← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

[سَعْد] (١) بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا الحديث مؤكد للحديث الذي قبله، وقد سبق القول في معناه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر، والمحاقلة اشتراء الزرع بالحنطة. قال ابن شهاب: فسألته عن استكراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس بذلك. هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد أخرجه مسلم بزيادة في آخره ولم يذكر قول ابن شهاب، وأخرجه النسائي مختصرًا. فأما مسلم فأخرجه (٢) عن محمد بن رافع، عن حجين، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة والمزابنة: أن يباع تمر النخل بالتمر، والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح، واستكراء الأرض بالقمح. وأما النسائي (٣) فأخرجه عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ .. " مرسلًا. هذا الحديث قد تقدم بيانه، وكل هذه الأحاديث مؤكدة لما ذهب إليه الشافعي في تفسير المحاقلة والمزابنة والحكم فيهما، وقد فسر مسلم في هذا الحديث المحاقلة بالأمرين المذكورين وهما بيع الزرع بالحنطة، وكراء الأرض بالحنطة وهي القمح، وقد تقدم القول فيما سلف.

стр. 1682

الفصل الرابع في بيع ما لم يقبض أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى [يستوفيه". أخبرنا الشافعي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى] (١) يقبضه". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود. فأما مالك (٢) فأخرج الروايتين إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٣) فأخرجه عن مالك، عن نافع. وأما مسلم (٤) فأخرج الأولى [عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع وأخرج الثانية] (٥) عن يحيى بن يحيى وعلي بن حجر، عن إسماعيل، عن ابن دينار. وأما أبو داود (٦) فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، عن نافع. "ابتاع" افتعل من البيع، وهو بمعنى اشترى. و"الطعام" كل ما يقتات ويؤكل.

стр. 1683

و"الاسْتيفاء" استفعال من وفى، وقال في الرواية الأخرى: "حتى يقبضه" والاستيفاء والقبض ها هنا بمعنى واحد. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أَنه لا يجوز بيع جميع المبيعات قبل القبض، ولا فرق بين الطعام وغيره، وبه قال ابن عباس ومحمد بن الحسن، وإنما خص الطعام بالذكر؛ لأن الحاجة إليه أكثر والبيع له يتكرر. وقال مالك: كل مبيع يجوز بيعه قبل القبض سوى الطعام والشراب. وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: ما ليس يكيل ولا يوزن ولا معدود؛ يجوز بيعه قبل القبض، وبه قال الحسن البصري، وابن المسيب، وحماد. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما لا ينقل ويحول؛ يجوز بيعه قبل القبض. وأما حقيقة القبض في المنقولات: فإنه تحويلها من مكانها؛ فإذا باع طعامًا جزافًا فَقَبْضُه تحويله، وإن كان مكيلاً فَقَبْضُه كيله، وإن كان مما لا ينقل فقبضه تخليته من يد البائع، وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: التخلية في كل ذلك قبض؛ لأنه خَلَّى بينه وبين المبيع [من غير] (١) مانع، وأما إذا ابتاع طعاماً مكيلاً معلومًا ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على المشتري ثانيًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق [وهو] (٢) قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي. وقال مالك: إذا باعه نسيئة فهو المكروه، وإذا باعه نقدًا فلا بأس أن يبيعه بالكيل الأول. وروي عن عطاء أنه أجاز بيعه نسيئة ونقدًا. وأخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن

стр. 1684

عباس قال: "أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يستوفى" وقال ابن عباس برأيه، ولا أحسب كل شيء إلا مثله. هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" وعاد فأخرجه في كتاب اختلافه مع مالك مثله، وقال فيه: "حتى يقبض" هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. أما البخاري (١) فأخرجه عن [علي بن عبد الله] (٢)، عن سفيان. وأما مسلم (٣) فأخرجه عن يحيى بن يحيى وأبي الربيع العتكي وقتيبة جميعًا عن حماد بن زيد، عن عمرو. وأما أبو داود (٤) فأخرجه عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان. وأما الترمذي (٥) فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو. وهذا الحديث مؤكد بحديث ابن عمر، وفي لفظه زيادة تأكيد وهو قوله: "أما الذي نهى عنه" فجاء بلفظ حاصر جامع حتى كأنه قد حصر النهي على هذا خاصة. وقول ابن عباس: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله" قياس ظاهر؛ لأنه عرف أن علة المنع من بيع الطعام قبل القبض هي أن ضمان العين المبيعة على البائع حتى يقبضها المشتري، فإن وجدت هذه العلة في غير الطعام كان محمولًا عليه وله حكمه، وذلك أن المبيع لو تلف بآفة سماوية مثلا قبل القبض انفسخ البيع،

стр. 1685

واسترد المشتري الثمن إذا كان المبيع جزافًا لا مقدَّرًا. قال الشافعي: وبهذا نقول، فمن ابتاع شيئًا كائنًا ما كان فليس له أن يبيعه حتى يقبضه، وذلك أن [من] (١) باع ما لم يقبض؛ فقد دخل في المعنى الذي يروي بعض الناس عن النبي ﷺ أنه قال ذلك لعتاب بن أسيد حين وَجَّهه إلى مكة: "انههم عن بيع ما لم يقبضوا، وربح ما لم يضمنوا". قال الشافعي: فهذا بيع ما لم يُقبض وربح ما لم يُضمن. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن موهب، عن عبد الله بن محمد ابن صيفي، عن حكيم بن حزام أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألم أنبأ -أو ألم يبلغني، أو كما شاء الله من ذلك- أنك تبيع الطعام؟ قال حكيم: بلى يا رسول الله، قال: لا تبيعن طعامًا حتى تشتريه وتستوفيه". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، عن عطاء -ذلك أيضًا- عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام أنه سمعه منه عن النبي ﷺ . وقد أخرج المزني عن الشافعي ﵁ عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عطاء، عن حكيم قال: "كنا نشتري الطعام، فنهاني رسول الله ﷺ أن أبيع طعامًا حتى أقبضه". هذا حديث حسن. قوله: "ألم أنبَّأْ أنك تبيع" استفهام تقرير وتثبيت، بخلاف قولك لو قلت: أتبيع، فإن الأول يتضمن أنك عارف أنه يبيع، وأنه يعلم أنك لم ترد باستفهامه زيادة معرفة وعلم ببيعه، إنما تريد به تقريره وتثبيته على ما عُرف من حاله.

стр. 1686

وأما قوله: "أو ألم يبلغني" فقد جاء في بعض النسخ بإثبات الهمزة بعد الواو، وفي بعضها بحذفها، فأما مع إثباتها فلا كلام فيه، ويكون الراوي قد شك في أن اللفظين استفهام النبي ﷺ إما "ألم أنبّأ" وإما "ألم يبلغني" وأما مع حذفها فلا تخلو الواو أن تكون متحركة أو ساكنة؛ فإن كانت متحركة -وهو الصواب إن شاء الله تعالى- فتكون واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام، فائدتها عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى، فيجتمع من الهمزة والواو معنى آخر وهو التقرير والتثبيت كما في الأولى. وإن كانت الواو ساكنة فتكون هي [و] (١) الهمزة قبلها كلمة واحدة، وهي "أو" التي للشك، وحينئذ تحتاج إلى همزة الاستفهام بعد الواو وقبل "لم" الثانية حتى يكون المراد معلومًا مستفهمًا عنه، ولكنه حذفه استغناءً عنها بالهمزة التي في أول الكلام، وليفهم السامع أن الكلام استفهام لا خبر، وقد حذفوا حرف الاستفهام في كثير من الكلام اعتمادًا على فهم المخاطب، وتخفيفًا، والأول أفصح وأحسن. وقوله: "أو كما شاء الله من ذلك" هو شك في الرواية، وأن النبي ﷺ أي اللفظين قال؛ "ألم أنبأ" أو"أو ألم يبلغني" أو"ما شاء الله من القول". وقوله: "أنك تبيع الطعام" لا يخلو إما أنه أراد بيع الطعام مطلقًا، أو بيعه بيعًا مخصوصًا، فإن كان مطلقًا فيكون عرضه ﷺ توقيفه على ما يلزمه في البيع من أحكامه التي يجهلها، وإن كان أراد بيعًا مخصوصًا أي بلغه عنه أنه كان يبيع ما لم يقبض أو ما ليس [عنده] (٢) وهو الأشبه؛ لأنه قد جاء في رواية أخرى عن حكيم بن حزام مثل ذلك، وسيرد ذكره. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن

стр. 1687

القاسم قال: "سمعت ابن عباس ورجل يسأله عن رجل سلف في سبائِب -قال الربيع سبائك- فأراد أن يبيعها قبل أن يقبضها، قال ابن عباس: تلك الورق بالورق وكره ذلك". قال مالك: وذلك فيما نرى -والله أعلم- لأنه أراد أن يبيعها من صاحبها الذي اشتراها منه بأكثر من الثمن الذي ابتاعها به، ولو باعها من غير الذي اشتراها منه لم يكن ببيعه بأس. هذا حديث الموطأ (١) أخرجه بالإسناد، وقال: "سبائت" بدل "سبائك"، والذي جاء في نسخ المسند في الموضعين "سبائك". والذي رواه البيهقي في السنن والآثار (٢): "سبائب" وقال: قال الربيع "سبائك". "والسبائب" جمع سبيبة وهي شقة كتان رقيقة، وقيل: هي المقانع، وأما السبائك فلا يخلو أن يكون الشافعي قالها ونقلها عنه الربيع، أو يكون الشافعي قال "السبائب" كما قال مالك وتوهم الربيع أنها السبائك فقالها، وقول أبي العباس الأصم في الحديث: قال: الربيع: "سبائك" يحتمل الأمرين، ولكن لما كان الأصم قد عرف أن مالكًا إنما روى في الموطأ "السبائب" وروى عنه الربيع "السبائك" قال: قال الربيع: "السبائك" حتى لا يُظَن أنه هو الذي قالها، وإنْ كان الشافعي هو الذي قالها فيكون قد رواها عن مالك من طريقه "السبائك" ورواه غيره عن مالك "السبائب". "والسبائك" يريد بها الدقيق الحواري الأبيض، ومنه حديث عمر بن الخطاب ﵁: "لو شئنا لملأنا الرحاب صلائق وسبائك" أي ما سبك من الدقيق ونخل فأخذ خالصه.

стр. 1688

وأما "الصلائق" فإنها الخبز الرقاق. قال الشافعي عقيب هذا الحديث بعدما حكى قول مالك في تفسير الحديث: ليس هذا قول ابن عباس ولا تأويل حديثه، يعني قوله: "أنه أراد أن يبيعها من صاحبها الذي اشتراها منه بأكثر من الثمن الذي ابتاعها منه" ثم روى حديث ابن عباس برأيه: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله" ثم قال: وبقول ابن عباس نأخذ؛ لأنه إذا باع شيئًا اشتراه قبل أن يقبضه فقد باع مضمونًا له على غيره بأصل البيع، وأكل ربح ما لم يضمن، وخالفتموه فأجزتم بيع ما لم يقبض سوى الطعام من غير صاحبه الذي ابتيع منه، ولا أعلم بين صاحبه الذي ابتيع منه وبين غيره فرقًا. وقد أخرج الشافعي من رواية المزني عنه، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنا نبتاع الطعام في زمان رسول الله ﷺ فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه منه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣). وأخرج الشافعي، عن مالك، عن نافع: "أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يقبضه، فقال عمر: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تقبضه" (٤). قال الشافعي: فنهى عمر حكيمًا عن أنْ يبتاع الطعام بالمدينة من الذين أمر لهم وهو بعينه؛ إلا أنهم إنما باعوه بصفة ولم يقبضوه، إذْ كانوا ملكوه بلا بيع، والله أعلم.

стр. 1689

الفصل الخامس في بيْع النجاسَاتِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة المصري: "أنه سأل ابن عباس عما يعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله ﷺ [راوية] (١) خمر، فقال النبي ﷺ : أما علمت أن الله قد حرمها؟ فقال: لا، فسارّ إنسانًا إلى جنبه، فقال ﷺ : بما ساررته؟ فقال: أمرته أن يبيعها، فقال رسول ﷺ : إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما". هذا حديث صحيح أخرجه مالك ومسلم. أما مالك (٢) فأخرجه بالإسناد واللفظ. وأما [مسلم] (٣) فأخرجه (٤) عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم. "الراوية": المزادة، وهي معروفة، وهذا الاسم هو في الأصل الدابة يستقى عليها، وقد استعير للمزادة فسميت به على سبيل المجاز، وهو في الأصل أيضًا مجاز لأن الراوية التي رويت من الماء وعلى الحقيقة، فسواء سميت به الدابة أو المزادة إنما هي مروية لا راوية؛ لأنها تروي غيرها, ولو قيل: إنما سميت راوية لأنها قد رويت في نفسها، أما الدابة؛ فلأنها لملازمتها الماء وقربها منه لا تكاد تظمأ، وأما المزادة؛ فلأن الماء لا يزال فيها، والكل مجاز واتساع.

стр. 1690

والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن بيع الخمر حرام ولا يصح؛ لأنها نجسة وكذلك سائر الأنبذة المسكرة. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع جميعها إلا الخمر. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع نقيع التمر والزبيب، ويجوز بيع الباقي منها. وقال أبو حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذميًّا في بيع الخمر وشرابها. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "بلغ عمر بن الخطاب أن رجلاً باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا؛ باع الخمر، أما علم أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله يهودًا؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها". هكذا رواه الربيع، وقد رواه المزني عنه بهذا الإسناد قال: "بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم أن يأكلوها فباعوها". وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. أما البخاري (١) فأخرجه عن الحميدي، عن سفيان. وأما مسلم (٢) فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق ابن إبراهيم، عن سفيان. وأما النسائي فأخرجه [] (٣).

стр. 1691

قوله: "قاتل الله فلانًا" أي قتله، وهو في أصل الوضع فَاعَلَ من القتل، ويستعمل في الدعاء على الإنسان، وفي التعجب منه، وقيل معناه: عاداه الله، والأصل الأول. "وجَمَّلْتُ" الشحم، وأجملته: إذا أذبته، وجملته أفصح اللغتين وأكثر. وهذا الحديث مؤكد للنهي عن بيع الخمر وتعليل لما سبق في الحديث قبله من قوله: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" وعمر استدل على ذلك بقول النبي ﷺ "قاتل الله اليهود؛ حُرِّمت عليهم الشحوم ... " الحديث وذلك أنهم لما حرم عليهم أكلها أفتوا أنفسهم فَأَذابوها فباعوها وانتفعوا بثمنها، فقاس عمر فعل سمرة على فعل اليهود لما حرمت عليه الخمر وتعذر عليه الانتفاع بها؛ باعها لينتفع بثمنها. وقد أخرج المزني، عن الشافعي، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ قاعدًا خلف المقام، فرفع رأسه إلى السماء، فنظر ساعة ثم ضحك، ثم قال: قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فباعوها فأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه". أخرجه أبو داود (١). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجالًا من أهل العراق قالوا له: إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب، فنعصره خمرًا فنبيعها، فقال عبد الله: إني أُشْهِدُ الله عليكم وملائكته ومن يسمع من الجن والإنس أني لا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوها [ولا تعصروها] (٢) ولا

стр. 1692

تسقوها؛ فإنها رجس من عمل الشيطان". هذا حديث مؤكد لما سبق من حديث المنع عن بيع الخمر والنهي عنه لما فيه من التغليظ. "والرجس": النجس والقذر، وفيه بيان لإطلاق اسم الخمر على ما يعصر من غير العنب؛ لقوله: "إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرًا" ولولا ما تقرر في نفوسهم من جواز ذلك لما سماها خمرًا. وقوله: "رجس من عمل الشيطان" يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) الآية، على أنه مأمور باجتنابها، وبيان مستند الاجتناب. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي مسعود الأنصاري: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما [مالك] (٢) فأخرجه إسنادًا ولفظها. وأما البخاري (٣) فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٤) فأخرجه، عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأما أبو داود (٥) فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن ابن شهاب. وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي

стр. 1693

وغير واحد، كلهم عن سفيان، عن ابن شهاب. وعن قتيبة، عن [سفيان] (١) عن ابن شهاب. وأما النسائي (٢) فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن شهاب. "البغي": المرأة الزانية، بغت تبغي بغيًا فهي بغي، والجمع البغايا، ويقال للأمة: بغي ولا يراد به الزنا؛ وذلك أن الأصل كان في الإماء أنهن يزنين، ثم كثر ذلك فيهن فغلب عليهن، فأطلق الاسم على الأمة وإن لم تكن زانية. ومهر البغي هو ما تعطى [الزانية] (٣) من الأجرة، شَبَّهَهُ بالمهر الذي هو الصداق؛ لأنه في مقابل النكاح. "والكاهن" معروف، والجمع الكهان والكهنة تقول: كهن يكهن كِهَانة -بالكسر- إذا تكهن، وإذا أردت أنه صار كاهنًا. قلت: كَهُنَ بالضم، كَهَانَة بالفتح، فالكاهن هو الذي كان يخبر الناس عن أشياء يجبونها له، وعن أشياء يسألونه عنها من المغيبات والمتوقعات بزعم أن الشيطان يطلعه عليها، وكان ذلك قبل النبي ﷺ ، فأبطله الله ببعثته والفرقان الذي أنزله عليه، وحلوانه ما يُعطى من الهدية ليخبرهم عما يسأُلونه عنه مما يجهلونه ويعتقدون أنه عارف به، تقول: حلوت فلانًا على كذا فاُنا أحلوه حلوانًا إذا وهبته شيئًا في مقابلة شيء فعله لك. والفرق بين الكاهن والعراف عند العرب: أن الكاهن إنما يتعاطى الخبر عن الكائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضوال ونحو ذلك من الاُمور، فالكاهن أعلى رتبة من العراف وهذه الأشياء الثلاثة حرام.

стр. 1694

أما الكلب فلأفه نجس الذات حرام الثمن، والزنا حرام فالعوض المأخوذ عنه أيضًا حرام، والتكهن باطل لا أصل له، وقد نهى الشرع عنه؛ فالأجر عليه حرام، فبيع الكلب لا يصح سواء كان مُعَلّمًا أو غير مُعَلَّم، وبه قال الحسن البصري وربيعة وحماد وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه، وعنه في الكلب العقور رواية أنه لا يجوز بيعه. واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: يجوز بيعه، ومنهم من قال: المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح. ومعنى هذا النهي في الحديث أنه عام في أكلها واقتنائها واكتسابها وقبولها، وعن جميع التصرفات الجارية في غيرها من الأشياء المباحة. وروى الربيع، عن الشافعي، عن بعض من كان يناظره، قال: أخبرني بعض أصحابنا، عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس: "أن عثمان أغرم رجلاً ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا". قاله الشافعي: فقلت له: أرأيت لو ثبت هذا عن عثمان، كنت لم تصنع شيئاً في احتجاجك على شيء ثبت عن رسول الله ﷺ ، والثابت عن عثمان خلافه؟ قال: فاذكره، قلت: أخبرنا الثقة، عن يونس، عن الحسن قال: "سمعت عثمان يخطب وهو يأمر بقتل الكلاب". قال الشافعي: فكيف يأمر بقتل ما يُغَرِّم من قتله قيمته. قال البيهقي: هذا الذي روي عن عثمان في إغرام ثمن الكلب منقطع، وهذا الحديث في معنى الكلب والبغي والكاهن أخرجه الشافعي في كتاب البيوع، وعاد فأخرجه في كتاب اختلافه مع مالك، ثم زاد في آخره: قال مالك: وإنما كره بيع الكلاب الضواري وغير الضواري بنهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب.

стр. 1695

"والضواري" جمع ضارٍ، وهو من الكلاب المعلَّم المعوَّد، تقول: ضرى الكلب بالصيد ضراوة، وكلب ضارٍ، وأضره صاحبه أي عوده وأضراه به أي أغراه، وقول مالك: الضواري وغير الضواري يريد جنس الكلاب. ووجه استدلال الشافعي ﵁ من هذا الحديث: أن النهي عن ثمن الكلب يدل على فساد بيعه؛ لأن العقد إذا صح على سقوط وجوبه وإذا بطل الثمن بطل البيع؛ لأن البيع إنما هو عقد على شيء بثمن معلوم، وإذا بطل الثمن بطل المثمن، وهذا مثل ما سبق من تحريم ثمن الخمر بتحريم شربها. ***

стр. 1696

الفصل السادس في أشياء متفرقة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن حميْد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ مثله. وأخبرنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: "نهيت ابن الزبير عن [بيع] (١) النخل معاومة". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود. فأما مسلم (٢) فأخرجه عن سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير، عن ابن عيينة بالإسناد الأول، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين". وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، عن سفيان بالإسناد الأول، وزاد: "ووضع الجوائح". وأخرج الرواية الثالثة (٤) مرفوعة إلى النبي ﷺ عن مسدد، عن حماد، عن أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المعاومة"، وقال أحدهما: "بيع السنين". "بيع السنين": هو أن تبيع الثمرة لأكثر من سنة واحدة في عقد واحدٍ،

стр. 1697

وهذا فاسد؛ لأنه بيع غرر، فإنه بيع ما لم يخلق بعد، والنهي قد تقدم عن بيع ما لم يَبْدُ صلاحه، فكان بيع ما لم يُخلق آكد في باب النهي. والذي جاء في الرواية الأخرى: "نهى عن المعاومة"، وهي مفاعلة من العام: السنة، وهو بيع السنين، وبيع السنين إنما هو ما كان بلفظ البيع واقعًا على بيع الأعيان، فأما في بيع الصفات فهو جائز مثل أن يسلف في الشيء إلى ثلاث سنين أو أكثر بإثبات الصفات، وهو السلم، وسيأتي ذكره في موضعه. وأما الجوائح فهي جمع جائحة، وسيأتي بيانها في موضعها إن شاء الله. وقد أخرج الشافعي ﵁، عن مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الغرر". وهكذا أخرجه المزني عنه مرسلاً، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤) مرفوعًا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وقد أخرج الشافعي في "سنن حرملة"، عن إسماعيل بن عُلية، عن علي بن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري (٥) وأبو داود (٦) والترمذي (٧). وأخرج الشافعي ﵁ عن سعيد سالم عن شيبة بن عبد الله البجلي من أهل البصرة، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الفحل".

стр. 1698

هذا الحديث [أخرجه] (١) الترمذي (٢). قال الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ بمثل معناه. إنما قال الشافعي مثل معناه لأن مسلمًا أخرج في الصحيح (٣) من حديث روح بن عبادة، عن ابن جريج بالإسناد: "أن النبي ﷺ نهى عن ضراب الجمل". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن موسى بن عبيدة، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس: "أنه كان يكره بيع الصوف على ظهر الغنم، واللبن في ضروع الغنم؛ إلا بكيل". هكذا رواه الشافعي ﵁ موقوفًا، ورواه أبو إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس كذلك، ورواه عمر، عن فروخ، عن حبيب بن الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، وروي عنه مرسلاً، والصحيح أنه موقوف. "والضروع" جمع ضرع، وهو للشاة كالثدي للمرأة. وقوله: "إلا بكيل" يريد كيل اللبن ليُعلم مقداره. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أنه لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، وبه قال أبو حنيفة لأنه متصل بالحيوان، فلا يجوز إفراده بالعقد كأعضائه ولأنه لا يمكن تعيين مكان القطع من أصل الصوف فيصير مجهولاً، وكذلك في اللبن؛ لأنه مجهول المقدار والصفة، وقال مالك والليث: يجوز. قال الشافعي فيما حكاه عن بعض العراقيين أنه قال: بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "لا يُشترى السمك في الماء؛ فإنه غرر" قال: وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب، وإبراهيم النخعي.

стр. 1699

وقد روي حديث ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١). وقد أخرج المزني عن الشافعي ﵁ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن حبل الحبلة وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها". وأخرج المزني أيضًا عن الشافعي، عن سفيان، عن أيوب السختياني، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عمر ... الحديث، ولم يذكر التفسير. هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (٢) إلا النسائي. قال الشافعي في تفسير حبل الحبلة: هو أن يبيع الرجل شيئًا بثمن مؤجل إلى أن تنتج الناقة وينتج نتاجها عملاً بما جاء من تفسيرها في الحديث، ونحن نزيده بيانًا وذلك أن الحبل مصدر سمي به المحمول كما سمي بالحمل، وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة، وذلك أن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى، وإنما نهى عنه لأنه غرر، فالحبل الأول يراد به ما في بطون النوق، والثاني حبل الذي في بطون النوق. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا الثقة، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي". هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي (٣)، فأما أبو داود فأخرجه (٤) عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف، عن حكيم قال: "يا رسول الله، يأتيني الرجل ويريد مني البيع ليس عندي أفأبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك". وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، وعن

стр. 1700

قتيبة، عن هشيم، عن أبي بشر. والذي ذهب إليه الشافعي: أن بيع ما ليس عند البائع لا يجوز، وصورته أن يجيء المبتاع إليك فيطلب منك سلعة وليست عندك وهي عند غيرك فتبيعهما من طالبها ثم تشتريها من الذي هي عنده ثم تسلمها إلى الطالب بالبيع الأول وذلك بيع غرر؛ لأن صاحبها قد لا يبيعها، وأنت غير مالك لها عند العقد، ولا قادر على تسليمها، ومن صور بيع ما ليس عنده أن يبيعه عَبْدَه الآبق، وجَمَلَه الشارد، ويدخل فيه بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه أخبره، عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر" وفي نسخة: "مكيلتها". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن ابن جريج. "الصبرة": المقدار المجتمع من التمر أو الطعام ونحو ذلك إذا كان بعضه فوق بعض سواء كان مجهول القدر أو معلومه. "المكيل" والمكيلة مصدر كلت الشيء كيلًا ومكيلًا ومكيلة، واسم المفعول أيضًا مكيل. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ العمل بهذا الحديث وهو أن لا تباع صبرة بصبرة من طعام ولا يُعلم مكيلتها أو مكيلة إحداهما. قال في "الأم": وإذا باع صبرة بصبرة نظرت فإن كانتا من جنس واحد فإن

стр. 1701

أطلق البيع لم يجز؛ لأن التساوي شرط والجهل به كالعلم بالتفاضل، فيكون البيع باطلاً، فإن كانتا من جنسين وأطلقا صح البيع والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك وابن عيينة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: ["أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. وأخبرنا محمد بن الحسن عن يعقوب بن إبراهيم. عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر] (١) أن النبي ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا تباع ولا توهب". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي. فأما مالك فأخرجه (٢) بالإسناد واللفظ. وأما البخاري فأخرجه (٣) عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار. وأما مسلم فأخرجه (٤) عن ابن المثنى، عن غندر، عن شعبة. وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن حفص بن عمر، عن شعبة. وأما الترمذي (٦) فأخرجه عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان وشعبة، عن عبد الله بن دينار: وذكر الرواية الأولى.

стр. 1702

"الولاء": ولاء المُعْتَق، وهو ما يُبْقي المُعتِق يستحقه على مُعْتَقه، وذلك أنه إذا مات المُعْتَق ولا وارث له، يرثه المُعْتِق، قال ابن الأعرابي: كانت العرب تبيع ولاء مواليها وتأخذ عليه المال وأنشد في ذلك: فباعوه مملوكًا وباعوه معتقًا ... فليس له حتى الممات خلاص فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك. "واللُّحْمة" في القرابة والنسب بضم اللام، وقد جعل النبي ﷺ الولاء بمنزلة القرابة والنسب، لا يمكن الانفصال منه كما لا يمكن الانفصال من النسب، وكما أن القرابة والنسب لا تباع ولا توهب فكذا الولاء. والرواية الثانية التي فيها ذكر اللحمة كذا رواها الشافعي، عن محمد بن الحسن الفقيه الشيباني، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحبي أبي حنيفة فترك في الإسناد عبيد الله بن عمر. وقد رواه محمد بن الحسن في كتاب الولاء عن أبي يوسف، عن عبيد الله ابن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر .. الحديث، هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، ورواية الجماعة: عن ابن دينار عن ابن عمر هي الرواية الأولى، كذا رواه عبيد الله بن عمر في رواية عبد الله الثقفي وغيره، وكذا رواه مالك والثوري وشعبة والضحاك بن عثمان وسفيان بن عيينة وسليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم ورواه أبو عمير بن النحاس، عن ضمرة، عن الثوري على اللفظ الذي رواه أبو يوسف، وقد اجتمع أصحاب الثوري على خلافه، وروى عن يحيى بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر وهو واهمٌ على عبيد الله في الإسناد والمتن جميعًا. وروي من أوجه ضعيفة، وأصح ما روي فيه حديث هشام بن حسان، عن

стр. 1703

الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" وهذا مرسل، وسنذكر كلام الشافعي على هذا الحديث في كتاب العتق إن شاء الله تعالى. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الولاء لا يجوز بيعه ولا هبته، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر، وبه قال ابن المسيب وطاوس وإياس بن معاوية والزهري ومالك وأبو حنيفة وصاحباه. وروي عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها وهبت ولاء مواليها لبني العباس، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير. وقد أخرج الشافعي ﵁ في "سنن حرملة"، عن سفيان، عن عمرو ابن دينار، عن أبي المنهال، عن إياس بن عبدٍ أنه قال: "لا تبيعوا الماء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الماء، لا يدري عمرو أي ماء هو". هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "التاريخ" (١)، وقال: "نهى عن بيع فضل الماء". قال الشافعي: معنى الحديث -والله أعلم- أن يباع الماء في الموضع الذي خلقه الله فيه، وذلك أن يأتي بالبادية الرجل له البئر ليسقي بها ماشيته ويكون في مائها فضل عن ماشيته، فَنُهي عن منعه؛ لأن في منعه أن يسقي ماشيته منعًا للكلأ لا بملك (٢).

стр. 1704

وقد أخرج الشافعي ﵁ عن [ابن علية] (١) عن حماد [عن] (٢) إبراهيم، عن علقمة بن عبد الله: "أنه كره شراء المصاحف وبيعها". قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، لا يرون بأسًا ببيعها. قال البيهقي: وروينا عن زياد مولى سعد، أنه سأل ابن عباس عن بيع المصاحف لتجارة فيها، فقال: "لا نرى أن نجعله متجرًا, ولكن ما عملت بيدك فلا بأس به" فكأنهم إنما كرهوا ذلك على وجه التنزيه تعظيمًا للمصحف عن أن يبتذل للبيع أو يجعل متجرًا والله أعلم (٣). ...

стр. 1705

الباب الثاني فيما لا يجوز فعله في البيع وفيه ثمانية فصول الفصل الأول في الخداع أخرج المزني عن الشافعي قال: حدثني سفيان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ مَرَّ برجل يبيع طعامًا فأعجبه، فأدخل يده فيه، فإذا هو طعام مبلول، فقال: ليس منا من غشنا". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، ورواية مسلم أتم من هذا. وأخرج المزني أيضًا عن الشافعي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن رجلاً ذكر لرسول الله ﷺ أنه يُخدَع في البيع، فقال رسول الله ﷺ : إذا بايعت فقل: لا خلابة فكان الرجل إذا بايع يقوله: لا خلابة". هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (٤) إلا النسائي (٥). "والخلابة": الخداع، ومنه قال: خَلَبَت المرأة قلب الرجل إذا خدعته بألطف وجه.

стр. 1706

الفصل الثاني في النجش أخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ نهى عن النجش". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي. فأما مالك فأخرجه بالإسناد واللفظ (١) ثم زاد: "قال: والنجش أن تعطيه بسلعة أكثر من ثمنها وليس في نفسك اشتراؤها، فيقتدى بك غيرك". قال الشافعي: "والنجش" أن يَحْضُر الرجل السلعة تباع فيعطي بها الشيء وهو يريد الشراء ليقتدي به السُوَّام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى، عن مالك. وأما النسائي فأخرجه (٤) عن قتيبة، عن مالك، ولم يذكروا زيادة مالك. والأصل في النجش: المدح والإطراء، والمراد أنه لا يمدح السلعة ويزيد فيها وهو لا يريدها، وذلك خداع محرّم، وقيل: هو تنفير الناس عن الشيء إلى غيره، والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان، والأول هو الصحيح، وهو تأويل الفقهاء وأهل العلم. قال الشافعي: فمن نجش فهو عاصٍ بالنجش إن كان عالماً بنهي رسول

стр. 1707

الله ﷺ ، والبيع جائز لا تفسده معصية رجل نجش عليه. وقال مالك: البيع مفسوخ لأجل النهى؛ لأنه تغرير بالمشتري، وله الخيار إذا علم، والزيادة حرام على البائع. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تناجشوا". [وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك وسفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله] (١). وأخبرنا الشافعي، عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم في جملة حديث طويل، وأخرجه أبو داود والترمذي. فأما البخاري فأخرجه (٢) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى، عن مالك، كلاهما عن أبي الزناد. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن سفيان، عن الزهري. وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن قتيبة وابن منيع، عن سفيان، عن الزهري.

стр. 1708

[وهذا] (١) الحديث آكد في بيان النهي من حديث ابن عمر لأنه ذكر فيه لفظ النبي ﷺ ، وابن عمر ذكر لفظ نفسه، وقد تقدم بيان مثل هذا فيما تقدم من الكتاب مستقصى. وأما لفظ "تناجشوا" فإن الأصل فيها تتناجشوا لأنها تتفاعلوا من النجش، وهي فعل مستقبل لا بد له من تاء المخاطبة التي في الفعل المضارع، وحذفت في اللفظ تخفيفًا وهي مرادة، وهذا مطرد في الاستعمال، والداعي إلى ذلك أنه لما اجتمع في أول الفعل تاء التفاعل فإن أصل الكلمة ناجش للواحد وناجشوا للجمع وتناجشوا تفاعلوا والفعل حينئذ ماضٍ فإذا جعلته مضارعًا أدخلت عليه تاء المخاطب فقلت: تتناجشوا، فاجتمع تاءان فثقل النطق بهما فحذفوا الأولى تخفيفًا، وإنما حذفوا تاء المضارعة لأن لفظ الفعل يدل عليها والمعنى، وذلك أن النهي إنما يقع عن فعل لم يوجد ولا يكون إلا مستقبلاً، والمفاعلة تكون من اثنين فصاعدًا، وقد جاءت من واحد كقولهم: طارقت الفعل، وعافاك الله، ونحو ذلك. ...

стр. 1709

الفصل الثالث في الملامسة والمنابذة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، وعن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا أبا داود. فأما مالك فأخرجه (١) إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢) فأخرجه عن إسماعيل. وأما مسلم (٣) فأخرجه عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وأما [الترمذي] (٤) فأخرجه عن أبي كريب ومحمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزناد. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري (٦) وابن عمر (٦). "الملامسة": هو أن يقول البائع للمشتري: إذا لمست ثوبي أو لمسْت ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المبيع من وراء ثوب ولا ينظر إليه ثم يقع

стр. 1710

عليه، وقيل: هو أن يجعل اللمس بالليل في الظلمة قطعًا للخيار، وهذا كله بيع غرر ومجهول. وأما "المنابذة" فهي أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا نبذت إلى الثوب أو نبذته إليك فقد وجب البيع. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن بيع الملامسة باطل؛ لأنه تعليق على اللمس أو عدول عن الصيغة الشرعية، وكذا بيع المنابذة باطل أيضًا كما قلنا في الملامسة، أو لأن المعاطاة لا يصح البيع بها عند الشافعي. وقد أخرج المزني، عن الشافعي ﵁ عن سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين وعن لبستين، فأما البيعتان فالملامسة والمنابذة، وأما اللبستان فاشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وقد جاء في بعض طرقهم عن أبي سعيد تفسير هذه الأشياء (٥). قال: "الملامسة في البيع لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار لا يقلبه، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر بثوبه إليه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض، واشتمال الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه ليس على فرجه منه شيءٌ".

стр. 1711

الفصل الرابع في البَيْع على بَيع أخِيه أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك (١) فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن إسماعيل بن أبي أويس. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن القعنبي، كلهم عن مالك. وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن قتيبة، عن الليث، عن نافع. وأخرجه النسائي (٦) مثل الترمذي. قد تعاضد كثير من الروايات لهذا الحديث فيما قرأناه من نسخ هذه الكتب "لا يبيع" بإثبات الياء والفعل غَير مجزوم، وذلك لحن؛ لأن "لا" للنهي وعلامة الجزم في الفعل المعتل هي حذف حرف العلة، تقول في: هو يقوم، ويبيع، وينام: لا تقل، ولا تبع، ولا تنم، فتحذف الواو والياء والألف، وحذفها علامة

стр. 1712

الجزم، وقد تقدم بيان مثل هذا فيما سبق، وإن صحت الرواية ولم يكن تحْريفًا من النساخ؛ فتكون "لا" نافية وقد أعطاها معنى النهي لأنه إذا نفى أن يوجد هذا البيع فكأنه قد استمر عدمه، والمراد من النهي عن الفعل إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء عدمه فكان النفي الوارد من الواجب صرفه يفيد ما يراد من النهي، وهذا معنى لطيف، وإنما حَمَلَنَا عليه القصد إلى تصحيح ما اتفقت عليه كتب العلماء ورواياتهم والله أعلم. ورأيت الإِمام أبا نصر بن الصباغ قد ذكر في "الشامل" لماَّ أورد هذه المسألة وهذا الحديث قال: والمراد به النهي وإن كان لفظة لفظ الخبر، وهذا يعضد ما قلناه من ورود الروايات بلفظ النفي لا النهي. وفي قوله: "على بيع أخيه" زيادة تقبيح لمخالفة النهي وتحريض على الوقوف عنده واتباعه، والمراد بالأخوة ها هنا أخوة الإِسلام لا أخوة النسب. ولمعنى هذا النهي تأويلان: أحدهما: أن يشتري الرجل السلعة، ويتم البيع ولم يفترق المتبايعان عن مقامها ذلك، فنهى النبي ﷺ أن يعرض رجل آخر سلعة أخرى على ذلك المشتري [تشبه] (١) السلعة التي اشتراها ليبتاعها منه، لما في ذلك من الإفساد على البائع الأول؛ إذ لعله يرد المشتري السلعة التي اشتراها أولاً ويميل إلى هذه، وهو وإن كان لهما الخيار ما لم يفترقا فهو نوع من الإفساد. والقول الثاني: أن يكون المتبايعان [يتساومان] (٢) في السلعة ويتقارب العقد بينهما ويقع التراضي، ولم يبق إلا اشتراط النقد أو نحوه، فيجيء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة ويخرجها من يد المشتري الأول، وذلك ممنوع عند المقاربة؛ لما فيه من الإفساد ومباح أول العرض والمساومة.

стр. 1713

وقال الفقهاء: إذا كان المتعاقدان في مجلس العقد، فطلب طالب السلعة بأكثر من الثمن ليرغب البائع في فسخ العقد، فهذا هو البيع على بيع أخيه وهو محرم؛ لأنه إضرار بالغير، لكنه منعقد لأن نفس البيع غير مقصود بالنهي؛ فإنه لا خلل فيه. وكذلك إذا رغب المشتري في الفسخ [لعرض] (١) سلعة أجود منها بمثل ثمنها، أو مثلها بدون ذلك الثمن فإنه مثله في النهي. قال الشافعي ﵁: فبهذا نأخذ، فينتهي الرجل إذا اشترى من رجل سلعة فلم يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه أن يبيع المشتري سلعة تشبهها؛ لأنه لعله يَرُدَّ التي اشترى أولاً؛ لأن رسول الله ﷺ جعل للمتبايعين الخيار ما لم يتفرقا، فيكون البائع الآخر قد أفسد على البائع الأول بيعه، ثم لعل البائع الآخر يختار نقض البيع؛ فيفسد على البائع والمبتاع بيعه، قال: ولو كان البيع إذا عقداه لزمهما ما ضَرَّ البائع أن يبيعه رجل سلعة كسلعته، فإذا باع على بيع أخيه في هذه الحال فقد عصى الله -إذا كان عالماً بالحديث فيه- والبيع لازم لا يفسد، بدلالة الحديث نفسه. قال الشافعي: وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يسوم أحدكم على سوم أخيه" فإن كان ثابتًا -ولست أحفظه ثابتًا- فهو مثل "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه" (٢) ورسول الله ﷺ باع فيمن يزيد، وبيع من يزيد سوم رجل على سوم أخيه؛ ولكن البائع لم يرض السوم الأول وطلب الزيادة. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا بيع بعضكم على بيع بعض". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري عن ابن

стр. 1714

المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا بيع الرجل على بيع أخيه". وأخبرنا الشافعي ﵁،- أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله. هذا طرف من حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك فأخرجه (١) عن أبي الزناد في جملة حديث. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن الزهري. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن القعنبي. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن قتيبة، جميعًا عن مالك. وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن أحمد بن منيع وقتيبة، عن سفيان، عن الزهزي. قد تقدم شرح هذا الحديث في حديث ابن عمر. وقوله في الرواية الثانية: "لا يبيع الرجل" يريد به جنس الرجال لا رجل بعينه، وهذا النهي لا يخص الرجال دون النساء وإن كان اللفظ يقتضيه، وإنما ذكر اللفظ "الرجال" تغليبًا؛ لأمرين: أحدهما: أن الذكر يقدم على الأنثى في الذِّكرِ وتدخل الأُنثى تحته، وكثير ما يجيء مثل ذلك في القرآن العزيز. والثاني: أن البيع أكثر ما يقع من الرجال دون النساء، فإن البيع والشراء والكسب والمعاش [ومعظم] (٧) الأشغال والأعمال من وظيفة الرِجال لا النساء.

стр. 1715

الفصل الخامس في تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا السلع". وقد أخرجه المزني عن الشافعي بهذا الإسناد وقال: "لا تلقوا الركبان للبيع". وأخرجه المزني أيضًا عنه، عن سفيان، عن أبي الزناد ... بالإسناد قال: "لا تلقوا الركبان". قال الشافعي: قد سمعت في [غير] (١) هذا الحديث: "فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق". قال: وبهذا نأخذ إن كان ثابتًا. هذا حديث صحيح قد أخرج معناه الجماعة. أما البخاري فأخرجه (٢) عن محمد بن بشار، عن عبد الوهاب، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: "نهى النبي ﷺ عن التلقي وأن يبيع حاضر لبادٍ". وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "نهى [رسول الله ﷺ ] (٤) أن يتلقى الجلب".

стр. 1716

وأما أبو داود فأخرجه (١) عن الربيع [بن] (٢) نافع، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو الرقي- عن أيوب، عن ابن سيرين مثل مسلم وزاد زيادة الشافعي. وأما الترمذي فأخرجه (٣) عن سلمة بن شبيب، عن عبد الله بن جعفر الرقي [عن] (٤) عبيْد الله الرقي بإسناد أبي داود ولفظه. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن إبراهيم بن الحسن [عن] (٦) حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن هشام بن حسان بإسناد مسلم قال: قال رسول الله ﷺ "لا تلقوا الجلب ... " وزاد زيادة الشافعي. "الركبان" جمع راكب، وهو الذي يركب الإبل خاصة، هذا هو الأصل، ثم اتسع فيه حتى صار يقال لكل من يركب دابة: راكب مجازًا وإن لم يكن معروفًا. "والسلع" جمع سلعة، وهي العين المجلوبة للبيع. "والجلب" مصدر بمعنى المجلوب، والمراد به في الحديث: الذين يجلبون الأرزاق وغيرها من المتاجر والبضائع للبيع. وصورة المنهي عنه في التلقي: أن يستقبل الركبان ويكذب في سعر البلد ويشتري منه بأقل من ثمن المثل؛ فإنهم كانوا إذا سمعوا على الجلب خرجوا المرحلة والمرحلتين فيتلقون الركبان ويخبرونهم أن المتاع الذي معهم كثير في البلد

стр. 1717

ويخبرونهم بسعر كذبًا دون ما يساوي وذلك تغرير محرم، وفيه إضرار بأهل البلد أيضاً، ولكن الشراء منعقد، ثم إن كذب فظهر الغبن، ثبت الخيار للبائع، وإن صدق ففيه وجهان على مذهب الشافعي. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) عن عبد الله بن صباح، عن أبي علي عبد المجيد الحنفي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد" قال: وبه قال ابن عباس. وهذا الحديث من أفراد الربيع عن الشافعي عن مالك قال البيهقي (٢): وقد أخرجه عبد الله بن مسلمة، عن مالك بهذا الإسناد، قال: ولمالك بن أنس مسانيد لم يودعها الموطأ رواها عنه كبار أصحابه، فيشبه أن يكون هذا منها والله أعلم. "الحاضر": ساكن المدن والقرى، "والبادي": ساكن البادية، والمنهي عنه هو أن يأتي البلدة ومعه قوت يبتعي التسارع إلى بيعه رخيصًا فيقول له: اتركه لأغالي في بيعه، فهذا الصنيع محرم لما فيه من الإضرار بالغير، والبيع إذا جرى بيع المغالاة منعقد؛ وهذا إذا كانت السلعة مما تعم الحاجة إليها، فإن كانت سلعة لا تعم الحاجة إِليها أو كثر القوت واستغني عنه ففي التحريم تردد [يكون] (٣) في أحدهما على عموم ظاهر النهي وحسم باب الضرر، وفي الثاني على معنى

стр. 1718

الضرر، وقد جاء في الحديث الصحيح (١) عن ابن عباس: أنه سُئل عن معنى لا يبيع حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارًا. قال صاحب "الشامل": إنما يحرم هذا بأربع شرائط؛ أن يكون البدوي يريد البيع، وأن يريد بيعه في الحال وأن يكون بالناس إليه حاجة وهم في ضيق، وأن يكون الحاضر استدعى منه ذلك، فإن لم توجد هذه الشرائط أو شرط منها جاز لأنه [إن] (٢) لم يكن (بأهل) (٣) البلد حاجة فلا ضرر في تأخير بيع ذلك، وكذلك إذا لم يود بيعه في الحال؛ فإنه يجوز للحضري أن يتولاه له؛ لأنه لم يكن الإضرار من جهته، ولو منع من ذلك أضر بصاحب المتاع، وربما أدى ذلك إلى انقطاع الجلب حيث يمنع من اختياره، وكذلك إذا ابتدأ البدوي وسأل الحضري أن يتولى له البيع جاز، وحينئذٍ يخرج قول ابن عباس: "لا يكون له سمسارًا" على هذا التقدير، والمشروط فيه الشرائط الأربع، وقد كره بيع الحاضر للبادي أكثر أهل العلم، فكان مجاهد يقول: لا بأس به في هذا الزمان؛ فإنما النهي كان وقع عنه في زمان رسول الله ﷺ . والحسن البصري، وابن سيرين يقولان: لا يبيع للبدوي ولا يشتري له، وأطلق البيع على البيع والشراء، تقول: بعت الشيء بمعنى اشترتيه، وشريت الشيء بمعنى بعته. قال الشافعي: أهل البادية يَقْدمون جاهلين بالأسواق، وحاجة الناس إلى ما قدموا به، ومستقلين المقام، فيكون أدنى من أن يرتخص المشتري سلعهم وإذا تولى أهل القرية البيع ذهب هذا المعنى. فأي حاضر باع لبادٍ فهو عاصٍ - إذا علم الحديث- والبيع لازم غير مفسوخ

стр. 1719

بدلالة الحديث نفسه؛ لأن البيع لو كان مفسوخًا لم يكن في بيع الحاضر للباد معنى يخاف يمنع منه أن يرزق بعض الناس من بعض. وأخبرنا الشافعي ﵁[أخبرنا] (١) سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فأما مسلم فأخرجه (٢) عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس، عن أبي خيثمة، عن أبي الزبير. وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن النفيلي، عن زهير أبي خيثمة، عن أبي الزبير. وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن نصر بن علي وأحمد بن منيع، عن سفيان. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج بن محمد [عن] (٦) ابن جريج، عن أبي الزبير. ومعنى قوله: "دعوا الناس يرزق [الله] (٧) بعضهم من بعض" أن البدوي إذا باع متاعه بنفسه ربما باع رخيصًا لجهله بسعر البلد فانتفع به المشتري، وإذا تولى له الحضري ربما غالى في ثمنه؛ فانتفى نفع البعض من البعض.

стр. 1720

إثبات الياء في قوله: لا [يبيع] (١) في هذا الحديث والذي قبله قد تقدم بيانه فيما سبق. وقد أخرج الربيع، عن الشافعي ﵁، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيع حاضر لباد". وأخرجه المزني عن الشافعي بهذا الإسناد وقال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبع حاضر لباد". [و] (٢) أخرجه المزني عنه، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مثله. هذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) من عدة طرق والله أعلم. ...
следующие страницы →