وأما مسلم فأخرجه (١) عن محمد بن عباد ومحمد بن حاتم وابن أبي عمر جميعًا عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي صالح ... نحو البخاري.
قال الشافعي ﵁: كان ابن عباس لا يرى في [دينار] (٢) بدينارين، ودرهم بدرهمين يدًا بيدًا بأسًا ويَراه في النسيئة، وكذلك عامة أصحابه، وكان يروى مثل قول ابن عباس عن سعيد وعروة بن الزبير رأيًا منهما، لا يحفظ عنهما عن رسول الله ﷺ .
وذكر نحو ما حكينا عنه في الحديث قبله.
وقد قال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: "لا بأس بالدرهم والدرهمين".
قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا.
وأخبرنا الشافعي ﵁، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض".
هذا طرف من حديث قد أخرجه مالك في الموطأ (٣) بالإسناد، وهو مؤكد لما سبق من الأحاديث في الربا، وقد جاء مثله في حديث أبي سعيد الخدري؛ إلا أن ذاك مرفوع وهذا موقوف.
وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني عنه قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة قال: "بينا أنا جالس
стр. 1752
عند أبي سعيد الخدري إذ [غمزني] (١) رجل من خلفي، فقال: سله عن الفضة [بالفضة] (٢) بفضل، فقلت إن هذا يأمرني أن أسألك عن الفضة بالفضة، فقال أبو سعيد: وهو ربا، فقال: سله برأيه يقول أم سمعه من رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت من رسول الله ﷺ ما أحدثكم، جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب، فقال له: كأن هذا أجود من تمرنا فقال: إني أعطيت صاعين من تمرنا وأخذت صاعًا من هذا التمر، فقال: أربيت، فقال: يا رسول الله، إن سعر هذا في السوق كذا وكذا، وسعر هذا كذا وكذا فقال: فبعه بسلعة، ثم بع سلعتك بأي ثمن شئت.
قال أبو سعيد: التمر أحق أن يكون فيه الربا أم الفضة؟! ".
وأخرج المزني عن الشافعي ﵁، عن مالك، عن عبد المجيد بن سهيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة أو عن أحدهما عن الآخر: "أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : فلا تفعل؛ بع الجميع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا".
هكذا رواه الشافعي بالشك، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣) عن أبي سعيد وأبي هريرة من غير شك (٤).
"الجنيب": نوع جيد من التمر.
стр. 1753
وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم [عن] (١) مالك، عن زيد بن أسْلم، عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلًا بمثل، فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خيبر يأخذ الصاع بالصاعين، فقال رسول الله ﷺ : ادعوه لي [فدعي له] (٢) فقال له النبي ﷺ : أتأخذ الصاع بالصاعين؟ فقال: يا رسول الله، لا يبيعوني الجنيب بالجمع صاعًا بصاع، فقال رسول الله ﷺ : بع الجميع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم الجنيب".
"الجمع": تمر مختلط من أنواع متفرقة من التمور وليس مرغوبًا فيه، وقيل: كل لون من النخل لا يعرف اسمه فهو جمع.
قال الشافعي ﵁ (٣): وفي أمر رسول الله ﷺ عامله على خيبر أن يبيع الجمع بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم جنيبًا؛ ما دَلَّ -والله أعلم- على أن لا يجوز أن يباع صاع تمر رديء فيجمع مع صاع تمر فائق ثم يُشترى بهما [صاع] (٤) تمر وسط (٥).
ولو كان يجوز أن يجمع الرديء مع الجيد الغاية، أمره -فيما نرى والله أعلم- أن يضع الرديء إلى الجيد، ثم يشتري به وسطًا، وكان ذلك موجودًا (٦).
قال: ولا يباع ذهب بذهب ومع أحد الذهبين شيء (من) (٧) الذهب.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن [يزيد] (٨) مولى الأسود بن سفيان، أن زيدًا أبا عياش أخبره: "أنه سأل سعد بن أبي وقاص
стр. 1754
عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهى عن ذلك وقال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك وأبو داود والترمذي.
أما مالك فأخرجه (١) بالإسناد واللفظ.
وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٣) فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
وقد أخرجه المزني عن الشافعي، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، عن سعد: "أنه سئل عن رجلن تبايعا بالسلت والشعير، فقال سعد: تبايع رجلان على عهد رسول الله ﷺ بتمر ورطب، فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عنه" وكذلك رواه الحميدي، عن سفيان: "بسلت وشعير".
"البيضاء": يريد بها الحنطة، ويسمونها السمراء أيضًا وقيل: أراد بالبيضاء نوعًا مخصوصًا من الحنطة وهو أن أبيض اللون وفيه رخاوة ويكون ببلاد مصر، وقال بعضهم: البيضاء هي الرطب من السلت والأول أعرف؛ إلا أن هذا القول أشبه بمعنى الحديث؛ لأنه يطابق تشبيه الرطب بالتمر.
و"السلت": نوع من الشعير له قشر كأنه حنطة، ويكون بالغور، وأهل الحجاز يتزودون بسويقه.
стр. 1755
وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه والتوقيف على حقيقة الحكم وعلته؛ ليعتبرها السائل، ويستعملها في نظائرها؛ لأنه لا يخفى عليه ﷺ أن الرطب إذا يبس ينقص وزنه؛ وإنما سأل عنه لتبيين علة المنع من صحة البيع والنهي عنه، وهذا النوع كثير يرد في العربية والقرآن العزيز كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١) وقول الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وقول سعد لما سئل عن البيضاء بالسلت: "أيهما أفضل؟ " هذه الأفضلية تقتضي أن تكون في القيمة وفي الوزن. فأما في الكيل فلا لأنه مقدار لا يسع من كل جنس إلا ما يملأه.
وأما في القيمة فلأن الأجناس تتفاوت قيمتها بحسب تفاوت رغبات الناس فيها، أو لقلتها، أو لغير ذلك من المقتضيات.
وأما الوزن فلأن مكوك من البيضاء -إذا قلنا: إنها الحنطة- أفضل وزنًا من مكوك سلت، والتفاضل في القيمة والوزن لا أثر له في المال الربوي من المكيلات، والبيضاء والسلت مكيل، وإذا كان كذلك فليس في قوله: "أيهما أفضل؟ " فائدة ثم هذان نوعان مختلفان أحدهما حنطة والآخر شعير، وبيع بعضهما ببعض متفاضلاً جائز، إلا عند مالك ومن قال بقوله، وكيف يقاس إذا يبس، وليس هذه العلة بموجودة في البيضاء بالسلت حتى يقاس بها، إلا عند من ذهب إلى أن البيضاء هو الرطب من السلت، وحينئذ يصح الجمع بينهما والقياس فيهما.
ويبقى شيء آخر وهو أن تعليل المنع من بيع الرطب بالتمر إنما هو النقص
стр. 1756
المتوقع في الرطب إذا يبس؛ فيكون الرطب أنقص من التمر، وإذا قلنا: إن البيضاء في رطب السلت فإنها إذا يبست تنقص، ولفظ الحديث أنه قال: "أيهما أفضل؟ فقالوا: البيضاء" وهذا نقض لقول من ذهب إلى أن البيضاء رطب السلت فإنها تكون مفضولة لا فاضلة.
قال الشافعي في هذا الحديث: رأى سعيد نفسه أنه كره البيضاء بالسلت؛ فإن كرهها نسيئة فذلك موافق لحديث رسول الله ﷺ وبه نأخذ، ولعله إن شاء الله كرها لذلك، وإن كان كرهها متفاضلاً فإن رسول الله ﷺ قد أجاز بيع البر بالشعير [متفاضلاً] (١) وليس في قول أحد مع النبي ﷺ حجة.
قال: وفي حديثه عن رسول الله ﷺ دلائل منها: أنه سأل أهل العلم بالرطب عن نقصانه، فينبغي للإمام إذا حضره أهل العلم بما يرد عليه أن يسألهم عنه.
ومنها: أنه ﷺ نظر في معقب، الرطب فلما كان ينقص لم يجز بيعه بالتمر، وقد حَرَّم أن يكون التمر بالتمر إلا مثلا بمثل.
وكذلك دَلَّ أن لا يجوز رطب [برطب] (٢) لأن الصفقة وقعت ولا يعرف كيف يكونان في المتعقب.
...
стр. 1757
البابُ الرَّابعُ
في أمُور متفَرقةٍ
وفيه خمسة فصول
الفَصْل الأول: في بيْع الحيَوان مُتفَاضِلاً
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ على الهجرة، ولم يسع أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال النبي ﷺ : بعه، فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحدًا بعده حتى يسأله أعبد هو أم حر".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
فأما مسلم فأخرجه (١) عن يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رمح وقتيبة، عن الليث وفيه: "ولم يشعر أنه عبد" وقال: "بعنيه" بدل "بعه".
وأما أبو داود فأخرجه (٢) مختصرًا عن يزيد بن خالد الهمداني وقتيبة بن سعيد، عن ليث ... "أن النبي ﷺ اشترى عبدًا بعبدين".
وأما الترمذي فأخرجه (٣) عن قتيبة، عن الليث.
وأما النسائي [......] (٤).
"بايع": فَاعَلَ من البيعة العهد واليمين، وكأنهما في الأصل المرة الواحدة من
стр. 1758
المبايعة: المعاهدة ولا يقال فيهما إلا بايع.
و"الهجرة" الاسم من الهجر؛ هذا هو الأصل ثم نقل إلى من خرج من بلده إلى بلد آخر تاركًا للأول راغبًا في الثاني، والمُهَاجَرَة مُفَاعَلة منه.
فمعنى قوله "بايعه على الهجرة" أي على أن يهاجر إليه مع مهاجري المسلمين و"الشعور" علم حاسة؛ لأن مشاعر الإنسان حواسه؛ تقول شَعَرْتُ بالشيء -بالفتح- أي أشعر أني فطنت له.
و"السيد" المولى، وأصله سيود ووزنه فَيْعَيل عند البصريين، فلما اجتمعت الياء ساكنة وبعدها واو مكسورة قلبت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء.
وقال أهل الكوفة: وزنه فعِيل بوزن كريم.
و"بعه" و"بعنيه" أمر بالبيع، وقد عداه إلى مفعولين، أحدهما الياء التي هي ضمير النبي ﷺ ، والثاني الهاء التي [هي] (١) ضمير العبد.
وفي رواية الشافعي: "أعَبْد هو أم حر" وفي باقي الروايات: "أَعَبْدٌ هو" ولم يذكر "أو حُرُّ" والمعنى من الروايتين واحد، إلا أن رواية الشافعي أظهر بيانًا؛ وذلك أن المسئول عنهما يُفْهَم من الجواب مصرحًا به، فإن جواب ذلك أن يقول: عَبْدٌ، أو حُرّ.
وأما جواب الرواية الثانية فإنه يُفْهَم من أحد جوابيها ضمنًا لا صريحًا؛ لأن أحد جوابيها: لا، والآخر: نعم، فإذا نفى عنه أحد الحكمين علم الآخر ضمنًا. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: جواز بيع الحيوان بحيوانين إلى أجل.
[وكره] (٢) عطاء بن أبي رباح بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، (ومنه) (٣) سفيان الثوري، وهو مذهب أهل الرأي.
стр. 1759
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم الجزري، أخبره أن زياد بن أبي مريم مولى عثمان أخبره: "أن النبي ﷺ بعث مصدقًا له، فجاءه بظهر مسنات، فلما رآه النبي ﷺ قال: هلكت وأهلكت فقال: يا رسول الله، إني كنت أبيع البكرين والثلاثة بالبعير المسن يدًا بيدٍ، وعلمت من حاجة النبي إلى الظهر، فقال النبي ﷺ : فذاك إذًا".
"المُصُدِّق": بتخفيف الصاد وتشديد الدال المكسورة عامل الصدقة.
و"الظهر": الإبل، سميت بذلك مجازًا؛ لأن الانتفاع منها بظهورها.
و"المسنات" من الإبل خلاف الفتيات، وهي الكبار منها، أسنت فهي مسنة، وتجمع على مسان أيضًا.
وقوله: "هلكت وأهلكت" يريد به أنه لما رأى الإبل التي جاءت معه مسنات ظن أنه قد أخذها من أربابها هكذا، فقال له: هلكت بتعديك في الصدقة؛ حيث أخذت هذه المسنات من أربابها، وذلك فوق الواجب عليهم، وأهلكت أربابها بأخذك نفائس أموالهم وكرائمها عليهم، والبكر من الإبل: الفَتِيُّ منها.
وقوله: "يدًا بيدٍ" يدل على صحة قول من منع من النسيئة في الحيوان بالحيوان؛ لأنه لما قال له: "يدًا بيدٍ" أقره على فعله بقوله: "فذاك إذًا" أي حيث الأمر كما ذكرت؛ فلا لوم عليك.
ومعنى قوله: "وعلمت من حاجة رسول الله ﷺ إلى الظهر" يريد به ما يعطيه أهل الصدقة في سبيل الله، ويعطي ابن السبيل منهم وغيرهم من أهل السهمان، فأعطيت البكرين والثلاثة من الإبل التي لا تُركب ولا تَحْمِل، وأخذت المُسِنَّ الذي ينتفع المسلمون به ركوبًا وتحميلًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أنه سئل عن بعير ببعيرين، فقال: قد يكون البعير
стр. 1760
خيرًا من البعيرين".
وهذا الحديث مسوق لجواز بيع البعير بالبعيربن، ذكر علة الجواز وهو أن البعير الواحد قد يكون نفيسًا ثخينًا جيدًا في نوعه فيكون خيرًا في القيمة والانتفاع به من بعيرين، فذكر علة الجواز، ولم يتعرض لذكر الجواز اكتفاءً بالعلة، وهذا من باب الفصاحة، والبلاغة أن يذكر الشيء فيدل على ما وضع له وعلى غيره، ألا ترى أنه لو صح؛ قال في الجواب يجوز: ذلك. لحصل الغرض ولم تكن علة
الجواز معلومة، وبقوله ما قال في الجواب؛ عرف الأمران.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمد، عن علي بن طالب: "أنه باع جملًا [له] (١) يدْعَى عصيفيرًا بعشرين [بعيرًا] (٢) إلى أجل".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٣) إسنادًا ولفظًا، وهو مسوق لتأكيد ما سبق من الحكم بجواز بيع الحيوان بأكثر منه من جنسه نسيئة.
وفيه بيان أن الذكورة والأنوثة لا أثر لهما في ذلك؛ لأنه قال: "باع جملًا له" والجمل لا يكون إلا ذكرًا، فإنه في الإبل بمنزلة الرجل في الأناسي، وقال في العرض: "بعشرين بعيرًا"، والبعير يقع على الذكر والأنثى من الإبل.
وهذا الحديث مرسل، [لأن] (٤) الحسن بن محمد لم يلق جده علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وأما تسمية الجمل بعصيفير تصغير عصفور، أو عصفير، إما أن يكون اسمًا مرتجلًا له، أو لمعنى.
стр. 1761
وقد قال الأزهري: يقال للجمل ذي السنامين عصفوري، وعصافير النعمان ابن المنذر: إبل كانت له نجائب.
فيجوز أن يكون واحدها عصفورًا أو عصفيرًا؛ فسمي بتصغيره الجمل.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (١) إسنادًا ولفظًا، وهو مسوق لتأكيد ما سبق من الأحاديث.
"والراحلة": البعير القوي على الأسفار والأحمال، "والأبعرة" جمع قلة لبعير، "والربذة" موضع قريب من المدينة، وهذا بيع واحد بأكثر منه نسيئة.
قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن الثلاث: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة".
"والمضامين" ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في ظهور الجمال، وحبل الحبلة بيع كان أهل الجاهلية يتبايعونه؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم ينتج ما في بطها".
هكذا ذكره الشافعي ﵁، عن مالك ﵁، وأدرج تفسير المضامين والملاقيح في الحديث، والذي رواه المزني، عن الشافعي أنه قال: المضامين: ما في ظهور الجمال، والملاقيح: ما في بطون الإناث.
قال المزني: وأعلمت بقوله عبد الملك بن هشام فأنشدني شاهدًا له من العرب، وهذا التفسير هو الصحيح في اللغة والمشهور عند أهلها، والأول كذا جاء في الموطأ (٢) والله أعلم.
стр. 1762
الفصل الثاني
في بَيْع اللحْم بالحيوَانِ
أخبرنا الشافعي ﵁ أَخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزَّة قال: "قدمت المدينة فوجدت جزورًا قد جزرت، وجزئت أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا؛ فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت، قال: فسألت عن ذلك الرجل؛ فأخبرت عنه خيرًا".
هكذا رواه في كتاب الصرف من المسند.
وقد أخرجه في "القديم" عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج بمعناه.
"الجزور" من الإبل يقع على الذكر والأنثى؛ إلا أن اللفظ مؤنث والجمع الجُزُور، والجَزَّار الذي يذبح الجزور، والتجزئة: التقطيع، جزأت الشاة وغيرها أجزاءً.
و"العناق" الأنثى من ولد المعز، وقد سمي الذبيح ميتًا على سبيل المجاز، وإن كان في الأصل حقيقة قبل إطلاق الشرع عليه لفظ الموت؛ لأنه لا فرق بين الميتة والذكية، والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن بيع اللحم بالحيوان لا يجوز، وبه قال الفقهاء السبعة، ومالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف والمزني: يجوز، وقال محمد بن الحسن: يجوز على اعتبار اللحم في الحيوان فإن كان دون اللحم الذي في مقابلته جاز.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا ابن أبي يحيى، عن صالح مولى التوءمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق ﵁ "أنه كره بيع اللحم بالحيوان" هكذا أخرجه في كتاب الصرف من المسند وقد رواه في القديم،
стр. 1763
عن رجل، عن صالح، عن ابن عباس: "أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءًا [بهذه] (١) العناق، فقال أبو بكر الصديق: لا يصلح هذا".
وأخبرنا الشافعي ﵁، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان".
هكذا أخرجه مالك في الموطأ (٢).
قال الشافعي ﵁ وأخبرنا سعيد بن سالم، عن أبي الزناد، عن أبيه: عن القاسم بن محمد وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن، أنهم كانوا يحرمون بيع اللحم الموضوع بالحيوان عاجلًا وآجلاً، يعظمون ذلك ولا يرخصون فيه".
قال: [لو] (٣) لم يرو في هذا عن النبي ﷺ شيءٌ؛ كان قول أبي بكر الصديق فيه مما ليس لنا خلافه؛ لأنا لا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ قال بخلافه، وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن، والله أعلم.
...
стр. 1764
الفَصْل الثالث
في مَالِ العَبْدِ والشَّجرِ المُثمرِ
أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري (١).
أما مالك فأخرجه (٢) عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: "من باع عبدًا ... " الحديث فجعله موقوفًا على عمر.
وأما مسلم فأخرجه (٣) في جملة حديث عن يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح وقتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب ... بالإسناد قال: سمعت رسول الله ﷺ : "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المتاع، ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع".
وأما أبو داود فأخرجه (٤): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان ... بالإسناد، وذكر المعنيين عن القعنبي (٥)، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر بقصة العبد، وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بقصة النخل.
وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري وذكر المعنيين، وروى قصة العبد عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.
стр. 1765
وأما النسائي فأخرجه (١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان [عن] (٢) الزهري ... وذكر المعنيين.
وكان مسلم والنسائي في جماعة من الحفاظ يقول: القول ما قال نافع؛ وإن كان سالم أحفظ منه.
وكان البخاري يراهما جميعًا صحيح.
وفي الباب عن جابر.
"اللام" في له "لام" الملك، وقد أضافها إلى ضمير العبد، وذلك يملك، ومن لم ير ذلك فاللام "لام" تخصيص، لا "لام" تملك، فكان المال الذي يكون في يد العبد وإن كان مال سيده فإنه خاص بالعبد من بين سائر أموال السيد؛ لأن يده عليه، وتصرفه فيه دون ما في أموال سيده.
"والاشتراط": أن يقول المبتاع قبل عقد البيع أن المال الذي في يد العبد داخل في البيع.
"والتأبير": التلقيح، وهو أن يؤخذ طلع فحال النخل فيلقى منه شيء في طلع النخل، أو ما شُقَّ، فيكون ذلك لقاحًا بإذن الله تعالى، تقول: أَبرْت النخلة -مخففًا- فأنا أَبُرُّها -بالضم- أبرًا، وهي نخلة مأبورة.
والتأبير مثله، ونخلة مؤبرة، ولا تؤبر النخلة إلا بعد ظهور ثمرتها وانشقاق كوافيرها عن عضيضها.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن العبد لا يملك شيئًا إذا لم يُمَلِّكه سيده، قولاً واحداً.
وإن مَلَّكه سيده ففيه قولان:
стр. 1766
قال في القديم: يملك، وبه قال مالك؛ إلا أنه قال: يملك مطلقًا ملكًا ضعيفًا لا يساوي الحرفية؛ لأن لسيده انتزاعه منه، وإليه ذهب أبو داود، وأهل الظاهر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال في الجديد: لا يملك، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وإسحاق، والرواية الأخرى عن أحمد.
ولفظ هذا الحديث يشهد بصحة القول الجديد؛ لأنه قال: "فماله للبائع" ولو كان له لمَاَ مَلَّكُه لسيده.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي.
فأما مالك فأخرج الثانية إسنادًا ولفظًا (١).
وأما البخاري فأخرجه (٢) عن عبد الله بن يوسف وأما مسلم (٣) فأخرجه عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن القعنبي جميعًا عن مالك.
وأخرج أبو داود الأولى (٥) عن أحمد بن حنبل، عن سفيان.
وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن قتيبة، عن الليث عن الزهري، وزاد قصة العبد.
стр. 1767
"التأبير" قد ذكرناه في الحديث قبله.
قال الشافعي ﵁: هذا الحديث ثابت عندنا عن رسول الله ﷺ وبه نأخذ، وفيه دلالة على [أن] (١) الحائط إذا بيع ولم يؤبر نخله فثمرته للمشتري، لأن رسول الله ﷺ إذا حَدَّ فقال: "إذا أبر فثمره للبائع"، فقد أخبرنا أن حكمه إذا لم يؤبر غير حكمه إذا أُبِّر، ولا يكون ما فيه إلا للبائع أو للمشتري.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أنه إذا باع نخلة عليها ثمرة بيعًا مطلقًا لم يشترط فيه الثمرة، فإن كانت الثمرة قد ظهرت من قشرها فهي للبائع إلا أن يشترط المبتاع، وإن كانت لعلها مستترة في جوف الطلعة فهي للمشتري، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: للبائع بكل حال أَبَّر أو لم يؤبِّر؛ إلا أن يشترط المبتاع.
وقال ابن أبي ليلى: الثمر للمشتري أبر أو لم يؤبر، اشترط أو لم يشترط؛ لأن الثمر من النخل.
وقد شبه الشافعي ﵁ ذلك بالولادة في الإماء يُبَعْن حاملات، وواضعات أحمالهن، وإذا باعها مالكها حاملًا تبعها ولدها, وإن ولدته قبل البيع كان الولد للبائع إلا أن يشترط المبتاع.
وروي عن النخعي والحسن أنهما قالا فيمن باع وليدة قد زنيت: إن ما تحمله للمشتري إلا أن يشترط البائع.
وقد أخرج الشافعي ﵁، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أن عطاء أخبره: "أن رجلاً باع على عهد رسول الله ﷺ حائطًا مثمرًا ولم يشترط المبتاع الثمرة، ولم يستثن البائع الثمرة، ولم يذكراه، فلما ثبت البيع اختلفا في الثمر واحتكما فيه إلى النبي ﷺ ، فقضى بالثمر الذي لَقَّح النخل" والله أعلم.
стр. 1768
الفَصْل الرَّابع
في وَضْع الجَائِحَة
أخبرنا سفيان، عن حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين, وأمر بوضع الجوائح".
قال الشافعي ﵁ سمعت سفيان يحدث بهذا الحديث كثيرًا في طول مجالستي له ما لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته لا يذكر فيه: "أمر بوضع الجوائح" لا يزيد على: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين" ثم زاد بعد ذلك: "وأمر بوضع الجوائح".
قال سفيان: فكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلامًا قبل وضع الجوائح لا أحفظه، فكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح لأني لا أدري كيف كان، وفي الحديث أمرٌ بوضع الجوائح.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ مثله.
هذا حديث صحيح أخرج مسلم منه بيع السنين.
وقد تقدم في الفصل السادس من الباب الأول من البيع.
وأخرج أبو داود (١) بيع السنين والجوائح عن أحمد بن حنبل ويحيى بن [معين] (٢)، عن سفيان.
стр. 1769
و"الجوائح": جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الثمار والغلات فتهلكها، جحت الشيء أجيحه وجاحتهم الجائحة واجتاحتهم وجاح الله ما له وأجاحه بمعنى أي أهلكه بالجائحة، ووضعها إسقاطها من الثمن بقدرها.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أنه إذا اشترى ثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع فأصابتها جائحة قبل القطع، أو كانت بعد بدو الصلاح فتلفت قبل أن يأخذها، نظرت؛ فإن كان ذلك قبل القبض انفسخ العقد وكانت من ضمان البائع، وإن كان ذلك بعد القبض، وهو التخلية بين المشتري وبينها، فاختلف فيه قول الشافعي، فقال في القديم: هي من ضمان البائع، وإن تلفت كلها انفسخ العقد وإن تلفت بعضها انفسخ فيه، وهل ينفسخ في الباقي؟ مبني على القولين في تفريق الصفة.
وقال في الجديد: يكون ذلك من ضمان المشتري ولا يسقطه شيء من الثمن بذلك.
وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي، ولا فرق بين القولين في أن يكون التلف بأمر سماوي مثل الثلج والربح والبرد، أو أمر أرضي كنهب أو سرقة أو غير ذلك.
وقال مالك: إن كان التالف أقل من الثلث كان من ضمان المشتري، وإن كان [قدر الثلث] (١) كان من ضمان البائع.
وقال أحمد: إن تلف ذلك بأمر سماوي كان من ضمان البائع، وإن كان بأرضي كان من ضمان المشتري والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة. أنه سمعها تقول: "ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ ،
стр. 1770
فعالجه وأقام عليه حتى تَبيَّنَ له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال رسول الله ﷺ : تأَلى أن لا يفعل خيرًا؟! فسمع بذلك رب المال فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هو له".
هكذا أخرج الشافعي هذا الحديث مرسلاً عن عمرة، وقد جاء مسندًا عن عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم.
أما البخاري فأخرجه (١) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال، عن أمه، عن عائشة قالت: "سمع رسول الله ﷺ صوت خصيم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟! فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب".
وأما مسلم فأخرج (٢) عن غير واحد، عن إسماعيل بن أبي أويس بإسناد البخاري.
و"الحائط": يريد به البستان، وهو في الأصل الذي يكون عليه حائط محدق به، ثم سُمّي البستان بذلك اتساعًا.
و"معالجته": ملابسته والنظر في حاله، وإصلاحه، وتلقيحه، وحرثه، وسقيه، وما جرت به العادة في عمارة البساتين.
و"الوضع": يريد به إسقاط بعض الثمن، لأجل الجائحة.
و (تَأَلَّى) يَتَأَلَّي تَأَلّيًا، آلَى يُولي إيلاًء: إذا حلف، والأَلِيَّة: اليمين.
стр. 1771
و"الاسترفاق": طلب الرفق [في] (١) الاقتضاء والطلب.
و"المعروف": كلمة جامعة لصنائع الخير، وهي من الصفات العالية، يريد الخير المألوف بين الناس، المعروف عند الأخيار، هذا هو الأصل، ثم نقل واستعمل استعمال الأسماء، فصار كله موضوع بإزائه.
وقوله: "فله أَيُّ ذلك أحب، يريد أي الأمرين من خفض الثمن أو الإقالة، أو أي الأمرين من الوضع أو الرفق.
قال الشافعي ﵁: حديث عمرة مرسل، وأهل الحديث ونحن لا نثبت المرسل، ولو ثبت حديث عمرة كانت فيه -والله أعلم- دلالة على أن لا توضع الجائحة، لقولها: قال رسول الله ﷺ : "تألى أن لا يفعل خيرًا" ولو كان الحكم عليه أن يضع الجائحة لكان أشبه أن يقول: ذلك لازم له، حلف أو لم يحلف.
قال الشافعي: قال سفيان في حديثه عن جابر في وضع الجوائح ما حكيت، فقد يجوز أن يكون الكلام الذي لم يحفظ سفيان من حديث حميد يدل على أن أمره بوضعها على مثل أمره بالصلح على النصف، وعلى مثل أمره بالصدقة تطوّعا؛ حضُّا على الخير لا حتمًا وما أشبه ذلك (٢).
فلما احتمل الحديث المعنيين معًا ولم يكن فيه دلالة على أيهما أولى به؛ لم يجز عندنا -والله أعلم- أن يحكم على الناس في أموالهم بوضع ما وجب لهم [بلا خبر] (٣) عن رسول الله ﷺ بوضعه، والله أعلم.
стр. 1772
الفصْل الخامِسُ
في الخرَاج بالضَّمان وَالرَّدّ بِالعَيْبِ
أخبرنا الشافعي ﵁ خَبرنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ قضى أن الخراج بالضمان".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ فقال: "الخراج بالضمان".
هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الأحاديث"، وقد عاد وأخرجه في كتاب "الرسالة" (١) قال: أخبرنا من لا أتهم، عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: "ابتعت غلامًا فاستغللته، ثم ظَهَرْتُ منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، فقضى لي برده وقضى عليَّ برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عُرْوة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، فقال عمر: فما أيسر عليَّ من قضاءٍ قضيته الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله ﷺ فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له".
هذا حديث صحيح حسن غريب أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
أما أبو داود فأخرجه (٢) عن أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب.
стр. 1773
وفي أخرى له (١) عن إبراهيم بن مروان، عن أبيه، عن مسلم بن خالد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة "أن رجلاً ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال رسول الله ﷺ : الخراج بالضمان".
وأما الترمذي فأخرجه (٢) عن محمد بن المثنى، عن عثمان بن عمرو أبي عامر العقدي، عن ابن أبي ذئب.
وعن أبي سلمة يحيى بن خلف (٢)، عن عمر بن علي، عن هشام، وقد استغرب البخاري هذا الحديث من رواية عمر بن علي هذه التي رواها الترمذي.
وأما النسائي فأخرجه (٣) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس ووكيع، [عن] (٤) ابن أبي ذئب.
"قضى" بمعنى حكم وأمر.
و"الخراج" القرار الذي يكون على إنسان يؤديه في كل وقتٍ أو على مِلكٍ، والخَرْجُ مثله، وقيل: الخَرْجُ ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه، هذا هو الأصل.
والمراد بالخراج في هذا الحديث: غلَّة العبد التي يحصلها لمولاه، والمنفعة التي تحصل منه، وكذلك هو الخراج الذي وظَّفَهُ عمر بن الخطاب ﵁ على أرض السَّواد إنما هو عبارة عن غلتها؛ لأنه أمر بمساحة السَّواد ودفع الأراضي إلى الفلاحين الذين كانوا فيها؛ على غلة يؤدونها كل سنة، فلذلك سُمِّي خراجًا،
стр. 1774
ثم قيل بعد ذلك للبلاد التي افتتحت صُلْحًا ووظف ما صولحوا عليه على أراضيهم: خراجية؛ لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي لزم الفلاحي وهو الغلة، كذلك قيل للجزية الواجبة على أهل الذمة: خراجٌ؛ لأنها كالغلة الواجبة عليهم.
و"استغل غلامي" واستغللته أي أخذت غلته ومحصوله وكسبه.
ومعنى قوله: "الخراج بالضمان" فيما قاله أهل العلم: هو أن يشتري الرجل مثلًا عبدًا فيستغله ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ولم يُطْلِعْه عليه، فله رد العبد على البائع والرجوع عليه بالثمن جميعه، والغَلَّة التي استغلها المشتري من العبد موفرة عليه؛ لأنه كان في ضمانه، ولو مات العبد مات من مال المشتري.
ومعنى هذه الباء في قوله: "بالضمان": أن الخراج مستحق بضمان الأصل، وهذا من فصيح الكلام ووجيز البلاغة.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الخراج في المبيعات التي يكون لها كسب ومنفعة؛ لا يخلو أن يكون كسبًا للعبد أو نماء فيه، أما الكسب فإنه يكون للمشتري كما ذكرنا ويردُّ العبد بالعيب، وعلى هذا قول جميع الأئمة من العلماء، وأما النماء: فكالولد، والثمر، واللبن، والصوف ونحو ذلك؛ فإن الشافعي يجعله بمنزلة الكسب، ويكون ذلك جميعه للمشتري، ويرد الأصل بالعيب، وبه قال أحمد.
وقال مالك: إن كان النماءُ ولدًا، رُدَّ مع الأصل، وإن كان ثمرة أو صوفًا أو شعرًا؛ فإنه للمشتري ويرد الأصل وحده.
وأما أبو حنيفة فقال: النماء يمنع من الرد بالعيب ويستحق الأرش على البائع.
قال الشافعي ﵁: فاستدللنا إذا كانت الغلة لم تقع عليها الصفقة،
стр. 1775
فيكون لها حصة من الثمن، وكانت من ملك المشتري في الوقت الذي [لو] (١) مات فيه العبد مات من [مال] (٢) المشتري، أنه إنما جعلها له لأنها حادثة في ملكه وضمانه، فقلنا كذلك في ثمر النخل، ولبن الماشية، وصوفها، وأولادها، وولد الجارية، وكل ما حدث في ملك المشتري وضمانه، وكذلك وطء الأمة الثيب وخدمتها.
والرواية الآخرة التي فيها ذكر عمر بن عبد العزيز استدل بها الشافعي في كتاب "الرسالة" على لزوم قبول خبر الواحد، وأن عمر بن عبد العزيز لما قضى بقضية بلغه بعدها حديث يخالفها ورواه له عروة، عن عائشة نقض قضاءه وعمل به ولم يتوقف.
وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة: "أن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عاصم بن عدي جارية، فَأُخْبِر أن لها زوجًا؛ فردها".
هذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "الرد بالعيب" تبيينا لما ذهب [إليه] (٣) وذلك أن الجارية إذا كان لها زوج واشتراها رجل ولم يعلم أن لها زوجًا، فله الخيار في إمساكها أو ردها، والله أعلم.
...
стр. 1776
البابُ الخامِسُ
في الخِيَار
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبْد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار، كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا؛ إلا بيع [الخيار] " (١).
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: وأخبرنا عن ابن جريج قال: أملى عليّ نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تبايع المتبايعان البيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار".
قال نافع: وكان ابن عمر إذا ابتاع البيع فأراد أن يوجب البيع؛ مشى قليلاً ثم رجع.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
هكذا جاء في المسند ولم يذكر المتن.
وقد أخرج المزني عن الشافعي بهذا الإسناد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار فقد وجب".
وقد أخرج المزني رواية ابن جريج عن الشافعي، عن سفيان، وأخرج أيضًا عنه عن يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يُخَيِّر أحدهما الآخر، فإذا خَيِّرَ أحدهما الآخر وتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد
стр. 1777
وجب البيع".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك فأخرج الأولى (١) إسْنادًا ولفظًا.
وأما البخاري فأخرج الأولى (٢) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وعن (٣) محمد بن يوسف، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
وأما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وعن قتيبة (٤) وابن رمح، عن الليث.
وأما أبو داود فأخرج الأولى (٥) عن القعنبي، عن مالك.
وعن (٦) موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن أيوب، عن نافع.
وأما الترمذي فأخرجه (٧) عن واصل بن عبد الأعلى، عن محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر.
وأما النسائي فأخرجه (٨) وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وحكيم بن
стр. 1778
حزام [وأبي هريرة] (١) وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسمرة بن جندب (٢).
"البيع" معروف، ويقع على البيع والشراء، والبائع فاعله، ويقال للبائع والمشتري: بَيِّعَان، وتباعان، ومتبايعان.
فالمتبايعان متفاعلان من البيع؛ لأن كل واحد منهما قد باع عين ماله للآخر بعين مال الآخر، فنقل ما عنده إليه وأخذ ما عنده عوضه.
"والخيار" الاسم من الاختيار، وخيرته بين الشيئين أي فوضت إليه الخيار، وهو طلب خير الأمرين عنده.
وقوله: "كل واحد منهما على صاحبه" تفصيل لما أجمله.
قوله: "البيعان بالخيار" فإنه في الأول لم يبين الخيار على من هو، وفي الثاني بينه أنه لكل واحد من البيِّعين على صاحبه، وأعاد ذكر الخيار زيادة في البيان؛ لأن قوله: "البيعان بالخيار" يوهم أن الخيار لهما إذا اتفقا على الخيار لا إذا انفرد أحدهما بطلبه وامتنع الآخر، فإذا قال كل واحد منهما على صاحبه بالخيار زال هذا الوهم؛ لتخصيص كل واحد منهما بوجوب الخيار له منفردًا وإن امتنع الثاني، وفي رواية الشافعي: "على صاحبه بالخيار" وفي رواية غيره: "بالخيار على صاحبه" ولكل منهما معنى ينفرد به.
أما رواية الشافعي فإنه إنما ذكر القول الثاني زيادة في البيان الذي أجمله القول الأول كما قلناه، فإن لم يكن له ميل إلا إلى ما يدل على هذا الغرض الذي اجتلب القول الثاني لأجله وهو تبيين المخصوص بمن يجب له وعليه الخيار، وحيث كان هذا هو الغرض المطلوب الذي سيق الكلام لأجله، قدم ما هو الأهم في التقديم الذي يدل على الغرض المسوق له، فقال: "كل واحدٍ منهما على صاحبه بالخيار".
стр. 1779
وأما الرواية الأخرى التي قدم فيها بالخيار على صاحبه فإنما قدمه لأن الأصل في سياق هذا الحديث إنما هو بيان شرع الخيار للمتبايعين مطلقًا، وحيث كان هذا هو الأصل في سياق هذا الحديث قدم الخيار، لأنه المطلوب، ولأن الفائدة التي سيق اللفظ الثاني لأجلها تفهم مع تأخير لفظة "صاحبه" وتقديم "الخيار"، فعلى هذا يكون لفظ رواية الشافعي أولى لما ذكرناه، ولأنه يكون قد جمع بين المعنيين، فإن الحديث وإن كان مشروعًا لبيان الخيار؛ فإن هذا الغرض قد حصل في القول الأول، وهو قوله: "المتبايعان بالخيار" وهذا هو أحد المعنيين، والمعنى الثاني بيان المخصوص بالخيار، ولا يحصل المعنيان على وجه الكمال إلا بتقديم لفظة "صاحبه" على "الخيار" و"الباء" في قوله: "بالخيار" متعلقة بمحذوف تقديره: متعاملان بالخيار، ونحو ذلك، ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله: "المتبايعان" لأَنَّا لو علقناها بما في المتبايعين من معنى الفعل؛ لكان الخيار مشروطًا بينهما في عقد البيع، وليس الغرض ذلك، بدليل قوله في آخر الحديث: "إلا بيع الخيار" وإنما الغرض إذا تعاقدا البيع؛ كان لهما الخيار، فالباء للملابسة، و"المتبايعان" مرفوع بالابتداء، وخبره "بالخيار" مع ما تعلقت به الباء، وكل واحد منهما مبتدأ في موضع البدل من "المتبايعين" وخبره "بالخيار" الثانية و"على" متعلق بالخيار، أي: له أن يختار عليه، ولو علقنا الباء بالمتبايعين لاحتجنا إلى الخبر.
وقوله: "ما لم يتفرقا" اختلف العلماء في معنى التفرق والافتراق ونحن نذكر ما قالوه:
قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى ثعلب عن الفرق بين التفرق والافتراق، فقال: أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال: فَرَقْتُ بين الغلامين -مخففًا- فافترقا، وفَرَّقْتُ بين اثنين -مشددًا- فتفرقا.
فجعل الافتراق في القول، والتفرق في الأبدان، فالتفرق الذي يلزم البيع بوجوده هو التفرق بالأبدان، وإليه ذهب علي، وابن عباس رضوان الله عليهما،
стр. 1780
وعثمان، وجرير بن عبد الله، وابن عمر، وأبو برزة الأسلمي، وبه قال شريح، وابن المسيب، والحسن، والشعبي، وطاوس، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وهو قول الشعبي، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، قالوا جميعهم: أن المتبايعين أذا تبايعا وتعاقدا كان [لكل] (١) واحد منهما الخيار في فسخه ما داما في المجلس الذي عقدا فيه البيع، ولا يلزم العقد بمجرده.
وقالت طائفة: يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولا يثبت خيار المجلس، وبه قال النخعي وأصحاب الرأي ومالك، فالتفرق هو نفس الإيجاب والقبول، يعنون التفرق بالكلام، كأنهما بذلك قد تفرقا أي حصل [كل] (٢) واحد منهما بما عقده عليه البيع، وهذا هو الافتراق لا التفرق.
وظاهر الحديث يشهد لصحة الأول، وعلى ذلك فسره ابن عمر وهو راوي الحديث: "أن ابن عمر كان إِذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع"، وكذلك تأويله أبو برزة الأسلمي في شأن الفرس الذي باعه الرجل من صاحبه، وسيرد ذكره بعد هذا الحديث.
فلو كان تأويل الحديث على ما ذهبوا إِليه؛ لخلا الحديث عن الفائدة، وذلك أن من المعلوم أن المشتري ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره ثابت في ملكه ما لم يعقد البيع وهذا من العلم العام الذي قد استقر بيانه، فإن الناس يُخَلَّون وأملاكهم، لا يكرهون على إخراجها من أيديهم، ولا تملك عليهم إلا بطيب أنفسهم، والخبر الخاص يروى في الحكم الخاص فَيُثْبِتُ أن المتبايعين هم المتعاقدان.
والبيع من الأشياء المشتقة من أفعال الفاعلين، باع يبيع بيعًا فهو بائع وبَيِّع،
стр. 1781
ولا يقع حقيقة إلا بعد حصول الفعل منه، كقولك: قائم أو قاعد وآكل وشارب، وإذا كان كذلك فقد صح أن المتبايعين هما المتعاقدان، وليس بعد العقد تفرق إلا التمييز بالأبدان.
قال الشافعي ﵁ على قول من قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرق الكلام: هو محال لا يجوز في اللسان إنما يكونان قبل التساوم غير متساومين، ثم يكونان بعد متساومين قبل التبايع، ثم يكونان بعد التبايع متبايعين، ولا يقع عليهما اسم المتبايعين حتى يتبايعا ويتفرقا بالكلام على التبايع، واستدل بقول عمر بن الخطاب ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ في حديث الربا: "هاء وهاء" إنه إنما لا يفترقان حتى يتقابضا.
فقد تقدم هذا الحديث فيما سبق، ثم قال: أرأيت لو احتمل اللسان ما قلت وما قال من خالفك؛ أما أن يكون من قال بقول الرجل الذي سمع الحديث أولى أن يصار إلى قوله؛ لأنه الذي سمع الحديث فله فضل السماع والعلم بما سمع وباللسان؟ قال: بلى، قلت: فلم لم تعط هذا ابن عمر وهو سمع من رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وكان إذا اشترى شيئًا يعجبه أن يجب له فارق صاحبه فمشى قليلاً ثم رجع.
أخبرنا بذلك سفيان، عن ابن جريج، عن نافع عن ابن عمر، ولم تعط هذا أبا برزة؛ فهو سمع من رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار" وقضى به، وقد تصادقا أنهما تبايعا ثم كانا معًا لم يتفرقا في ليلتهما، ثم غدوا إليه، [فقضى] (١) أن لكل واحد منهما الخيار في بيعه.
ويشهد لهذا التأويل قوله: "إلا بيع الخيار" ومعناه تخيره قبل التفرق وهما بعد في المجلس، فيقول له: اختر، وبيان ذلك في رواية أبي داود، وهو قوله: "إلا أن يقول لصاحبه اختر".
стр. 1782
قال الشافعي: ولقوله ﷺ : "إلا بيع الخيار" معنيان أظهرهما عند أهل العلم باللسان، وأولاهما بمعنى السنة والاستدلال بها والقياس: أن يُخَيِّرَ أحدهما صاحبه بعد البيع، كما أن التفرق بعد البيع، وإذا كان وجوب البيع بالتفرق أو بالتخيير، وكان موجودًا في اللسان والقياس إذا كان البيع يجب بشيء بعد البيع هو الفراق؛ يجب بالثاني بعد البيع، فيكون إذا خَيَّرَ أحدهما صاحبه بعد البيع، كان الاختيار تجديد شيء يوجبه كما كان التفرق تجديد شيء يوجبه، ولم ترد فيه سنة بينة بمثل ما ذهبت إليه كان ما وصفنا أولى المعنيين أن يؤخذ به؛ لما وصفت من القياس.
مع أن سفيان بن عيينة أخبرنا، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: "خَيَّرَ رسول الله ﷺ رجلاً بعد البيع، فقال الرجل: عَمْرَكَ الله؛ ممن أنت؟! فقال رسول الله ﷺ : امرؤ من قريش، قال: فكان أبي يحلف ما الخيار إلا بعد البيع".
قال الشافعي: وبهذا نقول (١).
وأما المعنى الآخر فهو أن يتخايرا في عقد البيع، وهو أن يشترط في العقد أن لا يكون بينهما خيار المجلس.
قال الشافعي: وقد قال بعض أصحابنا: يجب البيع بالتفرق بعد الصفقة، ويجب بأن يعقد الصفقة على خيار، وذلك أن يقول الرجل: لك بسلعتك كذا بيعًا خيارًا، فيقول: قد اخترت البيع. قال: و [لسنا] (٢) نأخذ بهذا، وقولنا الأول أن لا يجب البيع إلا بتفرقهما أو يخير أحدهما صاحبه بعد البيع فيختاره.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: وقد تأول بعضهم "إلا بيع الخيار" على
стр. 1783
معنى خيار الشرط، وهذا تأويل فاسد وذلك أن الاستثناء من الإثبات نفيٌ، ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار، فلا يجوز أن يكون ما استثنى منه إثباتًا مثله، على أن قوله: "إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر" يفسد ما قاله هذا التأويل ويهدمه، واحتج بعض من ذهب إلى أن التفرق هو تفرق الأبدان بأن المتبايعين إنما يجتمعان بالإيجاب والقبول؛ لأنهما كانا قبل ذلك متفرقين، ولا يجوز أن يَحْصُلا متفرقين بنفس الشيء الذي به وقع اجتماعهما.
وأما مالك فإن أصحابه يحتجون في رد هذا الحديث يقول مالك: ليس العمل عليه عندنا فليس للمتفرق حد محدود يعلم.
وقول مالك ليس حجة على غيره.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: مالكًا لست أدري من اتهم في إسناد هذا الحديث؟! اتهم نفسه أو نافعًا، وأُعظِم أن أقول اتهم ابن عمر، وأما قوله: فليس للتفرق حد يعلم -فليس الأمر على ما توهمه؛ إذ الأصل في هذا أو نظائره أن يرجع فيه إلى عادة الناس وعرفهم، وذلك يختلف باختلاف الأمكنة التي يجتمع فيها المتبايعان، فإذا كانا في بيت؛ فإن التفرق إنما يقع بخروج أحدهما منه، وإن كانا في دار واسعة؛ فبأن ينتقل أحدهما من مجلسه إلى صفة أخرى أو بيت من بيوت الدار، وإن كانا في سوق على حانوت فهو بأن يولي عن صاحبه ويخطو خطوات، وهذا كالعرف الجاري بين الناس، الذي لا ينكر، وكان ابن أبي ذئب يستعظم هذا الصنيع من مالك.
وهذا كلام شديد وبيان حسن حققه الإمام أبو سليمان الخطابي، والإمام أحمد البيهقي، وليس فيه طعْنٌ لطاعن؛ إلا أنا وجدنا فيه مساغًا لقائل في موضع واحدٍ وهو في تفسير قوله: "إلا بيع الخيار" والمنع من تفسيره بخيار الشرط، ونحن نذكر ما عندنا في ذلك، فنقول: الخيار في البيع عند الشافعي على ثلاثة أقسام:
стр. 1784
خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار النقيصة.
أما خيار المجلس: فهو هذا الخيار الذي يقتضيه هذا الحديث.
وأما خيار الشرط: فهو أن يشترط المتبايعان الخيار مدة ولا تزيد على ثلاثة أيام عند الشافعي، وأول المدة من حال العقد، وقيل: من حال التفرق.
وقد أخرج المزني، عن الشافعي ﵄ عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: "أن حَبَّان بن منقذ كان [سفع] (١) في رأسه مأمومة، فثقل لسانه، فكان يُخدع في البيع، فجعل له رسول الله ﷺ ما ابتاع من شيء [فهو] (٢) فيه بالخيار ثلاثًا، وقال له رسول الله ﷺ : قل: لا خلابة. قال ابن عمر: فسمعته يقول: لا خلابة، لا خلابة".
قال الربيع: قال الشافعي: وأصل البيع على الخيار، لولا الخبر كان ينبغي أن يكون فاسدًا، فلما شرط رسول الله ﷺ في المصراة خيار ثلاث بعد البيع، وروي عنه أنه جعل لحبان بن منقذ خيار ثلاثٍ؛ انتهينا إلى ما أمر به رسول الله ﷺ من الخيار، ولم نجاوزه.
"النقيصة": فمثلًا أن يظهر بالمبيع عيب يوجب الرد، أو يلتزم البائع فيه شرطًا لم يكن فيه، ونحو ذلك وهذا مستوفى في كتب الفقه.
أما خيار المجلس فقد تقدم ذكر أقوال الأئمة فيه، والذي يحتاج إلى زيادة البيان هو قوله: "إلا بيع الخيار" فإن الشافعي قال: يحتمل معنيين، وقد ذكرناهما، وهذا الكلام من الشافعي يحتاج إلى إيضاح، فنقول: معنى قوله: "أن يخير أحدهما صاحبه بعد البيع" هو أن يتعاقد المتبايعان، فإذا أوجب أحدهما وقبل الآخر، يقول أحدهما للآخر:
стр. 1785
اختر. قبل أن يتفرقا، فإذا قال له: [اخترت] (١)؛ لم يبق لخيار المجلس حكم، وبقي الحكم لهذا التخيير، وإما أن يختار المخير الإمضاء أو الفسخ، فإن لم يختر أحدهما؛ بقي خَيار المجلس في حق المخير على ما كان عليه، وأما المخير ففيه وجهان: أظهرهما سقوط خياره فيكون معنى قوله: "إلا بيع الخيار" إلا البيع الذي قال فيه أحدهما للآخر: [اختر] (٢) فإنه يكون لأحدهما دون الآخر، ولا يكون لكل واحد منهما على صاحبه، هذا بيان أحد معنيي قول الشافعي ﵁.
وأما بيان المعنى الثاني وهو قوله: أن يتخايرا في عقد البيع فإنه يريد: إن شرطا فيه ترك الخيار فعقد التبايع على أن لا يكون بينهما خيار المجلس، وهذا القول هو الذي قال الشافعي فيه: ولا أقول بهذا: قيل: إنه حكاه عن مسلم بن خالد الزنجي فكأنه ليضعفه، وبعده قال: لا أقول به.
قال قوم: إنما أراد ببيع الخيار: البيع الذي شرط فيه خيار الثلاث، فكأنه قال: ما لم يتفرقا؛ إلا بيع شرط فيه خيار الثلاث، فلا يتعلق الخيار فيه بالتفرق، والذي ذكره الخطابي وأنكر من هذا الوجه لا وجه له؛ فإنه قال: هو استثناء من إثبات فينبغي أن يكون نفيًا.
وهذا وإن كان أصلاً صحيحًا فإنه قد غفل عن المعنى، وبيانه من وجهين أحدهما أنه يلزمه فيما ذهب إليه ما أنكره ها هنا؛ لأن معنى قوله الذي اختاره ونصره أن البيعين لهما خيار المجلس ما لم يتفرقا؛ إلا أن يكون أحدهما قد خَيرَ الآخر، ومعنى الوجه الذي أنكره أن البيعين لهما خيار المجلس إذا لم يتفرقا؛ إلا أن يكونا قد اشترطا خيار الثلاث، فهذا الاستثناء في صورته ذلك الاستثناء، ولا فرق بينهما إلا من جهة اختلاف معنى الاستثناءين.
стр. 1786
وأما الوجه الثاني: فإن الخيار لما كان يشتمل على خيار المجلس وخيار الشرط، وكان إذا أطلق لفظ الخيار احتملهما على السواء، ويبقى التخصيص إلى القرائن ودلالة الحال؛ فلما قال: "البيعان بالخيار" عَمَّ الأمرين؛ فاستثنى منه أحد لخيارين، وهو أحد مدلولي اللفظ؛ لأنه لم يُرِدْ أن يوجب له إلا أحدهما، نعم قد استدل من ذهب إلى المعنى الثاني من المعنيين اللذين حكاهما الشافعي بالاستثناء، فقال: الاستثناء من الموجب نفي ومن النفي إيجاب، فلما كان هذا استثناء من إثبات وجب أن يكون نفيًا فكان معنى قوله: "إلا بيع": إلا بيعًا اشترط فيه نفي الخيار.
وقول الشافعي في الرواية الثانية: أو يكون بيعهما عن خيار تتجاذبه التأويلات الثلاثة على قوة قويّها وضعف ضعيفها، وأوضح منه ما جاء في رواية البخاري ومسلم: "كل بَيِّعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار" فبيع الخيار إما أن يكون بيع التخيير، أو بيع شُرِطَ فيه الخيار، فنفى وجود البيع قبل التفرق وأثبته بعد التفرق سوى بيع الخيار، فإنه لا يثبت بالتفرق ولا يؤثر فيه شيئًا والله أعلم.
أخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا الثقة، عن حماد بن زيد، عن جميل ابن مرة, عن أبي الوضيء قال: "كنا في غزاة، فباع صاحب لنا فرسًا من رجل، فلما أردنا الرحيل خاصمه إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" هذا حديث صحيح.
أخرجه أبو داود (١)، عن مسدد، عن حماد ... بالإسناد، قال: "غزونا غزاة لنا، فنزلنا [منزلاً] (٢) فباع صاحب لنا فرسًا بغلام [ثم أقاما] (٣) بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل؛ فقام الرجل إلى فرسه [يسرجه فندم] (٤) فأتى الرجل فأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفعه إليه، فقال: بيني
стр. 1787
وبينك أبو برزة صاحب النبي ﷺ فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة، فقال: أترتضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؟ قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
قال هشام بن حسان: [حَدَّثَ] (١) جميل أنه قال: "ما أراكما افترقتما".
تقول: بعت الثوب من فلان أذا بعته إياه، وإنما عداها بـ"مِنْ" حملًا لها على اشتريت، وهذا فاشٍ في العربية، فإنهم يحملون الشيء على نقيضه كما يحملونه على نطيره، والبَيَّاع فَعَّال من البيع، وهذا البناء موضوع للتكثير، أي لمنْ يكثر منه البيع.
ومساق هذا الحديث لبيان المتبايعين إذا تعاقدا على البيع، وأقاما في مكانهما أيامًا لا يفترقان فالخيار لهما، وكذلك لو تماشيا مدة دام الخيار لهما، وقال قوم: إنه لا تزيد الأيام على ثلاثة؛ لأنها منتهى الأمد الثابت شرعًا في الخيار، ورسول الله ﷺ ناط اللزوم بالتفرق؛ بناء على الغالب، بأن يجري على قرب، فقد يحتمل ترك العسكر لهذين المتبايعين بمنزلة مكان واحد لم يفارقاه، وإن أقاما فيه إلى الغد، ويجوز أن يزيد أن المتبايعين المذكورين تبايعا وهما في الصحراء، ومنزل العسكر واسع، وكل واحد من العسكر به له بقعة تخصه، وقد دام أمر البيع من الصباح إلى الغد، وفي مثل هذا المكان وهذا الزمان يكونان قد تفرقا وسقط الخيار.
والوجه الأول؛ لأن قول أبي داود في آخر الحديث عن هشام بن حسان يشهد لذلك، وقد ذهب الخطابي في "معالم السنن" إلى أن غرض أبي داود من الحديث المعنى الثاني، وكلام هشام بن حسان يأبى ذلك.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا الثقة، عن حماد بن سلمة، عن
стр. 1788
قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبَيَّنَا وجبت البركة في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت البركة من بيعهما".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
أما البخاري فأخرجه (١) عن إسحاق بن منصور، عن [حَبَّان] (٢)، عن شعبة، عن قتادة.
وأما مسلم فأخرجه (٣) عن ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة [و] (٤) عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد وابن مهدي، عن شعبة، عن قتادة.
وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن الطيالسي، عن شعبة، عن قتادة.
وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة.
وأما النسائي فأخرجه عن [...] (٧).
"الصدق" يريد به في القيمة وأصل الثمن والعطية ونحو ذلك من الأسباب المتعلقة بالمبيع.
"والبيان": الظهور، يريد إظهار حال المبيع والاطلاع على ما عساه يكون فيه من عيب أو نقص يعلمه البائع ولا يعلمه المشتري.
"والبركة": النماء والزيادة.
стр. 1789
"والمحق": الإبطال والمحو، ومحقه الله: أذهب بَرَكَتَهُ، "وأمحقه" لغة فيه رديئة.
"والوجوب": الثبوت، وفي رواية الشافعي: "وجبت البركة في بيعهما" وفي رواية غيره: "بورك لهما في بيعهما" فالأول جعل الفعل للبركة كأنها هي التي تجب بالصدق والبيان، والثاني جعل البركة مفعولة، ولما قال: "وجبت البركة في بيعهما" قال: "محقت بركة بيعهما" للازدواج أيضًا، فالأول أطلق البركة والثاني أضافها.
وأخبرنا ابن عيينة، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: "خَيَّرَ رسول الله ﷺ رجلاً بعد البيع، فقال الرجل: عَمْرَكَ الله، ممن أنت؟! فقال رسول الله ﷺ : امرؤ من قريش" قال: "فكان أبي يحلف: ما الخيار إلا بعد البيع".
هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي ﵁ مرسلاً، وقد جاء بعضه في الترمذي (١) مسندًا عن جابر من طريق أخرى: عن [عمرو] (٢) بن حفص، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﷺ خير أعرابيًّا بعد البيع".
"عمْرَك الله" ترد في الكلام ويراد بها القسم، والعَمْر -بفتح العين- هو العُمر، ولا يستعمل في الدعاء والقسم إلا مفتوحًا، تقول في الدعاء: عَمْرَك الله، فالعَمْرَ واللهَ منصوبان، تقديره أسأل الله تعميرك، وأن يطيل عمرك.
قال عمر بن أبي ربيعة:
أَيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيف يلتقيان
стр. 1790
هِيَ شَامِيَّة إذا ما اسْتَهَلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا ما اسْتَهَلَّ يَمَانِ
فيجوز أن يكون هذا دعاء كما قلنا، ويجوز أن يكون قسمًا، أي: بإقرارك له بالبقاء، والدوام لله، ويجوز أن يرفع اسم الله على أنه فاعل المصدر، فتقول: عَمْرَكَ اللهُ أي أسأل الله بتعميرك الله، وتقول في القسم: عَمْرَ اللهِ، فتنصب الرّاء نصب المصادر الجارية على غير فعلها عَمْرَك، وتَجُر اسم الله بالإضافة، معناه أحلف ببقاء الله ودوامه، وقد تدخل عليها "لام" التأكيد فتقول: لعَمْرُ اللهِ ولَعَمْرك لكنك ترفع العَمْر وتجر اسم الله تعالى، وإنما دخلت اللام لتأكيد المبتدأ الذي هو لعمرك، والخبر محذوف تقديره لعمرك فسمي ولعمرك ما أقسم به.
ومعنى قول رسول الله ﷺ لما سأله ممن أنت: "امرؤ من قريش" لأنه لم يرد أن يعرفه أنه رسول الله ﷺ ؛ خوفًا أن يعرفه الأعرابي، فيميل إلى رضاه ويدع له رضا نفسه، وإن لم يكن مُؤْثرًا لذلك، وقول ابن طاوس: "وكان أبي يحلف أن الخيار بعد البيع" يريد أن الخيار لا يكون مقترنًا بالعقد، ولا يكون إلا بعد البيع.
وهذا الحديث غاية ما يدل [عليه] (١) أنه خَيَّرَهُ بعد البيع، ولا يدل على أن الخيار في نفس العقد لا يجوز؛ فإن ذلك يكون معلومًا بدليل آخر.