إلى اليوم. والمعنى بالحديث: أن الخلفاء أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم إلى أن روي الحديث كانوا يسعون، إلا أنه أسقط هلم من اللفظ ولعله سقط في الكتابة -والله أعلم- فإنه لم يرد في اللغة الكلمتان إلا مجتمعتين. وأما جرا: فإنه منصوب عند نحاة البصرة على الحال، التقدير هلموا جارين أي: مقبلين. وعند نحاة الكوفة هو نصب على المصدر لأن هلم عندهم بمعنى جر وقال الميداني: [في] (٢) المقصد: معنى هلم جرا تعالوا على هيئتكم كما يسهل عليكم وأصل ذلك من الجر في السوق وهو أن يترك الإبل والغنم ترعى في مسيرها، وأول من قال ذلك عائذ بن يزيد اليشكري يجيب أخاه جندله في أبيات أولها: أجندل كم قطعت إليك أرضا ... يموت فيها أبو الأشبال ذعرا يقول فيها وإن جاوزت معقرة ... رمت بي إلى أخرى كتلك هلم جرا وكانت حجة أبي بكر الصديق ﵁ لما بعثه النبي ﷺ ، أميرًا على

стр. 1547

الموسم في سنة تسع من الهجرة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "ليس على النساء سعي بالبيت ولا بين الصفا والمروة". المراد بالسعي في هذا الحديث: الرمَل. والباء في "البيت" للإلصاق والملابسة أي: ألصق سعيه بالبيت والتبس به، أو لأنه أعطى سعى معنى طاف وطاف يتعدى بالباء. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن النساء لا رمل عليهن ولا اضطباع ولا سعي بين الصفا والمروة، وإنما عليهن المشي موضع سعي الرجال، لأن معنى السعي معدوم فيهن، ولأن ذلك يقدح في سترهن، وهذا بإجماع أهل العلم. قال الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم قال [رجل] (١): قال مجاهد: قال: "رأت عائشة النساء يسعين بالبيت فقالت: مالكن فينا أسوة ليس عليكن سعى". وقد أخرج الشافعي في القديم (٢): عن مالك بن أنس وعبد العزيز بن محمد ورجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﷺ يرمل بين الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف". وأخرج المزني (٣) عنه عن مالك وحده بالإسناد مثله. ...

стр. 1548

الفصل الخامس في ترك الكلام وتقليله أخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، عن طاوس أنه سمعه يقول: سمعت ابن عمر يقول: "أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في صلاة". هذا حديث حسن أخرجه النسائي (١) عن محمد بن سليمان، عن الشيباني، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس قال: قال عبد الله بن عمر "أقلوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في الصلاة". وفي رواية: عن يوسف بن سعيد، عن حجاج وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب كلاهما عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة فأقلوا الكلام". وأقلوا: أمر بالتقليل، قل الشيء يقل قلة: إذا صار قليلاً، وأقله غيره يقله: أي جعله قليلاً وقلله كذلك. وفي رواية الشافعي: "فإنما أنتم في صلاة" منكَّرا، وفي رواية النسائي: "فإنما أنتم في الصلاة" معرفًا، والتنكير أولى لأن الطواف على الحقيقة ليس صلاة دائمًا، وإنما يشارك الصلاة في بعض شروطها كما سيأتي بيانه، فتنكيره يقتضي أنه مشبه بالصلاة وأنه نوع منها أو شيء يقرب منها، ومما يعضد ذلك الرواية الثانية التي للنساء، فإنه قال: "الطواف بالبيت صلاة" فجاء بها نكرة مثل رواية الشافعي. وأما التعريف: فيقتضي أن يكون الطواف هو الصلاة، لأنه بالألف واللام ومتى كان الخبر معروفة كالمبتدأ كان هو. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الطواف لا يجوز إلا بما يجوز به الصلاة من طهارة الحدث، وطهارة النجس, وستر العورة وغير ذلك من شرائط الصلاة إلا

стр. 1549

الكلام. وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وقال أبو حنيفة: ليست شرطًا. واختلف أصحابه هل هي واجبة أم سنة. والكلام في الطواف جائز بالإجماع، إلا أن الأولى تركه إلا الدعاء والذكر. وقراء القرآن خلاف. قال الشافعي: وأستحب له أن يقرأ في طوافه. وبه قال عطاء بن أبي رباح، وابن المبارك، ومجاهد , والثوري، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. وكره الحسن البصري، وعروة، ومالك: قراءة القرءان. وروي الأمران عن أحمد. قال الشافعي: وبلغنا أن مجاهدًا كان يقرأ عليه القرءان في الطواف. قال: وبلغنا أن رسول الله ﷺ تكلم في الطواف وكلم، فمن تكلم في الطواف فلا يقطع الكلام طوافه، وذكر الله أحب إلىَّ فيه من الحديث. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: طفت خلف ابن عمر وابن عباس، فما سمعت واحدًا منهما متكلمًا حتى فرغ من طوافه. هذا الحديث هكذا رواه الشافعي، وقد رواه الترمذي (١): عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه. فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير". قال الترمذي: وقد روي عن ابن طاوس، وغيره عن طاوس، عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب. والله أعلم. ...

стр. 1550

الفصل السادس في الطواف راكبًا أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمعه يقول: "طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة، ليراه الناس وليشرف لهم أن الناس غَشُوه". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. فأما مسلم (١): فأخرجه عن علي بن خشرم، عن عيسى، عن ابن جريج. [و] (٢) عن عبد بن حميد، عن محمد بن بكر، عن [ابن] (٢) جريج وزاد بعد قوله وليشرف: وليسألوه. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن يحيى، عن ابن جريج. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن عمران بن يزيد، عن شعيب، عن ابن جريج. أشرف على الشيء: شرف إشرافا إذا أطل عليه من فوقه. وغشوه: أي طافوا به وأحدقوا وكثروا عليه مزدحمين، حتى خفى عن أعين الناس من الغطاء والغطاء، والأصل في غشوه غشيوه بوزن سمعوه، فلما استثقلت الضمة على الياء وقبلها كسرة حذفت الياء، واجتمعت كسرة الشين وبعدها واو الجمع ولا يكون بعدها إلا ضمة، فحذفت الكسرة وعوضت منها ضمة فصارت غشوه. وقد جاء في رواية الشافعي: "أن الناس غشوه"، وفي رواية الباقين: "فإن

стр. 1551

الناس غشوه" فحذف الناس أن وأثبتوها والمعنى سواء، وذلك أن قوله: "ليراه الناس" تعليل لركوبه، وقوله: "أن الناس غشوه" لقصد أن يراه الناس، كأن قائلًا قال: فِلمَ لم يره الناس؟ قال: لأن الناس غشوة، فإثبات الفاء يفيد الجمع بين العلة والمعلل فائدة للعطف، وحذفها يجعله تعليلًا مستأنفًا غير معطوف وهو أفصح اللفطن، وبيانه: أنه مع الفاء يكون قد ساق اللفظ غير منقطع إلى آخره، ومع حذفها يكون الكلام مقطوعًا عند قوله: "وليشرف لهم" إعتقادًا منه فهم السامع عند الإشراف، ثم لما سكت عاد مستدركًا لما توهمه من فهم السامع، فذكر العلة فكان رفعها في النفس أعظم، والتلبية لها والوقوف عليها أحسن، فإن العلة إذا جاءت بعد تطلبها ووقعت عند الحاجة إليها؛ تكون أحسن موقعًا وأجمل موضعًا. ولو قال قائل: أن مفتوحة الهمزة على تقدير: لأن الناس غشوه، لكان وجهًا إلا أن إثبات الفاء يأبى ذلك. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن المستحب لا يطوف إلا ماشيًا لأن النبي ﷺ أكثر طوافه ماشيًا, ولأنه إذا طاف راكبًا ربما لوث المسجد وزحم الناس بمركوبه وآذاهم، فإن طاف راكبًا أجزأه ولا شيء عليه. وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر فلا شيء عليه، وإن لم يكن لعذر فعليه دم. وحكي عن أحمد نحو ذلك. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سعيد، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن [ابن] (١) عباس أن رسول الله ﷺ بمثله. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 1552

أما البخاري (١): فأخرجه عن أحمد بن صالح ويحيى بن [سليمان] (٢)، عن ابن وهب، عن يونس [عن] (٣) ابن شهاب بالإسناد. وفي أخرى (٤): عن مسدد، عن خالد بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "طاف النبي ﷺ على بعيره كلما أتى الركن أشار إليه بشيء عنده وكبر". وأما مسلم (٥): فأخرجه عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب مثل البخاري. وأما أبو داود (٦): فأخرجه بإسناد البخاري الثاني: "أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته كلما أتى على الركن استلم الحجر بمحجنه، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين". وأما النسائي (٧): فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى وسليمان بن داود، عن ابن وهب، عن يونس بإسناد البخاري. وأما الترمذي (٨): فأخرجه عن بشر بن هلال، عن عبد الوارث وعبد الوهاب الثقفي، عن خالد بن عبد الله مثل البخاري. المحجن -بكسر الميم وتقديم الحاء على الجيم-: عصًا رأسها محقفًا كالصولجان ونحوه. وقوله: "بشيء عنده" يريد بشيء كان معه على البعير وهو راكب. وقوله: "وكبر" يريد قوله: الله أكبر، فإن التكبير مستحب عند الابتداء

стр. 1553

بالطواف، وعند الابتداء بكل شوط من أشواط الطواف. وقوله: "يشتكي" يريد يتألم فلم يقدر على الطواف ماشيًا، وبهذا احتج من ذهب إلى أن الطائف إنما يطوف راكبًا لعذر، والذي جاء في رواية الشافعي أولى، لأن الطائف كلما طاف شوطًا واحدًا استلم مرة فالاستلام إنما يقع بعد الفراغ من الشوط، وبعد الفراغ من الطواف كله فاحتاج أن يعطفه بحرف ليجتمعا في المعنى، ويعضد ذلك أن روايات باقي الأئمة مثل رواية الشافعي، وأما رواية البخاري فإن يستلم في موضع الحال، أي طاف مستلمًا، فيكون الاستلام ممتزجًا بالطواف، ووجه ذلك: أن الأشواط يتلوا بعضها بعضًا لا يفصل بينها بغير الاستلام، فكأن الاستلام حالاً للطائف إلا أنها حال متجددة غير دائمة، لأن الاستلام تحدث شيئًا فشيئًا عند الفراغ من الأشواط. فالأول أشبه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء: "أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وبالصفا والمروة راكبًا، فقلت: ولم؟ قال: لا أدري، قال: ثم نزل فصلى ركعتي". هذا الحديث مسوق: لبيان ما سبق من جواز الطواف والسعي راكبًا، إلا أن هذا الحديث لم يعرف عطاء ركوبه لما سئل لِمَ ركب؟ فلذلك قال: لا أدري، لأنه لا ضرر عليه إذا ثبت له الحكم وجهل العلة؛ فإن الغرض إنما هو ثبوت الحكم: وهو جواز الركوب في الطواف والسعي. قال الشافعي: أما سعيه الذي طافه لمقدمه فعلى قدميه، لأن جابرًا المحكي عنه فيه أنه رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، ولا يجوز أن يكون جابر يحكي عنه الطواف ماشيًا وراكبًا في سبع واحد، وقد حفظ أن سعيه الذي ركب فيه في طوافه يوم النحر، ثم ذكر الحديث التالي لهذا الحديث عن طاوس. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن

стр. 1554

أبيه أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يُهجِّروا [بالإفاضة] (١)، وأفاض في نسائه ليلاً على راحلته يستلم الركن بمحجنه، أحسبه قال: ويقبل طرف المحجن. التهجير: المبادرة إلى الأمر في أول وقته، والتهجير: السير وقت الهاجرة وهي شدة الحر. والإفاضة: الدفع في كثرة ولا تكون إفاضة إلا مع كثرة، وهذه الإفاضة يريد بها: الإفاضة من شيء إلى مكة للطواف الواجب ويسمى هذا الطواف: طواف الإفاضة لذلك، ويسمى أيضًا: طواف الفرض لأنه الطواف الذي هو ركن من أركان الحج وما قبله وليس بفرض، وإنما سمي طواف الزيارة: لأن الحاج يجيء من منى إلى مكة يزور البيت ويطوف ويعود إلى منى يبيت بها. ووقت هذا الطواف: من ليلة النحر وليس لآخره حد. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: أول وقته من حين طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فإن أخّره إلى اليوم الثالث وجب عليه دم. وأما قوله: "أمر أصحاب بالتهجير بالإفاضة" إن قلنا: إنه أراد بالتهجير: المبادرة إلى أول وقته فيكون في ليلة النحر وليس كذلك فعلوا، لأنهم نزلوا بمنى ورموا فحلقوا ونحروا ثم أفاضوا. وإن قلنا: إنه أراد وقت الهاجرة، فإنما يكون ذلك وقت الظهر والإفاضة من منى يوم النحر إنما تكون ضاحي النهار يوم النهار، وذلك وقت الفراغ من الرمي والحلق والنحر. فيبقى أن نقول: أنه أراد بالتهجير: المبادرة إلى أول وقت الفضيلة وهو وقت الضحى من يوم النحر. وإذا رجعنا إلى الحكمة من الغرض: فإنما يأمرهم النبي ﷺ بالأفضل والأولى؛ لا سيما وهو أسهل عليهم وأهون؛ لأنهم يقدمون مشقة الليل لو

стр. 1555

أفاضوا فيه، مشقة الحر لو أفاضوا فيه. وبهذا يتجه القول في لفظ الحديث. وقوله: "وأفاض في نسائه ليلاً" يريد: أنه قَدِمَ نساؤه إلى مكة ليلة النحر فأفاضوا. قال إمام الحرمين: والدليل على جواز الإيقاع في الليل: أن رسول الله ﷺ قدم ضعفة أهله من مزدلفة بليل، وذكر لهم أن يوافوه راجعين إلى منى، وكان ﷺ وافى الرمي عند طلوع الشمس، ولا يتأتى موافاته في وقت وصوله إلا بإيقاع الطواف ليلاً. قال: فإن من منى إلى مكة مسافة لا تقع إلا لمن يتوجه منها بليل. ولكن يبقى في لفظ هذا الحديث إشكال: وذلك أنه قال: "وأفاض في نسائه ليلاً على راحلته يستلم الركن بمحجنه" وهذا يقتضي أن يكون قد أفاض مع أهله ليلة النحر، ولم يَرِد عنه أنه أفاض إلا يوم النحر نهارًا، بعد الرمل والحلق والنحر في وقت الفضيلة، ثم قلنا: إن قوله: "في نسائه" يريد بنسائه أي حملهم على الإفاضة بأن تَقَدّمهم إلى مكة، فما يصنع بقوله: على راحلته يستلم الركن بمحجنه. والله أعلم بصحة ذلك. ويمكن توجيه الحديث من طريق آخر: وهو أن يكون -والله أعلم- قد أخر الإفاضة إلى دخول الليل من الليلة الحادية عشرة، أو أفاض يوم النحر وعاد إلى منى، ثم إنه عاد إلى مكة ليلاً مع نسائه فأفاض راكبًا كما جاء في هذا الحديث، ثم إنه لما فرغ من طوافه وقضى أهله طوافهم؛ عادوا جميعًا إلى منى للمبيت بها ليلاً، فتكون الإفاضة من منى والطواف والعود إليها في تلك الليلة. ويعضّد هذا التأويل ما أخرجه الترمذي في كتابه (١)، قال: حدثنا محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة "أن النبي ﷺ أخر طواف الزيارة إلى الليل".

стр. 1556

قال الترمذي: هذا حديث حسن. فهذا التوجيه مع حديث الترمذي يطابق لفظ هذا الحديث، وإن كان المشهور والمعروف بخلافه، فإن النبي ﷺ إنما أفاض يوم النحر هذا هو الذي تعاضدت الروايات عليه، ويشهد بخلاف ذلك أيضًا: ما حكيته عن إمام الحرمين في إفاضة النبي ﷺ من مزدلفة إلى منى ومكة ليلة النحر وعودهم إلى منى والله أعلم. قال البيهقي (١): والذي روي عنه أنه طاف بين الصفا والمروة راكبًا فإنما أراد -والله أعلم- في سعيه بعد طواف القدوم، فأما بعد طواف الإفاضة فلم يحفظ عنه أنه طاف بينهما، والذي يدل عليه: ما ثبت من الآثار أنه طاف طواف القدوم ماشيًا، وسعى بين الصفا والمروة في بعض أعداده ماشيًا، فلما كثر عليه الناس ركب في باقيه، ثم لما طاف طواف الإفاضة طافه بالبيت راكبًا. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الأحوص بن حكيم قال: "رأيت أنس بن مالك يطوف بين الصفا والمروة على حمار". لما كانت الأحاديث المتقدمة مسوقة لبيان جواز الركوب في الطواف والسعي، وكان بعضها قد صُرِّحَ فيه بالمركوب فقال مرة: على بعير، ومرة: على راحلته، وكان بعضها لم يُصَرَّح بالركوب إنما قال: طاف راكبًا، وكان المعروف عند العرف أن الراكب لا يقال إلا لراكب البعير خاصة، كما يقال لراكب الفرس: فارس وربما ظن من سمع تلك الأحاديث أنه إنما يجوز الركوب في الطواف على الإبل خاصة، لما فيه من التصريح مرة والإجمال أخرى، جاء هذا الحديث الذي يتضمن ذكر الركوب على الحمار، ليعلم أن المركوب لا يختص ببعض المركوبات دون بعض.

стр. 1557

وقد أخرج المزني (١) ﵀ عن الشافعي ﵁ عن مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة -زوج النبي ﷺ قالت: "شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة"، قالت: فطفت ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقول: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤) والنسائي (٥). قال الشافعي في القديم (٦): عن مالك، عن هشام بن عروة أن عروة بن الزبير كان إذا رآهم يطوفون على الدواب -وهو يطوف ونحن معه- ينهاهم أشد النهي، فيعتلّون له بالمرض حياء منه، فيقول له فيما بينه وبينه: لقد خاب هؤلاء وخسروا. قال الشافعي: تركوا موضع الفضل ولو كان لا يجزئهم قال لهم: لا يجزئكم. وقد طافت أم سلمة وأنس بن مالك ركوبًا. قال: والمشي والسعي أفضل.

стр. 1558

الفصل السابع في أن الحِجْرَ من البيت أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم". فقلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم، قال: "لولا حدثان قومك بالكفر لرددتها على ما كانت" فقال ابن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنيين اللذين يليان الحِجْرَ، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه (٢) عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مخلد بن خالد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه أخبره يقول عائشة: أن الحجر بعضه من البيت، فقال ابن عمر: والله إني لأظن إن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ إني لأظن رسول الله لم يترك استلامهما، إلا أنهما ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين [عن] (٥)

стр. 1559

ابن القاسم، عن مالك. كانت الكعبة مبنية من عهد إبراهيم الخليل ﵇ على قواعدها التي أسسها إبراهيم لما بناها، فلما تغير بناؤها لطول العهد وكاد يهي، اجتمعت قريش على نقضها وبنائها في الجاهلية قبل الإِسلام بعشر سنين، ولرسول الله ﷺ ثلاثون سنة، واتفقوا يومئذ على أن يضع رسول الله ﷺ الحجر الأسود في موضعه، وكانوا يسمونه: محمد الأمين، فلما كشفوا أساسها وأرادوا بناءها عن ذلك لقلة النفقة عندهم، ومعنى قلة النفقة: ليس لأن أموالهم قلت عليهم ولم يتسع لبناء البيت أو لأنهم بخلوا به، ولكن كان للكعبة أموال طيبة من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق على البيت من أموالنا التي جرى فيها الزنا، والنهب، والغارات. فقصر مال الكعبة عن بنائها، وذلك معنى قوله: اقتصروا عن قواعد إبراهيم لذلك فبنوا ما بنوا منها، وحذفوا من طولها مما يلي الحجر مقدار ستة أذرع زائدًا متناقضًا وبنوا الحائط دونها، وأخرجوا من عرض حائط الكعبة مقدار ذراع مما دونه، وبنوا باقي الحائط فصار ذلك الذراع في أسفل الحائط وهو الشاذروان، وذلك ظاهر حول الكعبة إلا عند الحجر فإنه يلحق بالأرض، فعلوا ذلك لأجل استلامه، فبقيت تلك القطعة المفردة من البيت في جملة الحِجْر، فلما كان الإِسلام وفتح النبي ﷺ مكة؛ قال لعائشة ما قال لها في هذا الحديث، وقد روى عائشة بأطول من هذا مستوفى، فأقره النبي ﷺ على بناء الجاهلية وذلك قوله: "لولا حدثان قومك بالكفر" يريد: أن عهدهم بالجاهلية قريب فإذا رأوني قد هدمت الكعبة وغيرت بناءها الذي بنوه لم تقاومهم أنفسهم على تغييرها وربما نفروا من ذلك ولم تقبله طباعهم، لأن عهدهم بالكفر قريب ولم تطل المدة فنسوا ما كانوا قد ألفوه من أمور الجاهلية ولا ألفوا ما ألزمونه من أحكام الإِسلام، يقول: فأنا أتألفهم بتركها على حالها حفظا لقلوبهم وتحبيبا للإسلام بينهم لتطول مدتهم ويألفوه، ولذلك لما ولي عبد الله بن الزبير الحكم وحدثته عائشة بهذا الحديث، نقض الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم وجعل لها

стр. 1560

بابين كما أراد النبي ﷺ أن يفعل وذلك في أيام خلافته، فلما قتل ابن الزبير ووُلِّي الحجاج بن يوسف من قِبَل عبد الملك بن مروان، أعاد البناء إلى ما كان عليه ونقض ما زاده ابن الزبير وجدده، وهو البناء الذي هو البيت عليه إلى يومنا هذا, ولذلك قال ابن عمر: ما أظن ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أنهما ليسا على قواعد إبراهيم، فإن قواعد إبراهيم من الجهة التي تلي الحجر داخلة يومنا هذا في جملة الحجر، فكان الاستلام لهذين الركنين العراقي والشامي لا يكون على القواعد الإبراهيمية. وحدثان الشيء -بكسر الحاء وسكون الدال- أوله، تقول: ذلك الأمر يحدثانه وحداثته: أي في أوله وطراوته. وقوله في رواية أبي داود: "ولا طاف من وراء الحجر إلا لذلك" يعني بعض البيت في الحجر وهو القدر الذي صرفته قريش منه لما بنوه. والطواف واحد أن يكون حول البيت جميعه، فلو طافوا داخل الحِجْر لأدى إلى أن يطوفوا داخل البيت، على تلك القطعة المحذوفة منه الداخلة في الحجر، ولذلك طافوا من وراء الحِجْرِ لتدخل تلك القطعة في الطواف. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الطائف يلزمه أن يطوف وراء الحجر، وليس له أن يدخل الحجر ويتخطى الأذرع الستة المتصلة بالبيت، لأنه لو فعل ذلك لكان داخلًا في البيت، ولا يصح طوافه ولا يعتد به، فلو تسوَّر جدار الحجر المبنى حوله وخلف مقدار الأذرع الست واستظهر بزيادة عليها، ثم نزل من جدار الحجر إليه وقطع الحجر إلى جانبه الآخر على هذا السمت، اعتَّد بطوافه وإن كان ما جاء به مكروهًا، فإن طاف في الحجر استأنف الطواف وقضى. وقال أبو حنيفة: إن كان بعد [الأصل] (١) مكة قضى من كل شوط بقدر

стр. 1561

مسافة الحجر التي سلكها، وإن كان قد خرج من مكة فعليه دم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن هشام، عن طاوس-فيما أحسب- أنه قال: عن ابن عباس أنه قال: الحجر من البيت، وقال الله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر. هذا حديث صحيح قد أخرج البخاري معناه (١): عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن سفيان، عن مطرف، عن أبي السفر:- سعيد بن يُحمد- قال: سمعت ابن عباس يقول: أيها الناس اسمعوا مني ما أقول وأسمعوني ما تقولون. ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عباس: من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر. قوله: "الحجر من البيت" فيه نظر، لأن الإجماع على أن بعض الحجر من البيت، وحسب القدر المفرد من البيت الداخل في الحجر يصل إلى أول جدار الحجر المرتفع، وهو الفرجة التي يدخل فيها الناس إلى الحجر من جانبيه، فيما بينه وبين الركنين العراقي والشامي، فكيف يُطْلِق ويقول: إن الحجر من البيت؟ اللهم إلا أن يريد تغليبًا أو مجازًا حيث بعضه من البيت، فأعطى الكل حكم البعض مجازًا واتساعًا، أو لأن الطواف لما كان خارجًا من الحجر جميعه والطواف لنا شرع بالبيت خاصة لهذا المعنى. وليطوَّفوا: فعل مبنى من طَوّف يُطَوِّف مشددًا للكسرة، إنما سُمِّي البيت عتيقًا لأنه قديم، والعرب تقول للقديم: عتيق، وقيل: لأن الله -تعالى- أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار. تقول من الأول: عَتُقَ -بالضم- يعتق عتاقة فهو عتيق إذا قدم عهده، وكذلك: عَتَقَ يَعْتِقُ فهو عاتق.

стр. 1562

وتقول من الثاني: عَتَقَ -بالفتح- يَعْتِقُ -بالكسر- عتقًا فهو عتيق أي معتق. وقوله في رواية البخاري: "اسمعوا مني ما أقول لكم" إلى قوله: "قال ابن عباس" يريد بهذا القول الثاني والتثبت فيما يقولونه له من السؤال؛ ما لاستفهام وما يقوله لهم من الجواب والفتيا، بحيث يجتمعون هو وإياهم في التحقيق بين السؤال والجواز، فإن الجواب إنما يكون بحسب السؤال، فربما سألوه عن شيء ولا يوضحون له غرضهم؛ أو يجيبهم بشيء ولا يفهمونه فلا يحفظونه، فيحكونه عنه بخلاف ما قاله من زيادة أو نقصان وينسبونه إليه، فيقولون: قال ابن عباس، قال ابن عباس وهو منه بريء. وفي هذا: حَثٌّ على حسن الأدب، ومخاطبة العلماء ومراجعتهم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي يزيد قال: أخبرني أبي قال: أرسل عمر إلى شيخ من بني زهرة، فجئت معه إلى عمر وهو في الحِجْر، فسأله عن وِلَاد من وِلَاد الجاهلية، فقال الشيخ: أما النطفة فمن فلان، وأما الولد فعلى فراش فلان. فقال عمر: صدقتَ. ولكن رسول الله ﷺ قضى بالولد للفراش، فلما ولَّى الشيخ دعاه عمر فقال: أخبرني عن بناء البيت فقال: إن قريشًا كانت تَقَوِّتْ لبناء البيت فعجزوا، فتركوا بعضها في الحجر. فقال له عمر: صدقت. الولاد: مصدر ولدت تقول: ولدت المرأة ولادا وولادة، وأولدت حان ولادها. والنطفة: القليل من الماء، ولهذا سمى به ماء الرجل. ومعنى هذا الكلام: أن الجاهلية كان لهم نكاح يسمونه نكاح الاستبضاع: كان الرجل يقول لامرأته -إذا طَهُرَت من طمثها-: أرسلي إلى فلان فاستبضعي، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي يُسْتَبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك: رغبة

стр. 1563

في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمونه نكاح الاستبضاع، يعني أن امرأته بذلت فرجها لذلك الرجل، والبضع: النكاح. فهذا معنى قوله: "النطفة من فلان، والولد فعلى فراش فلان" يريد بالفراش الزوجة، يعني أنه ولد من زوجته، وإنما سمى الزوجة فراشا: لأن الرجل يفترشها ويطؤها, ولهذا قضى رسول الله ﷺ أن الولد للفراش وألحقه بمن ولد على فراشه، وسيجيء هذا في كتاب النكاح. وقوله: "تقوَّت لبناء البيت" أي أنها حدثت أنفسها بالقوة على بنائه والقدرة عليه. وقوله: "بعضها" إنما أنَّث الضمير ردًا إلى الكعبة فإن البيت هو الكعبة. وهذا الحديث مسوق لبيان أن بعض الكعبة في الحجر. قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: ما حُجِر الحجر فطاف الناس من ورائه إلا إرادة أن يستوعب الناس الطواف بالبيت. قال الشافعي: وسمعت عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون أنه تُرِك من الكعبة في الحجر نحو من ستة أذرع. قال: وأما الشاذروان: فأحسبه مبنيًّا على أساس الكعبة ثم يقتصر بالبنيان على استيظافه. قال: وأما الحجر: فإن قريشًا حين بَنَتِ الكعبة استقصرت عن قواعد إبراهيم فتركت في الحجر أذرعًا من البيت، فهدمه ابن الزبير وابتناه على قواعد إبراهيم، فهدم الحجاج زيادة ابن الزبير التي استوظف بها القواعد، فَهَمَّ بعض الولاة بإعادته وكره ذلك بعض من أشار عليه، وقال: أخاف أن لا يأتي والٍ إلا أحبَّ أن يرى في البيت أثر يُنْسَب إليه، والبيت أجلّ من أن يُطمع فيه، وقد أقره رسول الله ﷺ ثم خلفاؤه من بعده.

стр. 1564

الفصل الثامن في طواف الوداع أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال النبي ﷺ : "لا ينفرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت". أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه رخص للمرأة الحائض. وأخبرنا الشافعي: عن ابن عيينة، عن سليمان الأحول: وهو سليمان بن أبي مسلم -خال ابن أبي نجيح وكان ثقة-، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون لكل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأما البخاري (١): فأخرجه عن مُسَدّد، عن سفيان، عن ابن طاوس. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن سعيد بن منصور وزهير بن حرب، عن سفيان، عن سليمان قال: في كل وجه، قال: وقال زهير: ينصرفون (٣) من كل وجه. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن نصر بن علي، عن سفيان، عن سليمان. وقال: حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت. قوله: "ينصرفون من كل وجه" يريد: يرحلون عن مكة من كل وجه

стр. 1565

يكونون نازلين فيها. وقوله: "في كل وجه" يريد: يذهبون في كل جهة يختارون من الطرق، فأما حذفه فإنما حذفها وهي مرادة، تقول: ذهب كل مذهب، أي في كل مذهب. وقوله: "لا ينفرن" أي لا يرحل أحد عن مكة، ومنه: نفر عن منى، ويوم النفر الأول، ويوم النفر الثاني. وقوله: "حتى يكون آخر عهده بالبيت" أي حتى يودِّعه ويطوف طواف الوداع، وقد صرح به أبو داود في روايته والباء في قوله: "بالبيت" متعلقة بمحذوف تقديره: واقعة وما جرى مجراه حتى يكون الجار والمجرور وما عمل فيه خبر كان، واسمها قوله: "آخر عهده" ولا يجوز أن تكون متعلقة بعهده لأنه تبقى كان بغير خبر. والذي ذهب إليه الشافعي: أن طواف الوداع إنما هو على [غير] (١) المكي إذا أراد الرجوع إلى أهله، لأن الوداع على من يفارق لا من يقيم. وهذا الطواف قد اختلف فيه قول الشافعي، فقال في القديم والأم: هو نُسُك يجب بتركه الدم. وبه قال أبو حنيفة وأحمد والفقهاء. وقال في الإملاء: لا يجب بتركه شيء. فلا يكون على هذا واجبًا مع الأمرين فإنه يسقط بالعذر، وقد نص عليه حيث قال: رخص فيه عن الحائض وخفّف عن الحائض، وحديث صفية -زوج النبي ﷺ مشهور. وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم. ورُوي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر أنهم أمروا بمقام المرأة الحائض لطواف الوداع.

стр. 1566

قال ابن المنذر: وقد روينا عن ابن عمر وزيد بن ثابت أنهما رجعا عن ذلك. فإن حاضت قبل طواف الإفاضة، أقامت حتى تَطْهُر وتطوف، ثم إذا طاف المودِّع وخرج من غير لبث فقد حصل الوداع، فإن أقام بعد ذلك على زيارة صديق أو شرى متاع أو ما أشبه ذلك، فإنه يعود ولا يجزئه الأول، فإن قضى حاجة في طريقه لم يؤثر وداعه. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يُعتَّدُّ الوداع ولو أقام شهرًا أو شهرين أو أكثر. وقال مالك: لا بأس أن يشتري لفقد جهازه ومتاعه بعد الوداع. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لا يصدرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت". هذا حديث صحيح، أخرجه مالك بالإسناد واللفظ (١). صدر يصدر: إذا رجع، والاسم الصدر -بفتح الدال- من صدر عن الماء وعن الشيء والقول مصدر. النسك في الرجل العبادة، والناسك: العابد، قصد بالنسك ها هنا: جميع أفعال الحاج التي يبتغي الحاج بها ويتقرب إلى الله بعملها. وقوله: بأن آخر النسك الطواف بالبيت، فعليك بجعله آخر العهد بالبيت، لأنه يريد أن يجعل آخر عهده معطوفًا لآخر عبادته ومنتهى أعماله، فإن أول أعمال الحج الإحرام وآخرها طواف الوداع، وإذا فارق الحاج البيت والحرم وهو متلبس بعبادة؛ كان أبلغ في عبادته وأبهى في طاعته. وقد أخرج الشافعي هذا الحديث بهذه الطريق في كتاب "اختلافه مع مالك" (٢) وزاد قال مالك: وذلك فيما يرى -والله أعلم- لقول الله -عز

стр. 1567

وجل-: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) فمحل الشعائر وانقضاؤها إلى البيت العتيق. والشعائر: جمع شعيرة، وهي معالم الحج وأفعاله ومناسكه. ومحلها: الموضع الذي تحل فيه وتنتهي إليه، بعد أن كانت حرامًا محبوسة عن غيره. وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، "أن عمر بن الخطاب رد رجلاً من مرّ الظهران لم يكن ودّع البيت". قال الشافعي: وفي أمر الرسول ﷺ [الحائض] (٢) أن تنفر قبل [أن] (٣) تطوف طواف الوداع، دلالة على أن ترك طواف الوداع لا يفسد حجًّا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة أنها قالت: "حاضت صفية بعد ما أفاضت، فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ فقال: "أحابستنا هي"؟ فقلت: يا رسول الله، إنها حاضت بعد ما أفاضت، قال: "فلا إذًا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم نحوه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن صفية حاضت يوم النحر، فذكرت حيضها للنبي ﷺ ، فقال: "أحابستنا، فقلت: إنها قد كانت أفاضت ثم حاضت بعد ذلك، قال: "فلننفر إذًا". وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك قال: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة "أن رسول الله ﷺ ذكر صفية بنت حيي، فقيل: إنها قد حاضت، فقال رسول الله ﷺ : "لعلها حابستنا" قيل: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذًا".

стр. 1568

قال مالك: قال هشام: قال عروة: قالت عائشة: ونحن نذكر ذلك فلم يقدم الناس نساءهم إن كان لا ينفعهم ذلك، ولو كان ذلك التي تقول: لأصبح بمنى أكثر من ستة آلاف امراة حائض. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية التي لم يذكر الشافعي لفظها وهي نحو الأولى. وأخرج الرواية الرابعة بإسنادها ولفظها، وقال: إن كان ذلك لا ينفعهن ولو كان الذي يقولون: لأصبح بمنى أكثر من ستة آلاف امرأة حائض كلهن قد أفاضت. وأما البخاري فأخرج الثانية (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وعن (٣) يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة نحو الثالثة. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث، عن الزهري، عن أبي سلمة وعروة، عن عائشة. وعن قتيبة، عن الليث، وزهير بن حرب، عن سفيان ومحمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن أيوب كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. ولهما روايات كثيرة لهذا الحديث، ومن جملة ما فيها أن النبي ﷺ قال:

стр. 1569

"عقرى حلقى ما أراها إلا حابستنا". وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، عن هشام، عن عروة بإسناده ولفظه. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن عبد الرحمن بالإسناد. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة. قوله: "حاضت بعد ما أفاضت" تريد طواف الإفاضة وهو الطواف الواجب الذي هو أحد أركان الحج، وحاضت بعد ما أفاضت من أحسن الكلام وأرشقه: حيث اجتمع في الكلمتين الضاد والتاء بعد الألف. وقوله: "أحابستنا هي" يريد: هل يكون حيضها سببًا لمقامنا بمكة من أجلها؟، لأنها إذا كانت حائضًا فإنها لا تطوف طواف الإفاضة حتى تطهر، لأن الطهارة شرط في الطواف، فاستفهم عن حيضها هل هو مما يمتد إلى يوم الرحيل أم لا؟ ثم قال: "أحابستنا"؟ فقدم الحبس على ضميرها لأن غرضه السؤال عن الحبس نفسه [لا] (٤) عن سببه فلذلك قدمه أهي حابستنا، فأولى حرف الاستفهام ما هو به أعنى، ولذلك جاء في بعض طرقه: "أحابستنا" ولم يقل "هي" اكتفاء بفهم المعنى، فلما عرفته عائشة أنها قد أفاضت وطافت طواف الفرض قال: "لا إذًا" أي لا تحبسنا ولا يضرها ذلك، وقد تقدم إذا وحكمها فيما سبق. وقولها: "فلم يقدّم الناس نساءهم إن كان لا ينفعهم ذلك" تريد أن ناسًا

стр. 1570

قالوا: إن الحائض لا تنفر حتى تودّع البيت، فقالت عائشة -بعد أن ذكرت حديث صفية-: إن كان لا ينفعهم ذلك فلأي غرض يقدّم الناس نساءهم يوم النحر يفيضون، ثم قالت: لو كان ذلك الذي يقولون لأصبح بمنى أكثر من ستة آلاف امرأة حائض كلهن قد أفاضت. تريد: لولا الاكتفاء بطواف الإفاضة للنساء الحائض، لأقام كثير من النساء بعد الإفاضة؛ ينتظرن الطهر ليطفن طواف الوداع. وفي رواية الشافعي "ينفعهم" وفي إحدى روايات الموطأ "ينفعهن"، والشافعي: رد الضمير إلى الناس يقدّمون نساءهم، ومالك: رده إلى النساء. وأما قوله في بعض الروايات: "عقرى حلقى" فإن هاتين اللفظتين يروونها المحدثون هكذا بغير تنوين، وأهل اللغة لا يروونها إلا بتنوين، والمعنى: عقرها الله أي أصابها بالعقر، وحلقى: أصابها بوجع في حلقها، وقيل للمرأة: عقرى حلقى أي مشئومة موذية (١). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة أنها أخبرته أن عائشة كانت إذا حجت معها نساء تخاف أن يحضن، قدّمتهن يوم النحر فأفضن، فإذا حِضْن بعد ذلك لم تنتظر بهن أن يطهرن، فتنفر بهن وهن حُيَّض. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب، عن القاسم بن محمد: أن عائشة كانت تأمر النساء أن يُعَجِّلن الإفاضة مخافة الحيض. هذا حديث صحيح يشرح حديث عائشة الذي تقدم قبله، وهو قولها: فلم يقدّم الناس نساءهم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج،

стр. 1571

عن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: "كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت: أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ قال: نعم قال: ولا تعد بذلك، فقال ابن عباس: أما لا، فسأل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ فرجع زيد بن ثابت وهو يضحك، يقول: ما أراك إلا قد صدقت". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم. أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي النعمان، عن حماد، عن أيوب، عن عكرمة "أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال: فإذا قدمتم المدينة فسألوا، وكان فيمن سألوا أم سليم فذكرت حديث صفية". رواه خالد وقتادة، عن عكرمة. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج بالإسناد واللفظ. إذ: متعلقة بقوله: "كنت". أما لا: أصل هذه الكلمة أن مالاً، المعنى: أن لا يكن هذا فهذا، وما زائدة وقد أمالوا لا إمالة حقيقية والعامة تشبع الكسرة، التقدير: أن لا يلزم ذلك لأمر فافعل كذا، أي: إن لم تقبل فتياي فأسأل فلانة فإن عندها من هذا الحكم علمًا. ويضحك: في موضع الحال من رجع، أي: رجع ضاحكًا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة، عن طاوس قال: "جلست إلى ابن عمر فسمعته يقول: لا

стр. 1572

ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، فقلت له: ما له؟ أما سمع ما سمع أصحابه؟! ثم جلست إليه من العام المقبل فسمعته يقول: زعموا أنه رُخّص للمرأة الحائض". هذا الحديث هكذا رواه الشافعي، وقال (١): كأن ابن عمر -والله أعلم- سمع الأمر بالوداع ولم يسمع الرخصة للحائض فقال به على العام، فلما بلغه الرخصة للحائض ذكرها. وقد أخرج الترمذي معنى هذا الحديث (٢): عن أبي عمار، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت؛ إلا الحُيَّض رَخَّص لهن رسول الله ﷺ ". فالشافعي: جعل الرخصة من رواية ابن عمر عن غيره مطلقًا، لأنه قال: زعموا أنه رخص للمرأة الحائض. والترمذي: جعل الرخصة مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ . وقوله: "أما سمع ما سمع أصحابه" يريد: الرخصة، فإنه أطلق الوداع ولم يذكر الرخصة، فقال طاوس ذلك تعجبًا من سكوته عن ذكر الرخصة، يعني أن غيره من الصحابة سمع الرخصة ورواها. وزعمتُ أزعم زَعمًا وزُعْمًا: قلت: إلا أنه قول يشوبه ظن. ...

стр. 1573

الباب (١) التاسع في الدعاء والذكر عند الطواف أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد -مولى السائب-، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركني بني جُمَح والركن الأسود: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". هذا حديث أخرجه أبو داود (٢): عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج. ركن بني جمح: هو الركن اليماني، وبنوا جمح: بطن من قريش وهو جمح بن عمرو بن هيصص بن كعب بن لؤي بن غالب. والركن الأسود: وهو الذي فيه الحجر الأسود. وقنا: أمر بالوقاية، تقول: وَقَيْتُ فلانًا أقيه وقيًا ووقاية -بالكسر- أي: حفظته من سوء يناله، ووقاه الله: أي حفظه، والوقاء -بالكسر والفتح-: ما وقيت به شيئًا، ويقول في الأمر للمخاطب زيدًا. وهذا الدعاء مما يستحب أن يدعى بين هذين الركنين المذكورين لكل ركن دعاء مخصوص به مسنون له. قال الشافعي: وهذا أحب كلما حاذى به يعني الحجر الأسود أن يكبّر، وأن يقول في رمله: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، ويقول في الأطواف الأربعة: اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال الشافعي: وإن قدر على استلام الحجر الأسود قال: اللهم إيمانًا بك،

стр. 1574

وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباع سنة نبيك محمد ﷺ . قال: وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: أُخبرت أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: يا رسول الله، كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: "قولوا باسم الله، والله أكبر، إيمانًا بالله، وتصديقًا بما جاء به محمد ﷺ . قال الشافعي: ويقول كلما حاذى الركن بعد -الله أكبر، ولا إله إلا الله- وما ذكر الله به وصلى على رسوله فحسن. وأخرج الشافعي في القديم قال: أخبرنا رجل وعبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الطواف بالبيت قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى خلف المقام ركعتين والله أعلم". ***

стр. 1575

الفعل العاشر في السعي بين الصفا والمروة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد الله بن مؤمل العابدي، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة -إحدى نساء بني عبد الدار- قالت: "دخلت مع نسوة من قريش دار أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مِئْزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا، فإن الله -عزو جل- كتب عليكم السعي". روى هذا الحديث: ابن المبارك عن معروف بن مشكان، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، عن نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله ﷺ فذكره. المئزر -بكسر الميم مهموز-: الثوب الذي يأتزر به الإنسان على أسافله. وقوله: "ليدور" تريد لينتقل على رجليه من شدة سعيه حتى تنكشف ساقاه، وربما رأت ركبتيه. واللام في "لأقول" لام تأكيد. والذي ذهب إليه الشافعي: أن السعي بين الصفا والمروة واجب، وهو ركن من أركان الحج والعمرة لا ينوب عنه الدم. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: هو واجب إلا أنه ليس بركن فينوب عنه الدم. وعن أحمد روايتان: أحدهما: مثل قول الشافعي، والأخرى: أنه مستحب وليس بواجب. ويستحب للحاج أنه إذا فرغ من الطواف: أن يخرج من باب الصفا رقى على الصفا حتى يرى الكعبة ثم يستقبلها، ويقول: الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك

стр. 1576

وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق [وعده] (١) ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، فإذا نزل من الصفا: مشى حتى إذا حاذى دون الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد نحوٍ من ستة أذرع، سعى سعيا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد ودار العباس، ثم يترك السعي ويمشي إلى المروة، فإذا بلغها رقى عليها وصنع عليها كما صنع على الصفا، والمستحب له: أن يكون التكبير والتهليل الذي ذكرناه ثلاثًا، ويحسب سعيه من الصفا إلى المروة مرة ومن المروة إلى الصفا مرة. قال الشافعي في القديم (٢): أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله ﷺ حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا فقال: "نبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا. قال: وأخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله" كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاتًا ويقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك". قال: وأخبرنا مالك، عن نافع "أنه سمع ابن عمر وهو على الصفا يدعو ويقول: اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣) وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإِسلام، أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني عليه وأنا مسلم". وقال الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى، حتى إذا انصبت

стр. 1577

قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه". وقال الشافعي: بلغنا أن النبي ( ﷺ ) صعد على الصفا حتى بدا له البيت. وقال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان إذا طاف بين الصفا والمروة، وبدأ بالصفا فرقى عليه حتى يبدوا بالبيت، قال: وإن لم يظهر عليه ولم يكبر ولم يدع ولم يسعَ، فقد ترك فضلاً ولا إعادة عليه ولا فدية عليه. قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: أخبرني من "رأى عثمان بن عفان يقوم في حوض في أسفل الصفا فلا يظهر عليه". وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله " أنه لبى على الصفا في عمرة بعد ما طاف بالبيت". هذا آخر حديث في مسند الشافعي، أخرجه في كتاب اختلاف علي وعبد الله (١) قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا ولا أحد من الناس علمناه، إنما اختلف الناس عندنا:- فمنهم من يقول: يقطع التلبية في العمرة إذا دخل الحرم وهو قول ابن عمر. ومنهم من قال: إذا استلم الركن. وهو قول ابن عباس. وبهذا يقول ويقولون هم أيضًا. فأما بعد الطواف بالبيت فلا يلب أحد. أورده إلزامًا للعراقيين فيما خالفوا فيه ابن مسعود. والله أعلم. ...

стр. 1578

الفصل الحادي عشر في طواف القارن وسعيه أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ مثله. وربما قال: سفيان، عن عطاء، عن عائشة. وربما قال: إن النبي ﷺ قال لعائشة. هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه مالك (١) والبخاري (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) مسندًا عن عائشة، وقد أخرج مسلم هذا الطرف أيضًا مفردًا (٥): عن محمد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة: "أنها أهلّت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، ونسكت المناسك كلها وأهلّت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النحر (٦): "أليس يسعك طوافك لحجك وعمرتك" فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج". وقد أخرج المزني (٧) عن الشافعي هذا الحديث بطوله: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه

стр. 1579

هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل [حتى يحل] (١) منها جميعًا" قالت: فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "انقضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحج ودعي العمرة". قالت: ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم واعتمرت، قال: "هذه مكان عمرتك"، قالت: فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت ويين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى بحجتهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا". قال الشافعي -في القديم-: فهذا يدل على أنه يكفي طواف واحد عن الحج والعمرة، ويدل على أن عائشة لم تخرج من عمرتها، وإنما أدخلت عليها الحج فصارت قارنة. وهذا الذي ذكره الشافعي مصرح في حديث جابر بن عبد الله وقد تقدم فيما سبق. قال الشافعي: فإن ذهب ذاهب إلى أن عائشة اعتمرت من التنعيم بأمر النبي ﷺ ، ولو كانت عمرتها فائتة كان عليها أن تقضيها من حيث أهلت، بها من ذي الحُليفة لا من التنعيم، ولكنها قالت للنبي ﷺ ، حين قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة؛ يكفيك لحجك وعمرتك" إني أجد في نفسي أني لم أطف قبل عرفة، وطاف نساؤك. وأكثرت الترديد عليه، فأمر عبد الرحمن أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم. والذي ذهب إليه الشافعي: أن القارن بين الحج والعمرة يكفيه طواف واحد وسعي واحد. وبه قال ابن عمر وجابر وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومجاهد وطاوس ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور.

стр. 1580

وقال أبو حنيفة: عليه طوافان وسعيان. وبه قال الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود والثوري. وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قرن فطاف بالبيت سبعًا وبين الصفا والمروة سبعًا لم يَزِدْ، ورأى أن ذلك يجزئ عنه. وقال الشافعي في القديم: أخبرنا رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه قال في القارن: "يطوف طوافين ويسعى سعيًا". قال الشافعي: وهذا على معنى قولنا: يعني يطوف حين يقدم بالبيب وبالصفا والمروة ثم يطوف بالبيت للزيارة. قال: وقال بعض الناس في القارن: عليه طوافان وسعيان، واحتج فيه برواية ضعيفة عن علي -كرم الله وجهه- وجعفر يروي عن علي قولنا. والله أعلم.
следующие страницы →