وأما الوجه الثاني: فإن الخيار لما كان يشتمل على خيار المجلس وخيار الشرط، وكان إذا أطلق لفظ الخيار احتملهما على السواء، ويبقى التخصيص إلى القرائن ودلالة الحال؛ فلما قال: "البيعان بالخيار" عَمَّ الأمرين؛ فاستثنى منه أحد لخيارين، وهو أحد مدلولي اللفظ؛ لأنه لم يُرِدْ أن يوجب له إلا أحدهما، نعم قد استدل من ذهب إلى المعنى الثاني من المعنيين اللذين حكاهما الشافعي بالاستثناء، فقال: الاستثناء من الموجب نفي ومن النفي إيجاب، فلما كان هذا استثناء من إثبات وجب أن يكون نفيًا فكان معنى قوله: "إلا بيع": إلا بيعًا اشترط فيه نفي الخيار.
وقول الشافعي في الرواية الثانية: أو يكون بيعهما عن خيار تتجاذبه التأويلات الثلاثة على قوة قويّها وضعف ضعيفها، وأوضح منه ما جاء في رواية البخاري ومسلم: "كل بَيِّعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار" فبيع الخيار إما أن يكون بيع التخيير، أو بيع شُرِطَ فيه الخيار، فنفى وجود البيع قبل التفرق وأثبته بعد التفرق سوى بيع الخيار، فإنه لا يثبت بالتفرق ولا يؤثر فيه شيئًا والله أعلم.
أخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا الثقة، عن حماد بن زيد، عن جميل ابن مرة, عن أبي الوضيء قال: "كنا في غزاة، فباع صاحب لنا فرسًا من رجل، فلما أردنا الرحيل خاصمه إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" هذا حديث صحيح.
أخرجه أبو داود (١)، عن مسدد، عن حماد ... بالإسناد، قال: "غزونا غزاة لنا، فنزلنا [منزلاً] (٢) فباع صاحب لنا فرسًا بغلام [ثم أقاما] (٣) بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل؛ فقام الرجل إلى فرسه [يسرجه فندم] (٤) فأتى الرجل فأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفعه إليه، فقال: بيني
стр. 1787
وبينك أبو برزة صاحب النبي ﷺ فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة، فقال: أترتضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؟ قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
قال هشام بن حسان: [حَدَّثَ] (١) جميل أنه قال: "ما أراكما افترقتما".
تقول: بعت الثوب من فلان أذا بعته إياه، وإنما عداها بـ"مِنْ" حملًا لها على اشتريت، وهذا فاشٍ في العربية، فإنهم يحملون الشيء على نقيضه كما يحملونه على نطيره، والبَيَّاع فَعَّال من البيع، وهذا البناء موضوع للتكثير، أي لمنْ يكثر منه البيع.
ومساق هذا الحديث لبيان المتبايعين إذا تعاقدا على البيع، وأقاما في مكانهما أيامًا لا يفترقان فالخيار لهما، وكذلك لو تماشيا مدة دام الخيار لهما، وقال قوم: إنه لا تزيد الأيام على ثلاثة؛ لأنها منتهى الأمد الثابت شرعًا في الخيار، ورسول الله ﷺ ناط اللزوم بالتفرق؛ بناء على الغالب، بأن يجري على قرب، فقد يحتمل ترك العسكر لهذين المتبايعين بمنزلة مكان واحد لم يفارقاه، وإن أقاما فيه إلى الغد، ويجوز أن يزيد أن المتبايعين المذكورين تبايعا وهما في الصحراء، ومنزل العسكر واسع، وكل واحد من العسكر به له بقعة تخصه، وقد دام أمر البيع من الصباح إلى الغد، وفي مثل هذا المكان وهذا الزمان يكونان قد تفرقا وسقط الخيار.
والوجه الأول؛ لأن قول أبي داود في آخر الحديث عن هشام بن حسان يشهد لذلك، وقد ذهب الخطابي في "معالم السنن" إلى أن غرض أبي داود من الحديث المعنى الثاني، وكلام هشام بن حسان يأبى ذلك.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا الثقة، عن حماد بن سلمة، عن
стр. 1788
قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبَيَّنَا وجبت البركة في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت البركة من بيعهما".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
أما البخاري فأخرجه (١) عن إسحاق بن منصور، عن [حَبَّان] (٢)، عن شعبة، عن قتادة.
وأما مسلم فأخرجه (٣) عن ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة [و] (٤) عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد وابن مهدي، عن شعبة، عن قتادة.
وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن الطيالسي، عن شعبة، عن قتادة.
وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة.
وأما النسائي فأخرجه عن [...] (٧).
"الصدق" يريد به في القيمة وأصل الثمن والعطية ونحو ذلك من الأسباب المتعلقة بالمبيع.
"والبيان": الظهور، يريد إظهار حال المبيع والاطلاع على ما عساه يكون فيه من عيب أو نقص يعلمه البائع ولا يعلمه المشتري.
"والبركة": النماء والزيادة.
стр. 1789
"والمحق": الإبطال والمحو، ومحقه الله: أذهب بَرَكَتَهُ، "وأمحقه" لغة فيه رديئة.
"والوجوب": الثبوت، وفي رواية الشافعي: "وجبت البركة في بيعهما" وفي رواية غيره: "بورك لهما في بيعهما" فالأول جعل الفعل للبركة كأنها هي التي تجب بالصدق والبيان، والثاني جعل البركة مفعولة، ولما قال: "وجبت البركة في بيعهما" قال: "محقت بركة بيعهما" للازدواج أيضًا، فالأول أطلق البركة والثاني أضافها.
وأخبرنا ابن عيينة، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: "خَيَّرَ رسول الله ﷺ رجلاً بعد البيع، فقال الرجل: عَمْرَكَ الله، ممن أنت؟! فقال رسول الله ﷺ : امرؤ من قريش" قال: "فكان أبي يحلف: ما الخيار إلا بعد البيع".
هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي ﵁ مرسلاً، وقد جاء بعضه في الترمذي (١) مسندًا عن جابر من طريق أخرى: عن [عمرو] (٢) بن حفص، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﷺ خير أعرابيًّا بعد البيع".
"عمْرَك الله" ترد في الكلام ويراد بها القسم، والعَمْر -بفتح العين- هو العُمر، ولا يستعمل في الدعاء والقسم إلا مفتوحًا، تقول في الدعاء: عَمْرَك الله، فالعَمْرَ واللهَ منصوبان، تقديره أسأل الله تعميرك، وأن يطيل عمرك.
قال عمر بن أبي ربيعة:
أَيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيف يلتقيان
стр. 1790
هِيَ شَامِيَّة إذا ما اسْتَهَلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا ما اسْتَهَلَّ يَمَانِ
فيجوز أن يكون هذا دعاء كما قلنا، ويجوز أن يكون قسمًا، أي: بإقرارك له بالبقاء، والدوام لله، ويجوز أن يرفع اسم الله على أنه فاعل المصدر، فتقول: عَمْرَكَ اللهُ أي أسأل الله بتعميرك الله، وتقول في القسم: عَمْرَ اللهِ، فتنصب الرّاء نصب المصادر الجارية على غير فعلها عَمْرَك، وتَجُر اسم الله بالإضافة، معناه أحلف ببقاء الله ودوامه، وقد تدخل عليها "لام" التأكيد فتقول: لعَمْرُ اللهِ ولَعَمْرك لكنك ترفع العَمْر وتجر اسم الله تعالى، وإنما دخلت اللام لتأكيد المبتدأ الذي هو لعمرك، والخبر محذوف تقديره لعمرك فسمي ولعمرك ما أقسم به.
ومعنى قول رسول الله ﷺ لما سأله ممن أنت: "امرؤ من قريش" لأنه لم يرد أن يعرفه أنه رسول الله ﷺ ؛ خوفًا أن يعرفه الأعرابي، فيميل إلى رضاه ويدع له رضا نفسه، وإن لم يكن مُؤْثرًا لذلك، وقول ابن طاوس: "وكان أبي يحلف أن الخيار بعد البيع" يريد أن الخيار لا يكون مقترنًا بالعقد، ولا يكون إلا بعد البيع.
وهذا الحديث غاية ما يدل [عليه] (١) أنه خَيَّرَهُ بعد البيع، ولا يدل على أن الخيار في نفس العقد لا يجوز؛ فإن ذلك يكون معلومًا بدليل آخر.
стр. 1791
الْبَابُ السادِس
في أمور تلحق كتاب البيْع وَفِيه ثَلاثَةُ فصُول
الفَصْلُ الأوَّلُ في اخْتلافِ المُتبَايعيْن
أخرج الشافعي ﵁ عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اختلف البيعان؛ فالقول ما قال البائع، والمبتاع بالخيار".
قال الشافعي ﵁ في القديم: هذا حديث منقطع، ولا أعلم أحدًا وصله عن ابن مسعود، وقد جاء من غير وجه.
وأخرج الربيع عن الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الملك بن عمير قال: "حضرت أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود وأتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذت بكذا وكذا، وقال الآخر: بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة أتي عبد الله بن مسعود في مثل هذا فقال:
حضرت رسول الله ﷺ مثل هذا فأمر البائع أن يُسْتَحلَف، ثم يُخَيَّر المبتاع؛ أن شاء أخذ، وإن شاء ترك".
وقد أخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل (١)، عن الشافعي.
وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليْلى، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ :
стр. 1792
"إذا اختلف البيعان والمبيع قائم بعينه، وليس بينهما يينة، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع" ورواه أبو عميس، ومعن بن عبد الرحمن المسعودي، وأبان بن تغلب: كلهم عن القاسم، عن عبد الله مطلقًا, وليس فيه: "والمبيع قائم بعينه" وابن أبي ليلى كان كثير الوهم في الإسناد والمتن، وأهل العلم بالحديث لا يقبلون منه ما يتفرد به؛ لكثرة أوهامه.
والذي ذهب إليه الشافعي أن المتبايعين إذا اختلفا؛ فإنهما يتحالفان، وسواء كانت السلعة قائمة أو تالفة، وبه قال محمد، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كانت السلعة قائمة تحالفا، وإن كانت تالفة لم يتحالفا، وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
وعن مالك ثلاثة روايات: إحداها مثل قول الشافعي، والأخرى مثل قول أبي حنيفة، والثالثة: إن كان قبل القبض تحالفا, وإن كان بعده فالقول قول المشتري.
وقال زفر وأبو ثور: القول قول المشتري مع يمينه بكل حال.
ومعنى قول النبي ﷺ : "إن القول قول البائع، والمبتاع بالخيار" أن القول قوله مع يمينه، والمبتاع بالخيار إن شاء أخذ بما قال، وإن شاء حلف وترك, وإنما ذكر البائع لأنه يبرأ بيمينه والله أعلم.
***
стр. 1793
الفصل الثاني
في التسْعِير
أخرج المزني عن الشافعي ﵁ عن الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر: "أنه مَرَّ بحاطبٍ بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فَسَعَّر له مُدَّيْن لكل درْهم، فقال له عمر: قد حُدِّثْتُ بِعيرٍ مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطبًا في داره، فقال له: إن الذي قلت ليس بعزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع".
وقد أخرج بعض هذا المعنى مالك في الموطأ (١): "أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا".
قال الشافعي: وهذا الحديث الذي روينا ليس بخلاف لما روى مالك، ولكنه يروي بعض الحديث، أو رواه من روى عنه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول.
وجملة الأمر أن ليس [للناظر] (٢) في أمور المسلمين أن يُسَعِّر على أهل الأسواق أمتعتهم من طعام وغيره، سواء كان في حال الرخص أو الغلاء.
قال الشافعي: ولأن الناس مسلطون على أملاكهم، فلا يجوز أن يؤخذ منهم إلا برضاهم ما لم تكن حالة الضرورة وسواء اختلفوا فيما يبيعون أو اتفقوا.
стр. 1794
وحكي عن مالك أنه قال: إذا خالف واحدٌ أهل السوق بزيادة أو نقصان، قيل له: إما أن تبيع بسعر أهل السوق وإما تنعزل.
***
стр. 1795
الفصل الثالث
فيِ بيْع رباع مَكة وَكرَائِها
قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيْسابُوري ﵁: حدثني أبو الوليد الفقيه قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي العمري، قال: حدثني أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، قال: حدثني إبراهيم بن محمد الكوفي -وكان من الإِسلام بمكان- قال: "رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم -هو ابن راهويه- وأحمد بن حنبل حاضرين، قال أحمد بن حنبل لإسحاق: يا أبا يعقوب، تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله، فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله؟! قال: نعم، فجاء به فوقفه [على] (١) الشافعي ... ".
فذكر القصة إلى أن قال: ثم تقدم إسحاق إلى مجلس الشافعي وهو مع خاصته جالس، فسأله عن سكنى بيوت مكة -أراد الكراء- فقال له الشافعي: عندنا جائز؛ قال رسول الله: "هل ترك لنا عقيل من دار؟ فقال له إسحاق بن إبراهيم: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم، فقال: حدثني يزيد ابن هارون، عن هشام، عن الحسن أنه لم يكن يرى ذلك، وعطاء وطاوس لم يكونا يريان ذلك، فقال الشافعي لبعض من عرفه: من هذا؟ فقال: هذا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بن راهويه الخراساني. قال له الشافعي: أنت [الذي] (٢) يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟! قال إسحاق: هكذا يزعمون، قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك؛ فكنت آمر بِعَرْكِ أذنيه؛ أنا أقول: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول-: عطاء وطاوس وإبراهيم والحسن
стр. 1796
هؤلاء لا يرون ذلك؛ هل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ " فذكر قصة إلى أن قال: "فقال الشافعي: قال الله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (١) فنسب الديار إلى المالكين أو إلى غير المالكين؟ قال إسحاق: إلى المالكين، فقال له الشافعي: قول الله أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله ﷺ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن نسب الدار إلى مالك أو إلى غير مالك؟ قال إسحاق: إلى مالك.
قال الشافعي: وقد اشترى عمر بن الخطاب دَار الحجامين فأسكنها -وذكر له جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ - فقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٢) فقال له الشافعي: اقرأ أول الآية: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ ولو كان هذا كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد فيها ضالة ولا ينحر فيها البدن، ولكن هذا المسجد خاصة، قال: فسكت إسحاق ولم يتكلم".
فبيع بيوت مكة وإجارتها وأجَارتها تصح عند الشافعي ﵁.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز.
و [عن] (٣) أحمد روايتان.
واحتجوا بما رواه أبو حنيفة، عن [عبيد] (٤) الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجرة بيوتها" ومثل هذا الحكم لا يثبت عند أبي حنيفة بخبر
стр. 1797
الواحد؛ لأنه مما تعم به البلوى ويكثر عنه السؤال، وقد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف درهم، وأوصت عائشة ﵂ لعبد الله بن الزبير بحجرتها، واشترى حجرة سودة، واشترى معاوية بن حكيم بن حزام دار الندوة بمائة ألف، وكل هذا يدل على جواز بيع دورها، والله أعلم.
***
стр. 1798
كتاب السَّلمَ وَالقِراض
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن [قتادة عن أبي حسان] (١) الأعرج، عن ابن عباس قال: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢).
قال الشافعي: فإن [كان] (٣) كما قال ابن عباس أنه في السلف، قلنا به في كل دين قياسًا عليه؛ لأنه في معناه، والسلف جائز في سنة رسول الله ﷺ ، والآثار" وما لا يختلف فيه أهل العلم علمته.
"السَّلف" والسَّلَم معْروف، وهو نوع من البيوع إلى أجل معلوم، فتضبط السلعة بالوصف تقول: أسلفت وأسلمت في كذا، أو أسلمت في كذا وسلفت في كذا، ويجوز وسَلَّمت إلا أن الفقهاء لا يسلمونه، واستسلف منه دراهم، وتسلفت فأسلفني.
و"المضمون": المتكفل به، الذي يكون في عهدةِ من استسلفه.
وقوله: "إلى أجل معلوم" متعلق بالسلف، ويجوز أن يتعلق بالمضمون، واستدل بالآية على صحة إحلاله والإذن فيه، وقد يقع السلف على القرض، والقرض يكون حالًّا ومؤجلًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين -وربما قال: السنتين والثلاث- فقال: من سَلَّفَ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم".
стр. 1799
قال الشافعي: حفظته كما وصفت من سفيان مرارًا، وأخبرني من أصدق عن سفيان أنه قال كما قلت، وقال في الأجل: "إلى أجل معلوم".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
فأما البخاري فأخرجه (١) عن عمرو بن زرارة، عن إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح .... بالإسناد.
وفي أخرى (٢) عن صدقة، عن ابن عيينة.
وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى وعمرو الناقد، عن سفيان.
وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن سفيان.
وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن أحمد بن منيع، عن سفيان.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن السلم جائز حالاًّ ومؤجلاً، وموجودًا ومعدومًا، يابسًا ورطبًا.
أما المعدوم فيشترط أن يكون مأمون الانقطاع في محله، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا يجوز حتى يكون جنسه موجودًا حال العقد إلى حال المحل.
وأما الحال فيه. قال عطاء وأبو ثور، واختاره ابن المنذر، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز، وقال الأوزاعي: أقل الأجل ثلاثة أيام.
وأما الرطب فلأنه أجاز سلف السنين والثلاث، والثمر يكون رطبًا.
قال الشافعي: وإذا أجاز رسول الله ﷺ في التمر السنين بكيل ووزن وأجل
стр. 1800
معلوم كله، والتمر قد يكون رطبًا؛ فقد أجاز أن يكون الرطب سلفًا مضمونًا في غير حينه الذي يطيب فيه؛ لأنه إذا أسلف سنتين كان بعضها في غير حينه.
قال: والسلف قد يكون بيع ما ليس عند البائع، فلما نهى رسول الله ﷺ حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده وأذن في السلم؛ استدللنا على أنه لا ينهى عما أمر به، وعلمنا أنه إنما نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا عليه، وذلك بيع الأعيان (١).
ولابد في السلم من ضبط المسلم فيه بالأوصاف التي تميزه عن أشباهه من جنسه، ولابد من ذكر المكيل والوزن فيما يكال ويوزن، ويجوز ضبط الكيل بالوزن وضبط الوزن بالكيل؛ لأن الغرض يحصل بكل منهما؛ بخلاف الربويات فإن الاعتبار فيها بالعادات، ومبناه على التعبد بالشرع.
ومعنى قوله: "إلى أجل معلوم" أن يكون مقيدًا بوقت مخصوص لا يتقدم ولا يتأخر، كما لو أجله بالحصاد، والقطاف، وبقدوم زيد، ونحو ذلك مما يختلف وقته.
وقال الشافعي: وقوله: "في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم أو إلى أجل معلوم" أظنه أنه أراد لما ذكر الوزن مع الكيل؛ دلَّ أنه أراد إِنْ أسلف في كيل أن يسلف في كيل معلوم، وإذا أسلف في وزن أن يسلف في وزن معلوم وإذا سمى أجلًا أن يسمي أجلًا معلومًا.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يبيع الرجل شيئًا إلى أجل ليس عنده أصله".
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن نافع،
стр. 1801
عن عبد الله بن عمر ... مثله.
هذا الحديث مسوق لجواز السلم في شيء ليس موجودًا عند المستسلم منه شيء، مثل أن يستسلف في حنطة وليس عنده حنطة وقت السلف، وقد تقدم بيان المذهب في ذلك والخلاف فيه.
قال الشافعي: وإذ أجاز رسول الله ﷺ بيع الطعام بصفة إلى أجل؛ كان والله [أعلم] (١) بيع الطعام بصفة حالاً أجوز وأخرج من معنى الغرر.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "لا تبيعوا إلى العطاء، ولا إلى الأندر، ولا إلى الدياس".
"الأَندر" بفتح الهمزة هو البيدر بلغة أهل الشام والجمع الأنادر.
و"الدياس" دوس الغلة بالدواب لتخرج من قشرها وتبنها، تقول داس الطعام يدوسه دياسة ودياسًا.
و"العطاء" هو القرار الذي كان يكتب للجند، ويوصل إليهم في أوقات مخصوصة من السنة، وربما تأخر العطاء والدياس عن وقتهما فيكون مجهولًا.
والغرض من هذا الحديث بيان أن تعيين الأجل المسلم إليه واجب، وأن يكون إلى أمد لا يتغير كهذه الأشياء التي ذكرها في هذا الحديث.
قال الشافعي: قول رسول الله ﷺ "إلى أجل معلوم" يدل على أن الآجال لا
تحل إلا أن تكون معلومة، وكذلك قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢).
وقال الشافعي: بلغه عن هشيم وحفص، عن الحجاج، عن ابن عمرو بن حريث، عن أبيه: "أنه باع عليًّا ﵁ درعًا منسوجة بذهب بأربعة
стр. 1802
آلاف درهم إلى العطاء".
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا.
أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي كرم الله وجهه وإسناده ليس بالقوي.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن [أبي] (١) رافع مولى رسول الله ﷺ قال: "استسلف رسول الله ﷺ بكرًا، فجاءته إبل الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني رسول الله ﷺ أن أقضي الرجل بِكْرَهُ، فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًّا، فقال رسول الله ﷺ : أعطه إياه؛ فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً".
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).
وقد أخرجه الشافعي أيضًا أحسن من هذا (٦)، وقد تقدم ذكر ما أخرجه هو والجماعة المذكورون في كتاب الزكاة فلم نفرد، وقد ذكرنا هناك غرض الشافعي من إخراجه في كتاب الزكاة.
وأما غرضه من إخراجه ها هنا فهو جواز اقتراض الحيوان والسلف فيه.
و"البكر": الفَتِيُّ من الإبل.
وقضيت الغريم أقضيه: إذا وفيته.
و"الخيار": الجيد من كل شيء، ويقع على الواحد والجمع.
стр. 1803
و"الرباعي": من الإبل ما دخل في السنة السابعة إلى تمامها، والأنثى رباعية مخفقة الياء، وقد بسطنا القول في معناها في كتاب الزكاة، وكذلك في معنى الحديث.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن كل ما يصح السلم فيه يصح استقراضه والحيوان يصح كله إلا الإماء ففيهن قولان؛ قال الغزالي: وقال ابن الصباغ: يجوز لذوي المحارم دون الأجانب. وقال المزني: يجوز مطلقًا.
وقال أبو حنيفة: لا يصح القرض إلا في مال له مثل كالمكيل والموزون، وأما إعادة العوض فإن كان من ذوات الأمثال كالحيوان ففيه وجهان: أحدهما أن يرد قيمته، والثاني أن يرد قدره من جنسه وإن لم يكن مثله في جميع الصفات.
قال الغزالي: وهو أشبه بالحديث، ولا تجوز الزيادة على العوض، وسواء الزيادة في القدر أو في الصفة، وكذلك إن دفع إلى رجل دراهم على أن يعيطه بدلها في بلد آخر؛ ليأمن من خوف الطريق ومؤنة الحمل، فأما إن أقرضه مطلقًا فقضاه خيرًا من ذلك نظرت؛ فإن كان ذلك لعادة منه معروفة كره في أحد الوجهين ولم يحرم؛ لعدم الشرط.
وإن لم يكن ثمَّ شرط ولا عادة للمقرض فقضاه أكثر جاز ذلك ولم يكره.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا الثقة، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثل معناه.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
أما البخاري فأخرجه (١) عن عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن أبيه، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل ... بالإسناد قال: "كان لرجل على رسول الله ﷺ دين فتقاضاه فأغلظ له، فهمَّ [به] (٢) أصحابه فقال: دعوه؛ فإن لصاحب الحق
стр. 1804
مقالًا وقال: اشتروا له سنًّا فأعطوها إياه، فقالوا: إنا لا نجد سنًّا إلا سنًّا هي أفضل من سنه قال: فاشتروها فأعطوها إياه؛ فإن من خيركم -أو خيركم- أحسنكم قضاءً".
وأما مسلم فأخرجه (١) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة.
وأما الترمذي فأخرجه (٢) عن محمد بن المثنى، عن وهب بن جرير، عن شعبة ... مثل البخاري.
قوله: "فَهَمّ أصحابه" يريد أنهم عزموا على ردعه وزجره حيث أغلظ في تقاضيه.
قوله: "فإن لصاحب الحق مقالاً" يعني سعة في القول وتمكينًا من الكلام وبسطة في الإدلال.
و"المقال" مصدر قال يقول مقالاً.
و"السن" عبارة عن فريضة من فرائض الإبل، إما ابن مخاض أو ابن لبون، أو حق أو جذع أو ثني، وكل واحد من هذه الأسماء يقال لها: سن.
قال الشافعي ﵁: فهذا الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ ، وبه آخذ، وفيه أن النبي ضمن بعيرًا بالصفة، وفي هذا ما دل على أنه يجوز أن يضمن الحيوان كله [بصفة] (٣) في السلف وغيره.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن سلمة بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "ذلك المعروف؛ أن يأخذ بعضه طعامًا
стр. 1805
وبعضه دنانير".
هكذا جاء في الحديث المسند، وإنما استدل به الشافعي على الإقالة في السلم.
قال: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج: "أن عطاء كان لا يرى بأسًا أن يقبل رأس ماله منه، أو يُنْظره، أو يأخذ بعض السلعة وينظره بما بقي".
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الإقالة مندوب إليها، وهي عنده فسخ للعقد الأول وليست ببيع، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: هي بيع بعد القبض وفسخ قبله إلا في العقار؛ فإنها بيع فيه قبل القبض وبعده.
وقال مالك: الإقالة بيع فيه قبل القبض وبعده.
وقال: والإقالة تصح في بعض المسلم فيه.
وبه قال عطاء وطاوس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري، وهو مذهب ابن عباس فيما رواه عنه الشافعي.
وقال مالك وربيعة والليث وابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك.
وكرهه أحمد وإسحاق.
وقد أخرج الشافعي ﵁، عن ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين: "أنه سئل عن الرهن في السلف، فقال: إذا كان البيع حلالاً؛ فإن الرهن مما أمر به".
وروى عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن دينار: "أنه كان لا يرى بأسًا بالرهن والحميل".
وكذلك رواه عن عطاء قال: "ويجمع الرهن والحميل، ويتوثق ما قدر عليه من حقه".
стр. 1806
كِتَاب الرَّهْن
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر".
هذا الحديث أخرجه الشافعي مرسلاً، وأخرجه أيضًا عن الدراوردي، عن جعفر، وعاد وأخرجه عن إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر.
قال الشافعي ﵁: وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ مات ودرعه مرهونة".
وحديث عائشة حديث صحيح.
أخرجه البخاري (١) عن محمد بن محبوب، عن عبد الواحد، عن الأعمش ... بالإسناد: "أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل معلوم: وارتهن منه درعًا من حديد".
وأخرجه مسلم (٢) عن يحيى بن يحيى وأبي بكر وأبي كريب، عن أبي معاوية عن الأعمش.
و"الدرع" يريد بها الزردية، تقول: رهنت الشيء عند فلان، ورهنته الشيء بمعنى، وذهب قوم إلى أنه يجوز أرهنته، وارتهنت من فلان إذا أخذت منه رهنًا، ويجمع الرهن على رهون ورهان ورُهُن وقيل: هو جمع الجمع.
والرَّهْن في الشرع: هو جعل المال وثيقة على الدين؛ ليستوفى منه إذا تعذر استيفاؤه ممن عليه، وليس بواجب، ويجوز في الحضر والسفر، وحكي عن مجاهد وداود أنهما قالا: لا يجوز إلا في السفر.
стр. 1807
قال الشافعي ﵁: قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) قال: فكان بَيِّنًا في الآية الأمر بالكتاب في الحضر والسفر، وذكر الله الرهن إذا كانوا مسافرين ولم يجدوا كاتبًا، فكان معقولاً -والله أعلم- فيها أنهم أمروا بالكتاب والرهن احتياطًا لمالك الحق بالوثيقة، والمملوك عليه بأن لا ينسى ويذكر، لا [أنه] (٣) فرض عليهم أن يكتبوا ولا يأخذوا رهنًا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٤) فكان معقولاً لأن الوثيقة في الحق في السفر والإعواز غير محرمة والله أعلم في الحضر وغير الإعواز.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه".
قال الشافعي ﵁: غنمه: زيادته، وغرمه: هلاكه ونقصه.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن شهاب عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ... مثله أو مثل معناه لا يخالفه.
هكذا أخرجه في كتاب الرهن، وعاد وأخرجه في كتاب الإجارات وقال: وقد أخبرني غير واحد من أهل العلم، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل حديث ابن أبي ذئب.
هذا الحديث [أخرج] (٥) مالك أوله عن ابن شهاب، عن ابن المسيب مرسلاً،
стр. 1808
أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن" (١) وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذئب موصولاً، ورواه سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة موصولاً.
يقال: غَلِقَ الرهن -بكسر اللام- تغلق غَلَقًا -بالفتح- إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط.
قال زهيرٌ:
وفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فِكَاكَ لَهُ ... يوم الوَدَاعِ فأَمْسَى الرَّهْن قد غَلِقا (٢)
قال الشافعي ﵁: معنى قوله: "لا يُغْلق الرهن": لا يغلق بشيء، أي إن ذهب لا يذهب بشيء، وإن أراد صاحبه افتكاكه فلا يغلق في يَدَيِ الذي هو في يديه، والرهن للراهن أبدًا حتى يخرجه (بملكه لوجه) (٣) يصح إخراجه له، والدليل على هذا قول رسول الله ﷺ : "الرهن من صاحبه الذي رهنه" ثم بينه ووكده فقال: "له غنمه وعليه غرمه".
قال الشافعي ﵁: وغنمه: سلامته وزيادته، وغرمه: عطيه ونقصه.
قال: ولو كان إذا رهن رهنًا بدرهم وهو يسوى درهمًا، فهلك ذهب الدرهم فلم يلزم الراهن كان إنما هلك من مال المرتهن لا من مال الراهن فهو حينئذ من المرتهن لا من الراهن، وهذا خلاف ما روي عن رسول الله ﷺ .
стр. 1809
وقد شرح مالك في الموطأ (١) تفسير "لا يغلق الرهن" قال: وتفسير ذلك فيما نرى -والله أعلم- أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء، وفي الرهن فضل عما رهن به، فيقول الراهن للمرتهن: إن جئت بحقك إلى أجل -يسميه له- وإلا فالرهن لك بما فيه، قال: فهذا لا يصح ولا يحل، وهو الذي نهى عنه، وان جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل فهو له، وأرى هذا الشرط منفسخًا.
هذا تفسير الشافعي ومالك، وحقيقة هذه اللفظة في اللغة: الوقوع في الشيء والنشب فيه، يقال لكل شيء نشب في شيء فلزمه: قد غَلقَ فيه، وتقول: غَلِقَ في الباطل، وغَلِق في البيع، وغلق بيعه، وأغلقت الرهن أي أوجبته فغلق للمرتهن، أي: وجب له.
قال أبو عبيد: غَلِقَ: إذا استحقه المرتهن، فقوله: "لا يغلق الرهن" أي لا يستحقه المرتهن إذا لم يرد الراهن ما [رهنه] (٢) فيه، وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله ﷺ بقوله: "لا يغلق الرهن".
وقوله: "لا يغلق" يجوز أن تكون [لا] (٣) ناهية ونافية فإن كانت ناهية كسرت القاف؛ لالتقاء الساكنين.
وإن كانت نافية رفعتها، والأحسن أن تكون نافية.
وقوله: "الرهن من صاحبه" يعني أنه من حق صاحبه، و"من" للتبعيض المجازي؛ لأنا لو حملناها على الظفر كانت بعض الراهن، وليس الرهن بعضه، وإنما هو حيث ماله وملكه كان كأنه بعضه، وإنما إذا قدرنا في الكلام محذوفًا كان التبعيض حقيقة، أي: الرهن من حق الراهن.
стр. 1810
"والغُنم" -بالضم- مصدر غنم القوم يغنمون غنمًا.
"والغرم": الغرامة وما يلزم الإنسان أداؤه.
والمراد بهما في الحديث: أن زيادة الرهن ومنفعته للراهن وما يحتاج الرهن إن كان حيوانًا فعلى الراهن مأكله ومشربه، وإن أنفق عليه المرتهن شيئًا استحقه على الراهن؛ فكان هلاكه ونقصه من يدي الراهن.
والذي ذهب إليه الشافعي أن الرهن أمانة في يد المرتهن لا ضمان عليه، وبه قال علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، وأحمد، وأبو يوسف، وأبو عبيد، واختاره ابن المنذر.
وذهب أبو حنيفة والثوري إلى أن الرهن مضمون بأقل الأمرين من قيمته أو الدين، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.
وقال مالك: يضمن من الرهن ما يخفى هلاكه كالذهب والفضة والعروض، ولا يضمن ما ظهر هلاكه كالحيوان والعقار.
وقال النخعي والحسن البصري والشعبي وشريح: الرهن مضمون بجميع الدين، وإن كان أكثر من قيمته.
وأما غنم الراهن فإن الشافعي ذهب إلى أن منفعتة للراهن، وليس للمرتهن منعه من الانتفاع بالرهن، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: ليس للراهن ولا للمرتهن الانتفاع بالرهن.
وقد أخرج الشافعي ﵁، عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "الرهن مركوب ومحلوب".
قال الشافعي: يشبه قول أبي هريرة -والله أعلم- أن من رهن ذات درٍّ وظَهْرٍ، لم يُمنع الراهن من دَرِّها وظهرها؛ لأنه له رقبتها؛ فهي محلوبة ومركوبة
стр. 1811
كما كانت قبل الرهن (١).
وقد رواه المزني بغير إسناد مرفوعًا, ولم يذكره الشافعي إلا موقوفاً وهو الصحيح، على أنه قد أخرج البخاري (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) مرفوعًا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الظهر يركب إذا كان مرهونًا ولبن الدر يشرب إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته".
وقد أخرج الشافعي ﵁، عن مطرف بن مازن، عن معمر، عن [ابن] (٥) طاوس، عن أبيه: "أن [معاذ] (٦) بن جبل قضى فيمن ارتهن نخلاً مثمرًا فليحسب المرتهن ثمرتها من رأس المال" قال: وذكر سفيان بن عيينة شبيهًا به.
قال الشافعي: وأحسب مطرفًا قال في الحديث: "من عامِ حَجَّ رسول الله ﷺ ".
قال الشافعي: وكانهم كانوا يقضون بأن الثمرة للمرتهن قبل حج النبي ﷺ وظهور حكمه، فردهم إلى أن لا يكون للمرتهن.
قال: وأظهر معانيه أن يكون الراهن والمرتهن تراضيًا أن تكون الثمرة رهنًا ويكون الراهن سلط المرتهن على بيع الثمرة وأخذها من رأس ماله.
قال: ولولا حديث معاذ ما رأيته يشبه أن يكون عند أحدٍ جائزًا.
وحديث معاذ منقطع وقد رواه الثوري، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن معاذ، وهو منقطع أيضًا.
стр. 1812
كتابُ الحجر وَالتفْلِيس
أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا محمد بن الحسن أو غيره من أهل الصدق في الحديث أو هما، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشام ابن عروة، عن أبيه قال: "ابتاع عبد الله بن جعفر بيعًا فقال عليٌ: لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابنُ جعفر [الزبير] (١) فقال: أنا شريك في بيعك.
فأتى عليٌّ عثمان فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير؟!.
"الحَجْر" في اللغة: المنع والتضييق، وهو في حق من يحجر عليه من التصرف في ماله؛ لأنه منع له عن ذلك، وهو على ضربين: حجر للغير، وحجر لنفسه.
فالحجر للغير: كالمفلس في حق الغرماء، والمريض لورثته، والمكاتب لسيده.
وأما الحجر لنفسه: فهو الحجر على المجنون، والسفيه، والصغير.
قال الشافعي ﵁، والحجر على البالغين في آيتين من كتاب الله -تعالى- وهما: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٢) فأثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غنى به عنه من ماله مقامه.
стр. 1813
قال: وقد قيل: والذي لا يستطيع أن يمل يحتمل [أن يكون] (١) المغلوب على عقله، وهو أشبه معانيه والله أعلم.
قال: والآية الأخرى: قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢) فأمر أن يدفعوا إليهم أموالهم إذا جمعوا بلوغًا ورشدًا.
ثم قال لبعض من [خالفه] (٣): وجدنا صاحبكم يروي الحجر عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ فخالفهم ومعهم القرآن، قال: فأي صاحب؟
قلت: أخبرنا محمد بن الحسن أو غيره من أهل الصدق ... وذكر حديث علي وابن جعفر، [فعليٌّ] (٤) لا يطلب الحجر إلا [و] (٥) هو يراه، والزبير لو كان يرى الحجر باطلاً قال: لا يحجر على بالغ [حرّ] (٥) وكذلك عثمان، بل كلهم يعرف الحجر في حديث صاحبك.
قال الشافعي: ولا يدفع ماله إليه إلا بأمرين؛ أحدهما: البلوغ، والآخر: الرشد بأن يكون حافظًا لماله عدلاً في دينه، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا بلغ [وكان] (٦) مصلحًا لماله دفع إليه، وإن كان مفسدًا لدينه، فإن دفع إليه ماله ثم صار مبذرًا مضيعًا لماله في غير وجهه؛ حجر عليه، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة وزفر: لا يحجر عليه، وتصرفه نافذ في ماله.
وروي ذلك عن النخعي وابن سيرين.
стр. 1814
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن أخبرته: "أن حبيبة بنت سهل الأنصارية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى صلاة الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله، فقال: ما شأنك؟ فقالت: لا أنا [ولا] (١) ثابت بن قيس -لزوجها- فلما جاء ثابت بن قيس، قال له رسول الله ﷺ : هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله ﷺ [لثابت] (١): خذ منها، فأخذ، وجلست في أهلها".
قال: وأخبرنا مالك، عن نافع: "أن مولاة لصفية بنت أبي عبيد أنها اختلعت من زوجها بكل شيء [لها] (٢) فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر".
احتج الشافعي بذلك على جواز تصرف المرأة البالغة في مالها.
قال الشافعي ﵁: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) قال: فدلت هذه الآية على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد؛ فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة، الذكر والأنثى في ذلك سواء؛ إلا أن يحتلم الرجل، أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة فيكون ذلك البلوغ.
والرشد -والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة.
وإصلاح المال: بأن يختبر اليتيم.
стр. 1815
واحتج بما رواه المزني، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه وأنا ابن خمسة عشرة فأجازني يوم الخندق".
وقد أخرج الشافعي هذا الحديث في كتاب قسم الفيء، وسيرد هناك بطرقه إن شاء الله تعالى.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن الحارث بن عبد العزيز، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أفلس، فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به".
وأخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أنه سمع يحيى ابن سعيد يقول: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز حدثه، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني أبو المعتمر بن عمرو بن رافع، عن أبي خلدة الزرقي - وكان قاضي المدينة- أنه قال: "جئنا أبا هريرة في صاحبٍ لنا قد أفلس، فقال: [هذا] (١) الذي قضى فيه رسول الله ﷺ : أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه".
هكذا جاء: عمرو بن رافع، وفي بعض الروايات: عمرو بن نافع وهو أصح، وأبو خلدة هو عمر بن خلدة، وقيل: عمرو، وعمر أصح.
стр. 1816
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي.
أما مالك فأخرج الأولى إسنادًا ولفظًا (١).
وفي أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر ولم يذكر أبا هريرة (٢).
وأما البخاري فأخرجه (٣) عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن يحيى بن سعيد.
وأما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى، عن هشيم.
وعن قتيبة وابن رمح، عن الليث.
وعن أبي الربيع ويحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد، وعن أبي الربيع بن أبي شيبة، عن ابن عيينة.
وعن ابن المثنى، عن عبد الوهاب ويحيى بن سعيد القطان وحفص بن غياث كل هؤلاء عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر.
وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن القعنبي، عن مالك.
وعن النفيلي (٥)، عن زهير، عن يحيى بن سعيد.
وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد.
"الإفلاس": أن لا يبقى للرجل مال، قالوا: أصله من أفلس الرجل إذا صارت دراهمه فلوسًا وزيوفًا، ويجوز أن يكون قد صار إلى حالٍ يقال له: ليس معه [فلبس] (٧).
стр. 1817
وقوله: "أيما رجل" أَيْ: أَيُّ رجل كائنا من كان.
وقوله: "فأدرك الرجل" ظاهر هذا اللفظ فيما جرت به عادة العربية أن الاسم إذا قيل نكرة ثم أعيد الاسم مَعْرِفَةً بالألف واللام؛ كان الثاني هو الأول وتكون اللام فيه لام العهد، تقول: قام رجل ثم تقول: فقال الرجل: كيت وكيت، فالرجل الثاني هو هو الأول، وهذا الرجل المذكور في الحديث ليس هو الرجل المبدوء بذكره؛ لأن الأول هو الذي أفلس، والثاني هو صاحب المتاع الذي أخذه منه المفلس.
وقوله: "أدرك ماله بعينه" يريد أنه باق بحاله؛ فهو أحق به من غيره.
والمفلس في الشرع اسم لمن عليه ديون لا يفي ماله بها, ولمن يُمنع من التصرف في ماله لهذا السبب إلا من الشيء القليل الذي يضطر إليه.
قال الشافعي: وبحديث مالك وعبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، وحديث ابن أبي ذئب عن أبي المعتمر في التفليس نأخذ.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن المفلس تتعلق به أحكام:
الأول: تعلق المدين بعين ماله.
والثاني: أن يُمنع من التصرف في ماله، وإذا تصرف لم يُنفذ تصرفه.
والثالث: أن كل من وجد من غرمائه عين ماله عنده كان أحق به من غرمائه.
وإن مات هذا المفلس قبل أن يحجر الحاكم عليه؛ ثبتت هذه الأحكام الثلاثة، وبه قال علي وعثمان وأبو هريرة وعروة بن الزبير وأحمد وإسحاق ومالك، إلا أنه خالف في الميت.
وقال أبو حنيفة: ليس للحاكم أن يحجر عليه، فإن أدى اجتهاده إلى الحجر عليه ثبت الحجر وليس له التصرف في ماله، إلا أن المبيع الذي في يده يكون أسوة الغرماء، وليس للبائع الرجوع فيه.
стр. 1818
قال الربيع: قلت للشافعي: وإنا نوافقك في مال المفلس إذا كان حيًّا ونخالفك فيه إذا مات، وحجتنا فيه حديث ابن شهاب الذي قد سمعته يريد ما رواه ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه فهو أحق به، فإن مات المشتري فصاحب السلعة أسوة الغرماء" فلِمَ لم تأخذ بهذا؟ قال الشافعي: الذي أخذت به أولى من قِبل أن ما أخذت به موصول فجمع فيه النبي ﷺ بين الموت والإفلاس، وحديث ابن شهاب منقطع، ولم يخالفه غيره لم يكن مما (يُثْبِتُ) (١) أهل الحديث، فلو لم يكن في تركه حجة [إلا هذا] (٢) ابْتُغي لمن عرف الحديث تركه من الوجهين المذكورين والله أعلم.
...
стр. 1819
كِتَاب الصُّلح
وازْدِحام الشُّركَاءِ وفي الأبنية
أخبرنا الشافعي ﵁ أن مالكًا أخبره، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار".
هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (١) وزاد فيه: قال: وروى "ولا إضرار" (٢).
الضَّرَر والضُّر لغتان، فإذا جمعت بين الضر والنفع فتحت الضاد، وإذا أفردت الضر ضممت إن لم تجعله مصدرًا، وقيل: الضُّر ضد النفع، والضر: الهزال وسوء الحال، والضَّرر: النقصان، يقال: دخل عليه ضرر في ماله، وقيل: كل ما كان من ضد النفع فهو ضُرّ.
قال الأزهري: قوله: "لا ضرر [ولا ضرار] (٣) " لكل واحدة من اللفظتين معنى غير الآخر، فمعنى قوله: "لا ضرر" أي: لا يضر الرجل أخاه فينقص شيئًا من حقه ولا ملكه، وهو ضد النفع.
وقوله: "ولا ضرار" أي لا يضار الرجل أخاه وجاره مجازاة، فينقصه ويُدخل عليه الضرر في شيء فيجازيه بمثله، فالضرار منهما معًا والضرر فعل واحد.
فمعنى نهيه عن الضرار أي لا يدخل الضرر -وهو النقصان- على الذي ضره، ولكن يعفو عنه؛ لقول الله تعالى:
стр. 1820
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ [أَحْسَنُ] (١) فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ والإضرار مصدر أَضَرَّ به إضرارًا، والمعنى قريب من الأول.
وقيل لمالك بن أنس رحمه الله تعالى: ما الضرر والضرار؟ قال: ما أضر بالناس في طريق أو بيع أو غير ذلك، قال: ومثل هؤلاء الذين يطلبون العلم فيضر بعضهم بعضًا حتى يمنعني ذلك أن أجيبهم.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره".
قال: ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم".
وقد رواه المزني عنه بالإسناد وقال: "خَشَبَهُ" من غير تنوين.
قال أبو جعفر الطحاوي: هكذا قرأه المزني علينا "خشبه" وهو الصواب.
وقال يونس بن عبد الأعلى: عن ابن وهب، عن مالك: "خشبةً" بالتنوين.
وأخرج المزني -أيضًا- عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري بالإسناد قال: قال رسول الله ﷺ (٢): "إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره لا يمنعه. فلما حدثهم أبو هريرة نكسوا رءوسهم، فقال: أراكم عنها معرضين، وأما والله لأرمين بها بين أكتافكم".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي.
стр. 1821
أما مالك فأخرجه إسنادًا ولفظًا (١).
وأما البخاري (٢) فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
[و] (٤) عن زهير [عن] (٤) ابن عيينة.
[و] (٤) عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس.
وعن [عبد بن حميد عن] (٥) عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن [الزهري] (٤).
وأما أبو داود فأخرجه (٦) عن مسدد وابن أبي خلف، عن سفيان، عن الزهري.
وأما الترمذي فأخرجه (٧) عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الزهري.
قال الشافعي ﵁: هذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ باتصاله ومعرفة رجاله، وهو يلزم لزوم كل حديث من طريق الانفراد، ويقول: -والله أعلم- إنما أمر به لمعنى ضرورة الجدر مثل معنى ما أمر به من أن لا يمنع فضل الماء ليمنع له الكلأ.
стр. 1822
قوله: "ما لي أراكم عنها معرضين" يعني عن سماع ذلك وقبوله، كأنهم كرهوا ما قال، ولذلك قال لهم: "والله لأرمين بها بين أكتافكم" روي بالتاء والنون، أما بالنون فهو جمع كنف وهو الجانب والناحية، يعني أنه يجعلها فيما بينهم، فكلما مر بأفنيتهم رأوها فلا يقدرون أن ينسوها.
وأما الثاني: فجمع كتف، يريد أنه يضعها على أكتافهم حتى يحملوا نقلها بين أكنافهم؛ وذلك لأنه رآهم قد استثقلوا ذلك وكرهوه، فإذا كانت بين أكتافهم لم يقدروا أن يعرضوا عنها.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الحائط إذا كان مشتركًا بين اثنين، فليس لأحد منهما أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه.
وبه قال أبو حنيفة، وحكاه أصحاب مالك عنه.
فأما ما ليس بمشترك فبطريق الأولى.
وقال الشافعي في القديم: له أن يضع على حائط جاره خشبة لا تضر بالحائط إذا كان محتاجًا إلى وضعها، بأن لا يكون ما يسقف عليه إلا حائط جاره أو المشترك بينهما.
وبه قال أحمد أخذًا بحديث أبي هريرة هذا، وأكثر العلماء [على] (١) خلافه؛ ذهبوا إلى أن هذا الحديث على طريق الاستحباب والمعروف.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعى محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد بن مسلمة لا فقال عمر: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع، تشرب به أولاً وآخرًا ولا
стр. 1823
يضرك؟ فقال محمد بن مسلمة: لا، فقال عمر: ليمرن به ولو على بطنك".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد، واللفظ نحوه.
"الخليج": النهر الصغير المستخرج من النهر الكبير.
و"العُرَيْض" -بضم العين وفتح الراء والضاد المعجمة- اسم موضع من نواحي المدينة.
وقوله: "يخلي سبيله" أي يتركه وما أراد من إجراء الشهر.
و"السبيل": الطريق وهي مؤنثة.
وقوله: "تشرب به أولاً وآخرًا" يريد في أول جري الماء وآخره، فلا يزال الماء يجري في الأرض وهي تشرب به، أي منه، والباء في "به" مثلها في قول الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ (٢) أي: منها، والذي ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى: [................] (٣) وقد أخرج الشافعي ﵁ بهذا الإسناد عن عمرو بن يحيى، عن [أبيه] (٤): "أنه كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عُمَرَ، فقضى عمر أن يَمُرُّ به، فَمَرَّ به".
قال الشافعي ﵁ في القديم: وأحسب قضاء عمر في امرأة المفقود من بعض هذه الوجوه التي منع فيها الضرر وأشباهها, لهذا الحكم، أسأل الله التوفيق، إذا جاءت الضرورات فحكمها مخالف حكم غير الضرورات.
وأخرج الشافعي ﵁ في كتاب حرملة، عن عبد الله بن نافع، عن
стр. 1824
كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا".
قال الشافعي: أصل الصلح أنه بمنزلة البيع، فما جاز في البيع جاز في الصلح، وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح.
قال: وقد روي عن عمر: "الصلح جائز بين المسلمين الأصلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً".
قال: ومن الحرام الذي يقع في الصلح: أن يقع عندي على المجهول الذي لو كان بيعًا كان حرامًا.
وأخرج الشافعي -رضي الله [عنه]- (١)، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "أُتي عليٌّ في بعض الأمر، فقال: ما أراه إلا جورًا, ولولا أنه صلح لرددته" قال الشافعي: وهم يخالفون هذا، فيزعمون أنه إذا كان جورًا فهو مردود، ونحن نروي عن النبي ﷺ : "أن من اصطلح على شيء غير جائز فهو رَدُّ. فقال البيهقي: لعله أراد حديث [أبي هريرة] (٢) عمرو بن عوف المذكور، أو حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
...
стр. 1825
كِتَابُ الشُّفعَةِ
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن [ابن] (١) المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ قال: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي هكذا مرسلاً في الجامع وأخرجه في "الإملاء" مسْندًا عنهما عن أبي هريرة.
وأخرجه مالك بالإسناد (٢) مرة مرسلاً ومرة مسْندًا.
وأخرجه أبو داود (٣) عن محمد بن يحيى بن فارس، عن حسن بن الربيع، عن ابن إدريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة أو عن سعيد بن المسيب أو عنهما جميعًا عن أبي هريرة.
قال الأزهري: قال المنذري: سمعت أبا العباس يعني ثعلبًا وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة، فقال: الشفعة: الزيادة، وهو أن يُشَفِّعَكَ فيما تَطْلُب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده، ويَشْفَعه بها يعني أنه كان وترًا فضم إليه ما جعله شفعًا.
قال الأزهري: قال القتيبي: كان الرجل في الجاهلية إذا أراد بيع منزل أتاه [جاره] (٤) فيشفع إليه فيما باع، فيشفعه ويجعله أولى [بالمبيع] (٥) ممن بَعُدَ سَبَبُه، فَسُمِّيت شفعة، وسُمِّي طالبها شفيعًا.
قال الأزهري: جعل القتيبي "شفع إليه" بمعنى "طلب إليه" وأصل الشفعة ما فسره أبو الهيثم وأبو العباس، يعني الأول.
وقوله: "فيما لم يقسم" يريد ما كان شائعًا مشتركًا غير [مميز] (٦) نصيب