← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وأما أبو داود فأخرجه (١) عن الربيع [بن] (٢) نافع، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو الرقي- عن أيوب، عن ابن سيرين مثل مسلم وزاد زيادة الشافعي. وأما الترمذي فأخرجه (٣) عن سلمة بن شبيب، عن عبد الله بن جعفر الرقي [عن] (٤) عبيْد الله الرقي بإسناد أبي داود ولفظه. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن إبراهيم بن الحسن [عن] (٦) حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن هشام بن حسان بإسناد مسلم قال: قال رسول الله ﷺ "لا تلقوا الجلب ... " وزاد زيادة الشافعي. "الركبان" جمع راكب، وهو الذي يركب الإبل خاصة، هذا هو الأصل، ثم اتسع فيه حتى صار يقال لكل من يركب دابة: راكب مجازًا وإن لم يكن معروفًا. "والسلع" جمع سلعة، وهي العين المجلوبة للبيع. "والجلب" مصدر بمعنى المجلوب، والمراد به في الحديث: الذين يجلبون الأرزاق وغيرها من المتاجر والبضائع للبيع. وصورة المنهي عنه في التلقي: أن يستقبل الركبان ويكذب في سعر البلد ويشتري منه بأقل من ثمن المثل؛ فإنهم كانوا إذا سمعوا على الجلب خرجوا المرحلة والمرحلتين فيتلقون الركبان ويخبرونهم أن المتاع الذي معهم كثير في البلد

стр. 1717

ويخبرونهم بسعر كذبًا دون ما يساوي وذلك تغرير محرم، وفيه إضرار بأهل البلد أيضاً، ولكن الشراء منعقد، ثم إن كذب فظهر الغبن، ثبت الخيار للبائع، وإن صدق ففيه وجهان على مذهب الشافعي. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) عن عبد الله بن صباح، عن أبي علي عبد المجيد الحنفي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد" قال: وبه قال ابن عباس. وهذا الحديث من أفراد الربيع عن الشافعي عن مالك قال البيهقي (٢): وقد أخرجه عبد الله بن مسلمة، عن مالك بهذا الإسناد، قال: ولمالك بن أنس مسانيد لم يودعها الموطأ رواها عنه كبار أصحابه، فيشبه أن يكون هذا منها والله أعلم. "الحاضر": ساكن المدن والقرى، "والبادي": ساكن البادية، والمنهي عنه هو أن يأتي البلدة ومعه قوت يبتعي التسارع إلى بيعه رخيصًا فيقول له: اتركه لأغالي في بيعه، فهذا الصنيع محرم لما فيه من الإضرار بالغير، والبيع إذا جرى بيع المغالاة منعقد؛ وهذا إذا كانت السلعة مما تعم الحاجة إليها، فإن كانت سلعة لا تعم الحاجة إِليها أو كثر القوت واستغني عنه ففي التحريم تردد [يكون] (٣) في أحدهما على عموم ظاهر النهي وحسم باب الضرر، وفي الثاني على معنى

стр. 1718

الضرر، وقد جاء في الحديث الصحيح (١) عن ابن عباس: أنه سُئل عن معنى لا يبيع حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارًا. قال صاحب "الشامل": إنما يحرم هذا بأربع شرائط؛ أن يكون البدوي يريد البيع، وأن يريد بيعه في الحال وأن يكون بالناس إليه حاجة وهم في ضيق، وأن يكون الحاضر استدعى منه ذلك، فإن لم توجد هذه الشرائط أو شرط منها جاز لأنه [إن] (٢) لم يكن (بأهل) (٣) البلد حاجة فلا ضرر في تأخير بيع ذلك، وكذلك إذا لم يود بيعه في الحال؛ فإنه يجوز للحضري أن يتولاه له؛ لأنه لم يكن الإضرار من جهته، ولو منع من ذلك أضر بصاحب المتاع، وربما أدى ذلك إلى انقطاع الجلب حيث يمنع من اختياره، وكذلك إذا ابتدأ البدوي وسأل الحضري أن يتولى له البيع جاز، وحينئذٍ يخرج قول ابن عباس: "لا يكون له سمسارًا" على هذا التقدير، والمشروط فيه الشرائط الأربع، وقد كره بيع الحاضر للبادي أكثر أهل العلم، فكان مجاهد يقول: لا بأس به في هذا الزمان؛ فإنما النهي كان وقع عنه في زمان رسول الله ﷺ . والحسن البصري، وابن سيرين يقولان: لا يبيع للبدوي ولا يشتري له، وأطلق البيع على البيع والشراء، تقول: بعت الشيء بمعنى اشترتيه، وشريت الشيء بمعنى بعته. قال الشافعي: أهل البادية يَقْدمون جاهلين بالأسواق، وحاجة الناس إلى ما قدموا به، ومستقلين المقام، فيكون أدنى من أن يرتخص المشتري سلعهم وإذا تولى أهل القرية البيع ذهب هذا المعنى. فأي حاضر باع لبادٍ فهو عاصٍ - إذا علم الحديث- والبيع لازم غير مفسوخ

стр. 1719

بدلالة الحديث نفسه؛ لأن البيع لو كان مفسوخًا لم يكن في بيع الحاضر للباد معنى يخاف يمنع منه أن يرزق بعض الناس من بعض. وأخبرنا الشافعي ﵁[أخبرنا] (١) سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فأما مسلم فأخرجه (٢) عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس، عن أبي خيثمة، عن أبي الزبير. وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن النفيلي، عن زهير أبي خيثمة، عن أبي الزبير. وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن نصر بن علي وأحمد بن منيع، عن سفيان. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج بن محمد [عن] (٦) ابن جريج، عن أبي الزبير. ومعنى قوله: "دعوا الناس يرزق [الله] (٧) بعضهم من بعض" أن البدوي إذا باع متاعه بنفسه ربما باع رخيصًا لجهله بسعر البلد فانتفع به المشتري، وإذا تولى له الحضري ربما غالى في ثمنه؛ فانتفى نفع البعض من البعض.

стр. 1720

إثبات الياء في قوله: لا [يبيع] (١) في هذا الحديث والذي قبله قد تقدم بيانه فيما سبق. وقد أخرج الربيع، عن الشافعي ﵁، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيع حاضر لباد". وأخرجه المزني عن الشافعي بهذا الإسناد وقال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبع حاضر لباد". [و] (٢) أخرجه المزني عنه، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مثله. هذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) من عدة طرق والله أعلم. ...

стр. 1721

الفصل السادس في المصراة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصروا الإبل والغنم، وإن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين ... " وذكر الحديث. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: "ردها وصاعًا من تمر لا سمراء". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك فأخرجه (١) بالإسناد في ضمن حديث. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن ابن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن ابن أبي عمر، عن سفيان عن أيوب وذكر الرواية الآخرة.

стр. 1722

وفي أخرى عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر". وأما أبو داود فأخرجه (١) عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي فأخرجه (٢) عن أبي كريب، عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة. وأما النسائي فأخرجه (٣) عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن أبي الزناد. قد اختلف في تفسير المصراة على قولين؛ أحدهما: أنه من صَرَى يصرِي، وصَرَى يُصَرِّي بالتخفيف والتشديد، إذا جمع، والصَّرْي: الحقن والجمع، ومنه صرى الدمع إذا احتقن ولم يجر. والقول الثاني: أنه من صَرَّ الشيء يَصُرُّه: إذا سنده وربطه. قال أبو عبيد: المصراة بالتشديد الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صري اللبن في ضرعها أي حقن وجمع أيامًا فلم تحلب، وأصل التصرية حبس الماء وجمعه، قال: ولو كان من الربط والشد لكان مصرورة أو مصررة. يعني بهذا القول الرد على ما ذهب إليه الشافعي في تفسير المصراة، وذلك أنه قال: التصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة وتترك من الحلب اليومين أو الثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيرًا ويزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها؛ فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبةً أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرر للمشتري. وقول أبي عبيد قول حسن وهو ظاهر اللغة، والاشتقاق الظاهر يشهد له؛

стр. 1723

إلا أن قول الشافعي غير مدفوع ولا مدخول؛ فإن من عادة العرب أنهم كانوا يصرون ضروع الحلوبَات إذا أرسلوها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صرارًا، فإذا راحت حلت الأصرّة وحلبت. ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنها خاتم أهلها عليها" (١) فحينئذ يكون التقدير فيما فسره الشافعي المصررة من صَرَّ يَصُرَّ كما قال، إلا أنه اجتمع في الكلمة ثلاث راءات قلبت إحداهما ياءً كما قالوا في تظننت: تظنيت، وهو من ظن يظن، فأبدلوا من إحدى النونات ياء استثقالاً؛ لاجتماع ثلاث نونات [ومثله] (٢) في تقضض الباذي تقضى البازي، لما اجتمعت الضادان واستثقلوها أبدلوا [إحداها] (٣) ياء، ومن هذا الباب قول الله تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٤) أي دسسها فأبدل إحدى السينات ياءً، أو معنى "دساها" ضد "زكاها" لأنه قال: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسيها" (٥) هذا هو المراد به في الآية والله أعلم. ومثل هذا في الكلام كثير، فعلى كل التقديرين في المصراة إن كانت من الصري الجمع فتكون الهاء فيها أصلية، ويكون قوله: لا تُصَروا مضمومة التاء مفتوحة الصاد، وإن كانت من الصَّرِّ الربط فتكون التاء مفتوحة والصاد مضمومة. وقوله: "وإن ابتاعها بعد ذلك" فيه محذوف تقديره: وإن ابتاعها أحد أو مبتاع، فحذف لأن الكلام يقتضيه.

стр. 1724

وأما الرواية الأخرى فإنه جاء بلفظة "من" الدالة على المبتاع بلفظ العموم؛ لأنها تقع على الواحد والاثنين والجمع. وقوله: "بخير النظرين" أي بخير الرأيين لنفسه، وأي الأمرين كان في نظره خيرًا والأمران هما: الإمساك والرد، و"الباء" في "بخير" متعلقة بمحذوف تقديره: فهو عامل [بخير] (١) النظرين بعد الحلب، والظرف الذي هو "بعد" متعلق بخير النظرين أي هو مُخَيَّرٌ بعد الحلب، والرضا والسخط حالتان متضادتان. "والصاع" مكيال يسع خمسة أرطال وثلث، أو ثمانية أرطال على اختلاف المذهبين، وقد تقدم القول في ذلك، "وصاعًا" منصوب على العطف على الضمير في "رَدَّها" أي ورد صاعًا. و"السمراء" الحنطة كذا يسميها أهل الشام، وهو اسم لها مشهور عندهم ومعروف عند العرب. وقوله في رواية الترمذي: "صاعًا من طعام" [و] (٢) ها هنا "التمر" لتعاضد الروايات بالتصريح بلفظ التمر، وإن كان الطعام في الأصل يقع على كل ما يقتات ويؤكل، ويدخل فيه الحنطة والشعير والتمر ونحو ذلك من المطعومات، ولأن الغالب كان على أطعمتهم التمر. وأما "المحفلة" فهي المصَرَّرة في المعنى، تقول: حفلت الناقة والشاة وأحفلها فهي مُحَفَّلة، وضرع حافل أي ممتلئ لبنًا. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن التصرية والتحفيل لا يجوز فعله؛ فإن فعله فاعل ودلس فباع ثم وقف المشتري عليه كان ذلك عيبًا فيها، وثبت له الخيار في الرد والإمساك، ورُوي مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس، وبه قال مالك والليث وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وأبو

стр. 1725

يوسف وزفر. وقال أبو حنيفة: ليس ذلك بعيب، ولا يثبت به الخيار. وأما الصاع المردود معها فإنه مقابل وبدل عن اللبن الذي كان في الضرع عند العقد، وإنما لم يجب رد اللبن أو مثله أو قيمته لأن عين اللبن لا تبقى غالبًا، وإن بقيت فيمتزج بلبن آخر اجتمع في الضرع بعد العقد إلى تمام الحلب. وأما المثلية فلأن القَدْر إذا لم يكن معلومًا بمعيار الشرع كانت المقابلة من باب الربا، وإنما قُدِّر من التمر [لأنه] (١) من جنس لفقد النقد عندهم غالبًا, ولأن التمر يشارك اللبن في المالية وكونه قوتًا وهو قريب منه؛ إذْ كانوا يأكلونه معه في بلادهم، يؤكد فهم هذا المعنى نص الشافعي رحمه الله تعالى على أنه لو رد الشاة المصراة بعيب آخر سوى التصرية رد صاعًا من التمر لأجل اللبن، وقد تردد الفقهاء فيما إذا أعطى بدل التمر قوتًا آخر، فمنهم من تبع التوقيف، ومنهم من رآه في [معنى] (٢) إجرائه مجرى صدقة الفطر، وأما أبو حنيفة فإنه قال: لا يردها ولا يرد صاعًا، وإنما يرجع على البائع بالأرش، واحتج بأن هذا مخالف للأصول، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثير بقيمة واحدة وبمقدار واحدٍ. والأصل أن الحديث إذا ثبت صحته عن النبي ﷺ وجب العمل به، وصار أصلاً في نفسه، وهذا حديث صحيح متفق عليه، لا شبهة في طرقه وصحته، ولا هو منسوخ، ولا ضرورة تدعو إلى تأويله أو ترك العمل به، والأصول إنما صارت أصولًا بورودها من جهة الشارع، وهذا الخبر قد جاء كما جاءت الأصول، فوجب العمل به؛ لا سيما مع انتفاء المانع، وعلى أن تقويم المتلف بغير النقود موجود في بعض الأصول، كالدية، فإنها مقومة بالإبل، والغرة في

стр. 1726

الجنين وكذلك تقويم القليل والكثير بقيمة واحدة كان من الموضحة فإنها ربما أخذت أكثر مساحة الرأس فيكون فيها خمس من الإبل، وربما كانت قدر الأنملة وفيها الخمس أيضًا، وديات الأصابع سواء على اختلاف مقاديرها، وكذلك جعل على صاحب الزكاة إذا لم يجد السنن الواجبة عليه أن يعطي عوضها مما هو موجود في إبله، وشاتين أو عشرين درهمًا جبرانًا لنقص ما بين السِّنَّينْ، ومعلوم أن ذلك لا يعتدل في التقويم في كل مكان وكل زمان، فإذا صح مثل هذا؛ فكيف ينكر العمل بخبر المصراة وإن خالف أصلاً آخر. ومن العجب أن يقول بخبر الوضوء بالنبيذ وخبر القهقهة في الصلاة ونقضها الوضوء مع مخالفتهما الأصول وهما خبران ضعيفان [عند] (١) كل من عرف الحديث، كيف يمنع من العمل بهذا الحديث المتفق على صحته؟! ثم التقويم على ضربين، أحدهما تقويم تعديل، والآخر تقويم توقيف، فتقويم التعديل يرتفع وينخفض على قدر ارتفاع الشيء وانخفاضه (وقيمة) (٢) التوقيف هو ما جعل بإزاء الشيء الذي لا يكاد يضبط بمقدارٍ معلوم، واللبن غير معلوم المقدار فإنه قد يقل ويكثر كما ذكرناه، ويخلط بلبن آخر يحدث في ملك المشتري، وحيث كان مجهولاً لا يمكن ضبطه ولا يؤمن التنازع فيه بين البائع والمشتري، وردت الشريعة فيه بتوقيف معلوم يفصل بين المتبايعين، ويقطع مادة النزاع. وأما مدة الخيار وذكْرُ الثلاث فإنها ذكر بالتقدير معرفة التصرية؛ فإنه لا يكاد يعرف ذلك قبل مضيها إذْ ربما كان اللبن غزيرًا مجموعًا، فلا يظهو نقصه في أقل من ثلاث فإذا مضت الثلاث واستبان له النقص؛ ثبت له الخيار. وقيل: إذا عرف التصرية قبل انقضاء الثالث واستبان له النقص ثبت له

стр. 1727

الخيار على الفور، وكان له ذلك إلى تمام انقضائها اتباعًا للسنة، وقد نص الشافعي عليه في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى. وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن هشيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود قال: "من ابتاع مصراة فهو بالخيار إن شاء ردها وصاعًا من طعام". قال الشافعي (١): وهكذا نقول وبهذا مضت السنة وهم يزعمون أنه إذا حلبها فليس له ردها لأنه قد أخذ منها شيئًا. قال [لبن] (٢) التصرية مبيع [مع] (٢) الشاة وكان في ملك البائع، فإذا حلبه ثم أراد ردها بعيب التصرية؛ ردها وصاعًا من تمر، كثر اللبن أو قلَّ؛ لأن ذلك شيء وقته رسول الله ﷺ بعد أن جمع فيه بين الإبل والغنم، والعلم يحيط أن ألبانها مختلفة، واللبن بعده حادث في ملك المشتري لم تقع عليه صفقة البيع كما حدث الخراج في ملكه، وقد قضى النبي ﷺ أن الخراج بالضمان. قال البيهقي (٣): وقد زعم من ترك الحديث أن ذلك كان حين كانت العقوبات في الذنوب يؤخذ بها الأموال، ثم نسخت العقوبات بالأموال فصار هذا منسوخًا، وهذا توهم منه، وسعر اللبن في القديم والحديث أرخص من سعر التمر، والتصرية وجدت من البائع لا من المشتري، فلو كان ذلك على وجه العقوبة لأشبه أن يجعله للمشتري بلا شيء، أو بما ينقص عن قيمة اللبن بكل حال لا بما قد يكون قيمته مثل قيمة اللبن أو أكثر؛ لأنه إنما يلزمه ردُّ ما كان موجودًا حال البيع دون ما حدث بعده، وهلّا جعله شبيهًا بقضاء النبي ﷺ في الجنين بغرة عبد أو أمة حين لم يوقف على حدِّه فقضى فيه بأمر ينتهي إليه،

стр. 1728

وكذلك لبن التصرية اختلط بالحادث بعده، ولا يوقف على حده، فقضى فيه بأمر ينتهي إليه، ثم من أخبره أن قضاء النبي ﷺ في المصراة كان قبل نسخ العقوبات في الأموال حتى يجعله منسوخًا معها، وأبو هريرة من أواخر من صحب النبي ﷺ وحمل خبر التصرية، عنه في آخر عمره، وعبد الله بن مسعود أفتى به بعد رسول الله ﷺ ولا مخالف له في ذلك من الصحابة، فلو صار إلى قول عبد الله، ومعه ما ذكرنا من السنة الثابتة التي لا معارض لها؛ كان أولى به من دعوى النسخ في أخبار النبي ﷺ . وأعجب من هذا أن من يدعي تسوية الأخبار على مذهبه، يحكي ما ذكرناه عن بعض أصحابه، ثم يدعي نسخ خبر المصراة، بأن المشتري ملك لبنًا دينًا بصاع تمرٍ دينًا فقد حل ذلك محل بيع الدين بالدين، وروى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "ثم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" فصار ذلك منسوخًا به، وهذا من الضرب [الذي] (١) تغني حكايته عن (٢) جوابه، أَيُّ بيع جرى بينهما على اللبن بالتمر حتى يكون ذلك بيع الدين بالدين؟! ومن أَتْلَفَ على غيره شيئًا فالُمتْلَف غير حاضرِ، والذي يلزمه من الضمان غير حاضر، أفنجعل ذلك دينًا بدين حتى لا يوجب الضمان، ويعدل عن إيجاب الضمان إلى حكم آخر؟! وقد يكون ما حلب من اللبن حاضرًا عنده في آنيته، [أفيحل ذلك] (٣) محل الدين بالدين (٤)؟ والله أعلم.

стр. 1729

الفصل السابع في الشرط في البيع أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: "جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقالت لها عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عَدَدْتُها ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عند أهلها ورسول الله ﷺ جالس، فقالت: إني عرضت عليهم فأبوا إلا أن يكون [الولاء] (١) لهم، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فسألها النبي ﷺ ، فأخبرته عائشة ﵂، فقال لها رسول الله ﷺ : خذيها واشترطي الولاء لهم، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة مثله. هذا حديث صحيح متفق عليه بين الجماعة. أما مالك فأخرجه (٢) بالإسناد واللفظ.

стр. 1730

وأما البخاري فأخرجه (١) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٢) عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام. وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن قتيبة والقعنبي، عن الليث، عن الزهري، عن عروة. وأما النسائي فأخرجه (٤) عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن عروة. وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن ابن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مختصرًا. ولهذا الحديث طرق كثيرة طويلة وقصيرة. "كاتبت" فاعلت من الكتابة، وهو أن يقول الرجل لعبدهِ: كاتبتك على ألف درهم -مثلاً- إلى أجل، فإذا أديتها عُتِقْتَ، ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تُعتق مني إذ أوفيت المال وكتبت لي عليك المال، فهي مفاعلة من كتب يكتب، كأن كل واحد منهما كتب له على الآخر كتابًا، وأرادت بأهلها: مواليها. "والأواقي" جمع أُوقِيَّة -بضم الهمزة وتشديد الياء- وكانت يومئذ أربعون دِرْهمًا فجمع على أواقيِّ -[مشددة] (٦) الياء- مثل أُثْفِيَّة و [أَثَافِيّ] (٧)، ويجوز تخفيفها. وقوله: "كتاب الله" يريد ما كتبه الله وفرضه في كتابه أو على لسان نبيه،

стр. 1731

ولا يريد به أنه في نص القرآن ولفظه، وأن جعل الولاء للمعتِق مما سنه رسول الله ﷺ وكتبه على أمته، وما سنه النبي وفرضه فهو مما سنه الله وفرضه، فلهذا الكلام إذن محملان: أحدهما: أن يريد بكتاب الله القرآن، فيكون قد أضاف ما فرضه النبي ﷺ وسنه إلى كتاب الله؛ لأنه بأمره ووحيه، وما ينطق عن الهوى، فتكون إضافته إلى كتاب الله تعالى على هذا التقدير. والثاني: أنه يريد بكتاب الله فرضه، وما كتبه كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ (١) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (٢). وقوله: "ما بال رجال" أي ما شأنهم وأمرهم وحالهم. وقوله: "قضاءُ الله أحق" أي فرضه وما قضى به على العباد ألزم وأوجب. و"أحق" أفعل، من حقَّ الشيء يَحِقُّ إذا صار حقًّا لازمًا. وقوله: "وشرطه أوثق" أي ما اشترط من أحكامه في كتابه وعلى لسان نبيه أحكم وأثبت، وهو من الوثاق؛ الشَد. وفي هذا الحديث أحكام؛ منها: جواز الكتابة، وتنجيمها, وبيع المكاتب، وبيع نجومه، والشرط في البيع، ونقض شرط لا يلزم، وأن الولاء للمعتق وأما الكتابة وأحكامها فسترد في بابها. فإن قيل: كيف أمرها رسول الله ﷺ أن تشترط لهم الولاء وهو شرط فاسد؟ فالجواب: أنه أمرهأ بالشرط قبل العقد أو بعده لا في حال العقد، وذلك لا يقدح في العقد، وفي ذلك من المثوبة بتحصيل العتق للأمة ما يحمل على أمثاله.

стр. 1732

قال الشافعي ﵁: اشتراط الولاء. رواه هشام بن عروة، عن أبيه، وانفرد به دون غيره من رواة هذا الحديث وغيره من رواية أثبت من هشام. وقال جماعة من العلماء: إن هذه الزيادة غير محفوظة في الحديث، ولو صحت لكانت متأولة على معنى: أن لا تبالي بما يقولون ولاتعبئي بشرطهم، فإن الولاء لا يكون إلا للمعتق وليس ذلك على أن يشترط لهم قولان، فيكون خلفًا بموعد شرط، وإنما هو على معنى أنهم يحلون وشرطهم لا يلتفت إليه؛ إذْ كان ذلك لغوًا من الكلام وخلفاً من القول. وقال المزني: أراد بقوله: "واشترطي لهم الولاء" أي عليهم، كقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (١) أي عليهم، وقيل: أراد أن يرد شرط الولاء ردًّا ظاهرًا على الملأ؛ ليعلم الناس كافة؛ فإنه لو منعها من ذلك لامتنعت، ولكان ذلك غير منتشر ولا ظاهر للكافة كما فعل في فسخ الحج والعمرة، فقوله: "إنما الولاء لمن أعتق" دليل على أنه لا ولاء لغير المعتق، وأن من أسلم على يد رجل لم يكن له ولاؤه كما ذهب إليه قوم من العلماء؛ لأن إنما موضوعه لقصر الذات على الحكم أو قصر الحكم على الذات. وقد توهم قوم أن قوله: "اشترطي لهم الولاء وأعتقي" خلف وغرور بهم، ورسول الله ﷺ لا يأمر بالغرور، وليس كذلك؛ فإن القوم كانوا قد رغبوا في بيعها بعد الكتابة، فأجازه رسول الله ﷺ وأذن لعائشة ﵂ أن تشتريها، وكانوا جاهلين بحكم الشرع في أن الولاء لا يكون إلا للمعتق، وطمعوا في أن يكون الولاء لهم بلا عتق، فلما عقدوا البيع وزال ملكهم عنها، ثبت ملك رقبتها لعائشة أعتقتها، صار الولاء لها؛ لأن الولاء من حقوق العتق وتوابعه، فلما تنازعوا قام رسول الله ﷺ فبين أن الولاء في قضية الشرع إنما هو لمن أعتق، وأن من شرط شرطًا لا يوافق حكم الله فهو باطل.

стр. 1733

قال الشافعي في كتاب "اختلاف العراقيين": وإذ باع الرجلُ الرجلَ العبدَ على أن لا يبيعه أو على أن يبيعه من فلان أو على أن لا يستخدمه؛ فالبيع فاسد، ولا يجوز الشرط في هذا إلا في موضع واحد، وهو العتق اتباعًا للسنة ولفراق العتق لما سواه. قال: ولا يجوز أن يبيع الرجل الشاة ويستثني منها شيئًا؛ جلدًا ولا غيره، في سفر ولا في حضر، ولو كان الحديث يثبت عن النبي ﷺ في السفر أجزناه في السفر والحضر، فإن تبايعا على هذا فالبيع باطل. وقال في مختصر البويطي والربيع: وكل شرط في بيع على أن لا يقبض [اليوم] (١) فلا يجوز إلا أن يصح حديث جابر عن النبي ﷺ (٢) يريد حديثه في بيع الجمل واشتراط ظهره. والشروط في العقد على أربعة أضرب: ضرب منها يوافق مقتضى العقد ويؤكده، مثل أن يشترط التسليم أو خيار المجلس وما أشبه ذلك، فهذا لا يؤثر في العقد. والضرب الثاني: شرط تتعلق به مصلحة المتعاقدين كالأجل والرهن والضمان وذلك جائز. والضرب الثالث: لا تتعلق به مصلحة العقد، ولكنه فيما بني على التغليب مثل شرط العتق، فإنه جائز. والضرب الرابع: شرط لم يبن علي التغليب مثل أن يشترط أن لا يسلمه أو لا ينتفع بالمبيع فلا تتعلق به مصلحة العقد، وهذا شرط باطل، والبيع فاسد، وبه قال أبو حنيفة، وقال ابن أبي ليلى: البيع جائز والشرط فاسد، وبه قال النخعي

стр. 1734

والحسن البصري وأحمد بن حنبل، واستدل بحديث بريرة، وقال ابن شبرمة: البيع جائز والشرط، واستدل بحديث جابر في بيع الجمل. وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن نسير بن ذعلوق، عن عمرو بن راشد الأشجعي: "أن رجلاً باع نجيبة -أو قال: بختية، وأنا أشك- واشترط ثنياها، فرغب فيها، فاختصما إلى عمر، فقال: اذهبا بها إلى علي، فقال علي: اذهبا بها إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها". قال الشافعي: وليْسوا يقولون بهذا، أورِدَ على طريق الإلزام فيما خالفوا فيه عليًّا ﵁ (١). ...

стр. 1735

الفصل الثامن في بيعتيْن في بيعة أخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا عبد العزيز الدراوردي، عن محمد ابن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة". هذا حديث أخرجه مالك في الموطأ (١)، وأبو داود (٢) والترمذي (٣)، وفي ألفاظهم اختلاف. قال الشافعي ﵁: له تأويلان: أحدهما: أن يقول: بعتك بألفين نسيئة وبألف نقدًا فأيهما شئت أخذت به، فأخذ بأحدهما، وهذا بيع فاسد لأنه إبهام وتعليق. والآخر: أن يقول: بعتك عبدي على أن تبيعني فرسك، وهو أيضًا فاسد؛ لأنه شرط لا يلزم، ويتفاوت بعدمه مقصود العقد، وقد نهى النبي ﷺ مطلقًا عن بيع وشرط، وعن بيع وسلف. ومعناه أن يشترط فيه قرضًا، وقد جعله الشافعي من بيوع الغرر (وقد أخرج ﵁ قال) (٤): قال الشافعي ﵁ والسلف الذي ينهى عنه هو أن ينعقد العقد على بيع وسلف، وذلك أن يقول: أبيعك هذا بكذا على أن تسلفني كذا، وحكم السلف أنه حالٌّ، فيكون البيع وقع بثمن معلوم ومجهول، والبيع لا يجوز إلا أن يكون بثمن معلوم.

стр. 1736

البابُ الثالث في الربا وما يتعلق به أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان: "أنه التمس صرفًا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا حتى اصطرف مني وأخذ الذهب، فقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني -أو تأتي خازنتي- من الغابة -قال الشافعي أنا شككت- وعمر [يسمع] (١) فقال عمر بن الخطاب والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب [بالذهب ربا إلاهاء وهاء، والورق] (١) بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبُّر بالبُّرِّ ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء هاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء". قال الشافعي ﵁: قرأته على مالك صحيحًا لا شك فيه، ثم طال عليّ الزمان ولم أحفظه حفظّا فشككت في خازنتي أو خازني، وغيري يقول عنه: "خازني". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ مثل معنى مالك وقال: "حتى يأتي خازني" قال: فحفظته لا شك فيه. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي. فأما مالك فأخرجه (٢) بالإسناد وقال فيه: "خازني". وأما البخاري فأخرجه (٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.

стр. 1737

وأما مسلم فأخرجه (١) عن قتيبة وابن رمح، عن الليث، عن ابن شهاب، وذكر نحوه. وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن القعنبي، عن مالك، وذكر المسند منه فقط. وأما الترمذي فأخرجه (٣) عن قتيبة، عن الليث مثل مسلم. "الصرف" بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، وأحدهما بالآخر، تقول صرفت الدراهم بالدنانير، وبين الدرهمين صرف أي فضل لجودة فضة أحدهما على الآخر. "والمراوضة" هي أن تواصف الرجل بالسلعة التي ليست عندك، وهي بيع المواصفة، وقيل: هي المجاذبة التي تجري بين المتابيعين في الزيادة والنقصان إلى أن يستقر الأمر بينهما أو لا يستقر، كأنه من الرياضة ومُعاناة المُهْر في أول ركوبه لتتهذب أخلاقه ويطيع راكبه. "واصطرف" افتعل من الصرف، والأصل اصترف، بتاء، فلما اجتمعت التاء والصاد وثقل النطق بهما قلبت التاءُ طاءً لتجانس الصاد فإنهما حرفا إطباق، وإنما أنث ضمير الذهب لأن منهم من يُؤَنِّثه. قال الجوهوي: الذهب معروف وربما أنث. و"الغابة" في الأصل: الأجمة والغيضة، وهي ها هنا اسم لمكان معروف كان بالمدينة. و"الربا": الزيادة، رَبَا الشيء يَربو رَبْوًا إذا زاد، والربا في البيع الزيادة فيه على رأس المال من غير بيع، وقد أربى الرجل يربي، وَتُثَنِّيه: ربوان وربيان.

стр. 1738

وقوله: "هاء وهاء" ومعناه أن يقول كل واحد من المتبايعين: ها فيعطيه ما في يده، وقيل: معناه هاك وهات أي خُذ وأعط، وهذا مثل قوله: "يدًا بيد". قال الخطابي: أصحاب الحديث يرووه "ها" ساكنة الألف مقصورة، والصواب بالفتح والمد؛ لأن أصلها هاك أي خذ، فحذفت الكاف وعوضت عنها الهمزة، يقال للواحد: هاء، وللاثنين: هاؤما، والجمع: هاؤم، قال الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (١). "والورق": الدراهم المضروبة [وكذا الرقة] (٢) وفيها ثلاث لغات: فتح الواو وكسر الراء، وفتح الواو وسكون الراء (٣)، والرقة الورق والهاء عوض من حذف الواو، وتجمع على رِقَينْ. "والربا" يقع في التبايع بمعنيين: أحدهما الزيادة، والآخر النسيئة؛ فالزيادة لا تكون إلا في الجنس الواحد كالذهب بالذهب متفاضلا، والورق بالورق متفاضلاً. والنسيئة تكون في الجنس الواحد، وفي الجنسين كالذهب بالذهب نسيئة، والذهب بالورق نسيئة، وهذان الأمران حرام عند الشافعي، وبه قال عامة الصحابة والتابيعين والفقهاء المجتهدين. وقال أبو حنيفة كذلك في النقدين، وقال فيما عداهما: يجوز التفرق قبل القبض، وأجاز فيها النسيئة.

стр. 1739

وذهب جماعة من الصحابة إلى أن الربا إنما هو في النسيئة خاصة، فأما التفاضل فجائز إذا كان يدًا بيدٍ، وحُكي ذلك عن ابن عباس، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن الزبير، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب. وهذا الحديث يدل على تحريم النسيئة في المال الربوي؛ لأنه لما أراد مالك بن أوس أن يصرف الذهب بالورق وطلب طلحة أن يؤخر قبض الورق عن عقد التبايع إلى أن يجيء خازنة منعه عمر؛ لأجل النسيئة، ثم إذا تصارفا فلا بأس أن يطول مقامهما في مجلسهما, ولا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره لِيُقْبِضه العوض؛ لأنهما لم يتفرقا، فأما إن تعذر عليهما التقابض في المجلس، وأرادا أن يتفرقا؛ فإنه يلزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما، وإلا كان ربا. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل يدًا بيد، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك والبخاري ومسلم والترمذي. فأما مالك فأخرجه (١) بالإسناد واللفظ وأسقط "يدًا بيدا". وأما البخاري فأخرجه (٢) عن عبد الله، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث، عن نافع نحوه. وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن أحمد بن منيع، عن حسين بن محمد، عن

стр. 1740

شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع نحوه. وفي الباب عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، والبراء، وزيد بن أرقم، وفضالة بن عبيد، وأبي بكرة، وابن عمر، وأبي الدراء وبلال (١). "الشف": النقصان، شَفَّ يَشِفُّ شَفًّا، وهو الزيادة أيضاً فهو من الأضداد، وأشفه يشفه إذا نقصه وإذا زاده، والمراد في الحديث الأمران أي لا تزيدوا بعضها على بعض، ولا تنقصوا بعضها عن بعض، والزيادة أولى لأنه عدَّاه بعلى؛ و"على" مختصة بالزيادة، و"عن" مختصة بالنقصان تقول: زاد عليه، ونقص عنه. قال الأزهري: يقال: الشَّفُّ، والشِّفُّ، والمعروف: الكشف. ومعنى قوله: "يدًا بيدٍ" أي مقابضة، وفقد الأنسئة فيه، وهو منصوب على الحال التي هي غير مشفة، ومثله: كَلَّفتُه فَاهُ إلى فِيَّ، أي مشافهة، وبينت له حسابه بابًا بابًا، أي مفصلاً. قال سيبويه: واعلم أن هذه الأسماء التي في هذا الباب لا يفرد منها شيء دون شيء، فلا تقل: بعته يدًا حتى تقول: بيدٍ، وكذلك الباقي، ومن العرب من يرفع هذا النحو. و"الناجز": المعجل الحاضر، يريد النهي عن بيع شيء من الذهب والفضة نسيئة وأن التقابض فيهما شرط، وفي رواية مسلم: "ولا تبيعوا غائبًا بناجز إلا يدًا بيد" هذه "إلا" منقطعة لأن التقدير: لا تبيعوا شيئًا منها إلا مقابضة ونقدًا، ولو كانت متصلة لأدى إلى محال؛ فإنه يكون قد جمع البيع بين صفتي النسيئة والمقابضة، وذلك أن قوله: "لا تبيعوا منها غابئا بناجز" معناه: لا تبيعوا منها نسيئة ومعنى "إلا يدًا بيد" أي مقابضة، فكأنه قال: لا تبيعوها نسيئة إلا يدًا بيد،

стр. 1741

وهذا متناقض، وإنما يصح إذا كانت "إلا" بمعنى لكن؛ أي لا تبيعوها نسيئة لكن بيعوها يدًا بيدٍ. وأما رواية الشافعي فإن "إلا" تكون فيها متصلة؛ لأنه قال: "لا تبيعوا إلا مثلا بمثل يدًا بيد" فقد جمع بين الوصفين اللذين هما شرط في صحة بيع الربويات، وهما المماثلة والمقابضة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن مسلم بن يسار ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيْنًا بعين، يدًا بيدٍ، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح والملح بالتمر، يدًا بيدٍ كيف شئتم"، قال: ونقص أحدهما الملح والتمر. قال أبو العباس بن الأصم: في كتابي: أيوب عن ابن سيرين، ثم ضرب عليه، ينظر في كتاب الشيخ -يعني الربيع. هكذا أخرجه في كتاب البيوع، وأخرجه في كتاب اختلاف الحديث عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار ورَجل آخر، عن عبادة بن الصامت، وزاد أحدهما: "من زاد أو ازداد فقد أربى" وقد أخرجه المزني، عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث قال: "كنا في غزاة علينا معاوية، فأصبنا ذهبًا وفضة، فأمر معاوية [رجلاً] (١) أن يبيعها الناس في أعطياتهم، فتسارع الناس فيها، فقام عبادة بن الصامت فنهاهم فردوها، فأتى الرجل معاوية فشكا إليه فقام معاوية خطيبًا فقال: [ما بال] (٢) رجال يحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث يكذبون عليه

стр. 1742

فيها ولم نسمعها؟! فقام عبادة فقال: والله لنحدثن عن رسول الله وإن كره معاوية، قال رسول الله ﷺ :لا تبيعوا الذهب بالذهب (١) ولا الفضة بالفضة، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح؛ إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدا بيدٍ، عينًا بعين". وأخرجه المزني أيضًا عنه عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن أبي الأشعت: أنه قدم أناس في إمارة معاوية يبيعون آنية الذهب والفضة إلى العطاء، فقام عبادة بن الصامت فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح؛ إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، فمن زاد [أو] (٢) ازداد فقد أربى". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. أما مسلم (٣) فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعت، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح [بالملح] (٤) مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم [إذا كان يدًا بيد] (٤) وله في رواية أخرى "فمن زاد أو ازداد فقد أربى"، وأخرج أيضًا رواية المزني بطولها (٣).

стр. 1743

وأما أبو داود فقد أخرجه (١) عن الحسن بن علي، عن بشر [بن] (٢) عمر، عن همام، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكي، عن أبي الأشعث، عن عبادة أن رسول الله ﷺ وذكر نحوه مع اختلاف لفظه. وأما الترمذي (٣) فأخرجه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن خالد الحذاء ... بإسناد مسلم، وذكر نحوه روايته. وهذا الحديث هكذا جاء في المسند فيما قرأنا ووقفنا عليه مع اختلاف النسخ، لم يذكر في الأجناس المسماة التمر. وقوله في آخر الحديث "ونقص أحدهما التمر أو الملح" يدل على أن الرواية هكذا رواها خمسة أجناس، والحديث لم يروه الفقهاء والأئمة وأصحاب الحديث إلا بإضافة التمر وذكر الأجناس الستة، ثم قوله في "والتمر بالملح أو الملح بالتمر" شاهد بأن التمر مذكور في جملة الستة، والظاهر أنه قد سقط ذكر التمر من كتاب أبي العباس الأصم والله أعلم. قال البيهقي: الرجل الذي لم بسمه الشافعي ﵁ يقال هو عبيد الله ابن عبيد قاله سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين عنهما، وزعموا أن مسلم ابن يسار لم يسمعه من عبادة نفسه وإنما سمعه من أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة، وكذا جاء في رواية مسلم وأبي داود والترمذي. قوله: "سواءً بسواء" التساوي: المماثلة في المقادير، فما كان موزونًا فبأن يتحاذيا في الوزن لا في غيره، وما كان مكيلاً فأن يتساويا في الكيل لا في غيره؛ ألا ترى أن البُرّ مكيل فالتساوي فيه معتبر بالكيل لا بالوزن؛ لأنه لو اعتبر

стр. 1744

فيه الوزن لاختلفا في الكيل، فإن بعض الحنطة أثقل من بعض، فَرُبّ قفيز من حنطة يوازي ثلثي قفيز من حنطة أخرى، وهذا إلا يجوز في الشرع، فإن الاعتبار بمعيار الشرع وهو ما كان في زمن رسول الله ﷺ معروفًا به كيل أو وزن، إلا أن التمر لا يبتاع به إلا موزونًا في أكثر البلاد وهو من المكيلات وإلى يومنا هذا يكال في مدينة الرسول صلوات الله عليه وسلامه بالأمداد والصيعان، وسببه أن الغالب على تمور المدينة العجوة واللينة والصيحاني وهي ما يجري فيه الكيل، وعلى الخصوص الكيل معتبر في الأجناس الأربعة المنصوص عليها، والوزن في الجنسين المنصوص عليهما. فأما ما عداها فالاعتبار فيه بعرف الحجاز في زمان النبي ﷺ ، فأما ما لا يعرف أصله في الحجاز أو لم يكن بالحجاز أصلاً فقيل: يُرَدُّ إلى أقرب الأشياء منه بالحجاز وأشبهها به، وقيل: يعتبر فيه عادة البلاد، وإن اختلف؛ حُكِمَ بالغالب عليه. وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: المكيلات المنصوص عليها لا تكون موزونات أبدًا، وما لم يُنَصُّ عليه فالمرجع فيه إلى عادة الناس. وقوله: "عينًا بعين" يريد ذاتًا بذاتٍ، فإن عين الشيء ذاته ونفسه، وهو منصوب على الحال. وقوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيدٍ" جملة تفصيلها ما ذكره الشافعي في روايته في قوله: "ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب". وقوله: "يدًا بيدٍ" احترازًا من النسيئة. وقوله: "فمن زاد أو ازداد فقد أربى" بيان أن الحرام يعم البائع والمشتري؛ لأن قوله: "زاد" إنما يكون من أحد المتبايعين، وقوله: [أو ازداد] (١) من البائع الآخر.

стр. 1745

وقوله: "فقد أربى" أي فعل الربا، أربى يربي ربا، والربا الاسم، وقد جاء في رواية الشافعي: "لا تبيعوا الذهب بالذهب" وفي رواية الباقين: "الذهب بالذهب" ولم يذكروا "ولا تبيعوا" وإن كانت مرادة في المعنى، وإنما حذفت اكتفاءً باقتضاء "الباء" التي في قوله: "بالذهب" لها؛ لأنها تريد فعلًا تتعلق به، فيكون التقدير: بيعوا الذهب بالذهب، فإثباته أولى لتدل على نفس المطلوب منها دلالة صحيحة، وحذفها من باب الاختصار والإضمار، وهو كثير في العربية ولا سيما في القرآن العزيز، وقد اختلف العلماء في علة الربا، وإنما طلبوا العلة ليقيسوا عليها غير هذه الأشياء الستة المنصوص عليها من جهة الشارع، على أن داود ومن قال بالظاهر ومن ذهب إلى إبطال القياس قال: لا ربا إلا في هذه الأشياء الستة. وروى مثل ذلك عن طاوس، فذهب الشافعي إلى أن علة الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان غالبًا في جنس واحد، وقيل: لأنهما مجرى الأثمان، وقيل جنس القيم في جنس واحد، فيعدى عنده إلى الحلي وكل ما يتخذ منهما، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة وأحمد: العلة فيهما أنهما موزون جنسين، فضبط فيهما الوزن والجنسية. وأما علة الأشياء الأربعة فقال الشافعي في القديم: أنها مأكولة مكيلة أو موزونة في جنس واحد. قال الشيخ ابن الصباغ: الأولى أن يقال مطعوم جنس مكيل أو موزون يشتمل على كل ما يؤكل ويضرب وروى هذا عن ابن المسيب. وقال الغزالي: المروي عن ابن المسيب أنه الطعم في الجنس والتقدير، فأخرج منه المطعومات التي لا تقدر كالبطيخ والسفرجل. وقال الشافعي في الجديد: العلة الطعم والجنس.

стр. 1746

وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: علتها الكيل والجنس فهي ذات وصفين. وقال مالك -رحمه الله تعالى-: العلة القوت وما يصلح للقوت من المدخرات. وقال ربيعة: كل ما وجبت فيه الزكاة جرى فيه الربا. وقال ابن سيرين: الجنس الواحد هو العلة. وقال سعيد بن جبير: كل ثنتين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر، فلا يجوز بيع التمر بالزبيب والحنطة بالشعير. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن موسى بن أبي تميم ... بالإسناد قال: "الدينار بالدينار ولا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". وقد أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢) عن أبيه هذا الحديث عن الشافعي. قوله: "لا فضل بينهما" يقتضي إطلاق ظاهر على أنه لا فضل بينهما في كل وصف؛ لأنه نفاه بـ "لا" المستغرقة للنفي، وهو إنما أراد به في التبايع لا غير، وإلا فالدينار [الجيد] (٣) يفضل الدينار الرديء، والدرهم الجيد يفضل الدرهم الرديء على الحقيقة فضلة الجودة على الرداءة، وإنما الحكم الشرعي سوَّى بينهما، وقد لا يباع دينار جيد بأكثر من دينار رديء صحيحًا كان أو قراضة كما يفعل الناس اليوم بالعراق وما يجري مجراها من البلاد، وهو من الربا.

стр. 1747

وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، أنه بلغه عن جده مالك بن أبي عامر، عن عثمان بن عفان -كرم الله وجهه- (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين". هذا حديث صحيح أخرجه مالك ومسلم. أما مالك فأخرجه (٢) بالإسناد وقال: قال لي رسول الله ﷺ . وأما مسلم فأخرجه (٣) عن أبي الطاهر وهارون بن سعيد وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن مالك بن أبي عامر. إطلاق هذا اللفظ يقتضي أن التحريم إنما وقع على تحريم الدينار بدينارين، والدرهم بدرهمين لا غير، وليس كذلك إنما هو مَثَلٌ في الزيادة المطلقة، وأن المحرم هو من هذا النوع، وهو زيادة الدينار على الدينار، والدرهم على الدرهم. أَيُّ زيادة كانت، وضَرَبَ الضعف لذلك مثالاً. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وعهدنا إليكم". هكذا أخرجه الربيع في المسند، وقد أخرجه المزني عن الشافعي بهذا الإسناد قال مجاهد: "كنت مع ابن عمر فجاء صائغ فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع شيئًا من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله بن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابته يريد أن

стр. 1748

يركبها، ثم قال عبد الله: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم". وهكذا أخرج مالك هذا الحديث في الموطأ (١) بطوله. وقال الشافعي: هذا خطأ. أخبرنا ابن عيينة، عن وردان الرومي، أنه سأل ابن عمر فقال: "إني رجل أصوغ الحلي ثم أبيعه وأستفضل فيه قدر أجرتي وعمل يدي، فقال ابن عمر: الذهب بالذهب لا فضل بينهما؛ وهذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم". قال الشافعي: يعني بصاحبنا عمر بن الخطاب. قال البيهقي: وهو كما قال، فالأخبار دالة على [أن] (٢) ابن عمر بن الخطاب لم يسمع في ذلك من النبي ﷺ شيئًا، ثم يجوز أن يقول: هذا عهد نبينا وهو يريد إلى أصحابه، بعد ما أثبت له ذلك عن النبي ﷺ في حديث أبي سعيد وغيره. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الأشياء المصوغة من الذهب والفضة لا يجوز بيع شيء منها بشيء من جنسه متفاضلًا فإنه ربًا، وإنما يشتريه بما يماثله وزنًا ولا أثر للصنعة في المصوغات عند التبايع إلا إذا اختلفت الأجناس؛ فإن باع مصوغات من ذهب بفضة قيمتها أكثر من المصوغ عينًا فذلك جائز. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن زيد -هو ابن أسلم- عن عطاء بن يسار: "أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب -أو ورق- بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت النبي ﷺ ينهى عن مثل هذا فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسًا فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه؟! لا أساكنك بأرض".

стр. 1749

وقد أخرجه المزني عن الشافعي بهذا الإسناد وزاد فيه: "فقال: ينهى عن مثل هذا إِلا مثلا بمثل" وقال: "لا أساكنك بأرض أنت فيها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية ألّا تبيع ذلك إلا مثلًا بمثل". وهكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (١) بطوله، وزاد: "وزنًا بوزن". السقاية مشربة يشرب بها الماء من أي الجواهر كانت، وهي فِعَالة من السقي. وقوله: "من يعذرني من معاوية" أي من يقوم بعذري ومن يصرف لومه عني إذا رآني أفعل أمرًا ينكر مثله على فاعله، وذلك أنه لما قال معاوية: "ما أرى بهذا بأسًا" وردّ على أبي الدرداء ما رواه عن النبي ﷺ من النهي عن مثل ذلك؛ كأنه أراد أن ينكر على معاوية إكبارًا لقوله، فقال: من يعذرني فيما أقوله أو أفعله مع معاوية، ثم ذكر العلة التي طلب من أجلها من يعذره فقال: "أخبره عن رسول الله ﷺ ، ويخبرني عن رأيه؟!. وهذا وارد على جهة الاستدلال والتعليل. وقوله: "لا أساكنك بأرض" يريد: لا نقيم أنا وأنت بأرض واحدة "المساكنة" مُفَاعَلة من السكني. وفي هذا الحديث دليل على أن القياس لا يصادم النص الثابت المحكم، وهذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "الرسالة" واستدل به على (أن الحديث الواحد منه) (٢) ولم يعلم أن أحدهما ناسخ للآخر، ولا أحدهما أشبه بالكتاب العزيز ولا بسنة رسول الله ﷺ فيما سواهما، كان الحديث الكثير الطرق والرواية أولى بالعمل وأجدر أن يعمل به، ويترك العمل بالحديث الآخر.

стр. 1750

ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن النهي عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق متفاضلاً قد تعاضدت عليه الروايات الكثيرة، ورواه جماعة من الصحابة منهم: عمر، وعثمان، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد، وابن عمر، وأبو الدرداء، وغيرهم. وحديث أسامة بن زيد الذي قال فيه عن النبي ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" حديث انفرد به أسامة دون الصحابة، ولم يتابع عليه، فكان الأخذ بحديث أبي الدرداء أولى؛ لكثرة رواة أمثاله واتفاقهم على معناه. قال الشافعي ﵁: فإن كان حديث أسامة يضاد هذه الأحاديث فهذه الأحاديث أكثر، وأولى أن تكون أبعد من الغلط من حديث أسامة؛ فلذلك أخذنا بها دونه. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، أنه سمع عبيد الله بن أبي يزيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: أخبرني أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ قال: "إنما الربا في النسيئة". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم. فأما البخاري فأخرجه (١) عن علي بن عبد الله، عن الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار أن أبا صالح الزيات أخبره، أنه سمع أبا سعيد الخدري قال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، فقلت له: فإن ابن عباس لا يقوله، فقال أبو سعيد: سَأَلْته فَقُلْت: سمعته من النبي ﷺ أو وجدته في كتاب الله؟ قال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله ﷺ مني، ولكنني أخبرني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: "لا ربا إلا في النسيئة".

стр. 1751

وأما مسلم فأخرجه (١) عن محمد بن عباد ومحمد بن حاتم وابن أبي عمر جميعًا عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي صالح ... نحو البخاري. قال الشافعي ﵁: كان ابن عباس لا يرى في [دينار] (٢) بدينارين، ودرهم بدرهمين يدًا بيدًا بأسًا ويَراه في النسيئة، وكذلك عامة أصحابه، وكان يروى مثل قول ابن عباس عن سعيد وعروة بن الزبير رأيًا منهما، لا يحفظ عنهما عن رسول الله ﷺ . وذكر نحو ما حكينا عنه في الحديث قبله. وقد قال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: "لا بأس بالدرهم والدرهمين". قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا. وأخبرنا الشافعي ﵁، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض". هذا طرف من حديث قد أخرجه مالك في الموطأ (٣) بالإسناد، وهو مؤكد لما سبق من الأحاديث في الربا، وقد جاء مثله في حديث أبي سعيد الخدري؛ إلا أن ذاك مرفوع وهذا موقوف. وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني عنه قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة قال: "بينا أنا جالس

стр. 1752

عند أبي سعيد الخدري إذ [غمزني] (١) رجل من خلفي، فقال: سله عن الفضة [بالفضة] (٢) بفضل، فقلت إن هذا يأمرني أن أسألك عن الفضة بالفضة، فقال أبو سعيد: وهو ربا، فقال: سله برأيه يقول أم سمعه من رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت من رسول الله ﷺ ما أحدثكم، جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب، فقال له: كأن هذا أجود من تمرنا فقال: إني أعطيت صاعين من تمرنا وأخذت صاعًا من هذا التمر، فقال: أربيت، فقال: يا رسول الله، إن سعر هذا في السوق كذا وكذا، وسعر هذا كذا وكذا فقال: فبعه بسلعة، ثم بع سلعتك بأي ثمن شئت. قال أبو سعيد: التمر أحق أن يكون فيه الربا أم الفضة؟! ". وأخرج المزني عن الشافعي ﵁، عن مالك، عن عبد المجيد بن سهيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة أو عن أحدهما عن الآخر: "أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : فلا تفعل؛ بع الجميع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا". هكذا رواه الشافعي بالشك، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣) عن أبي سعيد وأبي هريرة من غير شك (٤). "الجنيب": نوع جيد من التمر.

стр. 1753

وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم [عن] (١) مالك، عن زيد بن أسْلم، عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلًا بمثل، فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خيبر يأخذ الصاع بالصاعين، فقال رسول الله ﷺ : ادعوه لي [فدعي له] (٢) فقال له النبي ﷺ : أتأخذ الصاع بالصاعين؟ فقال: يا رسول الله، لا يبيعوني الجنيب بالجمع صاعًا بصاع، فقال رسول الله ﷺ : بع الجميع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم الجنيب". "الجمع": تمر مختلط من أنواع متفرقة من التمور وليس مرغوبًا فيه، وقيل: كل لون من النخل لا يعرف اسمه فهو جمع. قال الشافعي ﵁ (٣): وفي أمر رسول الله ﷺ عامله على خيبر أن يبيع الجمع بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم جنيبًا؛ ما دَلَّ -والله أعلم- على أن لا يجوز أن يباع صاع تمر رديء فيجمع مع صاع تمر فائق ثم يُشترى بهما [صاع] (٤) تمر وسط (٥). ولو كان يجوز أن يجمع الرديء مع الجيد الغاية، أمره -فيما نرى والله أعلم- أن يضع الرديء إلى الجيد، ثم يشتري به وسطًا، وكان ذلك موجودًا (٦). قال: ولا يباع ذهب بذهب ومع أحد الذهبين شيء (من) (٧) الذهب. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن [يزيد] (٨) مولى الأسود بن سفيان، أن زيدًا أبا عياش أخبره: "أنه سأل سعد بن أبي وقاص

стр. 1754

عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهى عن ذلك وقال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك". هذا حديث صحيح أخرجه مالك وأبو داود والترمذي. أما مالك فأخرجه (١) بالإسناد واللفظ. وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٣) فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. وقد أخرجه المزني عن الشافعي، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، عن سعد: "أنه سئل عن رجلن تبايعا بالسلت والشعير، فقال سعد: تبايع رجلان على عهد رسول الله ﷺ بتمر ورطب، فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عنه" وكذلك رواه الحميدي، عن سفيان: "بسلت وشعير". "البيضاء": يريد بها الحنطة، ويسمونها السمراء أيضًا وقيل: أراد بالبيضاء نوعًا مخصوصًا من الحنطة وهو أن أبيض اللون وفيه رخاوة ويكون ببلاد مصر، وقال بعضهم: البيضاء هي الرطب من السلت والأول أعرف؛ إلا أن هذا القول أشبه بمعنى الحديث؛ لأنه يطابق تشبيه الرطب بالتمر. و"السلت": نوع من الشعير له قشر كأنه حنطة، ويكون بالغور، وأهل الحجاز يتزودون بسويقه.

стр. 1755

وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه والتوقيف على حقيقة الحكم وعلته؛ ليعتبرها السائل، ويستعملها في نظائرها؛ لأنه لا يخفى عليه ﷺ أن الرطب إذا يبس ينقص وزنه؛ وإنما سأل عنه لتبيين علة المنع من صحة البيع والنهي عنه، وهذا النوع كثير يرد في العربية والقرآن العزيز كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١) وقول الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وقول سعد لما سئل عن البيضاء بالسلت: "أيهما أفضل؟ " هذه الأفضلية تقتضي أن تكون في القيمة وفي الوزن. فأما في الكيل فلا لأنه مقدار لا يسع من كل جنس إلا ما يملأه. وأما في القيمة فلأن الأجناس تتفاوت قيمتها بحسب تفاوت رغبات الناس فيها، أو لقلتها، أو لغير ذلك من المقتضيات. وأما الوزن فلأن مكوك من البيضاء -إذا قلنا: إنها الحنطة- أفضل وزنًا من مكوك سلت، والتفاضل في القيمة والوزن لا أثر له في المال الربوي من المكيلات، والبيضاء والسلت مكيل، وإذا كان كذلك فليس في قوله: "أيهما أفضل؟ " فائدة ثم هذان نوعان مختلفان أحدهما حنطة والآخر شعير، وبيع بعضهما ببعض متفاضلاً جائز، إلا عند مالك ومن قال بقوله، وكيف يقاس إذا يبس، وليس هذه العلة بموجودة في البيضاء بالسلت حتى يقاس بها، إلا عند من ذهب إلى أن البيضاء هو الرطب من السلت، وحينئذ يصح الجمع بينهما والقياس فيهما. ويبقى شيء آخر وهو أن تعليل المنع من بيع الرطب بالتمر إنما هو النقص
следующие страницы →