← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الباب الثالث عشر في ذكر المحرمين قال الشافعي ﵁ قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١). قال: المثابة في كلام العرب: الموضع الذي يثوب الناس إليه ويئوبون أي يعودون إليه بعد الذهاب عنه، وقد يقال: ثاب إليه: اجتمع إليه. والمثابة: الاجتماع، ويثوبون: يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم عنه ومبتدئين، قال ورقة بن نوفل وذكر البيت: مثاب الأفناء القبائل كلها ... تُخبّ إليه اليعملات الذوامل قال خداش بن زهير: فما برحت بنو بكر تثوب وتدعي ... ويلحق منهم أولون وآخر قال الشافعي: وقال الله تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٢). يعني -والله أعلم-: آمنا من صار إليه لا يتخطف اختطاف من حولهم. وقال الله تعالى -لإبراهيم -خليله ﵇: ﴿وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٣).

стр. 1647

قال وسمعت من أرضى من أهل العلم يذكر أن الله ﵎، لما أمر بهذا إبراهيم ﵇ وقف على المقام فصاح صيحة: عباد الله أجيبوا داعي الله، فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ووافاه من وافاه، يقول: لبيك داعي ربنا لبيك. قال الله -جل ثناؤه-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). فكان دلالة كتاب الله فينا وفي الأمم على الناس مندبون إلى إتيان البيت الحرام. قال الله -تعالى-: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: فكان مما ندبوا به إلى إتيان الحرم بالإحرام وروي عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة قال: لما أهبط الله آدم ﵇ من الجنة [طأطأه، فشكى الوحشة إلى أصوات الملائكة] (٣)، فقال: يا رب، مالي لا أسمع حس الملائكة؟ قال: "خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فإن لي بيتًا بمكة فأته، فافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي"، فأقبل يتخطى موضع كل قدم قرية وما بينهما مفازة، فلقيته الملائكة بالردم، فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال الشافعي: ويحكى أن النبين (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا يحجون، فإذا جاءوا الحرم مشوا إعظامًا له ومشوا حفاة، ولم يحك لنا عن أحد

стр. 1648

من النبيين والأمم الخاليين، أنه جاء البيت أحد قط إلا حرامًا, ولم يدخل رسول الله ﷺ مكة- علمناه إلا حرامًا، إلا في حرب الفتح، فبهذا قلنا أن سنة [الله] (١) في عباده ألا يدخلوا الحرم إلا حرامًا، إلا أن من أصحابنا من أرخص للحطابين ومن مدخله إياها لمنافع أهلها. ثم علق القول فيهم وقطع في الإملاء بالرخصة لهم. قال: وأكره لكل من دخل مكة من الحل -من أهلها وغير أهلها- أن يدخلها إلا محرما وإن كثر اختلافه، إلا للذين يدخلونها في كل يوم من خدم أهلها الحطابين وغيرهم، فإني أرخص لأولئك أن يدخلوها بغير إحرام، ويحرمون في بعض السنة إحرامًا واحداً، ولو أحرموا أكثر منه كان أحب إلي. قال: ومن المدنيين من قال: لا بأس أن يدخلوا بغير إحرام واحتج بأن عمر دخل مكة غير محرم، قال: وابن عباس يخالفه. وأخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. قال: ومن دخل مكة خائفًا لحرب فلا بأس. أي هذا يدخلها بغير إحرام. وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس "أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله ﷺ "اقتلوه". قال مالك: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذٍ محرمًا. قال الشافعي ﵁ حرم الله -تعالى- مكة، ثم أبان رسول

стр. 1649

الله ﷺ عن الله -تبارك وتعالي-، أنه حرم ما كان منها من صيد وشجر، وقال رسول الله ﷺ : "لا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها, ولا ينفر صيدها" قال: وأي صيد قتله حلال في بلد بعد مكة أو شجر قطعه فلا جزاء عليه، ويكره أن يقتله أو يقطع الشجر بالمدينة وكذلك يكره بوج من الطائف. قال في كتاب حرملة (١): أخبرنا سفيان قال: حدثنا زياد بن سعد، عن شرحبيل بن سعد قال: دخل علينا زيد بن ثابت حائطًا ونحن غلمان ننصب فخاخًا للطير فطردنا، وقال: إن رسول الله ﷺ حرم صيدها. قال: ولا بأس أن يرعى من نبات الحرم شجره ومرعاه، ولا خير في أن تحتش منه شيء لأن الذي حرم رسول الله ﷺ من مكة أن يختلي خلاها إلا الإذخر، والاختلاء والاحتشاش نتفًا وقطعًا، وحرم أن يعضد شجرها ولم يحرم أن يرعى. قال: ولا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل لأن له حرمة مباين بها ما سواها من البلدان، فلا أرى -والله أعلم- أن جائزًا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصيره بغيره. وبلغنا عن ابن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس وابن عمر أنهما كرها أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء. قال الشافعي ﵁ وأخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه، عن عبد الأعلى، عن عبد الله بن عامر قال: قدمت مع

стр. 1650

أمي -أو قال جدتي- مكة فأتتها صفية بنت شيبة فأكرمتها وفعلت لها، فقالت صفية: ما أدري ما أكافئها به، فأرسلت إليها بقطعه من الركن فخرجنا بها، فنزلنا أول منزل -فذكر من مرضهم وعلتهم جميعًا- قال: فقالت أمي -أو جدتي-: ما أرانا أتينا إلا أنَّا أخرجنا هذه القطعة من الحرم، فقالت لي -وكنت أمثلهم-: انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها وقل لها: إن الله قد وضع في حرمه شيئًا فلا ينبغي أن يخرج منه. قال عبد الأعلى: فقالوا لي: فما هو إلا أن تحينا دخولك الحرم، فكأنما أنشطنا من عقل. قال الشافعي ﵁ في كتاب النذور: وأحب إليَّ لو نذر المشي إلى مسجد المدينة أن يمشي، لأن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: إلي مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس". قال: وكان النبي ﷺ يأتي قباء راكبًا وماشيًا. وقد أخرج الشافعي ﵁ في سنن حرملة: عن سفيان، عن صالح بن كيسان، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من حج أو عمرة أو غزو فأوفى على فدفد من الأرض، قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون -إن شاء الله تعالى- عابدون لربنا حامدون، وصدق الله وحده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". وأخبرنا سفيان، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. يعني بذلك ولم يقل: إن شاء الله.

стр. 1651

قال الشافعي: وهكذا نحب لكل من قدم من سفر ما كان اقتداء بالنبي ﷺ . تم كتاب الحج وهو آخر الثالث وآخر ربع العبادات من كتاب الشافي في شرح مسند الإِمام الشافعي رضوان الله عليه غفر الله لمؤلفه، وشارحه، وكاتبه وصاحبه، وجميع المسلمين وكان الفراغ من نسخه ليوم الأحد تمام شوال سنة أربع وثلاثين وسبعمائة والحمد لله وحده ويتلوه في الرابع كتاب البيوع إن شاء الله ***

стр. 1652

الشَّافِي فيْ شَرْح مُسْنَد الشَّافِعي لابْنِ الأثِيرْ مَجْد الدِّيْن أبي السَّعادَاتْ: المبارَكْ بْن محمَّد بْن عَبْد الكريم الجزْريْ تحقيقْ أحمَدْ بْن سُليمان أبي تميم يَاسر بْن إبْراَهيَّم الجزْءُ الرَابْع مَكتَبةَ الرُّشْدِ نَاشِروُنْ

стр. 1653

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1654

الشَّافِي فيْ شَرْح مُسْنَد الشَّافِعي لابْنِ الأثِيرْ مَجْد الدِّيْن أبي السَّعادَاتْ: المبارَكْ بْن محمَّد بْن عَبْد الكريم الجزْريْ

стр. 1655

جميْع الحقوقْ محفوظة الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥مـ مَكتَبةَ الرُّشْدِ نَاشِروُنْ المملكة العربية السعودية - الرياض شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز) ص. ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١ Email:alrushd@alrushdryh.com Website:www.rushd.com * فرع طريق الملك فهد: الرياض - هاتف ٢٠٥١٥٠٠ فاكس ٢٠٥٢٣٠١. * فرع مكة المكرمة: هاتف ٥٥٨٥٤٠١ فاكس ٥٥٨٣٥٠٦. * فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ فاكس ٨٣٨٣٤٢٧. * فرع جدة: ميدان الطائرة - هاتف ٦٧٧٦٣٣١ فاكس ٦٧٧٦٣٥٤. * فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - هاتف ٣٢٤٢٢١٤ فاكس ٣٢٤١٣٥٨. * فرع أبها: شارع الملك فيصل - تلفاكس ٢٣١٧٣٠٧. * فرع الدمام: شارع الخزان - هاتف ٨١٥٠٥٦٦ فاكس ٨٤١٨٤٧٣. وكلاؤنا في الخارج القاهرة: مكتبة الرشد - ت ٢٧٤٤٦٠٥. بيروت: دار ابن حزم هانف ٧٠١٩٧٤. المغرب: الدار البيضاء - وراقة التوفيق - هاتف ٣٠٣١٦٢ فاكس ٣٠٣١٦٧. اليمن: صنعاء - دار الآثار - هاتف ٦٠٣٧٥٦. الأردن: عمان - الدار الأثرية ٦٥٨٤٠٩٢. البحرين: مكتبة الغرباء - هاتف ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣. الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع هاتف ٤٣٣٣٩٩٩٨ فاكس ٤٣٣٣٧٨٠٠. سوريا: دار البشائر ٢٣١٦٦٨. قطر: مكتبة ابن القيم - هاتف ٤٨٦٣٥٣٣.

стр. 1656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كتاب البيع ويشتمل على ستة أبواب الباب الأول فيما لا يجوز بيعه وما لا يصح وفيه ستة فصول الفصل الأول في بيع الثمار قبل أن [يبدو] (١) صلاحها أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائع والمشتري". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عبيد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ ... " يعني بنحوه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، عن عبد الله بن عمر: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قال عثمان: فقلت لعبد الله: متى ذلك؟ قال: طلوع الثريا". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة، أما مالك (٢) فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا.

стр. 1657

وأما البخاري (١) فأخرج الثانية عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٢) فأخرج الثانية عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وأخرج الثالثة عن يحيى بن أيوب، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، وابن حُجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الثمر حتى [يبدو صلاحه] " (٣). زاد في رواية: "فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال تذهب عاهته". وأما أبو داود (٤) فأخرج الثانية عن القعنبي عن مالك. وأما الترمذي (٥) فأخرج عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو". وأما النسائي (٦) فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، وأخرجه أيضًا (٧) عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر. "يبدو": يظهر، بدا يبدو بُدُوًّا مثل قعَد يقعد قعودًا، وصلاح الثمار: نضجها وبلوغها؛ وقد جاء في الرواية الرابعة من روايات الشافعي موضع ظهور الصلاح: ذهاب العاهة، وفسرها في رواية مسلم بظهور الصلاح، وذلك مناسب؛ فإن الصلاح ضد الفساد، والعاهة نوع من الفساد فإذا [ذهبت] (٨)

стр. 1658

عاهة الثمر وأمنت من الفساد، ولم يعرض [لها] (١) ما يمنعها من النضج والبلوغ فقد صلحت. "وزها" الثمر يزهو إذا ظهرت به أمارة النضج، يقال: إذا ظهرت الحمرة والصفرة في ثمر النخل فقد ظهر فيه الزهو، ويطلقون الزهو على البسْر الملوّن، وأهل الحجاز يقولون: الزُّهْو بضم الزاي، وقد زها النخل زهوًا، وأزها لغة، وهو من الزهو: المنظر الحسن؛ كأن [الثمرة] (٢) قد ظهر حسنها وجميل منظرها. وقوله: "طلوع الثريَّا" تعليق لبدو الصلاح بطلوع الثريا، وهو وقت مخصوص جريًا على عادة العرب. قال الأزهري: قال طبيب العرب: اضمنُوا لي ما بينْ غروب الثريَّا إلى طلوعها؛ أضمن لكم سائر السنة. وفي تفسير ابن عمر بذلك نظر؛ فإن طلوع الثريا وإن كانت في وقت واحد من السنة إلا أن البلاد تختلف ويختلف حكم نضج ثمارها بسبب الحر والبرد، فكلما كانت البلاد في جهة الجنوب أدخل كان نضج ثمارها أبطأ، ومع ذلك فطلوع الثريا لا يعتبر وليس المراد بطلوعها مجرد ظهورها من الأفق [فإنها] (٣) تطلع في كل يوم وليلة تظهر للأبصار في جميع السنة إلا في مرة مخصوصة من السنة وهي إذا قربت الشمس منها فإنها تستتر وتختفي بضوء الشمس بقدر ما تجوزها الشمس وتبعد عنها من جهة الشرق، هذا يمكن معه ظهورها فتطلع في الشرق قبل الشمس فَتُرَى عند طلوع الفجر، وذلك في أواخر العشر الأوسط من آيار، وتكون الشمس في أوائل برج الجوزاء، وهذا الوقت، وإن كان بمكة والمدينة وما يليهما من البلاد يبدو النضج في الثمار وخاصة ثمر النخل في هذا

стр. 1659

الوقت فإن غيرها من البلاد الشمالية لا يبدو النضج فيها في هذا الأوان، فكان تقدير بدو النضج بالاحمرار والاصفرار اللذين لا يلازمان وقتًا مخصوصًا أولى، ولذلك قال النبي ﷺ لما سئل عن الزهو قال: "أن يحمرّ أو يصفر" وسيرد ذلك في حديث أنس بن مالك (١)، ثم الغرض من بلوغ الثمار: زوال الغرر، وذلك يحصل ببدو صلاحها لا بطلوع الثريا. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الثمرة إذا باعها ربها قبل بدو صلاحها بشرط القطع جاز، وإن باعها بشرط الإبقاء، أو مطلقًا [لم] (٢) يجز، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إذا باعها مطلقًا جاز، وعنده أن المطلق يقتضي القطع في الحال؛ فهو بمنزلة اشتراط القطع. وعند الشافعي يقتضي الإبقاء، فهو بمنزلة اشتراط الإبقاء، فأما إذا باعها بعد بدو صلاحها فإنه يجوز بشرط القطع، ومطلقًا، وبشرط الإبقاء إلى حال أخذها في العادة، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بشرط الإبقاء. إلا أن محمدًا قال: إذا تناهى عظمها يجوز فيها شرط الإبقاء، فأما بيان بدو الصلاح فإن كانت الثمرة مما يصفر أو يحمر أو يسود فبدو الصلاح في الأصل فيها هذه الألوان، فإن كانت مما يبيض فبدو صلاحها أن تبدو فيه الحلاوة ويصفو لونه، فإن كان مما [لا] (٣) يتلون فبأن يطيب أكله. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس ابن مالك: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، فقيل: يا رسول الله: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر". وقال رسول الله ﷺ : "أرأيتم إذا منع الله الثمرة فبمَ يأخذ أحدكم مال

стр. 1660

أخيه؟! ". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا القعنبي، عن حميد، عن أنس: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع ثمرة النخل حتى تزهو، قيل: وما يزهو؟ قال: تحمر". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي. فأما مالك (١) فأخرج الأولى بالإسناد واللفظ، وقال "حين تحمر". وأما البخاري (٢) فأخرج الأولى عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وفي أخرى (٣) عن علي بن الهيثم، عن معلى، عن هشيم عن حميد، عن أنس عن النبي ﷺ : "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها؛ وعن النخل حتى يزهو، قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار". وأما مسلم (٤) فأخرج عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك، وعن يحيى ابن أيوب وقتيبة وابن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد. وأما النسائي (٥) فأخرجه عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. وقد اختلف على حميد في آخر الحديث، فرواه جماعة عن مالك كما رواه الشافعي، ورواه إسماعيل بن جعفر، عن حميد فلم يسند آخره، وكذلك سفيان الثوري رواه عن حميد فجعله من قول أنس بن مالك، وأسنده محمد بن عباد عن الدراوردي، عن حميد كما أسنده مالك والله أعلم. وهذا الحديث مسوق لتأكيد الحديث الذي قبله، وقد جمع في الزهو بين

стр. 1661

اللغتين زها يزهو، وأزهى يزهي وغال فيه بذكر سبب النهي، وهو ما يحدثه الله للثمرة من الآفات، فإذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها وعرضت له آفة كان إضرارًا بالمشتري. فأما إذا بدا صلاحها وشرعت في النضج فما يكون إلا وقد بعدت من الآفة غالبًا. وأما نهيه للبائع فمن وجهين: أحدهما: احتياطًا له بأن يدعها حتى يتبين صلاحها فتزداد قيمتها ويكثر نفعه منها. والثاني: أن يكون مناصحة لأخيه المسلم، واحتياطًا لمال المشتري لئلا تنالها الآفة فيذهب ماله، أو يطالبه بأصل الثمن من أجل الجائحة فيكون بينهما في ذلك شرٌّ وخلاف، فقد لا يطيب للبائع مال أخيه من جهة الورع؛ إذ لا قيمة له في الحال فيصير كأنه نوع من أكل المال بالباطل. وأما نهيه المشتري فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله؛ لأنها ربما تلفت بما [ينالها] (١) من الآفة؛ فيذهب ماله غرامة، أخرج الكلام مخرج السؤال والاستفسار حتى يكون ذلك أقوى في باب الاحتجاج، لأنه إذا سمع السؤال وأجاب عنه بما يكون حجة عليه كان كلامه أشد في باب الإلزام بالحكم؛ لاعترافه به. وقد جاء في رواية الشافعي وغيره: "حتى تحمر"، وفي الموطأ: "حين تحمر" فإن صحت الرواية ولم يكن تغييرًا من الكُتَّاب؛ فالفرق بينهما أن قوله "حين تحمر" جملة في موضع البدل من الجملة الأولى التي هي "حتى يزهي". كأنه قال: ابتداءً نهى: عن بيع الثمار حتى تحمر، وأما "حين تحمر" فإنه

стр. 1662

تفسير لزمان الزهو كأنه قال: نهى عن بيع الثمار إلى حين احمرارها. والأول أفصح وأصح؛ لأن الزهو ليس هو وقت الاحمرار وإنما هو الاحمرار نفسه أو الاصفرار. وقوله: "أرأيتم" بمعنى أخبروني، هكذا استعمله العرب، وقد يضيفون إليها كاف الخطاب فيقولون: أرأيتكم، وأرأيتك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ﴾ (١) و ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (٢) و ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٣). ويحمار ويصفار لغة في يحمر ويصفر بزيادة الألف تقول: احمر البسر واحمار، واصفر واصفار إذا كانت العمرة والصفرة فيه غير ثابتة إنما تميل إليه مرة بعد أخرى، فإذا أرادوا بها ثابتة لازمة؛ قالوا: أحمر وأصفر. وقال في رواية البخاري: "نهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها". هذا إطلاق عام لجميع الفواكه، ولما كان الصلاح متنوعًا ومختلفًا في اللون والطعم وغير ذلك وكان القول مطلقًا في جميع الثمار؛ قال: حتى يبدو صلاحها مطلقًا, ولما خصص ذكر النخل بالنهي، خصص الصلاح بالحمرة والصفرة؛ لأنهما الغالب على ألوان البسر؛ وإنما يسود منه ما اسود ويرطب بعد الاحمرار والاصفرار. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر -إن شاء الله-: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه". قال ابن جريج: "فقلت: أخص جابر النخل أو الثمرة؟ فقال: بل النخل،

стр. 1663

ولا نرى كل ثمرة إلا مثله". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي؛ أما البخاري (١) فأخرجه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن [سليم] (٢) بن حيان، عن سعيد بن ميناء عن جابر بمعناه. وأما مسلم فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر. وأما أبو داود (٢) فأخرجه عن أبي بكر محمد بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، عن [سليم] (٣) بن حيان مثل البخاري. وأما النسائي (٤) فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر. وهكذا (٥) الحديث مسوق لأمرين: أحدهما بيان تأكيد ما تقدم من الأحاديث في بيع الثمار. والثاني: لبيان اشتراك جميع الثمار في الحكم، نخيلاً كان أو غيره من الأشجار، وكذلك البطيخ والقثاء وغيرهما مما كان في معناهما. وقوله: "إن شاء الله" لا يجوز أن يكون من الشافعي لأنه قد روى في تمام الحديث: "فقلت أخص جابر النخل" ولو كان الشك منه لم يقل ذلك وهكذا

стр. 1664

باقي الرواة؛ وإنما يصح أن يكون من عطاء فإنه لما شك قال: إن شاء الله، وحيث شك وذكر جابرًا؛ قال له ابن جريج ما قال. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو عن؛ طاوس سمع ابن عمر يقول: "لا يباع الثمر حتى يبدو صلاحه" وسمعنا عن ابن عباس يقول: "لا يباع الثمر حتى يطعم". "طعم الثمر": إذا صار مما يؤكل، بأن، يظهر فيه أمارات النضج. وقوله: "لا يباع" خبر يراد به النهي، وكأنه بالخبرية آكد؛ لأنه منع ابتياعه، "لا" النافية قد جعله غير صالح لأن يجري عليه البيع، وهذا تأكيد لما سبق من الأحاديث. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الرجال، عن عمرة: "أن رسول الله [صلى الله] (١) عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة". هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٢) مرسلًا بهذا الإسناد واللفظ. ونجاة الثمار من العاهة إنما يكون بعد بدو الصلاح في الغالب؛ لأنها ما تصلح وتنضج إلا وهي مستقيمة في أصلها ونموها, ولو عرضت لها العاهة قبل النضج ما نضجت، فأما بعد النضج فإذا عرضت العاهة فإنه قليل غير معتاد. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد -أظنه- عن ابن عباس: "أنه كان يبيع الثمر من غلامه قبل أن يطعم، وكان لا يرى بينه وبين غلامه ربًا" قال الشافعي: في سنن رسول الله ﷺ دلالته منها: أن بدو صلاح الثمر

стр. 1665

الذي أحل بيعه: أن يحمر أو يصفر ودلالة إِذْ قال: "إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" [أنه] (١) إنما نهى عن بيع الثمرة التي تترك حتى تبلغ غاية إبَّانها, لا أنه نهى عما يقطع منها؛ وذلك أن ما يقطع منها لا آفة تأتي عليه تمنعه، إنما [منع] (٢) ما يترك مدة تكون فيها الآفة، والبلح [وكل] (١) ما دون البسر يحل بيعه ليقطع مكانه؛ لأنه خارج [عما] (٣) نهى عنه رسول الله ﷺ من البيوع، داخل فيما أحل الله من البيع، والله أعلم. ...

стр. 1666

الفصل الثاني في المزابنة والعرايا أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الثمر بالتمر". قال عبد الله حدثني زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا". وأخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن إسماعيل الشيباني -أو غيره- قال: "بعت ما في رءوس نخلي بمائة وسق؛ إن زاد فلهم وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع هذا إلا أنه رخص في بيع العرايا". هكذا رواه الربيع وقد رواه الزعفراني والمزني عن الشافعي، و [قالا] (١) عن إسماعيل الشيباني ولم يشكَّا فيه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله [عن] (٢) زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة". و"المزابنة": بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً. صدر الرواية الأولى من هذا الحديث قد تقدم في الفصل الأول، وقد أتبعه ها هنا ابن عمر بزيادة من روايته وهو: "بيع الثمر بالثمر"، وبروايته عن زيد

стр. 1667

الرخصة في بيع العرايا، وهاتان الزيادتان مع أول الحديث قد أخرجهما البخاري ومسلم؛ أما البخاري (١) فأخرجهما عن يحيى بن بكير، عن ليث، عن عقيل، عن الزهري ... وقال فيه: "أن النبي ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره". وأما مسلم (٢) فأخرجه عن يحيى بن يحيى وابن نمير وزهير، عن سفيان بالإسناد واللفظ. وأما مالك فإنه أخرج الزيادتين في حديثين، أحدهما الرواية الأخيرة (٣)، والثانية (٤) في رواية ابن عمر عن زيد بن ثابت. وأخرج البخاري (٥) ومسلم (٦) حديث زيد بن ثابت أيضًا مفردًا، عن عبد الله بن يوسف، ويحيى بن يحيى عن مالك. وأما أبو داود (٧) فأخرج عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن أبي زائدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وأخرج الرواية الآخرة (٨) وزاد فيها "وعن بيع الزرع بالحنطة كيلًا". وأما الترمذي (٩) فإنه أخرج "بيع الثمر بالتمر" بلفظ المزابنة ولم يفسرها. وأخرج حديث العرية (١٠) عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن

стр. 1668

نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت. وأما النسائي (١) فلم يخرج منه إلا النهي عن المزابنة. "الثمر": يريد به ها هنا الرطب؛ وإن كان اسمًا عامًّا لكل ثمرة. "والعرايا" جمع عرية، وقد اختلف العلماء في معناها، قالوا: كان من لا نخل له من ذوي الحاجة يفضل له من قوته تمر، فيدركه ولا نقد في يده، فيشتري به الرطب لعياله ولا نخل له، فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له: بِعني ثمرة نخلةٍ أو نخلتين -مثلًا- بخرصهما تمرًا، يعني بمقدار ما يحصل من رطبهما تمرًا، فيعطيه ذلك الفضل الذي فضل له من التمر بثمر تلك النخلات ليصب رطبها مع الناس، فرخص رسول الله ﷺ في بيعها لذلك (٢)، فهي فعيلة بمعنى مفعولة من عَرَاهُ يَعْرُوه إذا قصدها في بيعها لذلك وغشيه. أو فعيلة بمعنى فاعلة من عَرِيَ يَعْري [إذا خلع ثوبه] (٣) كأنها عريت من جملة التحريم، فعريت أي انفردت وخرجت. وقيل: العرية النخلة يعريها الرجل الرجل محتاجًا، أي يحل له ثمرتها، ورخص للمعرى أن يبتاع ثمرتها من المعري بتمر؛ لموضع حاجته وسميت عرية؛ لأنه إذْ وهب ثمرتها فكأنه جردها من الثمرة وعراها منها. وأما "المزابنة": فهو بيع الثمر في رءوس الشجر إن كان نخلًا فبتمر كيلاً، وإن كان كرمًا فبزبيب كيلاً، وأصلها من الزبن: الدفع، كأن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه. والخرص [الحزر] (٤) خرص يخرص فهو خارص، وذلك أن يحزر ثمر

стр. 1669

الشجرة بوزن معلوم أو كيل معلوم تخمينًا وتقريبًا. وقوله: في رواية إسماعيل: الشيباني: "نهى رسول الله ﷺ عن هذا" يريد به بيع الثمر بالتمر، ويجوز أن يريد به قوله: "إن زاد فلهم وإن نقص فعليهم" فإنه قد حُكي عن مالك أنه قال في تفسير المزابنة: أن يقول أحد المتبايعين لصاحبه في صبرة مشاهدة: ضمنت لك صبرتك هذه بمائة قفيز، فيقول المالك: هي أقل من ذلك فيقول لمالكها: تكال الآن فإن نقصت فعليّ التمام وإن زادت فالفضل لي قال الشافعي ﵁: ليس هذا عقدًا وإنما قمار، والقصد بالنهي عن عقدٍ. وقد ذكر الخطابي في "معالم السنن" كلامًا مستوفى في معنى العرايا قال: العرية فسرها محمد بن إسحاق بن يسار فقال: هي أن يهب الرجلُ الرجلَ النخلات فيشق عليه أن يقوم عليها فيبيعها بمثل خرصها. قال: وروى الشافعي عمن قال لمحمود بن لبيد -أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبي ﷺ إما زيد بن ثابت وإما غيره- "ما عراياكم هذه التي تحلونها؟ فقال: [فلان وفلان] (١) وسَمَّى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به [رطبًا] (٢) يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي هو في أيديهم يأكلونها رطبًا. قال: وأما أصلها في اللغة؛ فإنهم ذكروا في معنى اشتقاقها قولين: أحدهما: أنها مأخوذة من قول القائل: أعريت الرجل النخلة. أي أعطيته ثمرتها يعروها متى شاء، أي يأتيها فيأكل ثمرتها، يقال: عروت الرجل أعروه

стр. 1670

إذا أتيته تطلب معروفه، وعراني فأعريته كما تقول: طلب إلى فأطلبته، وسألني فأسألته. والقول الثاني: أنها إنما سميت عريَّة لأن الرجل يعريها من جملة نخله، أي يستثنيها لا يبيعها مع النخل، فربما أكلها وربما وهبها لغيره أو فعل بها ما يشاء. قال: والعرايا ما كانت من هذه الوجوه فإنها مستثناة من جملة النهي عن المزابنة، ألا تراه يقول: رخص في بيع العرايا؛ والرخصة إنما تقع بعد الحظر، وورود الخصوص على العموم لا ينكر في أصول الدين، وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن الجمع بينهما، وترتيب أحدهما على الآخر ألا يحملا على المنافاة بل يستعمل كل منهما في موضعه، وذلك أنه إنما جاء النهي عن المزابنة وهو بيع الرطب بالتمر على رءوس النخل، واستثنى منها العرايا للحاجة التي ذكرناها. وبه قال الأئمة والفقهاء، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي ومالك وأحمد، وإسحاق وأبي عبيد، وامتنع أصحاب الرأي من القول به، فسروا العرية تفسيرًا لا يليق بمعنى الحديث؛ قالوا: العرية أن يعري الرجلُ الرجلَ من حائطه نخلاتٍ ثم يبدو له فيها فيبطلها ويعطيه مكانها تمرًا. فجعلوا العرية هبة، والحديث إنما جاء بالرخصة في البيع، فإنه قد صرح به في حديث زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر: ورخص في العرية أن تباع بخرصها تمرًا فيأكلها أهلها رطبًا" فهذا يبين لنا أنه قد استثنى العرية من جملة ما اقتضاه تحريم النهي عن بيع الثمر بالتمر والظاهر أن المستثنى إنما هو من جنس المستثنى منه، والرخصة إنما تلغى المحظور، والمحظور ها هنا البيع المنهي عنه، ولو كان الأمر على ما تأوَّلوه من الهبة؛ ما كان للخرص ولا للرخصة معنى، ولا وجه لبيع ملكه من نفسه؛ لأن الهبة تتعلق صحتها بالإقباض، والإقباض لم يقع، فلم يَزُل الملك.

стр. 1671

والاسم ما وُجد له مساغ في الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، ومما يدل على أن معنى الرخصة في العرية ما جاء في حديث أبي هريرة: "أنه رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق" ولولا ذلك لم يكن لتحديدها بالأوسق معنى، ولا حظر في شيء مما ذهبوا إليه في تفسيرها فيحتاج إلى الرخصة، والله أعلم. انتهى كلام الخطابي. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن بيع الرطب بالتمر لا يصح، والأصل فيه أنه لا يجوز بيع جنس يجري فيه الربا رطبه بيابسه مثل بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب والتين الرطب باليابس، وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الرطب بالرطب -وقال مالك وأبو حنيفة وصاحباه وأحمد والمزني: يجوز، والذي ذهب إليه الشافعي أن العرايا من النخل والعنب، فأما ما عدا ذلك من الثمار التي تجفف مثل المشمش والخوخ والأجاص ففي بيعه طريًّا بخرصه قولان: أحدهما: يجوز؛ حملًا على النخل والكرم. والثاني: لا؛ لأن الخرص لم يسن فيها كما سن في النخل والكرم، ويتعزر خرصها؛ لاستتار ثمرتها بورقها، وكيفية بيع العرية: أن الرجلين إذا تبايعا العرية وجب أن يُنْظَر إلى الثمرة على النخل ويحذر ذلك رطبًا وكم يجيء منه ثمرًا فيتبايعان بمثل ذلك تمرًا، ويشاهد الثمر، ولا يتفرقا إلا بعد القبض. وقد اختلف قول الشافعي فيمن يجوز له شراء العرية فقال في "الأم": يجوز للفقير والغني، وقال في "الإملاء" و"اختلاف الحديث": لا يجوز للفقير. واختاره المزني وبه قال أحمد، ولا يجوز بيع رطب العرية بخرصه تمرًا إلا إذا كان على رأس النخل، فأما إذا كان مقطوفًا من النخل لم يجز.

стр. 1672

قال الشافعي: ويجوز أن يبيع جميع نخله عرايا في عقود مختلفة بكل عرية في عقد من مشتر واحد أو مشتريين مختلفين، وإن أتى على جميع نخيله، وقال أحمد: لا يجوز أن يبيع أكثر من عرية واحدة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق" شك داود قال: خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي. فأما مالك فأخرجه بالإسناد واللفظ (١). وأما البخاري (٢) فأخرجه عن عبد الله بن عبد الوهاب قال: سمعت مالكًا، و [سأله] (٣) عبيد الله بن الربيع أحدثك داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ رخص في بيع العريا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق؟ قال: نعم". وأما مسلم (٤) فأخرجه عن القعنبي ويحيى بن يحيى، عن مالك، مثل البخاري، وزاد: "قال: شك داود قال: خمسية أوسق أو دون خمسة أوسق". وأما أبو داود (٥) فأخرجه عن القعنبي عن مالك ... الحديث إلى قوله: "شك داود". وأما الترمذي (٦) فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. "الوسق" قد تقدم بيانه، وهو ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث،

стр. 1673

أو ثمانية أرطال على اختلاف المذهبين؛ فالأوساق الخمسة ثلاثمائة صاع وهي ألف وستمائة رطل، أو ألفان وأربعمائة رطل. والمذهب في بيع العرايا: أن بيع الرطب على رءوس النخل بمقداره من التمر إذا كان دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق قولان، ولا يجوز فيما زاد على ذلك، وبه قال أحمد، إلا أن في إحدى الروايتين عنه بخرصه رطبًا ويبيعه بمثله. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك بحال، وقال مالك يجوز في موضع مخصوص، وهو أن يكون قد وهب لرجل ثمرة نخله [ثم] (١) يشق عليه دخوله إلى (قراحه) (٢) فيشتريها منه بخرصها من التمر فيعجله له، هكذا في حق المُعْرِي إذا باعه من المَعْرِي، فأما إذا باعها من غير المَعْرِي فيجوز بالدراهم والدنانير والعروض. قال ابن المنذر: الرخصة في خمسة أوسق مشكوك فيها من قبل داود بن الحصين، والمزابنة النهي عنها ثابت، فالواجب أن لا يباح منها إلا القدر المتيقن إباحته وهو ما دون خمسة أوسق، وقد رواه جابر فانتهى به إلى أربعة أوسق فهو المباح وما زاد عليه فهو محظور. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار قال: سمعت سهل بن أبي حَثْمة يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي

стр. 1674

فأما البخاري (١) فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان. وأما مسلم (٢) فأخرجه عن عمرو الناقد وابن نمير، عن سفيان. وأما أبو داود (٣) فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان. وأما الترمذي (٤) فأخرجه عن الحسن بن علي الحلواني، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن بُشير بن يسار أن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حَثمة حدثاه: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا؛ فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمرة بخرصها". وقد أخرج مسلم (٥) هذه الرواية أيضًا. قوله: "تمرًا ورطبًا" منصوبان على التمييز الذي هو التفسير، وهو من باب قولهم: هذا وأخوه حلا، وعلى الثمرة مثلها زيدًا، أي من حل ومن زيد، وكذلك الحديث: "بخرصها من التمر ومن الرطب"، وقد صرح في حديث الترمذي بأن جميع الثمار حكمها حكم النخل (٦). قال الشافعي: فأثبتنا بهذه الأحاديث التحريم عامًّا في كل شيء من صنفٍ واحدٍ مأكول، بعضه جزاف وبعضه مكيل؛ للمزابنة، وأحللنا العرايا خاصة بإحلاله من الجملة التي حرم، ولم يبطل أحد الخبرين بالآخر، ولم يجعله قياسًا عليه.

стр. 1675

قال [ويحتمل] (١) ذلك وجهين: أولاهما به عندي -والله أعلم- أن يكون ما نهى عنه جملة أراد به ما سوى العرايا. ويحتمل أن يكون رخص فيها بعد دخولها في جملة النهي، وأيهما كان؛ فعلينا طاعته بإحلال ما أحل وتحريم ما حرم. قال الشافعي: وقوله ﷺ : "يأكلها أهلها رطبًا" خبر، أي مبتاع العرية يبتاعها ليأكلها، وذلك [يدل] (٢) على أن لا رطب له في موضعها يأكله غيرها، ولو كان صاحب الحائط هو المرخص له أن يبتاع العرية ليأكلها كان له حائطه معها أكثر من العرايا يأكل من حائطه ولم يكن عليه ضرر إلى أن يبتاع العرية التي هي داخلة في معنى ما وصفت من النهي. قال: ونَهْيُ النبي ﷺ أن تباع العرايا: إلا في خمسة أوسق أو دونها؛ دلالة على ما وصفت من أنه إنما رخص فيها لمن لا تحل له و [ذلك أنه] (٣) لو كان كالبيوع غيره؛ كان بيع خمسة ودونها وأكثر منها سواء، ولو كان صاحب الحائط المرخص له خاصة لأذى الداخل عليه الذي أعراه [وكان إنما أرخص له لتنحية الأذى] (٤) كان أذى الداخل عليه بأكثر من خمسة أوسق مثل أو أكثر من أذاه فيما دون خمسة أوسق. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر، إلا أنه [أرخص] (٥) في العرايا".

стр. 1676

هذا طرف من حديث صحيح يتضمن منهيات قد أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) فمن جملة طرفه: أنه نهى عن المحاقلة والمخابرة والمزابنة وعن بيع الثمرة حتى تطيب ويبدو صلاحها ولا تباع بعد أن يبدو صلاحها إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا فإنها تباع بخرصها تمرًا". وباقي الروايات نحو من هذا, ولم ينفرد واحد منهم بذكر المزابنة واستثنى العرايا في حديثه حتى كنا نذكر طرق رواياتهم والله أعلم. ...

стр. 1677

الفصل الثالث المحاقلة والمخابرة أخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة" "والمحاقلة": أن يبيع الرجلُ الرجلَ الزرعَ بمائة فرق [حنطة] (١)، والمخابرة: كراء الأرض بالثلث والربع. هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا مالكًا. أما البخاري (٢) فأخرجه عن [عبد الله بن] (٣) محمد [عن] (٣) ابن عيينة. وأما مسلم (٤) فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، وزهير، عن سفيان. وأما أبو داود (٥) فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل. وعن مسدد، عن حماد، وعبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر. وأما الترمذي (٦) فأخرجه عن [زياد] (٧) بن أيوب البغدادي، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، يونس بن عبيد، عن عطاء، وزاد: "والثنيا إلا أن تعلم". وأما النسائي (٨) فأخرجه عن زياد بن أيوب، عن عباد بن العوام، عن سفيان

стр. 1678

ابن حسين، عن يونس، عن عطاء. ولو لم يذكر تفسير المزابنة والمخابرة. أما "المحاقلة" فهي مفاعلة من الحقل وهو الأرض المعدة للزراعة، ويسميه العراقيون القراح، وقد اختلف في معناها شرعًا، فقيل: هو بيع الزرع في سنبله بمقدار من الغلة معلوم، وهو الذي فسره في هذا الحديث، وقيل: هو المزارعة بالثلث والربع ونحو ذلك، فيكون هو المخابرة، وهذا فاسد؛ لأنه جمع في النهي بين المخابرة والمحاقلة في حديث واحدٍ، وقيل هو كراء الأرض بالحنطة، وقيل: الحقل الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه (١)، فإن كانت المحاقلة من هذا فهو بيع الزرع قبل إدراكه. قال الشافعي: والمحاقلة في الزرع كالمزابنة في التمر. أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج: أنه قال لعطاء: "وما المحاقلة؟ قال: المحاقلة في الحرث كهيئة المزابنة في التمر، سواء بيع الزرع بالقمح، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: أفسر لكم جابر في المحاقلة كما أخبرتني؟ قال: نعم". قال الشافعي: وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ منصوصًا والله أعلم، ويحتمل أن يكون عن رواية من هو دونه والله أعلم (٢). وأما "المخابرة" فليس هذا موضع ذكرها، إلا أنها جاءت في جملة الحديث، وهي المزارعة على نصيب معين، من الخبار: الأرض اللينة، فهي مفاعلة من ذلك، وقيل: إن أصلها مشتق من خيبر، لأن رسول الله ﷺ أقر خيبر في يد أهلها لماَّ فتحها على أن لهم النصف من ثمارهم وزروعهم [مقابل] (٣) العمل، فقيل: قد خابرهم أي [عاملهم] (٤) في خيبر، فهذا معنى قوله في تفسير المخابرة

стр. 1679

أنها كراء الأرض بالثلث والربع ولم يرد بالثلث والربع تخصيصهم من جملة الأقسام كالنصف والخمس والسدس وغير ذلك؛ إنما أراد بهما ضرب المثال، وكذلك ليس لتخصيصه بمائة فرق في المحاقلة والمزابنة حدًّا؛ إنما يريد به ضرب المثال، والفَرق بسكون الراء معروف بالمدينة يسع ستة عشر رطلًا وقد يحرك، ويجمعان على فرقان، بَطْن وبَطْنَان، وحمل وحملان، وقال الشيخ أبو نصر بن الصباغ: والفرق -بالفتح- مكيال يسع ستة عشر رطلاً، فأما بالسكون فإنه يسع مائة وعشرون رطلًا. وهذا لا يعرفه أصحاب اللغة. "والثُّنْيَا": أن يستثني من المبيع شيء مجهول فيفسد الجميع، ولهذا قال: "إلا [أن يعلم] (١) مقدارها" وهي فُعلى من الاستثناء، وقيل: هو أن يبيع الشيء جزافًا", ولا يجوز أن يستثني منه شيئًا قَلُّ أم كَثُر، وتكون الثُّنْيَا في الزراعة أن يستثني بعد النصف أو الثلث شيئًا معلومًا، والذي ذهب إليه الشافعي في المحاقلة: أنها بيع الحنطة في سنبلها بحنطة كما جاء في هذا الحديث، وقال مالك هي إكراء الأرض للزرع بالحب، ولا يجوز عند الشافعي بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة؛ لأنه يكون قد باع حنطة بحنطة مع الجهالة بالتساوي، وباعها بها نسيئة وذلك لا يجوز؛ لأن المساواة والتقابض شرط في بيع الحنطة بالحنطة وهذا مجهول، وفيه النسيئة. قال الربيع: قلنا للشافعي: إن علي بن معبد أخبرنا بإسناد عن النبي ﷺ : "أنه أجاز بيع القمح في سنبله إذا ابيض" قال: أما هو فغرر؛ لأنه يحول دونه لا يرى فإن ثبت الخبر عن النبي ﷺ قلنا به، وكان هذا خاصًّا مستخرجًا من عام؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر وأجاز هذا، وكذلك أجاز بيع الشقص من الدًّار، فجعل فيه الشفعة لصاحب الشفعة وإن كان فيه غرر، وكان خاصًّا مخرجًا [من] (٢) عام.

стр. 1680

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي، سعيد الخدري أو عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة؛ والمزابنة اشتراء الثمرة بالتمر في رءوس النخل، والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة". هكذا رواه الربيع عن الشافعي بالشك، وقد رواه الزعفراني عن الشافعي، عن أبي سعيد لم يشك فيه، وكذلك رواه أحمد بن حنبل، عن الشافعي من غير شك. والحديث صحيح متفق عليه عن أبي سعيد، وعن أبي هريرة. أما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري (١)، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٢) فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك. وأخرجه النسائي (٣) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن آدم، عن عبد الرحيم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (٤)، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (٥) بإسناد مسلم. وأخرجه النسائي (٦) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن

стр. 1681

[سَعْد] (١) بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا الحديث مؤكد للحديث الذي قبله، وقد سبق القول في معناه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر، والمحاقلة اشتراء الزرع بالحنطة. قال ابن شهاب: فسألته عن استكراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس بذلك. هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد أخرجه مسلم بزيادة في آخره ولم يذكر قول ابن شهاب، وأخرجه النسائي مختصرًا. فأما مسلم فأخرجه (٢) عن محمد بن رافع، عن حجين، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة والمزابنة: أن يباع تمر النخل بالتمر، والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح، واستكراء الأرض بالقمح. وأما النسائي (٣) فأخرجه عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ .. " مرسلًا. هذا الحديث قد تقدم بيانه، وكل هذه الأحاديث مؤكدة لما ذهب إليه الشافعي في تفسير المحاقلة والمزابنة والحكم فيهما، وقد فسر مسلم في هذا الحديث المحاقلة بالأمرين المذكورين وهما بيع الزرع بالحنطة، وكراء الأرض بالحنطة وهي القمح، وقد تقدم القول فيما سلف.

стр. 1682

الفصل الرابع في بيع ما لم يقبض أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى [يستوفيه". أخبرنا الشافعي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى] (١) يقبضه". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود. فأما مالك (٢) فأخرج الروايتين إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٣) فأخرجه عن مالك، عن نافع. وأما مسلم (٤) فأخرج الأولى [عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع وأخرج الثانية] (٥) عن يحيى بن يحيى وعلي بن حجر، عن إسماعيل، عن ابن دينار. وأما أبو داود (٦) فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، عن نافع. "ابتاع" افتعل من البيع، وهو بمعنى اشترى. و"الطعام" كل ما يقتات ويؤكل.

стр. 1683

و"الاسْتيفاء" استفعال من وفى، وقال في الرواية الأخرى: "حتى يقبضه" والاستيفاء والقبض ها هنا بمعنى واحد. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أَنه لا يجوز بيع جميع المبيعات قبل القبض، ولا فرق بين الطعام وغيره، وبه قال ابن عباس ومحمد بن الحسن، وإنما خص الطعام بالذكر؛ لأن الحاجة إليه أكثر والبيع له يتكرر. وقال مالك: كل مبيع يجوز بيعه قبل القبض سوى الطعام والشراب. وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: ما ليس يكيل ولا يوزن ولا معدود؛ يجوز بيعه قبل القبض، وبه قال الحسن البصري، وابن المسيب، وحماد. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما لا ينقل ويحول؛ يجوز بيعه قبل القبض. وأما حقيقة القبض في المنقولات: فإنه تحويلها من مكانها؛ فإذا باع طعامًا جزافًا فَقَبْضُه تحويله، وإن كان مكيلاً فَقَبْضُه كيله، وإن كان مما لا ينقل فقبضه تخليته من يد البائع، وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: التخلية في كل ذلك قبض؛ لأنه خَلَّى بينه وبين المبيع [من غير] (١) مانع، وأما إذا ابتاع طعاماً مكيلاً معلومًا ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على المشتري ثانيًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق [وهو] (٢) قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي. وقال مالك: إذا باعه نسيئة فهو المكروه، وإذا باعه نقدًا فلا بأس أن يبيعه بالكيل الأول. وروي عن عطاء أنه أجاز بيعه نسيئة ونقدًا. وأخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن

стр. 1684

عباس قال: "أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يستوفى" وقال ابن عباس برأيه، ولا أحسب كل شيء إلا مثله. هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" وعاد فأخرجه في كتاب اختلافه مع مالك مثله، وقال فيه: "حتى يقبض" هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. أما البخاري (١) فأخرجه عن [علي بن عبد الله] (٢)، عن سفيان. وأما مسلم (٣) فأخرجه عن يحيى بن يحيى وأبي الربيع العتكي وقتيبة جميعًا عن حماد بن زيد، عن عمرو. وأما أبو داود (٤) فأخرجه عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان. وأما الترمذي (٥) فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو. وهذا الحديث مؤكد بحديث ابن عمر، وفي لفظه زيادة تأكيد وهو قوله: "أما الذي نهى عنه" فجاء بلفظ حاصر جامع حتى كأنه قد حصر النهي على هذا خاصة. وقول ابن عباس: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله" قياس ظاهر؛ لأنه عرف أن علة المنع من بيع الطعام قبل القبض هي أن ضمان العين المبيعة على البائع حتى يقبضها المشتري، فإن وجدت هذه العلة في غير الطعام كان محمولًا عليه وله حكمه، وذلك أن المبيع لو تلف بآفة سماوية مثلا قبل القبض انفسخ البيع،

стр. 1685

واسترد المشتري الثمن إذا كان المبيع جزافًا لا مقدَّرًا. قال الشافعي: وبهذا نقول، فمن ابتاع شيئًا كائنًا ما كان فليس له أن يبيعه حتى يقبضه، وذلك أن [من] (١) باع ما لم يقبض؛ فقد دخل في المعنى الذي يروي بعض الناس عن النبي ﷺ أنه قال ذلك لعتاب بن أسيد حين وَجَّهه إلى مكة: "انههم عن بيع ما لم يقبضوا، وربح ما لم يضمنوا". قال الشافعي: فهذا بيع ما لم يُقبض وربح ما لم يُضمن. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن موهب، عن عبد الله بن محمد ابن صيفي، عن حكيم بن حزام أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألم أنبأ -أو ألم يبلغني، أو كما شاء الله من ذلك- أنك تبيع الطعام؟ قال حكيم: بلى يا رسول الله، قال: لا تبيعن طعامًا حتى تشتريه وتستوفيه". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، عن عطاء -ذلك أيضًا- عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام أنه سمعه منه عن النبي ﷺ . وقد أخرج المزني عن الشافعي ﵁ عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عطاء، عن حكيم قال: "كنا نشتري الطعام، فنهاني رسول الله ﷺ أن أبيع طعامًا حتى أقبضه". هذا حديث حسن. قوله: "ألم أنبَّأْ أنك تبيع" استفهام تقرير وتثبيت، بخلاف قولك لو قلت: أتبيع، فإن الأول يتضمن أنك عارف أنه يبيع، وأنه يعلم أنك لم ترد باستفهامه زيادة معرفة وعلم ببيعه، إنما تريد به تقريره وتثبيته على ما عُرف من حاله.
следующие страницы →