← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

أما مالك فأخرجه إسنادًا ولفظًا (١). وأما البخاري (٢) فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى، عن مالك. [و] (٤) عن زهير [عن] (٤) ابن عيينة. [و] (٤) عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس. وعن [عبد بن حميد عن] (٥) عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن [الزهري] (٤). وأما أبو داود فأخرجه (٦) عن مسدد وابن أبي خلف، عن سفيان، عن الزهري. وأما الترمذي فأخرجه (٧) عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الزهري. قال الشافعي ﵁: هذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ باتصاله ومعرفة رجاله، وهو يلزم لزوم كل حديث من طريق الانفراد، ويقول: -والله أعلم- إنما أمر به لمعنى ضرورة الجدر مثل معنى ما أمر به من أن لا يمنع فضل الماء ليمنع له الكلأ.

стр. 1822

قوله: "ما لي أراكم عنها معرضين" يعني عن سماع ذلك وقبوله، كأنهم كرهوا ما قال، ولذلك قال لهم: "والله لأرمين بها بين أكتافكم" روي بالتاء والنون، أما بالنون فهو جمع كنف وهو الجانب والناحية، يعني أنه يجعلها فيما بينهم، فكلما مر بأفنيتهم رأوها فلا يقدرون أن ينسوها. وأما الثاني: فجمع كتف، يريد أنه يضعها على أكتافهم حتى يحملوا نقلها بين أكنافهم؛ وذلك لأنه رآهم قد استثقلوا ذلك وكرهوه، فإذا كانت بين أكتافهم لم يقدروا أن يعرضوا عنها. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الحائط إذا كان مشتركًا بين اثنين، فليس لأحد منهما أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه. وبه قال أبو حنيفة، وحكاه أصحاب مالك عنه. فأما ما ليس بمشترك فبطريق الأولى. وقال الشافعي في القديم: له أن يضع على حائط جاره خشبة لا تضر بالحائط إذا كان محتاجًا إلى وضعها، بأن لا يكون ما يسقف عليه إلا حائط جاره أو المشترك بينهما. وبه قال أحمد أخذًا بحديث أبي هريرة هذا، وأكثر العلماء [على] (١) خلافه؛ ذهبوا إلى أن هذا الحديث على طريق الاستحباب والمعروف. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعى محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد بن مسلمة لا فقال عمر: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع، تشرب به أولاً وآخرًا ولا

стр. 1823

يضرك؟ فقال محمد بن مسلمة: لا، فقال عمر: ليمرن به ولو على بطنك". هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد، واللفظ نحوه. "الخليج": النهر الصغير المستخرج من النهر الكبير. و"العُرَيْض" -بضم العين وفتح الراء والضاد المعجمة- اسم موضع من نواحي المدينة. وقوله: "يخلي سبيله" أي يتركه وما أراد من إجراء الشهر. و"السبيل": الطريق وهي مؤنثة. وقوله: "تشرب به أولاً وآخرًا" يريد في أول جري الماء وآخره، فلا يزال الماء يجري في الأرض وهي تشرب به، أي منه، والباء في "به" مثلها في قول الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ (٢) أي: منها، والذي ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى: [................] (٣) وقد أخرج الشافعي ﵁ بهذا الإسناد عن عمرو بن يحيى، عن [أبيه] (٤): "أنه كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عُمَرَ، فقضى عمر أن يَمُرُّ به، فَمَرَّ به". قال الشافعي ﵁ في القديم: وأحسب قضاء عمر في امرأة المفقود من بعض هذه الوجوه التي منع فيها الضرر وأشباهها, لهذا الحكم، أسأل الله التوفيق، إذا جاءت الضرورات فحكمها مخالف حكم غير الضرورات. وأخرج الشافعي ﵁ في كتاب حرملة، عن عبد الله بن نافع، عن

стр. 1824

كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا". قال الشافعي: أصل الصلح أنه بمنزلة البيع، فما جاز في البيع جاز في الصلح، وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح. قال: وقد روي عن عمر: "الصلح جائز بين المسلمين الأصلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً". قال: ومن الحرام الذي يقع في الصلح: أن يقع عندي على المجهول الذي لو كان بيعًا كان حرامًا. وأخرج الشافعي -رضي الله [عنه]- (١)، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "أُتي عليٌّ في بعض الأمر، فقال: ما أراه إلا جورًا, ولولا أنه صلح لرددته" قال الشافعي: وهم يخالفون هذا، فيزعمون أنه إذا كان جورًا فهو مردود، ونحن نروي عن النبي ﷺ : "أن من اصطلح على شيء غير جائز فهو رَدُّ. فقال البيهقي: لعله أراد حديث [أبي هريرة] (٢) عمرو بن عوف المذكور، أو حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد". ...

стр. 1825

كِتَابُ الشُّفعَةِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن [ابن] (١) المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ قال: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة". هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي هكذا مرسلاً في الجامع وأخرجه في "الإملاء" مسْندًا عنهما عن أبي هريرة. وأخرجه مالك بالإسناد (٢) مرة مرسلاً ومرة مسْندًا. وأخرجه أبو داود (٣) عن محمد بن يحيى بن فارس، عن حسن بن الربيع، عن ابن إدريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة أو عن سعيد بن المسيب أو عنهما جميعًا عن أبي هريرة. قال الأزهري: قال المنذري: سمعت أبا العباس يعني ثعلبًا وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة، فقال: الشفعة: الزيادة، وهو أن يُشَفِّعَكَ فيما تَطْلُب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده، ويَشْفَعه بها يعني أنه كان وترًا فضم إليه ما جعله شفعًا. قال الأزهري: قال القتيبي: كان الرجل في الجاهلية إذا أراد بيع منزل أتاه [جاره] (٤) فيشفع إليه فيما باع، فيشفعه ويجعله أولى [بالمبيع] (٥) ممن بَعُدَ سَبَبُه، فَسُمِّيت شفعة، وسُمِّي طالبها شفيعًا. قال الأزهري: جعل القتيبي "شفع إليه" بمعنى "طلب إليه" وأصل الشفعة ما فسره أبو الهيثم وأبو العباس، يعني الأول. وقوله: "فيما لم يقسم" يريد ما كان شائعًا مشتركًا غير [مميز] (٦) نصيب

стр. 1826

كل واحد من الشركاء. و"الحدود" جمع حدّ، وهو الفاصل بين الشيئين، يريد أنه إذا قسم الملك فصار لكل واحد من الشركاء نصيب مفرد، له حَدٌّ فاصل بين نصيب الشريك الآخر، فلا شفعة فيما كان هذا سبيله، وفي هذا بيان أن الشفعة تبطل بنفس القسمة والتمييز بين الحصص بوقوع الحدود. قال الخطابي: [يشبه] (١) أن يكون المعنى الموجب للشفعة: دفع الضرر بسوء المشاركة والدخول في ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالشفعة. وأملاك الناس لا يجوز الاعتراض عليها بغير حجة، والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الشفعة لا تثبت إلا للشريك دون الجار، وبه قال عمر وعلي وعثمان وابن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة والثوري وابن شبرمة وابن أبي ليلى: إن الشفعة تثبت بالشركة في الملك، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ مثله أو مثل معْناه لا يخالفه. هكذا قال الشافعي عقيب حديث ابن المسيب يعني: "مثله أو مثل معناه". وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ... أنه قال: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

стр. 1827

أما البخاري فأخرجه (١) عن مسدد، عن عبد الواحد، عن معمر بالإسناد. وأما مسلم فأخرجه (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن إبراهيم، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر. وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، عن معمر. وأما الترمذي (٤) فأخرجه عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن عمر. قال الشافعي ﵁: وبهذا نأخذ، فنقول: لا شفعة فيما قُسِّم؛ اتباعًا لسنة رسول الله ﷺ . وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: فإن سفيان أخبر عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال: "الجار أحق بصقبه". وهذا هو الحديث الثاني الذي أشار إليه الشافعي ﵁. و"الجار" في اللغة يقع على معان؛ منها: الجار: الذي يلاصق منزلك، والجار: الشريك؛ لأنه يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة، ومنه سمي الرجل جار زوجته والمرأة جارة زوجها. و"الصقب": القرب، ويروى بالسين والصاد. وقوله: "منجمة" يريد به أن يوصلها إليه في أوقات معينة يقع تراضيهما عليها، يوصل في كل وقت منها شيئًا معلومًا من جملة الثمن، وكذلك قوله: "أو مقطعة" يريد مفرقة.

стр. 1828

قال الشافعي: أبو رافع فيما روي عنه متطوع بما صنع، وحديثه عن النبي ﷺ جملة، وقولنا عن النبي ﷺ منصوص لا يحتمل التأويل، وقوله: "الجار أحق بصقبه" لا يحتمل إلا معتيين لا ثالث لهما: أن يكون أراد [أن] (١) الشفعة لكل جار، أو أراد بعض الجيران دون بعض، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ " أن لا شفعة فيما قسم" فدل على أن الشفعة للجار الذي لم يقاسم دون الجار المقاسم. وقال الأزهري: لما كان الجار في كلام العرب محتملاً لم يجز أن يفسر قوله: "الجار أحق بصقبه" أنه الجار الملاصق إلا بدلالة تدل عليه، فوجب طلب الدلالة على ما أريد به، فقامت الدلالة في سُنَّةٍ أخرى مفسرة أن المراد بالجار: الشريك الذي لم يقاسم، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة بوجه من وجوه الإمكان؛ كان أولى من تناقضها, ولا سيما إذا ترجح أحد الحديثين على الآخر بوجه من وجوه الصحة. وهذا الحديث قد تُحدث في إسناده واضطراب الرواية فيه، فقال بعضهم: عمرو بن الشريد عن أبي رافع. وقال بعضهم عن أبيه عن أبي رافع. وأرسله بعضهم وقال فيه: قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد. والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلا للشريك أسانيدها جيدة ليس في شيء منها اضطراب، فيحمل قوله: "الجار أحق بصقبه" على أنه أراد الشريك؛ لهذا المعنى. قال الشافعي: وروى غيرنا [عن] (٢) عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "الجار أحق بشفعته يُنْتَظَرُ بِهَا

стр. 1829

وإن كان غائبًا؛ إن كانت الطريق واحدة". قال: سمعنا بعض أهل العلم بالحديث يقول: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظًا. قيل له: ومن أين قلت؟ قال: إنما رواه عن جابر بن عبد الله، وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر مفسرًا أن رسول الله ﷺ قال: "الشفعة فيما يقسم، وإذا وقعت الحدود فلا شفعة" وأبو سلمة من الحفاظ، وروى أبو الزبير - وهو من الحفاظ- عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة ويخالف ما روى عبد الملك ابن أبي سليمان، وفيه من الفرق بين الشريك وبين القاسم، فكان أولى الأحاديث أن يؤخذ به عندنا -والله أعلم- لأنه أثبتها إسنْادًا، وأبينها لفظًا عن النبي ﷺ ، وأعرفها في الفرق بين المقاسم وغير المقاسم. قال البيهقي: فقد ترك جماعة من الأئمة حديث عبد الملك بن أبي سليمان، وسئل أحمد بن حنبل عن حديثه في الشفعة فقال: حديث منكر. وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به، والمروي عن جابر خلاف هذا. وقال الترمذي: إنما ترك شعبة الحديث عن عبد الملك لحال هذا الحديث. وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم عن مالك، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عثمان بن عفان قال: "إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة". قال: وذكر عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد، عن أبان بن عثمان مثله. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا الثقة، عن ابن إدريس، عن

стр. 1830

محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد، عن أبان بن عثمان، أن عثمان بن عفان قال: "لا شفعة في بئر". قال الشافعي: لا شفعة في بئر إلا أن تكون فيها بياض يحتمل القسم [أو] (١) أن تكون واسعة محتملة للقسم. وقد اختلف العلماء في علة الشفعة بعد اتفاقهم على أن أصلها موضوع لرفع الضرر، فمنهم من قال: إن العلة ضرر الخلطة، عداها إلى الجار، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل العراق، ومنهم من قال: إنها لضرر الشركة وذلك فيما يلزم من مؤنة القسمة وتضييق المرافق، ولذلك لم تثبت للجار وقد حكي عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني أنه قال: الأخذ بالشفعة غير معلل؛ لأنه فسخ قوي يترتب على عقد اختياري أذن الشرع فيه، وهذا ما لا نظير له في الشريعة، وإنما شرعه الله تعالى بما علم من الحكمة لا بعلة نصبها عَلمًا. وقد رَدَّ عليه هذا القول بعض من سمعه، فقال: هذا الذي أشار إليه إمام الحرمين لا يصح عند كافة العلماء؛ لأن الحكم إذا ورد في الشريعة وظهر تعليله، وعلمت فائدته، وجب البناء عليها والعمل بها، وقد ظهرت علة الضرر في الشفعة ظهورًا جليًّا، ووافقنا على التفريع عليها، فلو كان الأخذ بالشفعة تعبدًا ما فرع عليها، وقد كانت الأموال الربوية على مذهب الجويني في التوقف عن تعليلها والاقتصار على الأعيان الأربعة الوارد ذلك فيها أولى، ثم اقتحمنا فيها التعليل مع أن تعليل الشفعة أظهر فكان أولى والله أعلم.

стр. 1831

كتابُ الحِوَالة أخبرنا المزني، عن الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي الزناد، بن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول ﷺ قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أُتْبعَ أحدكم على مليء فليتبعْ". هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (١) إلا النسائي. و"المليء": القادر على وفاء الدين. وقوله: "وإذا أتبع أحدكم" معناه إذا أحيل أحدكم بالدَّين على قادر على وفائه فليحتل. قال الخطابي: أصحابي الحديث يروون "اتَّبع" بتشديد التاء وهو غلط، وصوابه "أُتْبع" ساكنة التاء بوزن أكرم يقال: تبعت الرجل أتبعه تباعة إذا طالبته فأنا تبيعه، وليس هذا على الوجوب، بل هو على الندب والرفق بمن عليه الدين، ثم الحوالة مشتقة من تحويل الشيء، ولهذا قال الشافعي: وإذا أحال الرجل على الرجل بالحق، فأفلس المحال عليه أو مات ولا شيء له لم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل من قبل؛ لأن الحوالة تحول حق من موضعه إلى غيره، وما يحول لم يعد. ...

стр. 1832

كتاب الإقرار أخرج الشافعي ﵁ عن سفيان، عن الزهري، عن عائشة: "أن عبد بن زمعة وسعدًا اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، أوصاني أخي إذا قدمت مكة أن انظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه؛ فإنه ابني. فقال عبد بن زمعة: أخي، وابن أمة أبي، ولد على فراش أبي, فرأى شبهًا "بَيِّنًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣). قال الشافعي: فألحقه رسول الله ﷺ بدعوة الأخ وأمر سودة أن تحتجب منه؛ لمِاَ رأى من شبهه بعتبة؛ فكان في هذا دليل على أنها لم تدفعه، وأنها قد ادعت منه ما ادعى أخوها. وهذا استدل به الشافعي على إقرار الوارث بوارث آخر، وسعد هو سعد بن [أبي] (٤) وقاص الزهري، وعتبة هو أخوه، جاهلي، وهو الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد. وعبد بن زمعة هو أخو سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ، وكان عتبة قد عاهر من أمة زمعة فولدت ولدًا، فكان عتبة يدعي أنه ولده، وعهد إلى أخيه سعد أن يأخذه إليه، فخاصمه عبد بن زمعة فيه، فقضى له النبي ﷺ به؛ لأنه ولد على فرايق أبيه، وحكم الإِسلام أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فألحقه بزمعة دون

стр. 1833

عتبة، وأبطل حكم الجاهلية؛ لأنهم كانوا يُلْحقون الأولاد بالزناة إذا غلب على ظنهم أن الولد من ماء الزاني، وإنما قال النبي ﷺ لسودة: "احتجبي" على سبيل الاستحباب والتنزيه؛ لما رأى من شبهه بعتبة، وأنه ربما كان مخلوقًا من ماء عتبة والله أعلم. ***

стр. 1834

كِتابُ الغَصبِ أخرج المزني عن الشافعي ﵁ قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن ظلم من أرْضٍ شبرًا طوَّقَه الله من سبع أرضين". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) أتم من هذا وفيه قصة. و"التطويق" هو أن يجعل له مثل الطوق في العنق. وقوله: "من سبع أرضين" أي: يخسف به الأرضون السبع، فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق إلى السافلين، وقيل هو: من طوق التكليف لا طوق التقليد، وذلك أن يكلف حملها يوم القيامة، يقال: طوقتك الشيء إذا كلفتك حمله. قال الشافعي ﵁: ولو اغتصب أرضًا فغرسها نخلاً [أو] (٣) أصولاً [أو] (٣) بني فيه بناءً؛ كان عليه كراء مثل الأرض بالحال التي اغتصبه إياها، وكان على الباني والغارس أن يقلع بناءه وغراسه، و [ضمان] (٤) ما نقص القلعُ الأرضَ، لا يكون له أن يُثْبِتَ فيها عرقًا ظالماً، وقد قال رسول الله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق". قال الشافعي: فإن تأول متأول قول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" فهذا الكلام مجمل، لا يحتمل لرجل شيئًا إلا احتمل عليه خلافه، ووجهه الذي يصح به: أن الإضرار في أن لا يحمل على رجل في ماله ما ليس بواجب عليه، ولا ضرار في أن يمنع رجل من ماله ضرارًا و [لكل] (٥) ما له وعليه والله أعلم.

стр. 1835

كِتَابُ القِراضِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: "أن عبد الله وعبيْد الله ابني عمر خَرَجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرّا [على] (١) عامل لعمر، فَرَحَّبَ بهما وسَهَّل، وهو أمير البصرة، وقال: لو أقدر لكما على أمرٍ أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بل ها هنا مال من مال الله أريد أن أشا به إلى أمير المؤمنين، فَأُسْلِفُكُمَاهُ فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، فيكون لكما الربح [فقالا] (٢): وددنا ففعل، وكتب لهما إلى عمر ﵁ أن يأخذ منهما المال، فلما قدما بالمدينة، باعا فربحا، فلما دفعا المال إلى عمر قال لهما: أكل الجيش قد أسلفه كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فَأَسْلَفَكُما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين؛ لو هلك المال أو نقص لَضَمِنَّاهْ فقال: أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح ذلك المال". وحكى الشافعي ﵁ في كتاب "اختلاف العراقيين" عن بعض أهل العراق، عن حميد بن عبد [الله] (٣) بن عبيد الأنصاري، عن أبيه، عن جده: "أن عمر بن الخطاب أعطى مال يتيم مضاربة، وكان يعمل به في العراق، ولا يدري كيف قاطعه على الربح". وعن عبد الله بن علي، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه:

стр. 1836

"أن عثمان بن عفان أعطى مالاً مقارضة" يعني مضاربة. وعن حماد [عن] (١) إبراهيم: "أن ابن مسعود أعطى زيد بن خليدة مالاً مقارضة". هذا حديث صحيح أخرجه مالك بالإسناد (٢) إلا أنه قال: "فلما قفلا مرّا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة ... وذكر الحديث بطوله. "القفول": الرجوع من السفر، قَفَلَ يَقْفِلُ قُفُولاً، والقافلة: الجماعة المسافرون إذا رجعوا من سفرهم. و"رحّب بهما وسهّل" أي قال لهما: مرحبًا وسهلًا. "والرحب": السعة، "والسهل": ضد الصعب، وهما منصوبان بإضمار الفعل الناصب، التقدير: وجدت رحبًا وسعة وسهلًا من الأمر، ورَحَّبَ وسَهَّل فعلان ماضيان قد بينا من هذا القول. وقوله: "مال من مال الله" يريد به الفيء وما يحصل من جهات بيت المال، فإن الأموال كلها وإن كانت لله تعالى فإن هذا المال ليس له مالك مخصوص من الناس، فجعله لله تعالى لذلك. "والسلف" يريد به: القرض، أي يقرضهما إياه، ويجعله دينًا لبيت المال في ذمتهما. و"المتاع" اسم يقع على كل ما يبتاع من السلع، وكل ما ينتفع به: متاع. وقوله: "فقالا، وَدِدْنَا" أي أحببنا ذلك، فحذف المفعول؛ لدلالة الحال عليه، وما أكثر ما حذفوا المفعول في كلامهم عند فهم المخاطَب به، وأشيع ذلك في كلامهم وفشا.

стр. 1837

وقول عمر ﵁ "أبناء أمير المؤمنين فأسلفكما" فيه محذوف تقديره: أنتما أبناء أمير المؤمنين فلذلك أسلفكما لكونكما ابني أمير المؤمنين، ولولا هذا التقدير لكان الكلام غير منتظم؛ لأنه يبقى الخبر غير مخبر عنه. وقوله: "ما ينبغي لك هذا" الابتغاء مطاوع (١) بغيته، تقول بغيته فانبغى، وهذا ينبغي لك أن تفعله: أي يمكنك ويطيعك ويواتيك، وأصله من الطلب تقول: بغيت الشيء إذا طلبته، فقوله: "لا ينبغي لك" أي لا يصح لك ولا يطلب لك إذا طلبته، أي هو بحيث إذا أردت طلبه وابتغاءه يأت لك. و"القراض" مصدر قارضته قراضًا ومقارضةً، وهو والمضاربة بمعنى واحدٍ، وذلك أن يدفع رجل إلى رجلٍ مالاً ليتجر له فيه، وما حصل فيه من الربح كان بينهما على حسب ما اشترطاه، وأهل الحجاز يسمونه قراضًا، وأهل العراق يسمونه مضاربة، فعلى هذا أصل القراض من القرض: القطع، كأن رب المال قطع من ماله قطعه سلمها إلى العامل، وقطع له قطعة من الربح. وقيل: هو من المساواة، يقال: قارض فلان فلانًا إذا ساواه. وأما "المضاربة" فأصلها من الضرب في المال، وهو تقليبه والتصرف فيه. وقيل: هو من الضرب في الأرض، وهو السير فيها. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن القراض جائز، وهو عقد كان في الجاهلية، وأقره الإِسلام، وفعله النبي ﷺ قبل المبعث؛ قارضته خديجة فقبل منها وخرج بمالها إلى الشام، وبعث النبي ﷺ فلم ينكره في الإِسلام، ولا يجوز القراض إلا بالدراهم والدنانير، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز القراض بكل مال، والله أعلم.

стр. 1838

كِتَابُ الْمُسَاقَاة أخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: "أن رسول الله ﷺ قال لليهود حين افتتح خيبر: أقركم ما أقركم الله، على أن الثمر بيننا وبينكم، فكان رسول الله ﷺ يبعث ابن رواحة فيخرص بينه وبينهم، تم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي". قال الشافعي ﵁: معنى قوله: "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" أن يخرص النخل كأنه خرصها مائة وسق وعشرة أوسق فقال: إذا صارت تمرًا نقصت عشرة أوسق، فصحت منها مائة وسق تمرًا، فيقول: إن شئتم دفعت إليكم النصف الذي ليس لكم [الذي أنا قيم بحق أهله] (١) على أن تضمنوا لي خمسين وسقًا تمرًا, ولكم أن تأكلوها [وتبيعوها] (١) رطبًا كيف شئتم، وإن شئتم [فلي] (٢)، أكون هكذا في نصيبكم، [فأسلم و] (١) تسلمون [لي] (٣) أنصبائكم، وأضمن لكم هذه المكيلة. قال الشافعي: أجاز رسول الله ﷺ المساقاة؛ فأجزناها بإجازته، وحرم كراء الأرض البيضاء ببعض ما يخرج منها؛ فحرمناها بتحريمه. ثم فرق بينهما بما يفترقان [به] (٤) ثم أجاز ذلك في البياض إذا كان بين أضعاف النخل. ثم قال: ولولا الخبر فيه عن النبي ﷺ أنه دفع إلى أهل خيبر النخل على أن لهم النصف من النخل والزرع وله النصف، فكان الزرع كما وصفت بين

стр. 1839

ظهراني النخل؛ لم يجز. وهذا الحديث هكذا أخرجه مالك في الموطأ (١) مرسلاً، وقد أخرج البخاري عن ابن عمر نحوه (٢) بمعناه والله أعلم. ...

стр. 1840

كتاب الإجارة والمزارعة أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة ابن قيس: "أنه سئل رافع بن خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض، فقال: بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس به". هذا حديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه الجماعة (١) من طرق كثيرة زائدة طويلًا وقصيرًا، باتفاق الألفاظ واختلافها، كلها دالة على أن رافع بن خديج روى عن النبي ﷺ : "نهى عن المخابرة"، وهي كراء الأرض بما يخرج منها. وقد أخرج الشافعي ﵁ في كتاب "الرسالة" (٢) عن سفيان، عن عمرو، عن ابن عمر، قال: "كنا نخابر، فلا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع أن النبي ﷺ نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك". قال الشافعي: قال الله ﵎ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) فأجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف، وهي إذا جازت عليه جازت على مثله وما هو في مثل معناه، وأحرى أن يكون أبين منه، وقد ذكر الله ﵎ الإجارة في كتابه وعمل بها بعض أنبيائه، قال الله ﵎: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٤) قال: فذكر الله تعالى أن نبيًّا من أنبيائه أَجَّر [نفسه] (٥) حججًا

стр. 1841

مسماة ملك بها بضع امرأة؛ فدل على تجويز الإجارة، وأن لا بأس بها على الحجج إن كان على الحجج استأجره، وقد قيل استأجره على أن يرعى له، والله أعلم. قال: فمضت بها السنة، وعمل بها غير واحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يختلف أهل العلم ببلدنا -علمته- في إجازتها، وعوام فقهاء الأمصار. ثم قال: أخبرنا مالك ... وذكر هذا الحديث عن رافع. وأما الحديث الذي أورده في كتاب "الرسالة" فإنه استدل به على قبول خبر الواحد قال: فابن عمر ترك منفعة له لم يكن يرى بها بأسًا؛ لخبر رجل واحدٍ عن رسول الله ﷺ ، ولا يتوسع إذ بلغه عن رسول الله ﷺ بخبر واحد لا يتهمه أن يخابر، ورأيه كان قبل الخبر لا بأس به. و"المخابرة" المزارعة على نصيب معين، من الخبار، وهي الأرض اللينة، فهي مفاعلة من ذلك، وقيل: إن أصلها من خيبر؛ لأن رسول الله ﷺ أقر خيبر في يد أهلها على أن لهم النصف من ثمارهم، أي عاملهم في خيبر، فهذا معنى قولهم في تفسير المخابرة: إنها كراء الأرض بالثلث، والربع، وغيرهما من الأنصباء. وظاهر لفظ الشافعي ﵁: أنه فرق بينْ المخابرة والمزارعة، فإنه قال: وَدَلَّت سنة رسول الله ﷺ في نهيه عن المخابرة على أن لا تجوز المزارعة على الثلث والربع. قال أصحابه: المخابرة أن تكون من رب الأرض وحدها، ومن الأكاّر البذر والعمل، والمزارعة أن تكون الأرض والبذر من واحد، والعمل من الآخر. ومن الأصحاب من قال: هما عبارة عن عقد واحد وهو الأكثر والأشهر، فإن تعاقدا على أن يكون لصاحب الأرض أو للعامل زرع بعينه يشترط على ما

стр. 1842

على السواقي والجداول؛ فإن ذلك فاسد بالإجماع. وأما إذا شرط جزءًا لأحدهما مثل النصف والثلث والربع ونحو ذلك فإن العقد عند الشافعي فاسد، وروي مثل ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. وقالت طائفة: إن ذلك جائز، وروي عن علي وابن مسعود وعمار بن ياسر، وإليه ذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وقال أحمد: يجوز ذلك إذا كان البذر من رب الأرض، وقد ذكر الفقهاء طريقًا في تصحيح المزارعة. قال الشافعي: يعير الأكَّار نصف أرضه مثلًا ويكون البذر بينهما، ويعمل الأكار على الزرع، فتكون الغلة، بينهما ولا يستحق رب الأرض على الأكار أجرة نصف الأرض، ولا يستحق العامل أجرة نصف عمله؛ لأن كل واحدٍ منهما متطوع بما بذله. وقال المزني: يكون البذر بينهما، ويكري صاحب الأرض للأكار نصف أرضه بألف -مثلاً- ويكترى عمله على نصيبه وعمل عوامله بألف، ويتقاصان بذلك، وتكون الغلة بينهما. وقال الأصحاب: يكريه نصف أرضه بعمله وعمل عوامله على نصيبه. فإن أراد أن يكون بينهما بالثلث أو الثلثين، أَجَّرَه ثلث الأرض بثلثي غلته. وإن أراد أن يكون البذر من أحدهما فإن كان من رب الأرض؛ استأجر منه نصف عمله وعمل عوامله وآلته بنصف الأرض وبنصف البذر. وإن كان البذر من الأكار؛ استأجر منه نصف الأرض بنصف عمله وعمل آلته بنصف البذر، وتفتقر هذه الإجارة إلى تقدير المدة، وروية الأرض، والعوامل، والآلة.

стр. 1843

فأما كراء الأرض بالذهب والفضة وغيرهما من العروض فجائز لا خلاف فيه؛ إلا ما حكي عن الحسن وطاوس أنهما قال: لا يجوز كراؤها رأسًا (١)، وقال مالك: لا يجوز كراؤها بالطعام سواء كان مما ينبت فيها أو في غيرها, ولا بشيء من المأكولات، فإن أكراها بحنطة مشاهدة فقد اختلف أصحاب الشافعي فيها، فمنهم من قال: يجوز قولاً واحدًا، ومنهم من قال: فيه قولان. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن سعيد بن المسيب: "أنه سأله عن استكراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه شبيهًا به. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم ... بمثله. هذا طرف من حديث صحيح قد أخرج أوله مسلم والنسائي، وقد تقدم ذكره في كتاب البيع. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك: أنه بلغه "أن عبد الرحمن بن عوف [تكارى] (٢) أرضًا فلم تزل بيده حتى هلك، قال ابنه: فما كنت أراها إلا أنها له؛ من طول ما مكثت بيده، حتى ذكرها عند موته، وأمرنا بقضاء شيء كان بقي عليه من كرائها من ذهب أو ورق". وقال ابن شهاب لسالم: إنه سأله عن كراء الأرض، فقال: لا بأس به، قال: فقلت له: أرأيت الحديث الذي يذكر عن رافع؟ فقال: أكثر رافع، ولو

стр. 1844

كانت لي أرض أكريتها". قال الشافعي: فرافع سمع من رسول الله ﷺ وهو أعلم بمعنى ما سمع، وإنما حكى رافع نهي النبي ﷺ عن كرائها بالثلث والربع، وكذلك كانت تكرى، وقد يكون سالم سمع من رافع بالخبر جملة؛ فرأى أنه حدث عن الكراء بالذهب والورق، وقد بينه غير مالك بن أنس عن رافع: "أنه نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي يحيى، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أنه كان يشترط على الذي يكريه أرضه أن لا يعرها، وذلك قبل أن يدع عبد الله الكراء". "العرة" البعر، والسرجين، وسلح الطير، والعذرة، تقول منه: أَعَرْت الدرا، وعُرَّ المنزل؛ إذا ألقي فيه العذرة. والمراد من الحديث: أنه كان يشترط على الذي يكتري منه أرضه أن لا يلقي فيها عذرة، وقد روي عن سعد بن أبي وقاص الرخصة في ذلك، فإنه كان يلقيها في أرضه ويقول: مكتل عرة ومكتل بر، والله أعلم. ***

стр. 1845

كِتَابُ إِحْيَاء الْمَوَاتِ وَالإقْطَاعِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالم حق". هكذا أخرجه في كتاب اختلافه مع مالك، وأخرجه في كتاب "الطعام والشراب" بهذا الإسناد واللفظ، إلا أنه قال: "أرضًا مواتًا". وقد أخرج الحديث في "الموطأ"، وأخرجه أبو داود والترمذي هكذا مرسلاً، وأخرجه أيضًا أبو داود والترمذي مُسْندًا ونحن نذكر الطريقين. أما "الموطأ" (١) فإنما أخرجه مرسلًا بهذا الإسناد. وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن هناد بن السري، عن [عبدة] (٣) عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه .. وذكر الحديث. ثم قال أبو داود: ولقد حدثني الذي حدثني هذا الحديث: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ؛ غرس أحدهما نخلاً في أرض الآخر، [فقضى] (٤) لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس، وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها".

стр. 1846

قال أبو داود: حدثني أحمد بن سعيد [الدارمي] (١) قال: حدثني وهب، عن أبيه، عن ابن إسحاق ... بإسناده ومعْناه إلا أنه قال عند قوله مكان الذي حدثني [هذا] (٢): "فقال الرجل من أصحاب النبي ﷺ -وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري-: فأنا رأيت رجلاً (٣) يضرب في أصول النخل". هذا القول يدّل على أن عرْوة قد أخرج الحديث عن أبي سعيد الخدري، والله أعلم. وأخرجه (٤) أبو داود، عن محمد بن المثُنى، عن عبْد الوهاب، عن أيوب، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ . وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن محمد بن بشار، عن عبد الوهاب، مثل أبي داود مسندًا. وقال: ورواه بعضهم عن هشام، عن أبيه مرسلًا. وفي الباب عن جابر، وعمرو بن عوف المزني، وسمرة. أحيا الأرض يحييها إحياءً: إذا أنشأ فيها أثرًا يدل على أنه قد اختص بها تشبيها للعمارة في الأرض الموات بإحياء الميت من الحيوان. والأرض الميتة والموات هي التي لا عمارة فيها ولا أثر عمارة، فهي على أصل الخلقة وليست ملكًا لأحد، وإحياؤها: إلحاقها بالأراضي العامرة المملوكة.

стр. 1847

و"العرق الظالم" هو أن يغرس الرجل في غير أرضه بغير إذن صاحبها، فلا حق له في ذلك الغرس، وبقائه في الأرض، بل يُلْزَم بقلعه؛ إلا أن يرضى المالك، وكذلك ما أحدثه في ملك غيره بغير إذنه من بناءٍ أو حفرٍ أو غير ذلك. والعرق يجوز أن يكون مضافًا إلى الظالم، وأن يكون مقطوعًا عن الإضافة. فالأول: يكون قد أضافه إلى الظالم، وهو صفة لموصوف محذوف تقديره: لعرق رجل ظالم حق، والعرق أحد عروق الشجر، أي: ليس لعرق من عروق هذه الغروس التي يغرسها الرجل الظالم حق في الأرض التي غرست فيها. والثاني: يكون قد جعل الظالم صفة للعرق نفسه على سبيل الاتساع في الكلام، كأن العرق بانغراسه في هذه الأرض قد صار ظالمًا، حتى كأن الفعل له، وأنه هو الذي انغرس في هذه الأرض لا بغرس غارس. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن البلاد والأرضين على ضربين: عامر، وغامر. فأما العامر فلأهله، لا يجوز لأحد أن يتصرف فيه إلا بإذن مالكه، وسواء فيه المسلم وغيره. وأما الغامر وهو الخالي من العمارة فلا يخلو أن يكون جرى عليه ملك مالك، أو لم يجر عليه، فالذي لم يجر عليه ملك مالك يجوز إحياؤه، والذي جرى عليه الملك لا يخلو أن يكون مالكه معينًا معروفًا، أو لم يكن مُعيّنًا، فالمعين لا يجوز إحياؤه، وغير المعين فيه وجهان: أحدهما: يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: لا يجوز. وقال مالك: لو كان مُعَيَّنًا فتركها حتى دثرت، ثم أحياها غيره، كان الثاني أحق بها منه. والعامر من بلاد الشرك كأنما يملك بالقهر والغلبة.

стр. 1848

ولا يفتقر الإحياء إلى إذن الإمام، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يفتقر إلى إذنه. وقال مالك: إن كان قريبًا إلى العمران في موضع يتشاحٌ الناس فيه افتقر، وإلا فلا. والإحياء لم يرد في السنة مُبَيَّنًا؛ فوجب الرجوع فيه إلى العُرف؛ لأن النبي ﷺ لا يعلق حكمًا إلا على ما إليه طريق، [فلما] (١) لم يبينه؛ دَلَّ على أن طريقه العرف إذا لم يكن له طريق غيره، ويختلف ذلك باختلاف الغرض واختلاف المقاصد من إحياء الأرضين. قال الربيع: سألت الشافعي عمن أحيا أرضًا مواتًا، فقال: إذا لم يكن للموات ملك فمن أحياه من أهل الإسلام فهو له دون غيره، ولا أبالي أعطاه السلطان إياه أو لم يعطه لأن النبي ﷺ أعطاه، وعطاء النبي ﷺ أحق أن يتم لمن أعطاه من عطاء السلطان. قلت: وما الحجة فيما قلت؟ قال: ما رواه مالك عن النبي ﷺ وعن بعض أصحابه، وذكر حديث عروة، وحديثه مرسل، وهو مسند كما ذكرناه. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن عمر قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) إسنادًا ولفظًا وهو مؤكد لحديث عروة المتقدم، وهو الذي أشار الشافعي إليه في كلام الربيع أن مالكًا أخرج عن النبي ﷺ وعن بعض أصحابه، يعني عمر. وقال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة وغيره بإسناد غير هذا، عن النبي ﷺ مثل معناه. قال البيهقي (٣): أما ابن عيينة فإنه إنما رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه -

стр. 1849

يرفعه- عن النبي ﷺ ، ورواه غيره عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . وفيه من الزيادة: "في غير حق مسلم". قال الشافعي: ولا يترك ذمي يحييه؛ لأن رسول الله ﷺ جعلها لمن أحياها من المسلمين. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن طاوس، أن النبي ﷺ قال: "من أحيا مَواتًا من الأرض فهو له، وعادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم مني". هكذا جاء في المسند، وقد رواه في القديم عن سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس. ورواه أيضًا ابن طاوس، عن أبيه. قوله: "عادي الأرض" يريد بها الأرض غير المملوكة الآن، وإن كان قد تقدم ملكها ومضت عليه الأزمان، فليس ذلك مختصًّا بقوم عادٍ، وإذا كان مثل ذلك فلا يُعْلم المالك. وقوله: "لله ولرسوله" أي: إن الأرض مختصة بالله وبرسوله. وقوله: "ثم هي لكم مني" أي إن إذني لكم في تمليكها بالإحياء بمنزلة العطية مني، فأنا الذي أعطيتكم إياها. قال الشافعي: ففي هذين الحديثين وغيرهما الدلالة على أن الموات ليس ملكًا لأحدٍ بعينه، وأن من أحيا مواتًا من المسلمين فهي له، وأن الإحياء ليس هو بالنزول ولا ما أشبهه، وأن الإحياء الذي يعرفه الناس هو العمارة، ثم ذكر هذا الحديث وهو: أخبرنا الربيع، قال الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقطع الناس

стр. 1850

الدور، فقال حيٌّ من بني زهرة -يقال لهم: بنو عبد بن زهرة-: نكب عنا ابن أم عبد، فقال رسول الله ﷺ : فَلِمَ ابتعثني الله إذن؟ [إن الله] (١) لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه". نكّب عن الشيء يتنكّبه: إذا عَدَل عنه، ونَكَّبَهُ تنكيبًا: أي عدل عنه واعتزله، وتنكبه: أي تجنبه. والابتعاث: افتعال من البعث، يريد: فلأي شيء أرسلني الله حينئذٍ؟ والتقديس: التطهير، أي: إن الله لا يطهر قومًا لا يُؤخذ للضعيف فيهم حقه من القوي. ومعنى "نكِّب عنا ابن أم عبد" أي اصرفه عنا وجنبه منا، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود، كأنهم كرهوا قربه منهم ومجاورته لهم. فقال النبي ﷺ : "إن الله لا يقدس أمة ... " الحديث. أي إن خفتم شره وأذى مجاورته؛ فإنني آخذ للضعيف من القوي حقه. والله أعلم. ويجوز أن يكون التقدير: نَكّب عنا يَا ابْنَ أم عبد، كأنهم قد أمروه باجتنابهم والبعد عنهم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقدس قومًا لا يؤخذ فيهم للضعيف حقه" يريد أن ابن مسعود هو الضعيف وهذا حقه فَلِمَ تأمرونه أن ينكب عنكم؟ فيكون قوله: "نكّب" على التقدير الأول سؤالاً للنبي ﷺ ، وعلى الثاني أمرًا لابن مسعود، ويكون ابن أم عبد على الأول مفعولاً لنكب، وعلى الثاني منادى محذوف منه حرف النداء، والله أعلم. ثم أردف الشافعي هذا الحديث بحديث رواه عن عروة وهو: أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن

стр. 1851

هشام، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير أرضًا، وأن عمر بن الخطاب أقطع العقيق أجمع، وقال: أين المستقطعون؟ والعقيق قريب من المدينة". هكذا جاء في المسند، وفي كتاب البيهقي (١): "أين المستقطعون منذ اليوم؟ ". قال الشافعي: والمدينة ما بين لابتين، ينسب إلى أهلها صف معمور والآخر خارج من ذلك، فأقطع رسول الله ﷺ الخارج من ذلك من الصحراء، فاستدللنا على أن الصحراء وإن كانت منسوبة إلى حيٍّ بأعيانهم ليست ملكًا لهم كملك ما أحيوا. قال: ومما يُببن ذلك أن مالكًا أخبرنا، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "كان الناس يتحجرون على عهد عمر بن الخطاب، فقال عمر: من أحيا أرضًا مواتًا فهي له". قال الشافعي في كتاب "الإحياء والإقطاع": وسواء كان إلى جنب قريةٍ عامرة، أو نهرٍ، أو حيث كان؛ فقد أقطع رسول الله ﷺ الدور. وتفصيل هذا القول: أنه يجوز إحياء ما قَرُب من العامر وما بَعُد إذا لم يكن ذلك في مرافق العامر. وحكى عن مالك أنه قال: لا يجوز فيما قرُب من العامر. وأما إقطاع الدور فقيل: معْناه أنه أقطعهم أرضين يعمرونها دورًا، فسماها بما تئول إليه، وقيل: كانت ديار عادٍ فسماها بذلك. ومعنى قوله: "ديار عاد" لا يريد أنها كانت لقوم عاد السالفين في الأمم، وإنما أراد به ما تقدم ملكه ومضت عليه الأزمان ولم يعلم له الآن مالك، وإن

стр. 1852

أقطع السلطان رجلاً أرضًا ليحييها صار أحق بها من غيره، وكذلك إذا تحجرها، كأنه أَثَّر فيها أثرًا لم يبلغ به الإحياء. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه علقمة بن نضلة: "أن أبا سفيان بن حرب قام بفناء داره، فضرب برجله وقال: سنام الأرض إن لها سنامًا، زعم ابن فرقد الأسلمي أني لا أعرف حقي من حقه، لي بياض المروة وله سوادها, ولي ما بين كذا إلى كذا. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فقال: ليس لأحد إلا ما أحاطت عليه جدرانه؛ إن إحياء الموات ما يكون: زرعًا، أو حفرًا، أو يحاط بالجدران. وهو مثل إبطاله التحجر بغير ما يعمر به مثل ما يحجر". هكذا جاء الحديث في المسند متصل الكلام على آخره، وإنما آخره هو قوله: "إلا ما أحاطت به جدرانه"، وقوله: "إن إحياء الموات ... " إلى آخر الحديث من كلام الشافعي كالبيان لقول عمر. وقد رواه المزني عن الشافعي بهذا الإسْناد نحوه إلى قوله: "جدرانه". "فناء الدار" ناحيتها وجانبها، وسنام كل شيء أعلاه تشبيهًا بسنام البعير. قوله: "أني لا أعرف حقي من حقه" يريد بذلك إما الجهل بإنكار العرفان، أو التجاهل على سبيل التعدي والظلم. و"المروة" الحجر الأبيض الرقيق، و"الجدار" قد جاء في نسخة بالنون، وفي نسخة بالتاء، فبالنون هو جمع جدار جمع تكسير للتكثير، وبالتاء جمع جُدُر. وقول الشافعي: "إن إحياء الموات ما يكون زرعًا .. " إلى آخر الكلام، بيانه أنه قال: "والإحياء ما عرفه الناس إحياء، والإحياء إنما يكون دارًا للسكني، أو حظيرة للماشية وغيرها، أو مزرعة، ولكل واحد من هذه الأشياء تفصيل في إحيائه، هو مستقصى في كتب الفقه، فلم نُطول بذكرها.

стр. 1853

وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنة- عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد: "أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية -وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم". وهذا قد تقدم في كتاب الزكاة. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا حمى إلا لله ورسوله". هذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري وأبو داود (١)، وذكر الحديث وقال: "بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى شرف والربذة". وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن أبي السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب. وقال: قال ابن شهاب: "بلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع"، وفي رواية (٣): "أن رسول الله ﷺ حمى النقيع وقال: لا حمى إلا لله ولرسوله". "الحمى" المكان المحرم وطؤه الذي لا يُرعى عُشْبه ولا يُقطع. قال الليث: الحمى: موضع فيه كلأ يُمنع الناس أن يرعوه فيصير حمى. وقال الأصمعي: يقال: حَمَى فلان الأرض يحميها، إذا منعها من أن تُقرب، ويقال: أحْمَاها إحماءً إذا جعلها حِمًى لا يُقرب.

стр. 1854

و"النقيع" بالنون: موضع قريب من المدينة. قال الشافعي: كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدًا في عشيرته استعوى كلبًا، فيحمي لخاصته مدى عواء ذلك الكلب، فلم يرعه معه أحد، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله؛ فنهى النبي ﷺ أن يُحمى على الناس حمًى كما كانوا في الجاهلية يحمون. قال: وقوله: "إلا لله ورسوله" معْناه إلا ما يُحمى لخيل المسلمين وركابهم الموصدة لجهاد المشركين والحمل عليها في سبيل الله، كما حمى عمر النقيع لنعم الصدقة والخيل المُعدّة في سبيل الله. تفصيل المذهب: أن الحمى كان لرسول الله ﷺ لنفسه وللمسلمين، وأما آحاد الناس فليس لهم أن يحموا لأنفسهم، ولا لغيرهم، وإنما قصد به النبي ﷺ منع العامة من الحمى لما فيه من التضييق على الناس، أما الأئمة فهل لهم الحمى أم لا؟ ففيه نظرٌ؛ إن كان الإمام يريد أن يحمي لنفسه لم يكن له ذلك، وإن أراد الحمى للمسلمين ففيه قولان؛ أحدهما: ليس له ذلك، والثاني: له ذلك، وهو الصحيح وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن ما كان لمصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام النبي ﷺ . وأخبرنا الريبع، قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يقال له هني على الحمى، فقال له: يا هني، ضع جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان ونعم ابن عوف؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة يأتي بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟! فالماء والكلأ أهون عليّ من الدنانير والدراهم، وايم الله لعلى ذلك إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية،

стр. 1855

وأسلموا عليها في الإسلام، ولولا الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عن المسلمين من بلادهم شِبْرًا". هذا حديث صحيح أخرجه مالك والبخاري. أما مالك فأخرجه (١) عن زيد بن أسلم نحوه. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن إسماعيل، عن مالك بإسناده. قوله: "استعمله على الحمى" أي ولاّه إياه وردّ أمره والنظر فيه إليه. وقوله: "ضع جناحك للناس" يريد أَلِن جانبك لهم وأحسن مصاحبتهم، فإن الطائر إذا ضم جناحه سكن وإذا نشره تحرك، فاستعار الجناح للإنسان كما قال الله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ (٣) وقال عز من قائل: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٤) ويد الإنسان جناحه فإذا ضمه كفها عن الناس. وقوله: "واتق دعوة المظلوم" أي دعوة من تظلمه، وهذا النوع من الكلام يُسمّى تغليفًا، وهو نوع من البلاغة شريف بليغ في النهي عن الظلم بألطف لفظ وأفصح عبارة؛ لأنه إذا اتقى دعوة المظلوم لم يظلم، فكان هذا أحسن من قوله: لا تظلم، ثم بينّ وَجْه النهي عن دعوة المظلوم بقوله: "فإنها مجابة". و"الصريمة" تصغير الصِّرمة وهي [القطيع] (٥) من الإبل يبلغ الثلاثين، وربها صاحبها، والغنيمة تصغير الغنم، وإدخال الهاء في التصغير علامة التأنيث؛ لأن لفظ الغنم مؤنث.

стр. 1856

وقوله: "وإياك ونعم ابن عفان ونعم ابن عوف" أي دعني من نعمهما لأنها كانت كثيرة وكانا غنيين، وفي رواية مالك: "إياي" أي دعها والْه عنها ولتكن همتك مصروفة إلى غيرها. وهذه "إياي" و"إياك" في هذا الموضع وأمثاله موضوعة للتحذير، مثل إليك زيدًا وعليك زيدًا أي احذره ودعه، وليست مثل الضمير المنصوب في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وإياك أردت. ويجوز أن يكون تقديره: دعنى ونعمهما أي اتركني واترك نعمهما ورد أمرهما إليّ، فأنا أتولى الجواب عنها أو أنا أكفيكها، والأول الوجه. وقوله: "يرجعان" فيه نظر لأنها جواب الشرط الذي هو "إن تهلك ماشيتهما" ومن حق الجواب أن يكون مجزومًا، وجزمه بحذف النون، وإنما جاءت في المسند مثبتة، وهو خطأ، ولاشك أنه من النساخ، والذي جاء في كتاب "الموطأ" بحذفها، وهو الصواب. وقوله: "إلى نخل وزرع" أي إن هلكت ماشيتهما فإن لهما غير الماشية من نخل وزرع [ما] (٢) يغنيهما ويقوم بأمرهما. وقوله: "لا أبا لك" من ألفاظ الدعاء التي كثر استعمالها وجريانها على عادة، وهم لا يريدون بها الدعاء، كقولهم قاتلهم الله، ولا أم لك، وهي في الحقيقة دعاء عليه يعدم أبيه. "والكلأ": العشب وسواء رطبه ويابسه. وقوله: "فالماء والكلأ أهْون عليّ من الدنانير والدراهم" يريد أن المراعي إذا لم ينلها رب الصريمة ورب الغنيمة فهلكت ماشيته؛ احتاج أن يجيء إلى بيت

стр. 1857

المال يأخذ منه ما يحتاج إليه، فتمكينه من الرعي وورد الماء أهون عليّ من أخذ الذهب والفضة من بيت المال. وقوله: "وايم الله" من ألفاظ القسم وهمزتها همزة وصل. وقوله: "إنهم ليرون أني قد ظلمتهم" بمنعهم من الرعي، ثم بيّن وجه قسمه وظلمه إياهم بقوله: "إنها لبلادهم" ثم بين سبب كونها بلادهم بقوله: "قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام". وقوله: "لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله" يريد به الخيل والإبل التي يحمل عليها المجاهدين في سبيل الله، والنفقة التي يساعدهم بها، والزاد ونحو ذلك. وهذا الحديث أخرجه الشافعي مستدلًّا به على جواز أن يحمي الإمام للمسلمين، فإنه قال عقيب حديث الصعب بن جثامة: وقول رسول الله ﷺ : "لا حمى إلا لله ولرسوله" يحتمل أن لا يكون لأحد أن يحمي للمسلمين غير ما حماه رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن لا حمى إلا لله ولرسوله أي إلا على مثل ما حمى عليه رسول الله ﷺ ؛ لما فيه من صلاح المسلمين، ثم قال: وقد حمى من حمى على هذا المعنى، وأمر أن يدخل الحمى ماشية من ضعف عن النجعة ممن حول الحمى، وقد حمى بعد رسول الله ﷺ عمر ﵁ أرضًا لم يُعلَم رسول الله ﷺ حماها، وأمر فيها بنحوٍ مما وصفت، ثم ذكر حديث عمر هذا، ثم قال: في معنى قول عمر: "إنهم يرون أني قد ظلمتهم" إنهم يقولون: إن منعت لأحدٍ من أحد فمن قاتل عليها وأسلم أولى أن يُمنع له، وهذا كما قالوا لو كانت تُمنع لخاصة، فلما كانت لعامة لم يكن في هذا -إن شاء الله- مظلمة، ولم يظلمهم عمر ﵁ وإن رأوا ذلك، بل حمى على معنى ما حمى عليه رسول الله ﷺ دون أهل الغنى، وإنما نسب الحمى إلى المال الذي يحمل عليه في سبيل الله لأنه كما من أكثر ما عنده مما يحتاج إلى الحمى،

стр. 1858

وقد أدخل الحمى خيل الغزاة في سبيل الله وإبل الضوال، وما فضل عن سهمان أهل الصدقة، ومن ضعف عن النجعة ممن قلّ ماله، وكل هذا وجه عام النفع للمسلمين، ثم ذكر ما أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرني محمد بن علي بن شافع، عن الثقة -أحسبه محمد بن علي بن حسين أو غيره- عن مولى لعثمان بن عفان قال: "بينا أنا مع عثمان في ماله بالعالية في يوم صائف؛ إذ رأى رجلاً يسوق بكرين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح؟! ثم دنا الرجل، فقال: انظر من هذا؟ فقلت: أرى رجلاً معمرًا بردائه يسوق بكرين، ثم دنا الرجل فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب، فقلت: هذا أمير المؤمنين. فقام عثمان، فأخرج رأسه من الباب فآذاه لفح السموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟! فقال: بكران من إبل الصدقة تخلفا وقد مُضي بإبل الصدقة، فأردت أن ألحقهما بالحمى، وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما. فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، هلم إلى الماء والظل ونكفيك. فقال: عُد إلى ظلك. فقلت: عندنا من يكفيك. فقال: عُد إلى ظلك. فمضى، فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا. فعاد إلينا فألقى نفسه". "العالية": موضع بأعالي أراضي المدينة، وجمعه العوالي، وفيها أموال ونخيل لأهل المدينة، وقريب منها على عدة أميال. و"اليوم الصائف": الشديد الحر. و"البكر": الفَتِيُّ من الإبل. و"الفراش" معروف، ويصف شدة الحر حتى يتبين للناظر فراشًا يتطاير على

стр. 1859

الأرض من شدة الحر. و"لفح السموم": لذع الهواء الحار للبدن من شدته. استدل به الشافعي على جواز الحمى، والله أعلم. وأخرج الشافعي ﵁، عن ابن عيينة، عن معمر، عن رجل من أهل مأرب، عن أبيه: "أن الأبيض بن حمال سأل النبي ﷺ أن يُقطعه ملح مأرب، فأراد أن يُقطعه -أو قال: أقطعه إياه- فقيل له: إنه كالماء العد. فقال له: فلا إذن". هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). و"مأرب" مدينة بالمدينة. و"العِدّ" الماء الدائم الذي لا انقطاع لمادته وكثرته. قال الشافعي: ما كان ظاهرًا كالملح الذي يكون في الجبال ينتابه الناس فهذا لا يصلح لأحد أن يُقْطِعَهُ [أحدًا] (٣) بحال، والناس فيه شرع، وهكذا النهر والماء الظاهر، وهذا كالنبات فيما لا يملكه أحد وكالماء فيما لا يملكه أحد. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي.

стр. 1860

أما مالك فأخرجه بالإسناد (١) أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ". وأما البخاري، فأخرجه عن ابن يوسف (٢) وإسماعيل (٣)، عن مالك، (عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ... الحديث) (٤). وأما الترمذي (٥) وأما أبو داود فأخرجه (٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير. وأما مسلم فأخرجه (٧) عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأخرجه عن قتيبة (٧)، عن الليث، عن أبي الزناد، عن الأعرج. وكل هؤلاء قالوا لفظ مالك ولم يذكروا: "منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". وقد أخرج المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج ... وذكر لفظ مالك. وأخرج أيضًا المزني، عن سفيان، عن أبي الزناد مثله، وهو الصحيح، وكذا رواه الحسن بن محمد الزعفراني في كتاب القديم عن الشافعي، عن مالك. قال البيهقي: وهذا الذي جاء في المسند من طريق الأصم والربيع خطأ، فإن
следующие страницы →