← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق [وعده] (١) ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، فإذا نزل من الصفا: مشى حتى إذا حاذى دون الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد نحوٍ من ستة أذرع، سعى سعيا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد ودار العباس، ثم يترك السعي ويمشي إلى المروة، فإذا بلغها رقى عليها وصنع عليها كما صنع على الصفا، والمستحب له: أن يكون التكبير والتهليل الذي ذكرناه ثلاثًا، ويحسب سعيه من الصفا إلى المروة مرة ومن المروة إلى الصفا مرة. قال الشافعي في القديم (٢): أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله ﷺ حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا فقال: "نبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا. قال: وأخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله" كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاتًا ويقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك". قال: وأخبرنا مالك، عن نافع "أنه سمع ابن عمر وهو على الصفا يدعو ويقول: اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣) وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإِسلام، أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني عليه وأنا مسلم". وقال الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى، حتى إذا انصبت

стр. 1577

قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه". وقال الشافعي: بلغنا أن النبي ( ﷺ ) صعد على الصفا حتى بدا له البيت. وقال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان إذا طاف بين الصفا والمروة، وبدأ بالصفا فرقى عليه حتى يبدوا بالبيت، قال: وإن لم يظهر عليه ولم يكبر ولم يدع ولم يسعَ، فقد ترك فضلاً ولا إعادة عليه ولا فدية عليه. قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: أخبرني من "رأى عثمان بن عفان يقوم في حوض في أسفل الصفا فلا يظهر عليه". وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله " أنه لبى على الصفا في عمرة بعد ما طاف بالبيت". هذا آخر حديث في مسند الشافعي، أخرجه في كتاب اختلاف علي وعبد الله (١) قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا ولا أحد من الناس علمناه، إنما اختلف الناس عندنا:- فمنهم من يقول: يقطع التلبية في العمرة إذا دخل الحرم وهو قول ابن عمر. ومنهم من قال: إذا استلم الركن. وهو قول ابن عباس. وبهذا يقول ويقولون هم أيضًا. فأما بعد الطواف بالبيت فلا يلب أحد. أورده إلزامًا للعراقيين فيما خالفوا فيه ابن مسعود. والله أعلم. ...

стр. 1578

الفصل الحادي عشر في طواف القارن وسعيه أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ مثله. وربما قال: سفيان، عن عطاء، عن عائشة. وربما قال: إن النبي ﷺ قال لعائشة. هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه مالك (١) والبخاري (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) مسندًا عن عائشة، وقد أخرج مسلم هذا الطرف أيضًا مفردًا (٥): عن محمد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة: "أنها أهلّت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، ونسكت المناسك كلها وأهلّت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النحر (٦): "أليس يسعك طوافك لحجك وعمرتك" فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج". وقد أخرج المزني (٧) عن الشافعي هذا الحديث بطوله: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه

стр. 1579

هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل [حتى يحل] (١) منها جميعًا" قالت: فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "انقضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحج ودعي العمرة". قالت: ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم واعتمرت، قال: "هذه مكان عمرتك"، قالت: فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت ويين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى بحجتهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا". قال الشافعي -في القديم-: فهذا يدل على أنه يكفي طواف واحد عن الحج والعمرة، ويدل على أن عائشة لم تخرج من عمرتها، وإنما أدخلت عليها الحج فصارت قارنة. وهذا الذي ذكره الشافعي مصرح في حديث جابر بن عبد الله وقد تقدم فيما سبق. قال الشافعي: فإن ذهب ذاهب إلى أن عائشة اعتمرت من التنعيم بأمر النبي ﷺ ، ولو كانت عمرتها فائتة كان عليها أن تقضيها من حيث أهلت، بها من ذي الحُليفة لا من التنعيم، ولكنها قالت للنبي ﷺ ، حين قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة؛ يكفيك لحجك وعمرتك" إني أجد في نفسي أني لم أطف قبل عرفة، وطاف نساؤك. وأكثرت الترديد عليه، فأمر عبد الرحمن أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم. والذي ذهب إليه الشافعي: أن القارن بين الحج والعمرة يكفيه طواف واحد وسعي واحد. وبه قال ابن عمر وجابر وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومجاهد وطاوس ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور.

стр. 1580

وقال أبو حنيفة: عليه طوافان وسعيان. وبه قال الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود والثوري. وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قرن فطاف بالبيت سبعًا وبين الصفا والمروة سبعًا لم يَزِدْ، ورأى أن ذلك يجزئ عنه. وقال الشافعي في القديم: أخبرنا رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه قال في القارن: "يطوف طوافين ويسعى سعيًا". قال الشافعي: وهذا على معنى قولنا: يعني يطوف حين يقدم بالبيب وبالصفا والمروة ثم يطوف بالبيت للزيارة. قال: وقال بعض الناس في القارن: عليه طوافان وسعيان، واحتج فيه برواية ضعيفة عن علي -كرم الله وجهه- وجعفر يروي عن علي قولنا. والله أعلم.

стр. 1581

الفصل الثاني عشر في دخول البيت أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة ومعه بلال وأسامة وعثمان بن طلحة، قال ابن عمر: فسألت بلالًا ما صنع رسول الله ﷺ ؟ فقال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلى قال: وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة كلهم (١)، وقد تقدم ذكر طرقهم، إخراجه في كتاب الصلاة فلم نُعِدْها. قال البيهقي -في روايته لهذا الحديث-: جعل عمودًا عن يمينه وعمودين عن يساره ثم قال: هكذا قاله يحيى بن يحيى: عمودين عن يساره. والذي رواه الشافعي في كتاب الصلاة: عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه كما ذكرناه، ولذلك قاله عبد الله بن يوسف وغيره. ورواه عبد الرحمن بن مهدي: عن مالك وقال: عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وكذلك قاله ابن أبي أويس ويحيى بن بكير، واختلف فيه عن القعنبي. قال الشافعي: وأستحب دخوله إن [كان] (٢) لا يؤدي أحدًا بدخوله لأنه يروي أن من دخله دخل في حسنة، وخرج من سيئة وخرج مغفورًا له، وأن رسول الله ﷺ دخله.

стр. 1582

الباب السادس في الوقوف بعرفة ومزدلفة والإفاضة منهما وفيه أربعة فصول:- الفصل الأول في الخروج إلى عرفات أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي يحيى، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الحسن بن مسلم بن يناق قال: "وافق يوم الجمعة يوم التروية في زمان النبي ﷺ ، فوقف رسول الله ﷺ بفناء الكعبة، فأمر الناس أن يروحوا إلى منى، وراح فصلى بمنى الظهر". هذا الحديث مسوق لبيان: وقت خروج الخارج من مكة إلى عرفات للوقف بها. قال الشافعي: ويخطب الإِمام اليوم السابع من ذي الحجة بعد الظهر بمكة، ويأمرهم بالغدو من الغد إلى منى ليوفق الظهر بها، فإذا أصبحوا اليوم الثامن -وهو يوم التروية- والتروية: تفعلة من الري وقد تقدم بيان ذلك -فحينئذ يسيرون إلى منى فيصلونها قبل الظهر، فيصلّون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيتون بها يصلون الصبح من اليوم التاسع، ويقيمون حتى تطلع الشمس، والمبيت في هذه الليلة للاستراحة وليس بنسك ولا يجب بتركه شيء، فإن وافق يوم السابع يوم الجمعة خطب الجمعة وصلى ثم خطب بعد الصلاة لما ذكرناه، وإن وافق يومُ التروية يومَ الجمعة أمرهم أن يخرجوا قبل طلوع الفجر، لأن الفجر إذا طلع لم يَجُز الخروج إلى سفر حتى يصلى على أحد القولين. وقال الشافعي: ولا يصلّون الجمعة بمنى ولا بعرفات. إلا أن لفظ هذا الحديث موهِم، فإنه قال: وافق يومُ الجمعة يومَ التروية،

стр. 1583

فوقف رسول الله ﷺ بفناء الكعبة فأمر الناس أن يرحوا إلى منى وظاهر هذا اللفظ أن قوله: قد كان للناس في يوم التروية وهو الثامن، وعلى سياق ما حكيناه من المذهب يحتاج أن يكون القول لهم في السابع لا الثامن، وأن يكون مسيره إلى منى قبل طلوع الفجر، لأن اليوم الثامن كان يوم جمعة حتى يصحّ القول على ما ذكرناه. ووجه تصحيح ذلك: أن قوله: وافق الجمعة يوم التروية يريد: أن تلك السنة كان كذلك وهذا قد يعلم قبل اليوم الثامن، فإنه إذا عرف أول ذي الحجة عرف اليوم الثامن أيّ يوم هو، ويكون قوله: فوقف رسول الله ﷺ بفناء الكعبة، وقوله للناس في اليوم السابع لا في اليوم الثامن، وتكون الفاء في قوله: "فوقف" فاء التعقيب لا على وجود موافقة التروية للجمعة، بل على تقدير وجودها ووقوعها، أي أنه لما كان قد عرف وعلم أن يوم التروية موافق يوم الجمعة، وقف بفناء الكعبة فأعلمهم ذلك ثم إنه راح فصلى بمنى الظهر [-] (١) يريد أنه لم يصلّ. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني من رأى ابن عباس يأتي يوم عرفة بسحر. قوله: "بسحر" يريد بسحر: اليوم التاسع. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الرواح من منى إلى عرفات عند طلوع الشمس، فكان ابن عباس يأتيها بسحر ذلك اليوم تقديمًا في الوقت، لأن زمان الوقوف مختلف في أوله كما سيجيء بيانه، فيكون ابن عباس قد احتاط بدخوله في أول الوقت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يغدو من منى إلى عرفات إذا طلعت الشمس.

стр. 1584

هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه الشافعي أيضاً بالإسناد أن ابن عمر كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو من منى إذا طلعت الشمس إلى عرفة. قال الشافعي: وراح رسول الله ﷺ يوم التروية بعد الزوال فأتى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ثم غدا إلى عرفة، فقائل يقول: حين طلعت الشمس على ثبير، وقائل يقول: حين أسفر. ***

стр. 1585

الفصل الثاني في الوقوف بعرفة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن خالٍ له -إن شاء الله- يقال له: يزيد بن شيبان قال: "كنا في موقف لنا بعرفة يباعده عمرو من موقف الإِمام جدا، فأتانا ابن مربع الأنصاري، فقال له: إني رسول رسول الله إليكم، يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث أبيكم إبراهيم ﷺ ". حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. فأما أبو داود (١): فأخرجه عن ابن نفيل، عن سفيان، عن عمرو بن دينار. وأما الترمذي (٢) والنسائي (٣): فأخرجاه عن قتيبة، عن سفيان. وفي الباب: عن علي وعائشة وجبير بن مطعم والشريد بن سويد الثقفي. الموقف: يريد به مكانًا من أرض عرفة كان معروفًا بهم، وذلك أن كل قبيل من العرب كان لهم منزل بعرفة، وموضع يقفون فيه. وقوله: "يباعده عمرو" أي يذكر أنه بعيد من موقف الإِمام جدًا يعني كثيرًا وحقيقة في البعد ليس من قبيل المقاربة والمنزل. والمشاعر: جمع مَشْعَر وهو موضع النسك من مناسك الحج كالوقوف والطواف والحلق والرمي ونحو ذلك، وهي الشعائر أيضًا، واحدها: شعيرة، وقيل: شعارة، وكل ما جعل علمًا لطاعة الله. وقوله: "فإنكم علي إرث من إرث أبيكم إبراهيم" يريد أن هذه المشاعر

стр. 1586

ترثونها من أبيكم إبراهيم، وإنما قال: أبيكم إبراهيم لأمرين:- أحدهما: أن كثيرًا من الناس يزعمون أن إسماعيل بن إبراهيم أبو جميع العرب، فيكون هذا الخطاب على هذا القول صادرًا على جهة الصحة والتحقيق. والأمر الثاني: أنه لما كان العرب الذين بالحجاز ونجد وتهامة وما يليها من البلاد، وعلى الخصوص أهل الحرمين وقطان مكة من أولاد إسماعيل حقيقة، وكانوا أخص بخطابه من غيرهم، قال: "أبيكم إبراهيم" فخاطب من كان منهم من أبناء إسماعيل، واندرج غيرهم في الخطاب ضمنًا وتبعًا. ومساق هذا الحديث: هو لبيان أن الموقف بعرفة لا بعدها، وأن كل موضع منها موقف، وهو مما يسند القول الثاني وأن الخطاب كان لقريش ومن دان بدينها خاصة، ودخل غيرهم فيه عامًا، وذلك أن قريشا ومن دان بدينها من العرب كانوا يقفون بمزدلفة ولا يخرجون إلى عرفات، ويقولون: نحن قطين الله يعنون سكان بيته ولا نخرج من حرمه، وكانت العرب غيرهم يقفون بعرفات، فلما حج النبي ﷺ ظنوا أنه يقف بمزدلفة جريًا على عادة قريش فجازها إلى عرفات، ثم قال للناس: قفوا على مشاعركم هذه، وأعلمهم أن إبراهيم ﵇ كان يقف بها وأنكم ورّاثه لأنكم أبناؤه. وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "ذهبت أطلب بعيرًا أي يوم عرفة، فخرجت فإذا النبي ﷺ بعرفة مع الناس، فقلت: إن هذا من الحمس فما له خرج من الحرم -يعني بالحمس: قريشًا- وكانت قريش تقف بالمزدلفة وتقول: نحن الحمس لا نجاوز الحرم".

стр. 1587

هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "من أدرك ليلة النحر من الحاج فوقف بجبال عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة فيقف بها قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعًا، ويطوف بين الصفا والمروة سبعًا ثم ليحلق أو ليقصر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبل أن يحلق، وإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو ليقصر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدرك الحج قابل فليحجج إن استطاع وليهد، فإن لم يجد هديًا: فليصم عنه ثلاثه أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". وهذا حديث صحيح، أخرج مالك طرفًا (٤) من أوله عن نافع "أن ابن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة، من قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج". قوله: "ليلة النحر" يريد به: ليلة اليوم الذي ينحر فيه الضحايا والهدايا وهو يوم العيد وعرفة فيه نظر. قال الجوهري: تقول: هذا يوم عرفة غير منون ولا يدخله الألف واللام، وعرفات: موضع معروف وهو اسم بلفظ الجمع ولا يجمع. قال الفراء: ولا واحد له بصحة، وقول الناس: نزلنا عرفة. شبيه بمولَّد وليس بعربي محض. وعرفات معرفة وإن كان جمعًا، لأن الأماكن لا تزول فصار كالشيء

стр. 1588

الواحد، خالف الزيدين، وإنما صرفت لأن التاء صارت بمنزلة الياء والواو والتي في مسلمين ومسلمون فصار التنوين بمنزلة النون، فلما سمي به فدل على حالة كما ترك مسلمون إذا سمي به على [حاله] (١). قال الزجاج: عرفات: اسم لمكان واحد ولفظه لفظ جمع، التعريف: الوقوف بعرفات، يقال: عرف الناس إذا شهدوا عرفات وهو المعرف للموقف. والذي قاله الجوهري: أن قول الناس: نزلنا عرفة. شبيه بالمولد وليس بعربي محض، فيه نظر. قال الشافعي: -قال في الحديث فيما رواه عن لفظ ابن عمر-: ويخالف ذلك لأنه قال: فوقف بجبال عرفة. وفي الحديث الصحيح: قوله ﷺ : "الحج عرفة"، وقال: "كل عرفة موقف" وغير ذلك من الأحاديث. وقوله: "فقد أدرك الحج" يريد: أن الوقوف هو أعظم أعمال الحج وأشرفها، فمن أدركه فقد أدرك الحج أي معظمه، ولأن الوقوف بعرفة ضيق الوقت، فإذا فات الإنسان فقد فاته الحج في تلك السنة، بخلاف الطواف والسعي فإن وقتهما واسع. وقوله: "فليأت البيت وليطف به وبالصفا والمروة" يريد أنه يتحلل بعمرة، فإن كان معه هدي نحوه قبل الحلق والتقصير وإلا حلق أو قصر. ومزدلفة: موضع بين منى وعرفات وبه يبيت الحاج ليلة النحر، وهو بكسر اللام من الازدلاف والتقدم إلى الشيء، وهي اسم علم لموضع مخصوص وأسماء الأعلام لا يدخلها الألف واللام إلا على وجه مخصوص، وقد جاءت في رواية مالك بالألف واللام وفيه نظر. وقوله: "فليصم عنه" أي عن الهدي يريد بموضعه.

стр. 1589

والذي ذهب إليه الشافعي: أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح إلا به، وهذا إجماع لا خلاف فيه بين المسلمين. وأما وقته: فهو من زوال الشمس في يوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر، هذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا أحمد قال: وقت من طلوع الفجر في اليوم التاسع إلى طلوع فجر اليوم العاشر. وقال مالك: من أفاض من عرفات قبل غروب الشمس من اليوم التاسع، فقد فاته الحج وعليه حج قابل وهدي. فأما إذا فاته الوقوف بانقضاء زمانه: فقد فاته الحج ويتحلل بأعمال العمرة: من طواف، وسعي وحلاقة، ويسقط عنه الرمي وعليه الهدي ولا ينقلب إحرامه عمرة. وروي ذلك عن عمر وابن عمر، وذهب إليه مالك، وبه قال أبو حنيفه ومحمد، إلا في الهدي فإنهما لم يوجباه. وقال أبو يوسف وأحمد: إحرامه عمره ويتحلل بها. وقال المزني: يأتي بجميع ما يدركه من أعمال الحج كالرمي والمبيت بمنى ولا يسقط منها شيء، وعليه الحج من قابل إن استطاع، ويجب عليه الهدي. وقد اختلف أصحاب الشافعي في الهدي الواجب بالفوات:- فمنهم من قال:- يجب في الأولى التي فاتته. ومنهم من قال:- يجب في سنة القضاء. فإن لم يجد هديًا صام بدله ثلاثة أيام في الحج -أي في مدة أيام الحج، وآخرها آخر التشريق- وسبعة إذا فرغ من أعمال الحج، والأول أوجه. قال الشافعي: وقف رسول الله ﷺ بعرفة على ناقته، فأحب لمن كان راكبًا أن يقف راكبًا، ولمن كان بالأرض أن يقف على الأرض قائمًا، ويروح إلى الموقف عند موقف الإِمام عند الصخرات، ثم يستقبل القبلة فيدعو حتى الليل،

стр. 1590

وحيثما وقف الناس بعرفة أجزأهم، لأن النبي ﷺ قال: "هذا الموقف وكل عرفة موقف". قال: وترك صوم يوم عرفة للحاج أحب إليَّ من صومه، لأن رسول الله ﷺ ترك صوم يوم عرفة، والخير في كل ما صنع رسول الله ﷺ ، ولأن المفطر أقوى على الدعاء من الصائم، وأفضل الدعاء يوم عرفة. وأخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أخبرني سليمان بن يسار أن أبا أيوب خرج حاجًّا إذ كان بالنازية -من طريق مكة- أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال: اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركت الحج قابل حج واهد ما استيسر من الهدي. هذا حديث أخرجه مالك بالإسناد واللفظ (١). والنازية -بالنون والزاي والياء تحتها نقطان- موضع قريب من مكة. وضل شيء يضل ضلالا: ضاع وهلك، وضل عن القصد والطريق: إذا أخطأه فأضل غيره يضله، والضالة من البهائم: الشاردة عن صاحبها. والرواحل: جمع راحلة وهو البعير القوي على الأحمال والأسفار. وقد تقدم القول في حكم هذا الحديث، والمراد منه: الاستدلال على حكم من فاته الحج. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن سليمان ابن يسار أن هبار بن الأسود جاء وعمر ينحر بكرة. هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه مالك بطوله (٢): أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال يا أمير المؤمنين، أخطأنا العدة كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة؟ فقال له عمر: اذهب إلى مكة وطف أنت ومن

стр. 1591

معك وانحروا هديًا إن كان معك، ثم احلقوا أو قصروا وارجعوا، فإذا كان عامًا قابلًا فحجوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. البكر من الإبل: الفتى، والأنثى بكرة، والجمع بكار. وقال أبو عبيد: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس والبكرة بمنزلة الفتاة. وقوله: "أخطأنا العدة" يريد عدد الأيام حتى كانت الوقوف بعرفة. وهذا الحديث مسوق: لبيان أن من فاته الحج بالخطأ في العدد فحكمه حكم من أخطأ الطريق. قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ، وفي حديث يحيى عن سليمان دلالة عن عمر أنه يعمل عمل معتمر لا أن إحرامه عمرة. قال الشافعي: وخالفنا بعض الناس فقال: لا هدي عليه وروى فيه حديثًا عن عمر أنه لم يذكر فيه أمره بالهدي، قال: وسألت زيد بن ثابت بعد ذلك بعشرين سنه فقال كما قال عمر. قال الشافعي: فقلت: روينا عن عمر مثل قولنا في أمره بالهدي، وحديثك يوافق حديثنا عن عمر وحديثنا يزيد على الهدي، والذي يزيد في الحديث أولى بالحفظ من الذي لم يأت بالزيادة. قال: وروينا عن ابن عمر كما قلناه متصلاً. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: والذي قلت بعرفة من أذان وإقامتين شيء آخر، أخبرنا ابن أبي يحيى عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ هكذا جاء المسند في كتاب "مختصر الحج الأكبر" ذكر الإسناد ولم يذكر المتن، وهو إشارة إلى طرف من حديث طويل يتضمن ذكر حجة الوداع، وذلك الطرف قد أخرجه الشافعي بهذا الإسناد في خطبة يوم عرفة. قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله في حجة الإِسلام قال: فراح النبي ﷺ إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن

стр. 1592

بلال، ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال البيهقي: هذا التفصيل في ابتداء بلال في الأذان، وأخذ النبي ﷺ في الخطة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، مما تفرد به ابن أبي يحيى، ومعناه موجود في الحديث الثابت عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر فإنه ذكر في حديثه ركوب النبي ﷺ بعدما زاغت الشمس وخطبته، قال: ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا. وقد أخرج الشافعي: عن داود بن عبد الرحمن العطار، عن ابن جريج أن ابن هشام جهر بالقراءة بعرفة، فسبح به سالم بن عبد الله فسكت. وقد أخرج الشافعي ﵁ في سنن حرملة (١): عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري قال: سمعت بكير بن عطاء الليثي يقول: سمعت عبد الرحمن بن يعمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحج عرفات، من أدرك عرفات قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاث من تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى". قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري: ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف من هذا. قال الشافعي: ويجوز الحج إذا وقف بعرفة على الرؤية، وإن علموا بعد الوقوف بعرفة أن يوم عرفة هو النحر. أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال قلت لعطاء: رجل حج أول ما حج فأخطأ الناس بيوم عرفة، أيجزئ عنه؟ قال: نعم. إي لعمري إنها لتجزي عنه.

стр. 1593

قال الشافعي: وأحسبه قال: قال النبي ﷺ : "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" وأراه قال: "وعرفة يوم تعرفون". قال البيهقي: قد رويناه عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد عن النبي ﷺ مرسلاً يوم عرفة اليوم الذي يعرف فيه الناس. وأما قوله: "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" فقد تقدم مرفوعًا إلى النبي ﷺ في كتاب الصوم. ***

стр. 1594

الفصل الثالث في الإفاضة منها أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة، حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، حتى تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدُينا مخالف لهدي الأوثان والشرك". قوله: "كأنها عمائم الرجال في وجوههم" وذلك أنهم إذا دفعوا من عرفة إلى مزدلفة آخر النهار قبل أن تغيب الشمس كانت حينئذ في وجوههم، لأنهم يتوجهون من عرفة إلى مزدلفة مغربين، وتشبيهه بعمائم الرجال لأن الشمس إذا دنت من الغروب احمرت لقربها من الأرض، فتبقى في وجوههم ظاهرة الاستدارة لقلة شعاعها كأنها عمامة مستديرة. ويجوز أن يكون أراد بتشبيه العمائم: أنها إذا طلعت وإذا غربت تكون على رؤس الجبال فتبين رؤس الجبال في حالتي الطلوع والغروب؛ كأنها عمائم الرجال، ثم قال رسول الله ﷺ : "إنا لا ندفع إلا بعد الغروب من عرفة، وقبل الطلوع من مزدلفة، مخالفة لما كانت عليه الجاهلية. والهدي: السيرة والطريقة". وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن

стр. 1595

أبيه قال: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، [ويقولون] (١): "أشرق ثبير كيما نغير، فأخر الله هذه وقدم هذه". هكذا أخرج هذا الحديث والذي قبله في كتاب الحج من الأمالي، وأخرجها في كتاب "الحج الأكبر" بهذين الإسنادين حديثًا واحدًا، وقال فيه: وزاد أحدهما على الآخر واجتمعا في المعنى، وذكر ما سبق وقال فيه: أبرق ثبير. وقوله: "أشرق ثبير" جبل بمنى ومزدلفة، وهو منادى قد حذف منه حرف النداء، التقدير: يا ثبير أشرق، أي ادخل في الشروق: وهو نور الشمس، لأنهم كانوا لا يفيضون منها إلا بعد طلوع الشمس على الجبال، يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وطلعت. وقوله في الرواية الأخرى: "أبرق ثبير" فهو من البرق. تقول: برق البرق وأبرق: إذا لمع نوره. وقوله: "كيما نغير" أي ندفع للنحر، يقال: أغار يغير إغارة: إذا أسرع ودفع في غدوه. وقوله: "فأخر الله هذه" يريد الدفع والإفاضة من عرفة آخره إلى أن تغيب الشمس. وقوله: "قدم هذه" يعني: الدفع والإفاضة من مزدلفة، قدمه قبل طلوع الشمس. وهذان الحديثان عن ابن خزيمة وطاوس مرسلان، وقد روى البخاري (٢) هذا المعنى عن عمر بن الخطاب من رواية حجاج بن منهال، عن شعبة.

стр. 1596

وفي أخرى: عن عمرو بن ميمون، عن عمر موقوفًا، ثم قال: وخالفهم النبي ﷺ فأفاض قبل طلوع الشمس. وأخرج هذا المعني أيضًا: أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣). وقد أخرج المزني (٤): عن الشافعي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه سأل أسامة بن زيد -وأنا جالس معه- "كيف كان يسير رسول الله ﷺ في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نص قال: والنص فوق العنق وهما ضربان سريعان من سير الإبل. وأخرجه أيضًا: عن الشافعي، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن أسامة وكان رديف رسول الله ﷺ من عرفة حتى أتى مزدلفة وفيه "فرجة". بدل فجوة. قال الشافعي: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة، فلما افترقت له الطريقان: طريق ضب وطريق المأزمين، سلك طريق المأزمين وهي التي أحب أن يسلك الحاج وهي طريق الأئمة منذ كانوا. وقد أخرج المزني أيضًا: عن الشافعي، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب -مولى ابن عباس- أنه سمع أسامة بن زيد يقول: "دفع رسول الله ﷺ من عرفة. حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فلم يسبغ وضوءه، فقلت له: الصلاة، فقال: "الصلاة أمامك" فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل أناس (٥) بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئًا". هذان حديثان صحيحان أخرجهما البخاري (٦) ومسلم (٧).

стр. 1597

الفصل الرابع في مزدلفة والإفاضة منها أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن مربوع، عن جويبر بن حويرث قال: "رأيت أبا بكر الصديق واقفا على قزح وهو يقول: أيها الناس اسفروا (١)، ثم دفع فكأني انظر فخذه مما يحرش بعيره بمحجنه". هذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "الحج" من الأمالي، وعاد ذكره في كتاب الحج الأكبر (٢) عقيب إسناد حديث، وذلك أنه قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. ولم يذكر لهذا إسناد متن حديث، ثم قال: وأخبرنا سفيان، عن محمد بن المنكدر. وذكر هذا الحديث. قال البيهقي: هكذا جمع بين هذين الإسنادين في المختصر الكبير، وذلك يوهم أن يكون جابر روى عن أبي بكر الصديق مثل ما روى ابن الحويرث عنه. قال: وعندي أنه ذكر إسناد حديث جابر، فلعله شك في شيء من متن حديثه وتركه وصار إلى حديث أبي بكر، على أن لجابر رواية في قصة دفع النبي ﷺ من مزدلفة، حين أسفر جدًا قبل أن تطلع الشمس، ويشبه أن يكون حديث أبي الزبير عن جابر في إفاضة النبي ﷺ ، وعليه السكينة وأمره بها أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف وإيضاعه في وادي محسر. والله أعلم. والإسفار: الإضاعة وانتشار ضوء النهار. قزح: جبل مزدلفة وهو المشعر الحرام.

стр. 1598

والحرش: النخس والحرش، تقول: حرشه وخرشه -بالخاء والحاء- إذا خدشته. قال الأزهري: حرشت جرب البعير حرشا، وخرشته خرشًا إذا حككته حتى تنقشر الجلد الأعلى فيدمي ثم يطلى حينئذ بالهناء، فشبه نخس البعير بالمحجن بذلك. والمحجن: عصا أحد رأسيها كالصولجان. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحاج يبيت بمزدلفة ويصلي الصبح يوم العيد بها في أول الوقت جدًّا، ثم يدخل ويقف على قزح حتى يسفر قبل أن تطلع الشمس، ثم يدفع إلى منى قبل طلوعها. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: دفع رسول الله ﷺ من المزدلفة فلم ترفع ناقته يدها واضعة حتى رمى الجمرة. قوله: "واضعة" اسم فاعل من وضعت الناقة تضع وضعا فهي واضعة: إذا سارت سيرًا سريعًا، والمعنى: أنه لما دفع من المزدلفة لم يزل السير على مهل؛ ولم يحرك ناقته ولا أوضعها إلى أن رمى الجمرة. وهذا الحديث عن طاوس وإن كان مرسلاً، فإنه ذهاب منه إلى إنكار الإيضاع في هذا المكان، وكذلك روي عن عبد الله والفضل ابني العباس، وعن عطاء، وكذلك قال الشافعي في الإملاء: ولا أكره للرجل أن يحرك راحلته في بطن محسر. وقال في المختصر الكبير: وأحب إلي أن يحرك في بطن محسر قدر رميه بحجر. والمذهب فيه أنه من مزدلفة بسكون وتؤدة، فإذا بلغ وادي محسر إن كان ماشيًا أسرع، وإن كان راكبًا حرك دابته. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة: ابن أبي يحيى أو سفيان أو

стр. 1599

هما، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عمر كان يحرك في بطن محسر، ويقول: إليك تعدوا قلقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها القلق: الذي لا يثبت ولا يستقر. والواضين: حزام الرحل. وهذا الحديث أخرجه الشافعي: مستدلًا به على الإيضاع في وادي محسِّر عند الإفاضة من مزدلفة إلى منى. قال الشافعي: وروي عن عائشة أنها كانت تأمر فيضرب بها وادي محسر، وقد روي ذلك عن عمر وعلي وجابر وابن عمر وابن مسعود والحسن بن علي ﵁. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، أنه سمع عبيد الله بن أبي يزيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: "كنت فيمن قدم رسول الله ﷺ من ضعفة أهله من المزدلفة إلى منى. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (١): فأخرجه عن علي، عن سفيان بالإسناد. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن [حماد] (٤) بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس.

стр. 1600

وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن سفيان. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أشهب، عن داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. يريد بضعفة أهله: النساء والمرضى والمعذورين، لأن المبيت بمزدلفة ليلة العيد نسك من مناسك الحج وليس بركن. ويحكى عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: هو ركن. فإن لم يبت بها أو دفع منها قبل نصف الليل ففي وجوب الدم قولان:- أحدهما: يجب. وبه قال مالك وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والثاني: لا يجب. وهو الرواية الأخرى عن أحمد. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن فيها بعد طلوع الفجر وجب عليه الدم، إلا أن يكون له عذر، وإذا كان فيها بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فلا شيء عليه. وأخبرنا الشافعي ﵁ عن داود بن عبد الرحمن العطار وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر، فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح وكان يومها وأحب أن توافقه". وفي رواية: "أن يوافيه" وأخبرنا الشافعي قال: أخبرني من أثق به من المشرقيين عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة عن النبي ﷺ مثله. هذا الحديث استدل به الشافعي: على جواز الإفاضة من جمع -وهي مزدلفة- بليل قبل طلوع الفجر. مؤكدًا لما سبق وتحقيقًا لما ذهب إليه، فإن

стр. 1601

قوله: "حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح" صريح في جواز الإفاضة منها بليل. وقوله: "كان يومها" يريد: اليوم الذي يكون فيه عندها، وهذا معنى قوله -في أول الحديث-: "دار إلى أم سلمة" أي وصل في دوره على نسائه إليها. وفي رواية "حتى توافيه" من الموافاة والمصادفة، ويشبه أن يكون أمرها بذلك لتستتر في ظلمة الليل إلى مكة، فتصلي بها الصبح فلا يراها أحد. قال الشافعي: فدل على أن خروجها بعد نصف الليل وقبل الفجر، أن رميها كان قبل الفجر، لأنها لا تصلي الصبح بمكة إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة. وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم ابن شوال، عن أم حبيبة قالت: "كنا نغلس من جمع إلى منى على عهد رسول الله ﷺ ". ***

стр. 1602

الباب السابع في رمي الجمار أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر "أنه رأى رسول الله ﷺ رمى الجمار مثل حصى الخذف". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي والنسائي. أما مسلم (١): فأخرجه عن محمد بن حاتم وعبد بن حميد، عن محمد بن بكر (٢)، عن ابن جريج. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن [ابن] (٤) جريج. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن محمد بن آدم، عن عبد الرحيم، عن عبيد الله ابن عمر، عن أبي الزبير. وكلهم قالوا: بمثل حصى الخذف. وفي الباب عن عبد الله والفضل ابني العباس وعبد الرحمن بن عثمان التميمي وعبد الرحمن بن معاذ وأم جندب الأزدية. الجمار: جمع جمرة وهي الجمرات الثلاث التي بمنى يرميها الحاج. وقال الأزهري: الجمرة اجتماع القبيلة الواحدة على من ناوأها من سائر العرب. قال: ومن هذا قيل الموضع الجمار التي ترمى بمنى جمرات، لأن كل مجتمع

стр. 1603

حصى منها جمرة وهي ثلاث جمرات، وكانت العرب إذا اجتمع منها ثلثمائة فارس فهي جمرة. قال: وسئل ثعلب عن الجمار التي بمنى، فقال: أصلها من جَمَرْتُه ودَهَرْتُه إذا نحيَّته، والأصل في هذا أن الجمار: الحصى فسميت بذلك، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الاستجمار في الطهارة" وهو الاستنجاء بالأحجار واستعمالها في ذلك. والخذف -بالخاء والذال المعجمتن-: رمي الحصات مثل: حصى الخذف. وفي رواية الباقين: "بمثل حصى الحذف" فأما في رواية الشافعي فإنه أراد بالجمار الحصى، وأما بإثبات الباء فإنه يريد الموضع المرمية بالحصى التي تسمي جمارًا، وهي الأماكن الثلاثة بمنى. قال الشافعي: وحصى الخذف أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا. ومنهم من قال: كقدر النواة. ومنهم من قال: مثل الباقلاء. وكل هذه المقادير متقاربة، لأن الخذف لا يكون إلا بالصغير، فإن رمى بحجر كبير أجزأه لوقوع الاسم عليه. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن حميد بن قيس، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن رجل من قومه من بني تيم يقال له: معاذًا أو ابن معاذ "أن النبي ﷺ كان ينزل الناس بمنى منازلهم وهو يقول: "ارموا بمثل حصى الخذف". هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ،

стр. 1604

عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "خطب النبي الناس بمنى، ونزَّلهم منازلهم فقال: "لينزل المهاجرون ها هنا" -وأشار إلى ميمنة القبلة- "والأنصار ها هنا " -وأشار إلى ميسرة القبلة-، ثم لينزل الناس حولهم". وفي أخرى: عن مسدد، عن عبد [الوارث] (١) عن حميد، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن معاذ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت أسماعنا؛ كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا؛ فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع إصبعه السبابتين ثم قال: "بحصى الخذف" ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك". وأما النسائي (٢): فأخرجه عن محمد بن حاتم بن نعيم، عن سويد، عن عبد الله بن عبد الوارث، عن حميد [الأعرج] (٣) [عن] (٤) محمد بن إبراهيم [عن] (٤) عبد الرحمن بن معاذ. وذكر رواية أبي داود الثانية. وقد أخرج الشافعي في رواية حرملة (٥): عن أنس بن عياض، عن عبد الله ابن عامر الأسلمي، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "كأني انظر إلى رسول الله ﷺ غداة جمع وهو كاف ناقته، وهو يقول: "أيها الناس! عليكم بالسكينة" فلما جاء محسرًا قال: "عليكم بحصى الخذف". قال الشافعي: ومن حيث أخذه أجزأه إلا أني أكرهه من المسجد لئلا يخرج حصى مسجد منه، وأكرهه من الجمرة لأنه حصى غير متقبل، ولأنه قد رمى به مرة.

стр. 1605

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن أيمن ابن نابل، أخبرني قدامة بن عبد الله بن عمَّار الكلابي قال: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء، ليس ضرب ولا طرد وليس قيل إليك إليك". هذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي والنسائي. أما الترمذي (١): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، عن أيمن بن نابل. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن أيمن. الجمرة: هي جمرة العقبة، لأنها هي التي ترمى يوم النحر. والصهبة في الألوان: الشقرة في الشعر، وهي في الإبل أن يخالط بياض البعير حمرة فيحمر الوبر ويبيض وسطه. وقوله: "ليس قيل" أي ليس يقال: إليك إليك بمعني تنح وأبعد والقيل والقول: مصدر قال يقول قولًا وقيل. والمستحب: أن يرمي جمرة العقبة راكبًا لأن النبي ﷺ كذلك فعل، ويرفع يديه حتى يرى بياض إِبطيه، ويرميها من بطن الوادي، ويكبر مع كل حصاة، ويكون مستدبر الكعبة مستقبلاً لمنى، وحيث وقف وكيف رمى أجزأه. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة (٣): عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي، عن أمه قالت: "سمعت النبي ﷺ -وهو في بطن الوادي وهو يرمي الجمرة-، وهو يقول: "أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف". وقد أخرج الشافعي أيضًا: عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير،

стр. 1606

عن أبي معبد، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ارفعوا عن بطن محسر، وعليكم بمثل حصى الخذف". قوله: "ارفعوا عن بطن محسر" يريد في المبيت. بمنى. وأخرج الشافعي في سنن حرملة: عن ابن عيينة (١)، عن مسعر والثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "حملنا رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات، ثم جعل يلطح أفخادنا ويقول: "أبيْني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣). وأغيلمة: تصغير غلمة على غير قياس. والجمرات: جمع جمر، والجمر: جمع جمار. واللطح -بالحاء المهملة-: ضرب لين ببطن الكف. والأبيني: تصغير الأبناء جمع ابن بوزن: أعمى وأعيمي، وليس جمعًا على اللفظ وإنما هو اسم موضوع للجمع، وجمعه اللفظي أبناء بالمد. قال الشافعي: ومن أوقاتها: أن ترمى بعد الفجر، وجائز فيها أن ترمى قبل الفجر وبعد نصف الليل. واستدل بحديث أم سلمة وقد ذكرناه في الإفاضة من مزدلفة، وذكرنا فيه كلام الشافعي ﵁.

стр. 1607

الباب الثامن في الحلق والتقصير أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن أبي علي الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول للحالق: يا غلام، أبلغ العظم، فإذا قصَّر أخذ من جانبه الأيمن قبل جانبه الأيسر. قوله: "أبلغ العظم" يريد المبالغة في الحلق واستقصاء أخذ الشعر. قال الشافعي: والعظم هو هذا الذي عند منقطع الصدغين. وقوله: "إذا قصر" أي إذا لم يحلق واقتصر على التقصير، فإن الأحب له أن يبدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر وكذلك في الحلق، فإن النبي ﷺ لما حلق دعا بالحالق فأخذ شق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسمه بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ شق رأسه الأيسر فحلقه ثم دفعه إلى أبي طلحة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني حجام أنه قصر عن ابن عباس فقال: ابدأ بالشق الأيمن. قال الشافعي: وهكذا يحب إذا حلق أن يبدأ بالشق الأيمن، لأنه نسك اقتداًء بالنبي ﷺ ، فإنه كان يحب التيامن في أمره كله. أخبرنا الشافعي ﵁: عن مالك، عن نافع أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه. أخرج هذا الحديث في الموطأ إسنادًا ولفظًا (١)، وأخرجه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك"، أورده على طريق الإلزام فيما خالف فيه أصحاب ابن عمر، ورواه ابن جريج عن نافع وزاد فيه. وأظفاره.

стр. 1608

قوله: "أخذ من لحيته وشاربه" يريد أنه كان يقتصر من لحيته ومن شاربه، فإنه كان يحلق شعر رأسه ويقصر من لحيته وشاربه. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الحلق أفضل من التقصير. قال: والأحب إليَّ لو أخذ من شعر لحيته وشاربه. قالوا: أراد الشافعي بهذا إذا لم يكن على رأسه شعر، فإنه يستحب أن يمر الموسى على أرض رأسه، ثم يأخذ من لحيته وشاربه لئلا يخلوا من أخذ الشعر. لفظ حديث ابن عمر هذا لا يقتضي ذلك، إنما ظاهره أنه كان يجمع بين الحلق وتقصير اللحية والشارب، وهذا ليس بلازم لأن النسك إنما هو في الرأس لا في الوجه، قال الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (١). وقد أخرج المزني عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: "والمقصرين" هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤). إنما خص المحلقين بالدعاء وقدمهم: لأنه كان أكثر من أحرم مع رسول الله ﷺ من الصحابة ليس معه هدي، وكان النبي ﷺ قد ساق الهدي، ومن كان معه هدى فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدى أن يحلق ويحل، وجدوا من ذلك في أنفسهم وأحبوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكانت طاعة النبي ﷺ أولى بهم، فلما لم يكن بد من الإحلال كان التقصير في نفوسهم أخف من الحلق فمالوا إلى التقصير، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرهم في الدعاء، وقدم عليهم من حلق وبادر إلى الطاعة ثم جمعهم بعد في الدعاء.

стр. 1609

وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ لما رمى جمرة العقبة ونحر نسكه، ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ثم ناوله النبي أبا طلحة، [ثم] (١) ناول الحالق شقه الأيسر فحلقه، ثم أمر أبا طلحة أن يقسمه بين الناس". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن [عيسى] (٦) بن طلحة بن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: "اذبح ولا حرج". فجاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج" قال: فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أخر، إلا قال: "افعل ولا حرج". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة [إلا] (٧) النسائي. فأما مالك (٨): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٩): فأخرجه عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف، عن مالك.

стр. 1610

وعن أبي نعيم (١)، عن عبد العزيز بن أبي سلمة. وعن سعيد بن يحيى بن سعيد (٢)، عن أبيه، عن ابن جريج. وعن عثمان بن الهيثم (٣)، عن ابن (٤) جريج. وعن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح. كلهم عن ابن شهاب. وأما مسلم (٥): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وعن حرملة [عن] (٦) ابن وهب، عن يونس. وعن الحلواني، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح. وعن ابن خشرم، عن عيسى بن يونس. وعن عبد بن حميد، وعن محمد بن بكر. وعن سعيد بن يحيى، عن أبيه. كلهم عن ابن جريج، عن ابن شهاب. وأما أبو داود (٧): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٨): فأخرجه عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن شهاب. وفي الباب عن علي وجابر وابن عباس وابن عمر وأسامة بن شريك. شعرت أشعرت: بمعنى علمت إلا أنه من العلم بالمشاعر، ومشاعر الإنسان

стр. 1611

حواسه، فكأنه علم مستند الحاسة. والنحر: ما كان في اللبة، والذبح: ما كان في الحلق. والحرج: الإثم والضيق. والرمي: يريد به رمي الجمار. وفي رواية بعضهم "النحر" بدل "الذبح"، وذلك أن النحر: هو مخصوص بالإبل لطول رقابها حتى يكون موتها أسهل وأسرع. والذبح مختص بالغنم والبقر، فكأن الذي قال: نحرت، قد كان معه بعير فأخبره عن حالته، والذي قال: ذبحت، قد كان شاة فأخبر عن حالته. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الذي يفعله الحاج يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة: وهو الطواف الواجب. وهذا الترتيب مستحب وليس واجبًا ولا شرطًا، فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس، إلا الحلق إذا قدمه على الرمي فإن فيه قولين. إن قلنا إنه نسك فلا شيء عليه لأنه أحد ما يتحلل به، وإن قلنا إنه إطلاق محظور فقد حلق قبل أن يتحلل فلزمه دم. وقال أبو حنيفة: إذا تقدم الحلق على الذبح فلا شيء عليه، وإذا قدمه على الرمي وجب عليه دم. وقال أحمد: هذا الترتيب الذي ذكرناه واجب، فإن قدم بعضها على بعض ناسيًا أو جاهلا فلًا شيء عليه، وإن كان عامدًا ففي وجوب الدم روايتان. ***

стр. 1612

الباب التاسع في الإحصار أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبد الله، عن أبيه قال: "من حبس دون البيت بمرض؛ لا محل له حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة". وبالإسناد أيضًا: أنه قال: المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. هذا حديث صحيح، أخرجه مالك والبخاري والنسائي. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ. وزاد في الثانية: المحصر بمرض، وزاد في آخره: فإن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها أو الدواء، صنع ذلك وافتدى. وقد أخرج الشافعي ﵁ هذه الزيادة في المبسوط. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن سالم قال: كان ابن عمر يقول: "أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا". وأما النسائي (٣): فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح والحارث ابن

стр. 1613

مسكين، عن ابن وهب، عن يونس [عن ابن شهاب] (١)، عن سالم قال: "كان ابن عمر ينكر الاشتراط، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله" وذكر لفظ البخاري. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الإحصار لا يخلو أن يكون بعدو أو غيره، فإن كان المحصر عدوًا وسواء كان مشركًا أو غير مشرك جاز له التحلل، وإن كان المحصر مرضًا فلا يجوز له أن يتحلل لمرضه. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق قالوا: لا حصر إلا حصر العدو. وقال قوم: الإحصار بكل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك. وبه قال عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وأبو ثور. وروى عن ابن مسعود. قال الشافعي: قال الله -جل ثناؤه-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) قال: فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية، حين أحصر النبي ﷺ وحال المشركون بينه وبين البيت، وأن النبي ﷺ نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالاً، ولم يصلِّ إلى البيت ولا أصحابه إلا عثمان بن عفان وحده. قال الشافعي ﵁: ونحر رسول الله ﷺ في الحل، وقد قيل: نحر في الحرم، وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم لأن الله -تعالى- يقول ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٣) والحرم كله محله عند أهل العلم فحيث ما

стр. 1614

أحصر ذبح شاة وحل. قال الشافعي: الآية نزلت في الإحصار بالعدو، فرأيت أن الآية تأمر بإتمام الحج والعمرة لله عامة في كل حج حاج ومعتمر إلا من استثنى، ثم سن فيه رسول الله ﷺ فبين الحصر بالعدو. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن ابن عباس، وعن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: "لا حصر إلا حصر العدو. وزاد أحدهما: ذهب الحصر الآن. قال الشافعي: يعني أنه لا عدو يحول دون البيت، ويعني: أن الآية نزلت فيمن أحصره لا من حبس لمرض، وهكذا معنى قول عائشة وابن عمر: "لا يحل المريض دون البيت". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن ابن عمر ومروان وابن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي وأنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم أن يتداوى بما لا بد منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه وكان عليه أن يحج عامًا قابلًا ويهدي. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ بالإسناد (١): أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل [من يلي] (٢) على ذلك الماء الذي كان عليه؟ فوجد [عبد] (٣) الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد منه. وذكر الحديث. وقال: ويهدي ما استيسر من الهدى. صرع الرجل يصرع: إذا سقط عن دابته، أو من موضع عال فوقع على الأرض، وأصله من صرعت الرجل صرعًا: إذا رميته إلى الأرض.

стр. 1615

والافتداء: افتعال من الفدية وهو في هذا المكان وأشباهه ما يجب على من أفسد حجه أو عمرته بمباشرة محظور من محظورات الحج أو عارض يطرأ عليه. والعام القابل: الذي يجيء بعد السنة التي أنت فيها، يقال: عام قابل، وليلة قابلة بمعنى مقبل ومقبلة، وقد يضاف العام إلى قابل من نحو إضافة الاسم إلى الصفة. واستيسر: استفعل من اليسر ضد العسر. وفي هذا الحديث من الفقه: أن المحرم له أن يتداوى بما لا بد منه مما ليس فيه طيب. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن عبد الكريم الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة "أنه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان مسكين، أو انسك شاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك". قال الشافعي (١): غلط مالك في هذا الحديث، الحفاظ حفظوه عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن. وهو أسقط مجاهدًا من الإسناد. وقد رواه المزني: عن الشافعي، عن ابن عيينة فذكر مجاهدًا وكذلك أخرجه الربيع عنه. قال الشافعي: حكم الله -تعالى- على أن كل نسيكة كانت في حج أو عمرة فمحلها إلى البيت العتيق، ومعقول في حكمه أنه أراد أن يكون في جيران البيت العتيق، من أهل الحاجة فما كانت فيه منفعة، فلا يكون إلا حيث الهدي وذلك الصدقة، وأما الصوم: فلا منفعة فيه لأحد فيصوم حيث شاء في الفدية،
следующие страницы →