والسين من أسفل الحنك الأسفل، فإذا كانت قبل الطاء احتجت أن تنطق بالسين من الأسفل، وبالطاء من الأعلى وإذا تأخرت انعكست الحال فسهل النطق.
"والقوم": الجماعة من الرجال خاصة، ولا واحد من لفظه، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبعية، ويُذكَّر لفظه ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إن كانت للادميين تذكر ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم، قال اللَّه -تعالى- ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (١) وقال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).
و"كل" اسم للتأكيد معناه الإحاطة والعموم، ولا يؤكد به إلا ما يتبعض نحو: جاء القوم كلهم، ويؤكد بها المُظْهَرُ والمُضْمَرُ، وقد تجيء اسمًا غير تأكيد، تقول: جاءني كلهم، إلا أن الأصل وضعها للتأكيد.
وقد اختلفوا في إدخال الألف واللام على "كل" و"بعض"، فمنع منه قوم لتقدير الإضافة فيه، وأجازه اخرون اعتبارًا بنصبه على الحال، في قولهم، مررت بهم كلاًّ.
وأكثر ما يجيء مضافًا إلى المظهر والمضمر، وقد يقطع عن الإضافة ويُنَوَّن كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣).
وكم: اسم منه تارة بمعنى الاستفهام، وأخرى بمعنى الخبر، وهي في الحديث استفهامية.
و"الرحراح": الواسع الذي ليس بضيق.
"وزهاء الشيء": قدره وما يقاربه، تقول: هم زهاء مائة أي قدر مائة.
стр. 212
وفي رواية النسائي: "فوضع يده في الماء ويقول: باسم اللَّه" الواو في يقول واو الحال وهي أبلغ وأحسن في الخطاب. قال: لما تقدم بيانه في نبع وينبع.
والباء في "باسم اللَّه" متعلقة بقوله: "بوضوء" ومعنى تعلق اسم اللَّه بالوضوء له وجهان:- أحدهما: أن يتعلق به تعلق القلم بالكتابة، في قولك: كتبت بالقلم، على أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدًّا به في الشرع، حتى يصدر باسم اللَّه لقوله ﷺ : "كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لم يُبْدَأْ فيه باسم اللَّه فهو أبتر" وإلا كان فِعْلًا كالأ فعال، جَعَلَ فِعْله مفعولًا باسم اللَّه، كما تُفْعَلُ الكتابة بالقلم.
والثاني: أن يتعلق به تعلق الدُّهْنِ بالإنبات؛ في قوله تعالى:
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) التقدير: تَنْبتُ مختطة بالدهن، وهنا يكون التقدير أتوضأ مُتَبَرِّكًا باسم اللَّه.
"والاسم": أصله مختلف فيه، فذهب البصريون من النُّحَاة إلى أنه سمي بوزن "فعل"، وجمعه "أسماء" مثل: "قنْو" و"أقناء" فحذفت الواو استثقالًا ونقلت حركتها إلى الميم، ونُقِلَ سكونُ الميم إلى السين، ثم أدخلت همزة الوصل عليها توصُّلًا إلى النطق بالساكن يدلك على ذلك سمي في التصغير واسمًا في التكسير، وسميت في التصغير لأن هذه الأشياء ترد الأشياء غيرها إلى أصولها، فاشتقاقه حينئذ من "السمو" وهو العلو، وقال الكوفيون: هو من السِّمَة: العلامة، وأصله عندهم "وسم" فأبدلوا من الواو همزة، ومقتضى القياس أن يكون جمعه "أوسامًا"، وتصغيره "وُسَيمًا"؛ والحال بخلافه.
وهذا الحديث قد جاء في المسند؛ مسرودًا مع باقي الأحاديث قبله وبعده، وليس للأحاديث المسندة تراجم تعرف بها, ولهذا الحديث معانٍ يجوز أن يكون
стр. 213
كل واحد منها ترجمة عليه، وقد اختلفت تراجم الأئمة في كتبها عليه، فترجم البخاري في كتابه في موضعين:-
أحدهما -باب الوضوء والغسل من المخضب والقدح.
والثاني -باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة.
وأما النسائي: فأخرجه في موضعين من كتابه:-
أحدهما -باب الوضوء من الإناء.
والثاني -باب التسمية عند الوضوء.
فأما مالك فأخرجه في "الموطأ" في باب "جامع الوضوء"، ولم يخصه بترجمة مفردة.
وأما الترمذي ومسلم: فأخرجاه في باب معجزات النبي ﷺ .
وأورده صاحب الشامل: في باب الجنب وغيره.
وأورده البيهقي: في باب مقدار الماء الذي يتوضأ منه، وهو فقد ذكر في أول كتابه، أنه قد خَرَّجَ الأحاديث على ترتيب أبواب مختصر المزني، وهذا إشارة منه إلى أن الشافعي أورد هذا الحديث في الباب الذي قد أورده فيه البيهقي -واللَّه أعلم.
ولذلك اقتدينا نحن به، فأوردناه في هذا الباب وكل من هذه التراجم مناسب؛ لأنه يدل على كل باب منها بالمعنى الذي يخصه.
فلنذكر الان ما يتعلق بمقدار ماء الوضوء والغسل.
قال البيهقي في روايته لهذا الحديث: قال الشافعي: وفي مثل هذا المعنى أن رسول اللَّه ﷺ كان يغتسل وبعض نسائه من إناء واحد، وأكثر ما حكت وغسلها "فرق" و"الفرق" ثلاثة اصع؛ وقد تقدم تخريج هذا الحديث في الباب الأول من هذا الكتاب.
стр. 214
قال الشافعي: وبلغنا أن النبي ﷺ توضأ بالمُدِّ واغتسل بالصاع (١).
قال الشافعي: وفي هذا ما دل على أن لا وقت فيه لإكماله؛ واللَّه أعلم.
مع أنه قد روى عن النبي ﷺ أنه قال في الجنب: "فإذا وجدت الماء فأمسه طهرك" (٢) بغير توقيت شيء منه.
وبيان المذهب هو: أنه لا حد للماء الذي يغتسل به الجنب ويتوضأ به المحدث، إلا بأن يُمِرَّ الماء على الأعضاء ثم يجريه عليها.
قال الشافعي: فقد يخرق بالكثير فلا يكفى، ويرفق بالقليل فيكفي.
قال: وأحب إليَّ أن لا ينقص مما روى عن النبي ﷺ ، أنه توضأ بالمُدِّ واغتسل بالصاع.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا يمكن للمغتسل أن يعم جسده بأقل من صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوئه بأقل من مد. وفي هذا نظر: فإنه روى عن النبي ﷺ أنه توضأ بثلثي مد (٣).
ويمكن أن يستخرج من هذا الحديث مسألة معاياة (٤).
стр. 215
فيقال: هل يجوز الوضوء بماء لم ينزل من السماء ولا ينبع من الأرض؟ فإن هذا الماء الذي توضأ به هذا الخلق العظيم؛ لم يكن ذلك القدر اليسير الذي كان في القدح؛ إنما هو نابع من أصابع ﷺ ، ولا شبهة أنه لم ينزل من السماء ولا نبع من الأرض، والماء هو معجزة أظهرها اللَّه لرسوله ﷺ ، وقد تكرر ظهور الماء من بين أصابعه مرات، وهذا أكثر في باب الإعجاز من ظهور الماء من الحجر على يد موسى ﵇ لأن الحجر من شأنه أن ينبع الماء منه كثيرًا في أماكن عدة، فأما من الأصابع!!
ولا يعرف ذلك إلا للمؤيَّدِ بالمعجزة الإلهية ﷺ .
***
стр. 216
الفصل الثالث
في الأحداث الناقصة
وفيه ثمانية فروع:-
الفرع الأول
في النوم
أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ينتظرون العشاء فينامون -أحسبه قال- قعودًا حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون".
الثقة في هذا الحديث هو: إسماعيل ابن علية.
قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه: إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن حميد الطويل، فإنما يكنى بالثقة عن إسماعيل بن علية (١).
وأخرج الشافعي في كتاب القديم قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن الدستوائي، عن قتادة، عن أنس: "أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
وهذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤).
فأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ينامون ثم يصلون لا -أو- ولا يتوضئون" قال: قلت: سمعتَه من أنس؟ قال: إي واللَّه.
стр. 217
وأما أبو داود: فأخرجه عن شاذّ بن فيَّاض، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: "كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء الاخرة، حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
قال أبو داود: زاد فيه شعبة، عن قتادة: قال: كنا على عهد رسول اللَّه ﷺ .
وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة بالإسناد، قال: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ [ينامون] (١) ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون".
وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة.
وقد أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، هذا الحديث بأطول من هذا من طرق عدة، وفيه ذكر الصلاة وتأخير وقتها, وليس هذا موضع ذكرها، وربما جاءت في أحاديث الصلاة.
"الأصحاب": جمع صحب، وصحب جمع صاحب، ويجمع صاحب أيضًا على صحاب وصحبة، والصحابة بالفتح: الأصحاب والمصدر.
"والصاحب": هو الذي يوافقك ويكون معك.
стр. 218
وقد اختلف العلماء فيمن يطق عليه اسم الصحابة.
وقد استقصيناه في كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" ولابد من ذكر طرف هاهنا.
فنقول: كان ابن المسيب لا يعد الصحابي إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين.
وقال غيره: كل [من] (١) أدرك الحُلم ورأى النبي ﷺ ، وعقل أمر الدين، فهو من الصحابة ولو أنه صحبه ساعة.
وقيل: كل من صحبه سنة، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعة، وهو مسلم كبيرًا كان أو صغيرًا فهو صحابي.
والحق في ذلك: أن اسم الصحبة في مطلق الفقه يتناول كل من صحبه زمانًا؛ إلا أن العرف المتناول بين الناس؛ أنهم لا يطلقون لفظ الصحبة؛ إلا على من عرف بصحبة الإنسان ودام معه واشتهر به، كما يقال: علقمة صاحب ابن مسعود، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والمزني صاحب الشافعي.
والأكثرون على أنه لا ينطلق اسم الصحابي؛ إلا على من أسلم ورأى النبي ﷺ وصحبه ولو أقل شيء؛ حتى أنهم عدّوا جماعة ولدوا على عهد رسول اللَّه ﷺ ؛ من أبناء الصحابة ولم يروه؛ في الصحابة، وليس بشيء (٢).
стр. 219
ونظرت فلانًا، وانتظرته نظرًا وانتظارًا بمعنى، وكان الانتظار افتعال من النظر وهو: تأمل الشيء بالعين، وكذا هو الذي يرتقب الشيء ويديم تحديق النظر إلى وصوله.
"والعشاء": يريد بها صلاة العتمة.
"والحِسْبان": بالكسر مصدر حسبت بمعنى ظننت، وقد تقدم بيانه.
"والقعود": هنا جمع قاعد، مثل: جالس وجلوس، والمصدر فيهما مثل: لفظ الجمع قعدت قعودًا، وجلست جلوسًا.
"وقعود" هنا منصوب على الحال؛ أي ينامون قاعدين.
ويجوز أن يكون مصدرًا، أي ينامون في حالة قعودهم.
"وخفق الرجل": إذا حرك رأسه وهو ناعس؛ يخفق خفوقًا فهو خافق، ومنه خفقت الدابة إذا تحركت، وخفق القلب والشراب إذا اضطربا، والمراد به في الحديث: ما يعرض للنائم إذا كان قاعدًا من سقوط ذقنه على صدره، وهذا لا يكون إلا عن نوم.
"ثم": حرف عطف يفيد الجمع بين الشيئين؛ والأشياء بمهلة وترتيب في عطف المفردات والذوات، وبلا مهملة وترتيب في عطف الجمل والأحوال.
"والصلاة": هذه العبادة المخصوصة، ذات الأحوال والأقوال المشهورة في الشرع.
وأصلها في اللغة: "الدعاء"، ثم نقلها الشارع إِلى ذلك وهو:
اسم يوضع موضع المصدر، تقول: صليت صلاًة.
стр. 220
ومعنى رواية مسلم: "ثم يصلون لا -أو ولا- يتوضئون" يريد: ثم يصلون لا يتوضئون أو ولا يتوضؤن، كأنه شك في إثبات الواو قبل "لا" وحذفها مع حذفها؛ ففيه زيادة تحقيق لعدم التوضؤ في هذه الحالة؛ كأنه جعل ذلك حالة لازمة لهم، وأنها داخلة في الجملة وليست جملة خارجة عن الأول، لأن واو العطف يؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وهذا نوع من البلاغة لطيف، وباب من الفصاحة شريف، وهو أن يذكر القائل جملًا من القول كل واحدة منها مستقلة بمعنى؛ ثم يسردها متلاحقة بغير عاطف، وهي مع ذلك اخذة بعضها برقاب بعض، ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
و"إي": في قوله: "إي واللَّه" بمعنى نعم وبلى، وهي ابتداء يتقدم على القسم، والواو واو القسم، وهي نائبة عن حرفه الأصلي الذي هو الباء، لأن الباء هو الحرف الذي يوصل الفعل القاصر إلى المفعول فتعديه إليه، تقول: حلفتُ باللَّه، وأُقْسم باللَّه، ثم أبدلت من الباء الواو لقرب المخرج وصارت أولى من الأصل لكثرة الاستعمال.
"والسماع": مصدر سمعت الشيء أسمعه سمعًا وسماعًا، وسمعت إليه وسمعت له، وتسمعت واستمعت، كل ذلك بمعنى.
وقوله: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ " فرع من أنواع طرق لفظ الراوي وإيراده الحديث، وهو اخر مراتب الإيراد، وكذلك قول الصحابي: كنا نفعل كذا والمراد: أنهم كانوا يفعلون الشيء بمشهد من النبي ﷺ ولا ينكر عليهم ذلك، فهذا دليل الجواز، وهو حجة معمول به، فقد تقدم قبل هذا الحديث بيان ذلك أكثر إيضاحًا.
стр. 221
وقوله: "كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء".
فيه دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم، وأنه قد كثر حتى صار كالعادة ولم يكن نادرًا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن النوم ينقض الوضوء، إلا أنه إذا كان النائم قاعدًا متمكنًا بمقعدته من الأرض ولو تجافى بمقعدته انتقض.
وحكى البويطي، والزعفراني عنه قولًا قديمًا له: إن نام في الصلاة فلا تنفض طهارته، وهو ضعيف، وحكى مثله عن ابن المبارك.
وأما أبو حنيفة فقال: إذا نام مضطجعًا وجب عليه الوضوء، وإن نام قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو جالسًا؛ ولا (١) وضوء عليه.
وهو يعتبر أن يكون على حالة يكون على مثلها في الصلاة في حال الاختيار، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وداود.
وقال مالك: النوم ينقض الوضوء بكل حال؛ إلا أن يكون جالسًا أو يكون نومه يسيرًا؛ فإن كثر نقض.
وأما أحمد: فإنه اعتبر ما اعتبره أبو حنيفة وزاد فيه؛ أن يكون النوم قليلًا.
وأما الاضطجاع: فقليل النوم وكثيره ينقض عنده.
وقال المزني: قليل النوم وكثيره على جميع حالاته ناقض، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيدة، وقال به من الصحابة أبو هريرة، وعائشة، وروي عن علي.
وقال ابن عباس: الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو خفقتين.
وقال الزهري: كانوا لا يرون بغرار (٢) النوم بأسًا، يعني أنه لا ينقض الوضوء.
стр. 222
وحكى عن أبي موسى الأشعري، وأبي مجلز، وحميد الأعرج أنهم قالوا: النوم لا ينقض الوضوء على سائر الأحوال، وبذلك قالت الشيعة الإمامية.
ومنشأ هذا الخلاف: هو أن النوم هل هو ناقض لذاته أو لأنه مظنة الحدث؟ وهذا الحديث يدل على أن مجرد النوم مطلقًا ليس بناقض، لأنه لو كان ناقضًا على كل حال لنقضه كسائر الأحداث الناقضة، قليلها وكثيرها، خطئها وعمدها، وإنما هو مظنة للحدث موهم لوقوعه من النائم غالبًا, ولذلك قال النبي ﷺ "العينان وكاء السَّه" (١) فإذا كان النائم بحال من التمسك والاستواء في القعود المانع من خروج الحدث منه؛ كان محكومًا له ببقاء الطهارة، ومتى زال عن هذه الحالة من الاستواء كالاضطجاع، والميل، والاتكاء، والقيام، والركوع، والسجود، وبالجملة فعلى حالة يسهل معها خروج الحدث؛ كان أمره محمولًا على أنه قد أحدث عملا بالغالب -واللَّه أعلم-.
وقال بعض من ذهب إلى مذهب مالك: إنه إذا استقر وارتبط ثم نام، فإن الذي يجيء على المذهب أنه لا وضوء عليه.
وحكى ذلك عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني -رحمة اللَّه عليه.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ينام قاعدًا ثم يصلي ولا يتوضأ.
وأخرج هذا الحديث أيضًا في كتاب اختلاف الشافعي ومالك، وقال فيه: كان ينام وهو قاعد، وأخرجه أيضًا في كتاب اختلافه مع مالك قال:
стр. 223
أخبرنا الثقة، عن عبد اللَّه بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: من نام مضطجعًا وجب عليه الوضوء ومن نام جالسًا فلا وضوء عليه.
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ (١) إلا أنه قال: جالسًا بدل قاعدًا.
وإنما ذكره الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك، لأن من مذهب مالك أن يسير النوم لا ينقض الوضوءَ، ومذهب جماعة أخرى منهم الحسن البصري: أن النوم على جميع حالاته ناقض للوضوء.
فأخرج الشافعي هاتين الروايتين في كتاب اختلافه مع مالك، نقضًا للمذهبين فإنه لم يفرق فيهما ابن عمر بين قليل النوم وكثيره؛ وإنما اعتبروا النوم قاعدا وجالسًا, ولا فرق بين القعود والجلوس من جهة المعنى، وإنما يفترقان من جهة اللفظ والتصرف في الموضع فإن موضع القعود مقعد -بفتح العين- قال اللَّه تعالى (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) (٢) وموضع الجلوس مجلس بكسر اللام، فأما المجلس -لفتح اللام- فهو المصدر.
وقاعدًا: منصوب على الحال، وقوله: وهو قاعد، جملة من مبتدأ وخبر في موضع الحال أيضًا.
وقد صرح في الرواية الثالثة بالفرق بين النومتين، فقال: "من نام مضطجعًا فعليه الوضوء ومن نام جالسًا فلا وضوء عليه".
فلم يبق تأويلًا يتطرق إلى اللفظ.
وهذا يرد قول من قال: إن النائم جالسًا لا ينقض وضوؤه.
стр. 224
وهو فعل صحابي مشهور من جلة الصحابة وفقهائهم، عارف بمواقع الخطاب، بصير بمظان الحلال والحرام، خبير بالجائز والممنوع، وفعله في هذا المقام حجة؛ لا سيما وقد ثبت ورود مثل هذا الفعل عن الصحابة، في حضرة الرسول ﷺ ولم ينكره عليهم، فكان الأخذ به أولى والعمل بموجبه أحرى.
وقد تقدم ذكر مذاهب الأئمة، في الحديث الذي قبله.
وقد اختلفت أقوال الأئمة؛ في قول الصحابي وفعله، هل هو حجة أم لا؟
أما في حق العامي فلا خلاف أنه حجة يجوز العمل به.
وأما العالم فقال قوم: يجوز له تقليد الصحابة، وأضاف قوم إلى الصحابة التابعين، وممن ذهب إلى جواز تقليد العالم للعالم: الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
وقال قوم: تقليد العالم للأعلم، ولا يقلد من هو مثله أو دونه، وذهب الأكثرون من أهل العراق: إلى جواز تقليد العالم للعالم فيما يفتى به فيما يخصه.
وقال قوم: يجوز له فيما خصه دون ما يفتى.
وخصص قوم من جملة ما يخصه؛ بما يفوتُ وَقْتُهُ لو اشتغل عن الاستفتاء بالاجتهاد فيه.
واختار القاضي أبو بكر: منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم، قالوا: وهو الأظهر.
فإن المسألة اجتهادية، وتقليد من لم يثبت عصمته؛ ولم يعلم الحقيقة إصابته شديد.
وقد اختلف قول الشافعي في المسألة.
стр. 225
وقال في القديم: إنه حجة يجب على المجتهدين من أهل الأعصار التمسك بها ثم قال: وإنما تكون حجة إذا لم يختلف الصحابة ولكن نقل قول واحد ولم يظهر خلاف، فيكون حينئذ حجة وإن لم ينتشر.
وقال في بعض أقواله: إذا اختلف الصحابة فالتمسك يقول الخلفاء أولى.
وقال في بعض أقواله: القياس الجلي يقدم على قول الصحابي.
وقال في موضع اخر: إن قول الصحابي مقدم على القياس.
وأجمعوا على أن قول الصحابة لا يكون حجة [] (١) والظاهر من المذهب أنهم إذا اختلفوا، سقط الاحتجاج بأقوالهم [] (١) اضطربت الأقوال فيها.
وقد حكينا ما عرفناه من أقوال الأئمة فيها.
وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم: عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ.
وقد أخرجه مالك في الموطأ (٢).
...
стр. 226
الفرع الثاني
في الريح
أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري قال: أخبرني عباد بن تميم، عن عمه عبد اللَّه بن زيد قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة فقال: "لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما البخاري: فأخرجه عن علي، عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب وعن عباد بن تميم عن عمه.
وأما مسلم فأخرجه عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، وعباد، عن عمه.
وأما أبو داود: فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب وعباد، عن عمه.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، ومحمد بن أبي منصور، عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب وعباد.
وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، وعلي بن طلق: شكوت فلانًا أشكوه شكوًا وشكايًة، إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، فهو مَشْكُوٌّ.
وشُكِىَ إليه: فعل لم يسم فاعله.
стр. 227
"والرجل": هو المفعول الذي صيغ الفعل له بهذه الصيغة، كأنه قال: وقع إليه حال الرجل.
ولم يرد الرجل خاصة دون المرأة، إنما أراد الرجال والنساء جميعًا؛ لأن هذا الفعل يتعلق بالقُبُلَيْنِ (١).
"ويخيل": من خلت الشيء أخاله، إذا ظننته وتوهمته، وخُيِّلَ إليَّ كذا: أي وقع في خيالي وظني وألقي في نفسي.
"والشيء": اسم عام يتناول كل موجود عند من يقول: إن المعدوم ليس بشيء، وهم أهل الحق من السنة والجماعة.
وذهبت المعتزلة ومن قال قولهم: إلى أن المعدوم شيء.
فهو على قولهم يتناول المعدوم والموجود.
والمراد به في الحديث: الكناية عن الريح الخارجة من الدبر.
"والانفتال": الانصراف عن الشيء إلى خلاف الجهة المطلوبة، والغرض به في الحديث أيضًا الصلاة؛ والخروج منها الرجوع إلى الحالة التي كان عليها قبل الصلاة. وهو من فتلت الحبل إذا لويته.
وقوله: "حتى يسمع صوتًا" يريد به الضرطة، ويريد بالريح الفساء، والريح تقع على الرائحة.
وأراد بقوله: "أو يجد ريحًا" أن يشمها، وهو من وجدت الشيء أجده إذا أصبته.
وهذا التعليق بسماع الصوت، وشم الرائحة معناه: حتى يتيقن الحدث، فإنه قد يكون أصم فلا يسمع وأبكم فلا يشم.
وإنما ذكر السماع والشم، لأنهما من توابع هذا الحديث، فإنه لا يخلو عن
стр. 228
أحدهما، وهما في باب الخطاب أكشف، وعند السامعين أبين وأظهر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الخارج من السبيلين نادرًا كان أو معتادًا، كالغائط، والبول، والريح، والمذي، والودي، وكالدود، والحصى، والدم، وغير ذلك هذا جميعه ينقض الوضوء عنده.
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك: لا ينتقض الوضوء بالنادر، ولا بالمذي إذا دام سيلانه كدم الاستحاضة.
وقال داود: لا يجب بالدم، والدود.
أما الخارج من غير السبيلين: فذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء به.
قاله ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفي، وأبو هريرة، وجابر، وعائشة.
وإليه ذهب من التابعين: عطاء، وطاوس، والحسن البصري، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللَّه، وابن المسيب.
وبه قال: مالك، والشافعي.
وذهب اخرون: إلى إيجاب الوضوء بالقىء والرعاف والحجامة والفصد.
وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق.
إلا أن أبا حنيفة قال: إذا خرج النجس من غير السبيلين فسأل أوجب الوضوء، وإن لم يسل فلا يوجب.
وقال في القىء: إذا مُلئ الفم أوجب الوضوء.
وقال أحمد: إن كان الدم قطرة أو قطرتين لم يوجب وقد استدل الشافعي بهذا الحديث: على أن اليقين لا يزول بالشك، لأنه قال: لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
стр. 229
الفرع الثالث
في المذي
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبد اللَّه، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول اللَّه ﷺ عن الرجل إذا دنى من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي بنت رسول اللَّه ﷺ وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول اللَّه ﷺ عن ذلك؟ فقال:
"إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة".
هكذا أخرجه الربيع في المسند، وقال الشافعي في سنن حرملة: حديث سليمان بن يسار، عن المقداد، مرسل لا يعلم سمع منه شيئا (١)، لكن الحديث في نفسه حديث صحيح، متفق عليه أخرجه الجماعة.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وسهل بن حنيف، وابن عمر، وعبد اللَّه ابن سعد الأنصاري، وأبي بن كعب.
فأما مالك (٢): فأخرجه إسنادًا ولفظًا وزاد: "فلينضح فرجه بالماء".
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن أبي الوليد، عن زائدة، عن أبي حصين، عن
стр. 230
أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: "كنت رجلًا مَذَّاءً فأمرت رجلًا أن يسأل رسول اللَّه ﷺ لمكان ابنته، فسأل فقال: "توضأ واغسل ذَكَرَك".
وأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية، وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى ويكنى: أبا يعلى، عن محمد ابن الحنفية، عن علي وذكر مثل البخاري، إلا أنه قال:
فأمرت المقداد بن الأسود فسأله.
وله روايات أخرى كلها نحو من هذا (٢).
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن عبيدة بن حميد الحذاء، عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي قال: "كنت رجلًا مذّاء، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له فقال رسول اللَّه ﷺ "لا تفعل؛ إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة؛ فإذا نضحت الماء [فاغتسل] (٤).
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك بإسناده ولفظه.
قال أبو داود: رواه الثوري وجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن علي.
ورواه الثوري؛ والمفضل بن فضالة؛ وابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن علي.
стр. 231
ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن المقداد (١).
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن محمد بن عمرو السَوَّاق، عن البلخي، عن هشيم، عن يزيد بن أبي زياد.
ورواه عن محمود بن غيلان، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد؛ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: "من المذي الوضوء ومن المني الغسل".
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي.
وفي أخرى: عن عتبة بن عبد اللَّه المروزي، عن مالك بن أنس، بإسناده ولفظه.
ولهم روايات كثيرة لهذا الحديث، وهذه الروايات -وإن كثرت واختلفت- فبعضها عن علي، وبعضها عن المقداد، وبعضها لم يسم المقداد، فإن مدار المسند منها وهو قول النبي ﷺ على المقداد، أو الرجل الذي أمره يسأله، وهو وإن لم يُسَمِّه في بعض الطرق فإنما يريد به المقداد.
إلا ما جاء في رواية الترمذي: فإنه جعل عليًّا هو الذي سأل النبي ﷺ .
المراد من قوله "إذا دنا من أهله" إذا قرب من زوجته والزوجة من الأهل.
"والدنو منها" ملامستها ومباشرتها.
"والمَذْي": بفتح الميم وسكون الذال المعجمة، ما يخرج من ذَكَرِ الإنسان عند الملاعبة والتقبيل ونحو ذلك، تقول فيه: مَذَى يمذى، وأمذيَ يمذي.
стр. 232
قال الأموي: المنيِّ، والمذيّ، والوديّ، مشددات والأكثر الأول.
"وماذا": لها معنيان باختلاف تقديرين:-
أحدهما: أن يكون "ما" و "ذا" جميعًا بمنزلة كلمة مفردة، وموضعها نصب بالفعل الذي يتعلق به.
والاخر: أن يكون "ما" التي للاستفهام و"ذا" بتقدير الذي وما بعده صلة، والعائد ضروري محذوف؛ ويجاب على حساب الموضع في القول القولى، يقال: ماذا صنعت؟ فيقول: خيرًا، ويجوز خير، ومعنى السؤال ما الذي يجب عليه بخروج المذي منه؟
"والحياء": تغير وانكسار يعرض للإنسان من خوف ما يعاب به أو يذم عليه.
واشتقاقه من الحياة، فكأنه جعل الحياء لما يعتريه من الانكسار والتغير، متنكس القوة منتفش (١) الحياة.
والحياء خصلة محمودة ممدوح عليها صاحبها, ولذلك قال ﷺ :
"الحياء من الإيمان" والحياء خير كله، ولا يأتي الحياء إلا بخير" (٢).
تقول استحييت منه، واستحييته بمعنىً، ويقال: استحيت بياء واحدة -أسقطو الياء الواحدة الأولى وألقوا حركتها على الحاء، وقيل: إنها لغة تميم والأولى لغة الحجاز، وهو الأصل.
"والنضح": بالحاء المهملة -الرش، نضحت البيت أنضِحه بالكسر، والنضخ -بالخاء المعجمة- أكثر من النضح، وقيل: هما سواء، تقول منه: نضحت أنضح -بالفتح.
стр. 233
والمراد بالنضح في هذا الحديث: الغسل بالماء فإنه هو الواجب.
"والفرج": العورة، ويطلق كثيرًا على الدبر والقُبُل من الذكر والأنثى، وهو من الانفراج والفرجة بين الشيئين.
"ومذّاء": من أبنيةِ المبالغة، يقال لمن يكثر منه المذي كما يقال لمن يكثر منه الأكل والضرب أكَّال وضَرَّاب.
وفي إحدى روايات البخاري وغيره "توضأ واغتسل".
"وذَكَرَك": دليل على أن الاستنجاء، يجوز أن يقع بعد الوضوء وأن الوضوء لا يفسد بتأخير الاستنجاء عنه، لا سيما عند من لا يرى نقض الوضوء بلمس الفرج.
وأما من نقضه به، فإذا استنجى ولم يلمس فرجه بعد الوضوء؛ لم ينتقض وضوؤه.
"والذَّكَر" العضو المعروف، وجُمِعَ على "مذاكير" على غير قياس، كأنهم فرقوا بالجمع بين الذكر العضو، وبين الذكر ضد الأنثى.
قال الأخفش: المذاكير من الجمع الذي لا واحد له.
"والنضخ" بالخاء المعجمة الدفق، نضخت الماء إذا دفقته.
وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث، "فليغسل ذَكَرَه وأنثييه" (١).
стр. 234
وغسل الأنثيين هو من باب الاستظهار والاحتياط في أمر الدين، وأنه ربما يكون قد نال: الأنثيين بعض المذي، فلذلك أمره بغسلهما، وقد قيل: من باب الطب أن الماء البارد إذا نال الأنثيين رد المذي وكسر غربه.
وفي هذا الحديث من الفقه: أن المذي نجس لأنه أمره بغسله، والذي ذهب [إليه] (١) الشافعي: أن المذي لا يجب منه الوضوء.
وبه قال الأئمة من الصحابة، والتابعين والمجتهدين ومن بعدهم، وحكمه حكم البول من غير فرق.
وذهب مالك: إلى أن المذي إذا دام بصاحبه فإنه لا يوجب الوضوء كدم الاستحاضة.
وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم: عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: "إني لأجده ينحدر مني مثل الخريزة، فإذا وجد ذلك أحدكم فليتوضأ".
стр. 235
قوله: "مثل الخريزة" (١): يريد أنه يخرج مجتمعًا متكرر الأجزاء ثخينًا حتى كأنه خريزة -واللَّه أعلم.
وقد أخرجه الموطأ (٢) كذلك.
...
стр. 236
الفرع الرابع
في لمس المرأة
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "قبلة الرجل امرأته وجسّها من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء".
في نسخة "وجسها" بواو العطف لا بـ "أو".
هذا حديث صحيح (١)، وقد أخرجه مالك في الموطأ (٢) بالإسناد المذكور، وقال: إن ابن عمر كان يقول: وذكر الحديث بـ "أو".
وفي الباب عن عبد اللَّه بن مسعود.
"القُبْلَة": معروفة ويجمع على قُبَل؛ مثل ظُلْمَة وظُلَم.
"والتقبيل": مصدر قبلته إذا بُسْتُهُ، إلا أن البَوْسَ فارسي معرب.
"والجَسُّ": اللمس، تقول: جسه بيده يجسه جسًّا، إذا لمسه. والملامسة مفاعلة من اللمس، وهو أخو المس تقول: لمست الثوب ألمُسه -بالضم- وألمِسه -بالكسر- ولامسته ملامسةً.
وقد يكنى باللمس عن الجماع، كما كنى بالمس عنه لاجتماعهما في المعنى، ولأن الجماع لمس وزيادة.
وسيردُ الخِلاف في الحكم المترتب على التسمية عند الأئمة.
وقوله: "من الملامسة": خبر المبتدأ الذي هو قبلة الرجل، وإنما قال: "من
стр. 237
الملامسة" فأدخل لفظةِ "منْ" لأمور ثلاثه:-
الأول: أن الملامسة فعل عام، وهو التقاء البشرتين من غير حاجز بأي، عضوٍ كان من البدن وبجميع البدن، فالقبلة نوع منها، لأنها مباشرة مخصوصة ببعض الأعضاء.
والثاني: أن اللمس والمس في أصل الوضع هو: الجَسُّ باليد، فلولا هذا التبيين لظن أن القبلة غير داخلة في حكم اللمس باليد؛ فقال: هي من الملامسة، أي حكمها وهي نازلة منزلتها.
والثالث: أن اللمس عند قوم: إنما أريد به الجماع دون المس باليد، فأخبر أن قبلة الرجل امرأته من جملة الجماع، لأنها من مقدماته ودواعيه، وهذا جائز في الاستعمال.
ولما جمع بين الجماع وبعضه؛ أعطاها بعض الحكم المترتب على الجماع وهو الوضوء؛ لأنه غسل بعض الأعضاء، كما أن الواجب في الجماع غسل جميع الأعضاء، ألا ترى أنه قال: فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، فجعل القبلة والجس باليد في حكم واحد، وأنهما أمران مستويان في الحالة والحكم.
وقوله: "من الملامسة": كلام فيه إيجاز واختصار واستدلال وذلك أتى بلفظتين اكْتُفِيَ بهما عن ألفاظ كثيرة، لأنه في هذا المقام يريد أن يعرف الحكم في شأن القبلة؛ وما يتعلق بها من الوضوء أو تركه، فقال: من الملامسة، لعلمه بما قد ثبت في الشرع من حكم الملامسة؛ وأنهما موجبة للوضوء.
وهذا هو وجه الاستدلال؛ لأنه استدل بالملامسة على إلحاق القبلة بها.
والمراد بالملامسة قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) فأوجب في ملامسة النساء الوضوء، فألحق القبلة بها وبَيَّن أنها منها ليرتب عليها حكم الملامسة،
стр. 238
وذلك ذهاب منه إلى أن المراد من الموجبة للوضوء؛ التقاء البشرتين مطلقًا.
ولا خفاء بما في هذا اللفظ من الإيجاز والاختصار والاستدلال؛ وهكذا كانت ألفاظهم ﵃ لإشراق أنوار النبوة عليهم.
وقوله: "فعليه الوضوء": أبلغ من قوله: فليتوضأ لأمرين:-
أحدهما:- أن "عليه" حرف جر يستدعى فعلًا قاصرًا؛ هي به من أجله لتوصله إلى المفعول؛ وهو حينئذ الوجوب. التقدير: فيجب عليه؛ فهو في هذا الجواب متعرض لذكر الواجب، بخلاف غيره.
والثاني:- أن قوله "فعليه" فيه إيذان بوجوب هذا الأمر من جهة العلو والقدرة.
والذي جاء في الرواية الثانية "وجسها" بواو العطف، وفي الأولي بـ "أو" فإنها مع الواو تفيد اشتراط القبلة والجس، في كونهما من الملامسة.
وأما مع "أو" فإنه يفيد أن كل واحد منهما من الملامسة والجس، وهو أبين وأوضح، لأنه يشير بذلك إلى أن كل واحد منهما على الانفراد؛ له حكم الملامسة وهو وجوب الوضوء.
ومع "الواو" وإن حصلت هذه الفائدة؛ إلا أنها مشوبة بتوهم يعرض من الجمعية؛ أن اجتماع القبلة والجس باليد هو الذي يوجب ما توجبه الملامسة، وهذا وهم بعيد وإن كان اللفظ يقتضيه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن لمس النساء يوجب الوضوء، بشهوة وبغير شهوة بأي موضع كان من البشرة، وبه قال عمر، وابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، ومكحول، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تنتقض الطهارة باللمس، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو مذهب عطاء، وطاوس، والحسن والثوري.
стр. 239
إلا أن أبا حنيفة، وأبا يوسف قالا: إذا وطئها دون الفرج وانتشر عليه العضو انتقض الوضوء.
وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: إن لمسها بشهوة انتقض، وإن كان بغير شهوة فلا.
حكى ذلك عن النخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، وفيه وجه لأصحاب الشافعي.
وقال داود: إن قصد لمسها انتقض، وإن لم يقصد فلا.
وقال ابنه: لا ينتقض بحال، وروى مثل ذلك عن الثوري.
وأما ذات المحرم: كالأم، والأخت، والبنت ففيها قولان، وأما العجائز ففيهن وجهان، بناء على القولين في المحارم، كذا قال أبو إسحاق، وابن الصباغ.
والذي جاء في كتاب الغزالي قال: المحرم والصغيرة فيهما قولان:
أصحهما: أنه لا ينتقض لذهاب الشهوة.
والعجوزة الهرمة: ينتقض بلمسها الوضوء.
واللامس ينتقض وضوؤه قولًا واحدًا.
وفي الملموس قولان.
ومستند الخلاف بين من نقض باللمس، ومن لم ينقض به أن من نقض جعل الملامسة التي في الاية عبارة عن الجس؛ ومن لم ينقض به جعل الملامسة عبارة عن الجماع خاصة، وهو بعيد فإن اللغة لا تساعده على ذلك.
وقد استدل من لم ينقض به بحديث عائشة: "أن النبي ﷺ قَبَّلَ بعض
стр. 240
نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" (١).
وهذا حديث متروك لا يصح عند أهل المعرفة بالحديث؛ لموضع إسناده، وقد ضعفه يحيى بن سعيد القطان وقال: هو شبه لا شيء.
وكان محمد بن إسماعيل البخاري يضعفه ويقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
стр. 241
وقال الترمذي: وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء وضعفه أبو داود (١) وقال: هو منقطع، لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وعروة الذي روى عن عائشة ليس بعروة بن الزبير؛ إنما هو عروة المزني.
وقد روى أبو حنيفة أيضًا: عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن حفصة (٢).
وروي عن: إبراهيم، وعائشة.
وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ولا أدرك زمانهما، قاله الدارقطني وغيره.
وقد أخرج الشافعي في كتاب "القديم" عن مالك أنه بلغه أن ابن مسعود كان
стр. 242
يقول: من قبلة الرجل امرأته: الوضوء.
وأخرج أيضًا في كتاب علي وعبد اللَّه بلاغًا، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: القبلة من اللمس وفيها الوضوء.
قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس فقال: ليس في القبلة الوضوء، واحتج فيها بحديث ليس بمحفوظ، واللَّه أعلم.
قال: ولو ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة، لم أر فيها شيئًا ولا في اللمس؛ فإن معبد بن نباتة، يروي عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ (١).
ولكني لا أدرى كيف معبد بن نباته هذا؛ فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبي ﷺ ، ولكني أخاف أن يكون غلط من قبل أن عروة إنما روى أن النبي ﷺ قبلها صائمًا.
قال البيهقي: معبد بن نباته هذا مجهول، ومحمد بن عمرو بن عطاء لم يثبت له عن عائشة شيء، واللَه أعلم.
стр. 243
الفرع الخامس
في لمس الذكر والفرج
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم وتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الوضوءُ، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان:
أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا مس أحدُكُم ذَكَره فليتوضأ".
هذا حديث صحيح (١)، أخرجه مالك في الموطأ (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
стр. 244
وفي الباب عن: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي أيوب، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعائشة، وأروى بنت أنيس.
قال البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة.
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، بالإسناد واللفظ، وقال فيه: من مس ذكره فليتوضأ.
وأما الترمذي: فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: "من مَسَّ ذَكَرَه فلا يصلي حتى يتوضأ".
قال: وروى من غير وجه عن عروة، عن بسرة، وعن عروة، عن مروان، عن بسرة.
وأما النسائي: فأخرجه عن هارون بن عبد اللَّه، [عن] (١) معن، وعن الحارث ابن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك بالإسناد المذكور واللفظ.
وفي رواية: عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عمار بن سعيد، عن شعيب، عن الزهري قال: أخبرنا عبد اللَّه (٢) بن أبي بكر بن حزم؛ أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يُتَوَضَّأُ من مس الذكر؛ إذا أفضى إليه الرجل بيده؛ فأنكرتُ ذلك فقلت: لا وضوء على من مسه، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول اللَّه: ذكر ما يُتوضأ منه فقال رسول اللَّه ﷺ "ويتوضأ من مس الذكر".
قال عروة: [فلم أزل] (٣) أُمارِي مروان حتى دعا رجلًا من حرسه فأرسله إلى
стр. 245
بسرة فسألها عما حدثت مروان؛ فأرسلت إليه بسرة مثل الذي حدثني عنها مروان.
"المذاكرة": مفاعلة من ذكرت الشيء أذكره إذا تلفظتُ به؛ وإذا خطر ببالك بعد النسيان.
والمراد به في هذا الحديث الأول: هو الخوض في ذكر ما ينقض الوضوء؛ وهو قوله: "مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ"، خبر المبتدأ الذي هو الوضوء؛ وهو مقدم عليه في الذكر والنية به التأخير؛ وإنما قدَّم الخبر هاهنا لأن تقديمه أولى، وذلك أن عنايته بِذِكْرِ الناقض لا بِذِكْرِ الوضوء.
"والإخبار" والإنباء والإعلام بمعنى.
ولأهل الحديث خلاف في أخبرنا، وحدثنا، وأنبأنا. فذهب الأكثرون: إلى أنه لا فرق بين أخبرنا، وحدثنا؛ وهو الصحيح.
وذهب آخرون: إلى أن حدثنا: هو ما سمعته من لفظ الشيخ، وأخبرنا: هو ما قرأته عليه.
وأما أنبأنا: فله عندهم وضع واصطلاح: وهو عبارة عن الإجازة.
"والإفضاء": المباشرة، وأفضى بيده إلى كذا إذا مدها إليه ولمسها به.
"والمماراة": المجادلة والمخاصمة.
"والحرس": جمع حارس؛ وهم الجماعة المرتبون لحفظ الأمير وحراسته من أعوانه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن مَنْ مَسَّ ذَكَرَه أو حَلْقَة دُبُرِهِ؛ أو مسهما من غيره، أو مس فرج امرأة، أو مست فرجها، كل ذلك من صغير أو كبير بباطن كفه انتقض وضوؤه.
стр. 246
وقال في القديم: إذا مس حلقة دبره لا ينتقض وضوؤه.
وبه قال من الصحابة: عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبو هريرة، وابن عباس.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، وأبو العالية، ومجاهد.
وبه قال: مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني.
وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه لا وضوء عليه.
وروي ذلك: عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، وابن عباس، وعن حذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وعن سعد بن أبي وقاص.
وبه قال: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وروي: عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: أن مس ذكر الصغير لا ينقض.
وقد احتج من لم ير الوضوء منه [بحديث] (١) قيس بن طلق، عن أبيه أنه لا وضوء عليه.
قال الشافعي: قد سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته وثبت.
قال ابن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن [طلق] (٢)؛ وأنه لا يصح بحديثه (٣).
стр. 247
وقال أبو حاتم؛ وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، وَوَهَّناهُ ولم يُثْبِتَاه.
وحديث قيس -كما لم يخرجه البخاري، ومسلم في كتابيهما- لم يَحْتَجَّا بشيء من رواياته ولا روايات أكثر حديثه؛ في غير هذا الحديث.
وحديث بسرة: وإن لم يخرجاه في كتابيهما لاختلافٍ في سماع عروة منها؛ فقد احتجا بسائر رواة حديثهما.
وإذا ثبت سؤال عروة بسرة عن هذا الحديث، وكان الحديث صحيحًا على شرط البخاري ومسلم، ويكفي في ترجيح حديثهما من طريق الإسناد.
واحتج البخاري ومسلم بأحاديثها دون أحاديث قيس بن طلق.
وأما ما احتجوا به من أقاويل الصحابة فقد قال الشافعي: قول من لم يوجب منه إنما قاله بالرأي، والذي أوجب الوضوء منه أوجبه بالحديث الثابت عن رسول اللَّه ﷺ ؛ وما وجب بالحديث لم يكن في قول أحد خالفه حجة على قوله -واللَّه أعلم.
وقال الشافعي: وخالفنا بعض الناس في هذا القول؛ وعاب علينا الرواية عن بسرة، والذي يعيب علينا الرواية عن بسرة؛ يروي عن عائشة بنت عجرد، وأم خداش، وعدة من النساء غير معروفات في العامة، ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقتها وقديم هجرتها وصحبتها النبي ﷺ وقد حَدَّثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون؛ فلم يدفعه منهم أحد بل عَلِمْنا بعضَهم صار إليه عن روايتها منهم: عروة بن الزبير، وقد دفع وأنكر الوضوء من مس الذكر قبل أن يسمع الخبر، فلما علم أن بسرة روته قال به، وترك قوله، وسمعها ابن عمر تُحَدِّث به فلم يزل يتوضأ من مس الذكر حتى مات، وهذه طريق أهل الفقه والعلم.
стр. 248
أخبرنا الشافعي، أخبرنا سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد اللَّه، عن [يزيد] (١) بن عبد الملك الهاشمي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، وليس بينه وبينها شيء فليتوضأ".
هكذا رواه الشافعي في كتاب الطهارة في المسند.
ورواه في سنن حرملة: عن عبد اللَّه بن نافع، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي موسى الخياط، عن سعيد بن أبي سعيد.
وقال الشافعي: روى حديث يزيد بن عبد الملك عدد منهم: سليمان بن عمرة، ومحمد بن عبد اللَّه بن دينار، عن يزيد بن عبد الملك، عن سعيد المقبري (٢).
والإفضاء ذكرناه في الحديث الذي قبله، وقد جاء في كتب اللغة: أنه لمس الشيء بباطن كفه، وهذا مما يعضد ما ذهب إليه الشافعي من تحديد اللمس بباطن الكف دون ظاهرها.
стр. 249
وقوله: "ليس بينه وبينها حائل": يعني تحول بين الكف وبين الذكر كائنًا ما كان، كثيفه ورقيقه، وخفيفه وصفيقه؛ فإن ذلك كله حائل.
"والحائل": الشيء الذي يحجب بين الشيئين ويمنع الملامسة بينهما.
فأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد اللَّه بن نافع، وابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن [عن] (١) ابن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ" وزاد ابن نافع فقال: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر عن النبي ﷺ مثله.
وقال الشافعي: سمعت [غير] (٢) واحد من الحفاظ يرويه؛ لا يذكرون فيه جابرًا.
وهذا الحديث: قد رواه دحيم الدمشقي، عن عبد اللَّه بن نافع كذلك موصولًا، وهو مما يعضد ما ذهب إليه الشافعي: من إيجاب الوضوء من مس الذكر.
وقوله: سمعت غير واحد: أي أكثر من واحد، فهو يتناول الاثنين فصاعدًا، وإنما يذكر ذلك في معرض الكثير.
و"الحفاظ": جمع حافظ، وهو في الأصل من يحفظ الشيء من الضياع والذهاب، وقد أطلقه العلماء بعد ذلك على من أتقن علم الحديث وضبطه عن الاختلال؛ رواية ولفظا في عرفه (٣) وحفظًا.
стр. 250
وفي الرواية الأولى: أخرجه عن محمد بن عبد الرحمن فجعله مرسلًا.
وفي الثانية: عنه، عن جابر ثم قال: وسمعت غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكرون فيه جابرًا.
فكأن المرسل عنده كان أكثر رواة من المسند (١).
والمرسل مختلف فيه وفي [العمل] (٢) به:-
فذهب الشافعي: إلى ترك العمل به، وبه قال أحمد، وابن المسيب، والزهري، والأوزاعي، وفقهاء الحجاز، وأصحاب الحديث قاطبة أو معظمهم؛ فإن المراسيل عندهم واهية غير محتج بها.
ومن هؤلاء الذين قالوا برد المرسل، من قبل مرسل الصحابي، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين، ومنهم من خصص كبار التابعين كابن المسيب، ويُحْكى أنه قول الشافعي وأنه قال: مراسيل ابن المسيب وحده، واحتج له بأنه وجدها مسندة.