← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

حواسه، فكأنه علم مستند الحاسة. والنحر: ما كان في اللبة، والذبح: ما كان في الحلق. والحرج: الإثم والضيق. والرمي: يريد به رمي الجمار. وفي رواية بعضهم "النحر" بدل "الذبح"، وذلك أن النحر: هو مخصوص بالإبل لطول رقابها حتى يكون موتها أسهل وأسرع. والذبح مختص بالغنم والبقر، فكأن الذي قال: نحرت، قد كان معه بعير فأخبره عن حالته، والذي قال: ذبحت، قد كان شاة فأخبر عن حالته. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الذي يفعله الحاج يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة: وهو الطواف الواجب. وهذا الترتيب مستحب وليس واجبًا ولا شرطًا، فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس، إلا الحلق إذا قدمه على الرمي فإن فيه قولين. إن قلنا إنه نسك فلا شيء عليه لأنه أحد ما يتحلل به، وإن قلنا إنه إطلاق محظور فقد حلق قبل أن يتحلل فلزمه دم. وقال أبو حنيفة: إذا تقدم الحلق على الذبح فلا شيء عليه، وإذا قدمه على الرمي وجب عليه دم. وقال أحمد: هذا الترتيب الذي ذكرناه واجب، فإن قدم بعضها على بعض ناسيًا أو جاهلا فلًا شيء عليه، وإن كان عامدًا ففي وجوب الدم روايتان. ***

стр. 1612

الباب التاسع في الإحصار أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبد الله، عن أبيه قال: "من حبس دون البيت بمرض؛ لا محل له حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة". وبالإسناد أيضًا: أنه قال: المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. هذا حديث صحيح، أخرجه مالك والبخاري والنسائي. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ. وزاد في الثانية: المحصر بمرض، وزاد في آخره: فإن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها أو الدواء، صنع ذلك وافتدى. وقد أخرج الشافعي ﵁ هذه الزيادة في المبسوط. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن سالم قال: كان ابن عمر يقول: "أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا". وأما النسائي (٣): فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح والحارث ابن

стр. 1613

مسكين، عن ابن وهب، عن يونس [عن ابن شهاب] (١)، عن سالم قال: "كان ابن عمر ينكر الاشتراط، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله" وذكر لفظ البخاري. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الإحصار لا يخلو أن يكون بعدو أو غيره، فإن كان المحصر عدوًا وسواء كان مشركًا أو غير مشرك جاز له التحلل، وإن كان المحصر مرضًا فلا يجوز له أن يتحلل لمرضه. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق قالوا: لا حصر إلا حصر العدو. وقال قوم: الإحصار بكل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك. وبه قال عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وأبو ثور. وروى عن ابن مسعود. قال الشافعي: قال الله -جل ثناؤه-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) قال: فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية، حين أحصر النبي ﷺ وحال المشركون بينه وبين البيت، وأن النبي ﷺ نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالاً، ولم يصلِّ إلى البيت ولا أصحابه إلا عثمان بن عفان وحده. قال الشافعي ﵁: ونحر رسول الله ﷺ في الحل، وقد قيل: نحر في الحرم، وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم لأن الله -تعالى- يقول ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٣) والحرم كله محله عند أهل العلم فحيث ما

стр. 1614

أحصر ذبح شاة وحل. قال الشافعي: الآية نزلت في الإحصار بالعدو، فرأيت أن الآية تأمر بإتمام الحج والعمرة لله عامة في كل حج حاج ومعتمر إلا من استثنى، ثم سن فيه رسول الله ﷺ فبين الحصر بالعدو. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن ابن عباس، وعن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: "لا حصر إلا حصر العدو. وزاد أحدهما: ذهب الحصر الآن. قال الشافعي: يعني أنه لا عدو يحول دون البيت، ويعني: أن الآية نزلت فيمن أحصره لا من حبس لمرض، وهكذا معنى قول عائشة وابن عمر: "لا يحل المريض دون البيت". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن ابن عمر ومروان وابن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي وأنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم أن يتداوى بما لا بد منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه وكان عليه أن يحج عامًا قابلًا ويهدي. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ بالإسناد (١): أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل [من يلي] (٢) على ذلك الماء الذي كان عليه؟ فوجد [عبد] (٣) الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد منه. وذكر الحديث. وقال: ويهدي ما استيسر من الهدى. صرع الرجل يصرع: إذا سقط عن دابته، أو من موضع عال فوقع على الأرض، وأصله من صرعت الرجل صرعًا: إذا رميته إلى الأرض.

стр. 1615

والافتداء: افتعال من الفدية وهو في هذا المكان وأشباهه ما يجب على من أفسد حجه أو عمرته بمباشرة محظور من محظورات الحج أو عارض يطرأ عليه. والعام القابل: الذي يجيء بعد السنة التي أنت فيها، يقال: عام قابل، وليلة قابلة بمعنى مقبل ومقبلة، وقد يضاف العام إلى قابل من نحو إضافة الاسم إلى الصفة. واستيسر: استفعل من اليسر ضد العسر. وفي هذا الحديث من الفقه: أن المحرم له أن يتداوى بما لا بد منه مما ليس فيه طيب. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن عبد الكريم الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة "أنه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان مسكين، أو انسك شاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك". قال الشافعي (١): غلط مالك في هذا الحديث، الحفاظ حفظوه عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن. وهو أسقط مجاهدًا من الإسناد. وقد رواه المزني: عن الشافعي، عن ابن عيينة فذكر مجاهدًا وكذلك أخرجه الربيع عنه. قال الشافعي: حكم الله -تعالى- على أن كل نسيكة كانت في حج أو عمرة فمحلها إلى البيت العتيق، ومعقول في حكمه أنه أراد أن يكون في جيران البيت العتيق، من أهل الحاجة فما كانت فيه منفعة، فلا يكون إلا حيث الهدي وذلك الصدقة، وأما الصوم: فلا منفعة فيه لأحد فيصوم حيث شاء في الفدية،

стр. 1616

ولو صام في فوره ذلك كان أحب إلي. وهذا حديث كعب ابن عجرة حديث صحيح أخرجه الجماعة (١). وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن أيوب السختياني، عن رجل من أهل البصرة -كان قديمًا- أنه قال: "خرجت إلى مكة حتى [إذا] (٢) كنت بالطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس، فلم يرخص لي أحد في أن أحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر، ثم حللت بعمرة". قال الشافعي: وأخبرنا إسماعيل بن علية، عن رجل -كان قديمًا- وأحسبه قد سماه، وذكر نسبه، وسمى الماء الذي أقام به الدثينة. وحدثنا شبيهًا بمعنى حديث مالك. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عائشة كانت تقول: "المحرم لا يحله إلا [الطواف] (٣) بالبيت". وأخرج الشافعي: عن أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: "لا يحل محرم بحج ولا بعمرة حبسه بلاء حتى يطوف بالبيت، إلا من حبسه عدو فإنه يحل حيث حبس، ومن حبس في عمرة ببلاء مكث على حرمه حتى يطوف بالبيت العتيق ثم يحل من عمرته". قال الشافعي: وخالفنا بعضهم في المحبوس بالمرض، فقالوا: هو والمحصر بالعدو لا يفترقان، قالوا: يبعث المحصر بالهدي يواعده يومًا بذبحه فيه عنه. قال الشافعي في الجواب: إن الذين روينا عنهم مثل مذهبنا قولهم أشبه بالقرآن وأنهم عدد، فقولهم أولى لأن من قال: نبعث بالهدي ونواعده يومًا قد

стр. 1617

يحل وهو لا يدري، لعل الهدي لم يبلغ محله فيأمره بالخروج من شيء لزمه بالظن. وقال الشافعي فيمن أحصر بعدو: لا قضاء عليه، فإن كان لم يحج حجة الإِسلام؛ فعليه حجة الإِسلام من قبل قوله ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) ولم يذكر قضاء، وذلك أنا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم، أن قد كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجال معروفون بأسمائهم، ثم اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضية، وتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ -إن شاء الله- بأن لا يتخلفوا عنه. والله أعلم. ...

стр. 1618

الباب العاشر في الهدي أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: "ما استيسر الهدى بعيرًا أو بقرة". هذا حديث الموطأ أخرجه إسنادًا ولفظًا (١). والهدي: ما يهدى إلى البيت من النعم لينحر في الحرم، تقول: أهديت إلى البيت هديًا وهديًّا -مخففًا ومثقلًا. وما: بمعنى الذي، تقديره: الذي استيسر من الهدى أي سهل بعير أو بقرة، وهي في موضع رفع بالابتداء، وبعيرًا وبقرة: خبره. وقوله: "كان يقول" فيه أن هذا كان تفسيرًا منه معتادًا، لا أنه إخبار عن حال ماضيه كان قالها ثم رجع عنها. قال الشافعي: من نذر هديًا فسمى شيئًا فعليه الذي سمى، ومن لم يسم شيئًا أو لزمه هدي ليس بجزاء من صيد فيكون عدله، فلا يجزئه من الإبل ولا البقر ولا المعز إلا ثَنىٌ فصاعدًا، ويجزئه الذكر والأنثى، ويجزئ من الضأن وحده الجزع، والوضع الذي يجب عليه فيه الحرم، ولا محل للهدي دونه إلا أن يسمي الرجل موضعًا من الأرض، أو يحصر رجل بعدو. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ أشعر في الشق الأيمن".

стр. 1619

هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. فأما مسلم (١): فأخرجه عن ابن المثنى وابن بشار، عن [ابن] (٢) أبي عدي، عن شعبة. وعن ابن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه. كلاهما عن قتادة قال: " [صلى] (٢) النبي ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج". وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أبي الوليد الطيالسي وحفص بن عمر، عن شعبة. مثل مسلم. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أبي كريب، عن وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، عن شعبة، عن قتادة. الإشعار: الإعلام بعلامة يعرف بها، أشعرت الشيء وبالشيء: إذا علَّمت به أعلام حسن، لأنه من المشاعرة ومشاعر الإنسان حواسه، كانوا يعلِّمون بدن الهدي بعلامات يعرفونها بها أنها هدي، فكانوا يشقون أسنمة الهدي ويرسلونها والدم يسيل منها، فمن رآها لا يتعرض إليها. وقوله: "في الشق الأيمن" يريد في الجانب الأيمن من سنامها. وسلت: مسحته عنها.

стр. 1620

وتقليدها النعلين: هو من العلامات التي كانوا يعلمونها، وقد كانوا يقلدونها فلا بد من صوف أو قطن أو قشر شجرة أو نحو ذلك. قال الشافعي ﵁ والاختيار في الهدي أن يتركه صاحبه مستقبل القبلة، ويقلده النعلين ثم يشعره في الشق الأيمن. والإشعار: أن يضربه بحديدة في سنام البعير وسنام البقرة حتى يدمي، ويذكر اسم الله -تعالى- على الإشعار. وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف، إلا أن مالكًا وأبا يوسف قالا: يشعرها من الجانب الأيسر. وقال أبو حنيفة: الإشعار غير جائز. فإن كانت شاة: فقلدها عرى القرب ولا يشعرها. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقلدها، فإن ترك التقليد والإشعار جاز. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن نافع عن ابن عمر "أنه كان لا يبالي في أي الشقين أشعر في الأيمن أو في الأيسر". هذا الحديث: بيان لأن الإشعار جائز في كلى الشقين، وإنما أخذ الشافعي بما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه أشعر في الشق الأيمن، والعمل بحديث ابن عباس أولى، لأنه مرفوع وهذا موقوف، لأنه حديث صحيح مخرج في الصحاح وهذا قد ساوى فيه بين الشقين أيهما أشعر جاز له، والاقتداء بالسنة أولى. وقد اخرج الشافعي في القديم (١): عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن "أن زيادًا كتب إلى عائشة أن ابن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر، قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ

стр. 1621

بيده، ثم بعث بها مع أبي فلم يُحرَّم على رسول الله ﷺ [شيء] (١) أحله الله له حتى نحو الهدي". هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (٢). وقد أخرج المزني: عن الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: "اركبها" فقال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال: "اركبها ويلك" في الثانية أو الثالثة". هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة إلا الترمذي (٣). قال الشافعي: وإذا ساق الهدي فليس له أن يركبه إلا من ضرورة، وإذا اضطر إليه ركبه ركوبًا غير قادح، وليس له أن يشرب من لبنها إلا بعد ري فصيله. وهذا الحكم في ركوب الهدي قد أخرجه مسلم عن جابر (٤). وقد أخرج الشافعي ﵁: عن مالك، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ نحر بعض هديه بيده، ونحر بعضه غيره". قال الشافعي: وينحر الإبل قيامًا غير معقولة، وأنا أحب عقل بعض قوائمها، وأحب أن يذبح النسيكة صاحبها أو يحضر الذبح، فإنه يرجى عند سفوح الدم المغفرة. وأخرج المزني: عن الشافعي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ بعث بثماني عشرة بدنة مع

стр. 1622

رجل، فأمره فيها بأمر، فانطلق ثم رجع إليه، فقال: أرأيت إن أزحف علينا منها شيء؟، قال: "فانحرها ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢). وأخرج المزني (٣): عن الشافعي، عن مالك، عن هشام، عن أبيه "أن صاحب هدي رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال له رسول الله ﷺ : "انحرها ثم الق قلادتها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها". وأخرجه أيضًا: عن سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن ناجية صاحب بدن رسول الله ﷺ وذكر الحديث. قال الشافعي في الهدي الواجب: كل ما عطب منه دون الحرم فلم يبلغ مساكين الحرم فعليه بدله، وله أن يأكله ويبيعه لأنه قد خرج من أن يكون محرمًا فيما وجه له. والله أعلم. ...

стр. 1623

الباب الحادي عشر في الأضاحي أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان: أخبرنا عبد الرحمن بن حميد، عن سعيد بن المسَّيب، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئًا". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. أما مسلم (١): فأخرجه عن [ابن] (٢) أبي عمر، عن سفيان بالإسناد واللفظ. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن محمد بن عمرو [عن عمرو] (٤) بن مسلم الليثي، عن ابن المسيب، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي". وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن أحمد بن الحكم، عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن مالك بن أنس، عن عمرو أو عمر بن مسلم، عن ابن المسيب نحو أبي داود. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان.

стр. 1624

العشر: هو عشر ذي الحجة، وإنما أنث اللفظ: لأنه أراد الليالي، تقول: هذه الليالي عشر ليالي وعشرة أيام، وتقول: عشر أوائل وعشر أواخر، وعشر أول وعشر أخر. فمن جمع الوصف: فلأن العشر جماعة من العدد، ومن وحد الوصف: فلأنه جعل الكلمة اسمًا لمدة من الزمان، كأنه جزأ الشهر ثلاثة أجزاء سمى كل جزأ منها عشرًا، وإنما جاء بالفاء في "فأراد"، وفي "فلا يمس": لأنه أراد التعقيب، كأن الإرادة كانت عقيب دخول العشر مقارنة لأول جزء منه، وكذلك فلا تمس لأن المنع من المس ينبغي أن يكون معقبًا للإرادة، فإنه مع اتصاف كونه مريدًا للتضحية، ينبغي أن لا يمس من شعره ولا بشره شيئًا, ولهذا المعنى دخلت الفاء في جواب الشرط. والبشر: جمع بشرة وهي ظاهر جلد الإنسان. اللمس والمس سواء في هذا المكان، وهو كناية عن حلق الشعر أو قصه، وقص الأظفار وهو المراد بالبشر فكنَّى عن ذلك بالمس، لأنه مس مخصوص بزيادة فعل. والذبح -بكسر الذال- المذبوح وهو المراد في هذا الحديث، وبالفتح الفعل. وفي رواية الشافعي لم يتعرض إلى انقضاء مدة المنع، إنما نهاه عن مس الشعر والبشر مطلقًا بعد دخول العشر. وفي رواية غيره أردفه بالأمد وتعيين مدة المنع، وهو قوله: "حتى يضحي" وذلك زيادة في البيان، والأول استغنى بدلالة اللفظ عليه، لأن تقديم ذكر التضحية وذكر دخول العشر يدل على أن الأمد: هو وقت التضحية وانقضاء العشر، ولأنه قال: "إذا دخل العشر" فكان حكم النهي مقترنًا بذكر العشر، وإذا تعلق حكم الشيء بأمد له منتهى؛ علم أن ذلك الحكم منتهاه منتهى ذلك الأمد، فلهذا، إن رواية الباقين لما كان الحكم فيها معلقًا بغير ذكر العشر مطلقًا

стр. 1625

بهلال ذي الحجة، احتاج أن يصرح بقوله: "حتى يضحي" لأن أول وقت التضحية هو اليوم العاشر ثم إلى آخر أيام التشريق، فلو لم يتعرض إلى قوله: "حتى يضحي" لكان الوقت يمتد إلى آخر الشهر أو ما بعده. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن من دخل عليه عشر ذي الحجة فلا يحلق شعره ولا يقص ظفره حتى يضحي، فإن فعل ذلك كان مكروهًا. قال أبو حنيفة ﵁ لا يكره له ذلك. وقال أحمد ﵁: يحرم عليه. قال الشافعي: فإن قال قائل: ما دل على أنه اختيار لا واجب؟ قيل له، روى عن مالك (١)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: "أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحل الله له حتى نحر الهدي". قال: وفي هذا دلالة على ما وصفت، وعلى أن المراد لا يحرم بالبعثة بهديه، والبعثة بالهدى أكثر من إرادة التضحية. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا البجلي يقول: "شهدت العيد مع النبي ﷺ ، فعلم أن ناسًا ذبحوا قبل الصلاة، فقال: "من كان منكم ذبح قبل الصلاة فليعد ذبحته، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤). وأخرج الشافعي أيضاً: -من رواية المزني عنه:- عن مالك، عن يحيى بن

стр. 1626

سعيد، عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر ذبح ضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمره أن يعود بضحية أخرى. وأخرج الشافعي أيضًا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار "أن أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي ﷺ يوم الأضحى، فزعم أن رسول الله ﷺ أمره أن يعود بضحية أخرى، قال أبو بردة: لا أجد إلا جذعة فقال النبي ﷺ : "وإن لم تجد إلا جذعًا فاذبحه". قال الشافعي: فاحتمل أن يكون إنما أمره أن يعود بضحية أن الضحية واجبة، واحتمل أن يكون أمره أن يعود إن أراد أن يضحي، لأن الضحية قبل الوقت ليست بضحية تجزئه، فيكون من عداد من ضحى، فوجدنا الدلالة عن رسول الله ﷺ أن الضحية ليست بواجبة لا يحل تركها، وهي سنة نحب لزومها ونكره تركها لا على إيجابها، فإن قيل: فأين السنة التي دلت على أن ليست بواجبة؟ قيل: أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن حميد. وذكر حديث أم سلمة المقدم ذكره، قال: وفي هذا الحديث: دلالة على أن الضحية ليست بواجبة لقول رسول الله ﷺ : "فأراد أحدكم أن يضحي"، ولو كانت ما الضحية واجبة أشبه أن يقول: ولا يمس من شعره حتى يضحي، قال: وبلغنا أن أبا بكر الصديق وعمر كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما فيظن من رآهما أنها واجبة، وعن ابن عباس "أنه جلس مع أصحابه ثم أرسل بدرهمين، فقال: اشتر بهما لحمًا، ثم قال: هذه أضحية ابن عباس". قال الشافعي: وقد كان قل ما يمر به يوم إلا نحر فيه أو ذبح بمكة، وإنما أريد بذلك مثل الذي روي عن أبي بكر وعمر ولا يعدو القول في الضحايا هذا أو أن تكون واجبة، فهي على كل أحد لا تجزئ غير شاة عن أحد. وهي عند الشافعي سنة مؤكدة مشروعة وليست بواجبة، وروي مثل ذلك عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدري وابن عباس وابن عمر وبلال. وإليه ذهب ابن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود وأحمد وإسحاق وأبو ثور

стр. 1627

واختاره المزني وابن المنذر. وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة؛ إنها واجبة. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: "أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين". وقد رواه المزني: عن الشافعي بهذا الإسناد أيضًا: قال أنس: وأنا أضحي بكبشين. وقد رواه المزني: عن الشافعي أيضًا. وذكر أملحين. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا. أما البخاري (١): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: "ضحى النبي بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر، فذبحهما بيده". وقد أخرجه بهذا الإسناد عن عبد العزيز ولم يذكر أملحين. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة. وزاد: أقرنين. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة مثل مسلم. وأما الترمذي (٤): فأخرجه مثل مسلم إسنادًا ولفظًا. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن شعبة، عن قتادة.

стр. 1628

ضحى يضحي تضحية: إذا ذبح شاة يوم النحر. والباء في "بكبشين" للإلصاق أي ألصق تضحيته بالكبشين. والأملح من الغنم: الذي في لونه سواد وبياض، وقيل: إذا كان بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض، وقيل: الأبيض الذي ليس نقي البياض. والأقرن: الذي له قرن. والصفاح: جمع صفحة الخد أو العنق وهي جانبه. وقوله: "يسمي ويكبر" أي يقول: باسم الله، والله أكبر. والمستحب في ألوان الضحية: أن يكون أبيض، فإن لم يكن فأعفر: وهو الأغبر، فإن لم يكن فأبلق بسواد، فإن لم يكن فأسود. قال الشافعي: ومن ضحى فأقل ما يكفيه جذع الضأن أو ثني المعز أو الإبل والبقر، والإبل أحب إليَّ أن يضحى بها من البقر، والبقر أحب إليَّ أن يضحى بها من الغنم. وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: الأفضل الجذع من الضأن ثم الثني من البقر. قال: وكل ما غلا من الغنم كان أحب مما رخص، وكل ما طاب لحمه كان أحب مما يخبث لحمه، فالضأن أحب إليَّ من المعز، والعفراء أحب إليَّ من السود، وإذا كانت الضحايا: إنما هو دم يتقرب به فخير الدماء أحب إليَّ. قال: فقد زعم بعض المفسرين أن قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ﴾ (١) استسمان الهدي، وسئل رسول الله ﷺ أي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا وأهلها". وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني (٢) عنه-: عن عبد الوهاب، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن البراء بن عازب أن

стр. 1629

رسول الله ﷺ قام يوم النحر خطيبًا فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: "لا يذبح أحد حتى يصلي" فقام خالي فقال: يا رسول الله، هذا يوم اللحم فيه مكروه وإني ذبحت نسكي وأطعمت أهلي وجيراني، فقال له النبي ﷺ : "قد فعلت فأعد ذبحا" قال: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم، فقال: "هي خير نسيك، لا يجزئ جذعة عن أحد بعدك". أخرجه الجماعة إلا مالكًا (١). قال: قوله: "هي خير نسيك" أنك ذبحتهما تنوي بهما نسكين فلما قدمت الأولى قبل وقت الذبح، كانت الآخرة هي النسيكة والأولى غير نسيكة وإن نويت بها النسيكة. وقوله: "لا تجزئ عن أحد بعدك" على أنها له خاصة. وقوله: "عناق لبن" يعني عناقًا تقتنى للبن لا لذبح. وقد أخرج المزني: عن الشافعي، أنس بن عياض، عن محمد بن أبي يحيى -مولى الأسلمين- عن أمه قالت: أخبرتني أم بلال بنت هلال، عن أبيها أن رسول ﷺ قال: "يجزئ الجذع من الضأن". هكذا ذكره المزني عن (٢) أبيها، وليس في الحديث ذكر أبيها، كذا رواه يحيى القطان. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة". هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري. فأما مالك (٣): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.

стр. 1630

وأما مسلم (١): فأخرجه عن قتيبة ويحيى بن يحيى، عن مالك. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا نتمتع مع النبي ﷺ فنذبح البقرة عن سبعة ونشترك فيها". والبدنة من الإبل: ما تهدى إلى البيت أو يضحى به، وقد تقع البدنة على البقرة أيضًا. وقيل: بل هي اسم خاص للإبل. وهي من البدانة: السمن. وقوله: "نحرنا مع رسول الله ﷺ " يريد أنهم نحروا وهم مع رسول الله ﷺ لا أنهم كانوا شركاء في النحر، إنما أرادوا أنهم نحروا بدنهم ونحر النبي ﷺ بدنه. قال الربيع: سألت الشافعي. هل يشتري السبعة جزورًا فينحرونها من هدي إحصار أو تمتع؟ قال: نعم. فقلت: وما الحجة في ذلك؟ فقال: أخبرنا مالك. وذكر هذا الحديث ثم قال: وإذا نحروا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية بدنة عن سبعة وبقرة عن سبعة، فالعلم محيط أنهم من أهل بيوتات شتى لا من من أهل بيتٍ واحد، ثم قال الربيع (٥): كان ينبغي أن يكون هذا العمل عندكم لا تخالفونه -يريد مالكًا وأصحابه- لأنه فعل النبي ﷺ وألف وأربعمائة من الصحابة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجماعة يجوز لهم أن يشتركوا في البدنة والبقرة عن سبعة أنفس، وسواء كانوا متفرقين فرقًا مختلفة أو متفقة، وسواء كان بعضهم متقربًا وبعضهم زيد اللحم فإنه يجزى عن المتقرب، وبه قال أحمد.

стр. 1631

وقال مالك: لا يجوز الاشتراك في الهدى الواجب. وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقربين صح اشتراكهم، وإن كانوا غير متقربين أو بعضهم متقرب لم يجز. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك أن أبا أيوب الأنصاري قال: "كان الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهله، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة". أخرجه مالك في الموطأ (١): عن عمارة بن صياد، عن عطاء ابن يسار، عن أبي أيوب. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزبير، عن جابر ابن عبد الله "أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال لهم: كلوا وتزودوا وادخروا". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي. أما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد وزاد فيه: وتصدقوا. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة. وقال غير مرة: من لحوم الهدي". وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك إسنادًا ولفظًا. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. الضحايا: جمع ضحية، بوزن قبيلة وفي الضحية ثلاث لغات: أضحية -

стр. 1632

بضم الهمزة-، وإضحية -بكسرها- ويجمعان على أضاحي بتشديد الياء، وأضحاة وتجمع على أضحى بوزن أرضى وبها سمي يوم الأضحى. قال الفراء: الأضحى يذكر ويؤنث فمن ذكَّر أراد اليوم، ومن أنَّث ذهب إلى اللفظ. وقوله: "بعد ثلاث" يريد: ثلاث ليال من يوم التضحية. والتزود: تفعل من الزاد يتخذ للسفر والحضر جميعًا، وكل من انتقل معه بخير أو شر من عمل أو كسب فقد تزودوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). والإدخار: افتعال من دخرت الشيء أدخره دخرا، وافتعلت منه هو: اذخرت فلما اجتمع الذال والتاء وهما متقاربان وفي النطق بهما كلفة ومشقة، فأرادوا أن يدغموا أحدهما في الآخر ليخف النطق بهما، فقلبوا الذال المعجمة دالاً مهملة فتصير دالاً مهملة مشددة وهو الأكثر. والثاني: أن يقلبوا المهملة معجمة فتصير ذالاً مشددة معجمة. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته. وذهب قوم: إلى أن الأكل واجب لقوله تعالى: "فَكُلُوا مِنْهَا" وهذا أمر. وهذا يرجع الكلام فيه إلى أن لفظ الأمر هل هو على الوجوب أم لا؟ وفي ذلك خلاف بين الأئمة مذكور في أصول الفقه. والكلام في الأكل في أمرين:- أحدهما: في الجائز: والثاني: في المستحب. أما الجواز: فله أن يأكل أكثرها ويتصدق بجزء منها وإن قل. قال ابن سريع وابن القاص: يجوز له أكل جميعها. وأما المستحب: فقال في القديم: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف. وقال في الجديد: يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث.

стр. 1633

وأما الإدخار: فإنه جائز، وهذا جميعه في الأضحية المسنونة. فأما إذا أوجب ضحية بنذر فهل يجوز له الأكل منها؟ فيه وجهان. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد بن عبد الله أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث"، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دف ناس من أهل البادية حضره الأضحى في زمان رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي". قالت: فلما كان بعد ذلك، قيل: يا رسول الله، لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم، يجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ أو كما قال قالوا: يا رسول الله، نهيتنا عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت حضرة الأضحى، فكلوا وتصدقوا وادخروا". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه بالأسناد. وزاد في آخره: يعني بالدافة: قومًا مساكين قدموا المدينة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله، عن أخيه، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة. وفي أخرى (٣): عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن عائشة. وذكر معناه.

стр. 1634

أما مسلم (١): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن روح، عن مالك. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأول حديثه قالت عمرة: سمعت عائشة. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عابس بن ربيعة، عن عائشة بمعناه. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن مالك. والدف: الدبيب وهو السير اللين، يقال: دفت علينا من بني فلان دافة أي جماعة دبوا إلينا وقدموا علينا. والبادية: البدو خلاف الحضر، والبداوة: الإقامة في البادية. وحضره الشيء: قربه وفناؤه. وجملت الشحم أجمله جملًا واجتملته: إذا أذبته، وربما قالوا: أجملته، حكاه الجوهري عن أبي عبيد. والودك -بفتح الدال-: دسم اللحم. والأسقية: جمع سقاء وهو الظرف من الجلود يتخذ للماء واللبن، والجمع القليل: أسقية وأسقيات، والكثير: أساق وفي رواية الشافعي: ينتفعون من ضحاياهم، وفي رواية غيره: ينتفعون بها، ورواية الشافعي أوضح: لأن انتفاعهم الذي نهاهم عنه إنما كان للإدخار، وجمل الودك واتخاذ الأسقية هو من جملة الإدخار وذلك بعض الضحايا فكأن قوله: ينتفع من الضحايا صريحًا في المعنى، وأما قوله: ينتفع فظاهره أن انتفاعه بها لا منها، لأن قوله: "بها" يعم الانتفاع بجميعها، فكذلك قوله: نهيت عن أكل لحوم الأضاحي، والأول

стр. 1635

أولى لتصريحه بذكر الأكل. وهذا الحديث يخالف حديث جابر، لأن حديث جابر يدل على أنه نهاهم عنها نهيًا عامًّا، ثم أمرهم بأكلها وإدخارها فكان أمره ناسخًا لنهيه. وأما هذا الحديث: فإنه يدل على نهيه سنة واحدة لأجل الدافة لا أنه نهاهم عنها نهيًا مطلقًا، فلا يكون أمره بالنهي والإدخار ناسخًا إنما يكون مفسرًا لما كانوا أظهره نهيًا مطلقًا. قال الشافعي: الحديث التام المحفوظ أوله وآخره وسبب التحريم والإحلال فيه، حديث عائشة عن النبي ﷺ وعلى من علمه أن يصير إليه. قال: فالرخصة بعدها لواحد من المعنيين، أظنه إما لاختلاف الحالتين، فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث وإذا لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والإدخار والصدقة. ويحتمل: أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، منسوخًا في كل حال فيمسك الإنسان من ضحيته ما شاء ويتصدق بما شاء. قال: ويشبه أن يكون نهي رسول الله ﷺ عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، إذا كانت الدافة على معنى الاختيار واحتج بقوله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ (١). وأخبرنا الشافعي ﵁ عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "إنا لندع ما شاء الله من ضحايانا، ثم نتزود من بقيتها إلى البصرة". قال: وأحب لمن أهدى نافلة أن يطعم البائس الفقير، لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، ويقول الله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٢) قال: والقانع: هو السائل، والمعتر: هو الزائر والمار بلا وقت.

стр. 1636

قال: فإذا أطعم من هؤلاء [واحدًا] (١) أو أكثر كان من المطعمين، وأحب إلى [إلى] (٢) ما أكثر وأن يطعم ثلثًا، ويهدي ثلثًا، يهبط به حيث يشاء، والضحايا في هذه السبيل، والله أعلم. وقوله: "ما شاء الله" يريد به: التكثير وأن ذلك معتاد عندنا وكثير لدينا وعادتنا به جارية، وهذا اللفظ يستعمل في اللفظ الذي يراد به المبالغة فيما يحكى عنه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي عبيد -مولى ابن أزهر- قال: "شهدت العيد مع علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- فسمعته يقول: لا يأكلن أحدكم من نسكه بعد ثلاث". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن أبي عبيد، عن علي ﵇ أنه قال: قال رسول الله ﷺ . "لا يأكلن أحدكم من نسكه بعد ثلاث". هذا طرف من حديث طويل أخرجه مالك (٣) عن ابن شهاب بطوله، يتضمن ذكر صوم يوم العيد وصلاته. وقد أخرجه البخاري (٤) عن حبان بن موسى، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري. فذكر الحديث فقال في آخره: "إن رسول الله ﷺ نهاكم أن تأكلوا لحم نسككم فوق ثلاث". وأخرج أيضًا مسلم (٥): عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان بالإسناد الحديث، فقال في آخره: نهانا أن يأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث. وهذا الحديث ذكره الشافعي والذي قبله في كتاب "الرسالة" (٦) وقد تقدم القول على هذا الحكم في حديث جابر وعائشة بما فيه كفاية.

стр. 1637

وأخرج الشافعي -في كتاب حرملة (١) -: عن الثقفي، عن الجريري، عن أبي نضرة عن الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "يا أهل المدينة، لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث" قال: فشكوا إليه قالوا: عيالنا وأهلنا؟ قال: "فكلوا وأطعموا واحبسوا". وأخرج الشافعي -في سنن حرملة (٢) -: عن مالك، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ سئل ماذا يتقى من الضحايا، فأشار ييده وقال: "أربعًا" -وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ -: "العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البينِّ مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقى". ومما جرت العادة أن يذكر بعد التضحية العقيقة والفرع والعتيرة. وقد أخرج الشافعي فيها أحاديث فمن جملتها: ما أخرجه المزني (٣): عن الشافعي ﵄، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: "أتيت رسول الله ﷺ بالحديبية أسأله عن لحوم الهدي، فسمعته [يقول] (٤): عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة , لا يضركم ذكرانًا كن أو إناثًا", وسمعته يقول: "أقروا الطير في وكناتها" (٥). وهكذا رواه الطحاوي عن المزني، وقد أخرجه المزني في المختصر عن الشافعي، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن وهب، عن أم كرز. قال البيهقي: في هذه الرواية خطأ من وجهين:-

стр. 1638

أحدهما: قوله: عن عبيد الله، عن سباع بن وهب، وابن عيينة إنما رواه عن عبيد الله، عن أبيه، عن سباع. والثاني: قوله: سباع بن وهب، وإنما هو سباع بن ثابت وكل أصحاب سفيان إنما رووه عنه مثل الرواية الأولى. وهذا الحديث أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣). وقد أخرج المزني (٤) أيضًا: عن الشافعي، عن سفيان [عن] (٥) عاصم، عن صفحة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٦) وأبو داود (٧) والترمذي (٨) والنسائي (٩). قال الشافعي: وروي عن النبي ﷺ "أنه عق عن الحسن والحسين وحلق شعورهما، وتصدقتْ فاطمةُ بزنته فضة". قال: والعقيقة ذبح كان يذبح في الجاهلية عن المولود، فأمر به رسول الله ﷺ في الإِسلام وقد كره منه الاسم. وأخرج الشافعي ﵁: عن مالك، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي يقول: "تستحب العقيقة ولو

стр. 1639

بعصفور. قال مالك: ليس عليه العمل. وإنما أورده الشافعي إلزامًا لمالك فيما ترك من قول أهل المدينة. وقال الشافعي: في قول النبي ﷺ : "أقروا الطير على مكناتها" أن علم العرب كان في الطير والبوارج والخط والاعتياف، فكان أحدهم إذا غدا من منزله يريد أمرًا نظر أول طائر يراه فإن سبح عن يساره واختال عن يمينه قال: هذا طير الأيامن ومضى في حاجته ورأى أنه سيستنجحها، وإن سبح عن يمينه ومر عن يساره، قال: هذا طير الأشائم فرجع وقال: هذه مشؤومة، قال الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري: لا يزجر الطير سُنُحًا إن عرضن له ... ولا يفيض على قسم بأزلام يعني أنه سلك طريق الإِسلام في التوكل على الله، وترك زجر الطير. وقال بعض الشعراء العرب يمدح نفسه: ولا أنا يزج الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب قال: وكان العربي في الجاهلية إذا لم ير طير سانحًا، فرأى في وكره حرَّكه من وكره ليطير فينظر أسلك له طريق الأشائم أم طريق الأيامن، ويشبه قول النبي ﷺ : "أقروا الطير على مكناتها" أي لا تحركوها فإن تحريكها وما يعلمون به من الطير لا يصنع شيئًا، وإنما يصنع فيما يوجهون به قضاء الله وقد سئل النبي ﷺ عن الطيرة، فقال: "إنما ذلكم شيء تجدونه في أنفسكم ولا يصدنكم". وأخرج الشافعي: عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن نبيشة قال: "سأل رجل ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا كنا نعتر عتيرة في رجب، فما تأمرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "اذبحوا لله في أي شهر ما كان،

стр. 1640

وبروا لله وأطعموا". إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية، فما تأمرنا فقال رسول الله ﷺ : "في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استجمل ذبحته وأطعمته، فإن ذلك هو خير". هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). وأخرج الشافعي -في كتاب حرملة (٣) -: عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ "لا فرعة ولا عتيرة". قال الزهري: الفرعة: أول النتاج، والعتيرة: شاة تذبح عن كل أهل بيت في رجب. هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) وأبو داود (٦) والترمذي (٧) والنسائي (٨). قال الشافعي -في تفسير الفرعة-: هو شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم بكر ناقته يعني أول نتاج يأتي عليه لا يغذوه رجاء البركة، فيما يأتي بعده، فسألوا النبي ﷺ فقال: "فرعوا إن شئتم" وكانوا يسألونه عما كانوا يصنعونه في الجاهلية خوفاً أن يكره في الإِسلام، فأعلمهم أنه لا مكره لهم فيه، وأمرهم أن يغذوه ثم يحملوا عليه في سبيل الله أو يذبحه ويطعمه. قالوا: والفرعة حق -يعني: أنها ليست بباطل- ولكنه كلام عربي يخرج

стр. 1641

على جواب السائل. وقوله: لا فرع ولا عتيرة ليست باختلاف من الرواة لهما، لا فرع ولا عتيرة واجبة، والحديث الآخر يدل على معنى هذا، أنه أباح الذبح واختار له أن يعطيه أرملة أو يحمل عليه في سبيل الله. والعتيرة: هي الرجبية وهي ذييحة كان أهل الجاهلية يتقربون بها يذبحونها في رجب، فقال النبي ﷺ : "لا عتيرة" على معنى لا عتيرة لازمة. وقوله حين سئل عن العتيرة: "اذبحوا لله في شهر ما كان وبروا وأطعموا" أي اذبحوا إن شئتم واجعلوا الذبح لله لا لغيره في أي شهر ما كان، إلا أنها في رجب دون ما سواه من الشهور. والله أعلم. ***

стр. 1642

الباب الثاني عشر في أحاديث متفرقة تتعلق بالحج أخبرنا الشافعي "﵁": أخبرنا القداح، عن الثوري، عن زيد بن جبير قال: "إني لعند عبد الله بن عمر وسئل عن هذه فقال: هذه حجة الإِسلام، فليلتمس يقضي نذره". يعني فيمن كان عليه الحج ونذر حجًّا. هذا الحديث مسوق لمن كان نذر أن يحج ولم يكن قد قضى حجة الإِسلام، فإذا أجرم بالحج وإلى أي الأمرين ينصرف. والذي ذهب إليه الشافعي: أن حجة الإِسلام تقدم على النذر وعلى النافلة، فإن أحرم عن النذر [] (١) عن النفل انعقد إحرامه عن حجة الإِسلام. وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: إذا أحرم بالنفل وعليه حجة الإِسلام وقع عن النفل. والواو في "سئل" واو الحال وقد [جاء] (٢) بعدها مضمر تقديره: لعنده وقد سئل. وقوله: "وسئل عن هذه" ولم يبين في اللفظ إلى ما أشار بها اعتمادًا على فهم الحال الحاضرة، وقتئذ كان سائلاً سأله وقد أحرم بحجة، فقال الراوي: كنت عنده وقد سئل عن هذه أي: عن هذه الحجة، أو أن الراوي قد كان عند قوم وقد جرى حديث من عليه نذر حجة ولم يحج حجة الإِسلام، فإذا أحرم بحجة ما حكمه؟ فقال الراوي: كنت عند ابن عمر وسئل عن هذه، أي هذه القضية التي جرى السؤال عنها، فقال: كيت وكيت، وكذلك قال في آخر

стр. 1643

الحديث يعني فيمن كان عليه الحج ونذر حجًا. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الدراوردي، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن [أمه قالت] (١): بينما نحن بمنى وإذا علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- على جمل يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "إن هذه أيام طعام وشراب، فلا يصومن أحد" فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك. متن هذا الحديث صحيح، أخرجه الجماعة إلا البخاري، عن جماعة من الصحابة غير علي منهم: عقبة بن عامر وعبد الله بن حذافة ونبيشة الهذلي وكعب بن مالك وبشر بن سحيم، نحو هذه الألفاظ باتفاق المعنى (٢). قوله: "أيام طعام وشراب يريد أيام يطعم الناس فيها ويضربون، فأضاف الأيام إلى الطعام والشراب إضافة تخصيص. وقوله: "يصرخ فيهم بذلك" أي يناديهم رافعًا صوته بهذا الكلام. قوله: "فاتبع الناس" أي يتبعهم في أماكنهم وطاف عليهم. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن صوم أيام التشريق حرام في الحج وغيره وإن صامها لم يصح صومه، وإن نذر صومها لم ينعقد نذره. وقال أبو حنيفة: صومها حرام ولكن ينعقد النذر ويلزمه أن يصوم غيرها. وقال في القديم: يجوز للمتمتع صومها. وبه قال مالك. وقال في الجديد: لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ رخص لأهل السقاية من أهل

стр. 1644

بيته أن يبيتوا بمكة ليالي منى. رواه أبو أسامة وابن نمير وأنس بن عياض، عن عبيد الله أن العباس استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته فأذن له. وقد أخرج حديث العباس: البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣). السقاية -بكسر السين-: ما كان العباس بن عبد المطلب يسقيه الحاج من الأنبذة المتخذة من التمر والذبيب وغيرهما، وهي الحلال التي لا تسكر، وهي مصدر سقي يسقى سقاية. وقوله: "من أهل بيته" يريد العباس وأهله فإنهم كانوا أهل السقاية، وقد صرح بذلك في حديث العباس. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن أهل السقاية يجوز لهم ترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وحكمهم حكم الذين رخص لهم النبي ﷺ في ترك المبيت بها، فأما من له عذر من مرض بمكة ليشق عليه المبيت بمنى أو له مال بمكة يخاف عليه، ففي جواز ترك المبيت وجهان. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم، عن ابن جريج عن عطاء مثله. وزاد عطاء: من أجل سقايتهم. هذا الحديث مرسل، أخرجه مؤكدًا الحديث قبله. وقوله: "من أجل سقايتهم" هي علة جواز ترك المبيت فإن قوله: "رخص لأهل السقاية أن يبيتوا بمكة" لا يفهم منه أن علة الجواز هي السقاية، إلا على نوع من الاستنباط يفهم من قوله: "لأهل السقاية".

стр. 1645

ولقائل أن يقول: إن هذه الإضافة إلى السقاية، إنما ذكرها ليعرف الذين رخص لهم لا يتبين أن الرخصة لأجلها، كما لو قال: رخص لآل فلان أن يبيتوا بمكة ليالي منى، فيكون قد عرف من لفظه من هو المرخص له لا سبب الرخصة. وأما قوله: "من أجل سقايتهم" فإنه صريح في تعريف علة الرخصة. وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر "كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم يدخل مكة من الليل فيطوف بالبيت". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢). وكان ابن عمر يرى المحصب سنة، قال نافع: "قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده". وأخرج الشافعي -في سنن حرملة-: عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إنما كان منزلاً نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥). وأخرج الشافعي ﵁ عن سفيان، عن صالح بن كيسان سمع سليمان بن يسار يحدث عن أبي رافع -مولي النبي ﷺ قال: "أنا ضربت قبة رسول الله ﷺ فنزل -يعني بالأبطح -وهو المحصب". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٦) وأبو داود (٧). المحصب: ها هنا عبارة عن الأبطح وليس المحصب الذي بمنى. والله أعلم.

стр. 1646

الباب الثالث عشر في ذكر المحرمين قال الشافعي ﵁ قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١). قال: المثابة في كلام العرب: الموضع الذي يثوب الناس إليه ويئوبون أي يعودون إليه بعد الذهاب عنه، وقد يقال: ثاب إليه: اجتمع إليه. والمثابة: الاجتماع، ويثوبون: يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم عنه ومبتدئين، قال ورقة بن نوفل وذكر البيت: مثاب الأفناء القبائل كلها ... تُخبّ إليه اليعملات الذوامل قال خداش بن زهير: فما برحت بنو بكر تثوب وتدعي ... ويلحق منهم أولون وآخر قال الشافعي: وقال الله تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٢). يعني -والله أعلم-: آمنا من صار إليه لا يتخطف اختطاف من حولهم. وقال الله تعالى -لإبراهيم -خليله ﵇: ﴿وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٣).

стр. 1647

قال وسمعت من أرضى من أهل العلم يذكر أن الله ﵎، لما أمر بهذا إبراهيم ﵇ وقف على المقام فصاح صيحة: عباد الله أجيبوا داعي الله، فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ووافاه من وافاه، يقول: لبيك داعي ربنا لبيك. قال الله -جل ثناؤه-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). فكان دلالة كتاب الله فينا وفي الأمم على الناس مندبون إلى إتيان البيت الحرام. قال الله -تعالى-: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: فكان مما ندبوا به إلى إتيان الحرم بالإحرام وروي عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة قال: لما أهبط الله آدم ﵇ من الجنة [طأطأه، فشكى الوحشة إلى أصوات الملائكة] (٣)، فقال: يا رب، مالي لا أسمع حس الملائكة؟ قال: "خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فإن لي بيتًا بمكة فأته، فافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي"، فأقبل يتخطى موضع كل قدم قرية وما بينهما مفازة، فلقيته الملائكة بالردم، فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال الشافعي: ويحكى أن النبين (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا يحجون، فإذا جاءوا الحرم مشوا إعظامًا له ومشوا حفاة، ولم يحك لنا عن أحد

стр. 1648

من النبيين والأمم الخاليين، أنه جاء البيت أحد قط إلا حرامًا, ولم يدخل رسول الله ﷺ مكة- علمناه إلا حرامًا، إلا في حرب الفتح، فبهذا قلنا أن سنة [الله] (١) في عباده ألا يدخلوا الحرم إلا حرامًا، إلا أن من أصحابنا من أرخص للحطابين ومن مدخله إياها لمنافع أهلها. ثم علق القول فيهم وقطع في الإملاء بالرخصة لهم. قال: وأكره لكل من دخل مكة من الحل -من أهلها وغير أهلها- أن يدخلها إلا محرما وإن كثر اختلافه، إلا للذين يدخلونها في كل يوم من خدم أهلها الحطابين وغيرهم، فإني أرخص لأولئك أن يدخلوها بغير إحرام، ويحرمون في بعض السنة إحرامًا واحداً، ولو أحرموا أكثر منه كان أحب إلي. قال: ومن المدنيين من قال: لا بأس أن يدخلوا بغير إحرام واحتج بأن عمر دخل مكة غير محرم، قال: وابن عباس يخالفه. وأخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. قال: ومن دخل مكة خائفًا لحرب فلا بأس. أي هذا يدخلها بغير إحرام. وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس "أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله ﷺ "اقتلوه". قال مالك: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذٍ محرمًا. قال الشافعي ﵁ حرم الله -تعالى- مكة، ثم أبان رسول

стр. 1649

الله ﷺ عن الله -تبارك وتعالي-، أنه حرم ما كان منها من صيد وشجر، وقال رسول الله ﷺ : "لا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها, ولا ينفر صيدها" قال: وأي صيد قتله حلال في بلد بعد مكة أو شجر قطعه فلا جزاء عليه، ويكره أن يقتله أو يقطع الشجر بالمدينة وكذلك يكره بوج من الطائف. قال في كتاب حرملة (١): أخبرنا سفيان قال: حدثنا زياد بن سعد، عن شرحبيل بن سعد قال: دخل علينا زيد بن ثابت حائطًا ونحن غلمان ننصب فخاخًا للطير فطردنا، وقال: إن رسول الله ﷺ حرم صيدها. قال: ولا بأس أن يرعى من نبات الحرم شجره ومرعاه، ولا خير في أن تحتش منه شيء لأن الذي حرم رسول الله ﷺ من مكة أن يختلي خلاها إلا الإذخر، والاختلاء والاحتشاش نتفًا وقطعًا، وحرم أن يعضد شجرها ولم يحرم أن يرعى. قال: ولا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل لأن له حرمة مباين بها ما سواها من البلدان، فلا أرى -والله أعلم- أن جائزًا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصيره بغيره. وبلغنا عن ابن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس وابن عمر أنهما كرها أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء. قال الشافعي ﵁ وأخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه، عن عبد الأعلى، عن عبد الله بن عامر قال: قدمت مع

стр. 1650

أمي -أو قال جدتي- مكة فأتتها صفية بنت شيبة فأكرمتها وفعلت لها، فقالت صفية: ما أدري ما أكافئها به، فأرسلت إليها بقطعه من الركن فخرجنا بها، فنزلنا أول منزل -فذكر من مرضهم وعلتهم جميعًا- قال: فقالت أمي -أو جدتي-: ما أرانا أتينا إلا أنَّا أخرجنا هذه القطعة من الحرم، فقالت لي -وكنت أمثلهم-: انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها وقل لها: إن الله قد وضع في حرمه شيئًا فلا ينبغي أن يخرج منه. قال عبد الأعلى: فقالوا لي: فما هو إلا أن تحينا دخولك الحرم، فكأنما أنشطنا من عقل. قال الشافعي ﵁ في كتاب النذور: وأحب إليَّ لو نذر المشي إلى مسجد المدينة أن يمشي، لأن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: إلي مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس". قال: وكان النبي ﷺ يأتي قباء راكبًا وماشيًا. وقد أخرج الشافعي ﵁ في سنن حرملة: عن سفيان، عن صالح بن كيسان، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من حج أو عمرة أو غزو فأوفى على فدفد من الأرض، قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون -إن شاء الله تعالى- عابدون لربنا حامدون، وصدق الله وحده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". وأخبرنا سفيان، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. يعني بذلك ولم يقل: إن شاء الله.
следующие страницы →