← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وقوله: "وإياك ونعم ابن عفان ونعم ابن عوف" أي دعني من نعمهما لأنها كانت كثيرة وكانا غنيين، وفي رواية مالك: "إياي" أي دعها والْه عنها ولتكن همتك مصروفة إلى غيرها. وهذه "إياي" و"إياك" في هذا الموضع وأمثاله موضوعة للتحذير، مثل إليك زيدًا وعليك زيدًا أي احذره ودعه، وليست مثل الضمير المنصوب في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وإياك أردت. ويجوز أن يكون تقديره: دعنى ونعمهما أي اتركني واترك نعمهما ورد أمرهما إليّ، فأنا أتولى الجواب عنها أو أنا أكفيكها، والأول الوجه. وقوله: "يرجعان" فيه نظر لأنها جواب الشرط الذي هو "إن تهلك ماشيتهما" ومن حق الجواب أن يكون مجزومًا، وجزمه بحذف النون، وإنما جاءت في المسند مثبتة، وهو خطأ، ولاشك أنه من النساخ، والذي جاء في كتاب "الموطأ" بحذفها، وهو الصواب. وقوله: "إلى نخل وزرع" أي إن هلكت ماشيتهما فإن لهما غير الماشية من نخل وزرع [ما] (٢) يغنيهما ويقوم بأمرهما. وقوله: "لا أبا لك" من ألفاظ الدعاء التي كثر استعمالها وجريانها على عادة، وهم لا يريدون بها الدعاء، كقولهم قاتلهم الله، ولا أم لك، وهي في الحقيقة دعاء عليه يعدم أبيه. "والكلأ": العشب وسواء رطبه ويابسه. وقوله: "فالماء والكلأ أهْون عليّ من الدنانير والدراهم" يريد أن المراعي إذا لم ينلها رب الصريمة ورب الغنيمة فهلكت ماشيته؛ احتاج أن يجيء إلى بيت

стр. 1857

المال يأخذ منه ما يحتاج إليه، فتمكينه من الرعي وورد الماء أهون عليّ من أخذ الذهب والفضة من بيت المال. وقوله: "وايم الله" من ألفاظ القسم وهمزتها همزة وصل. وقوله: "إنهم ليرون أني قد ظلمتهم" بمنعهم من الرعي، ثم بيّن وجه قسمه وظلمه إياهم بقوله: "إنها لبلادهم" ثم بين سبب كونها بلادهم بقوله: "قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام". وقوله: "لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله" يريد به الخيل والإبل التي يحمل عليها المجاهدين في سبيل الله، والنفقة التي يساعدهم بها، والزاد ونحو ذلك. وهذا الحديث أخرجه الشافعي مستدلًّا به على جواز أن يحمي الإمام للمسلمين، فإنه قال عقيب حديث الصعب بن جثامة: وقول رسول الله ﷺ : "لا حمى إلا لله ولرسوله" يحتمل أن لا يكون لأحد أن يحمي للمسلمين غير ما حماه رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن لا حمى إلا لله ولرسوله أي إلا على مثل ما حمى عليه رسول الله ﷺ ؛ لما فيه من صلاح المسلمين، ثم قال: وقد حمى من حمى على هذا المعنى، وأمر أن يدخل الحمى ماشية من ضعف عن النجعة ممن حول الحمى، وقد حمى بعد رسول الله ﷺ عمر ﵁ أرضًا لم يُعلَم رسول الله ﷺ حماها، وأمر فيها بنحوٍ مما وصفت، ثم ذكر حديث عمر هذا، ثم قال: في معنى قول عمر: "إنهم يرون أني قد ظلمتهم" إنهم يقولون: إن منعت لأحدٍ من أحد فمن قاتل عليها وأسلم أولى أن يُمنع له، وهذا كما قالوا لو كانت تُمنع لخاصة، فلما كانت لعامة لم يكن في هذا -إن شاء الله- مظلمة، ولم يظلمهم عمر ﵁ وإن رأوا ذلك، بل حمى على معنى ما حمى عليه رسول الله ﷺ دون أهل الغنى، وإنما نسب الحمى إلى المال الذي يحمل عليه في سبيل الله لأنه كما من أكثر ما عنده مما يحتاج إلى الحمى،

стр. 1858

وقد أدخل الحمى خيل الغزاة في سبيل الله وإبل الضوال، وما فضل عن سهمان أهل الصدقة، ومن ضعف عن النجعة ممن قلّ ماله، وكل هذا وجه عام النفع للمسلمين، ثم ذكر ما أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرني محمد بن علي بن شافع، عن الثقة -أحسبه محمد بن علي بن حسين أو غيره- عن مولى لعثمان بن عفان قال: "بينا أنا مع عثمان في ماله بالعالية في يوم صائف؛ إذ رأى رجلاً يسوق بكرين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح؟! ثم دنا الرجل، فقال: انظر من هذا؟ فقلت: أرى رجلاً معمرًا بردائه يسوق بكرين، ثم دنا الرجل فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب، فقلت: هذا أمير المؤمنين. فقام عثمان، فأخرج رأسه من الباب فآذاه لفح السموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟! فقال: بكران من إبل الصدقة تخلفا وقد مُضي بإبل الصدقة، فأردت أن ألحقهما بالحمى، وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما. فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، هلم إلى الماء والظل ونكفيك. فقال: عُد إلى ظلك. فقلت: عندنا من يكفيك. فقال: عُد إلى ظلك. فمضى، فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا. فعاد إلينا فألقى نفسه". "العالية": موضع بأعالي أراضي المدينة، وجمعه العوالي، وفيها أموال ونخيل لأهل المدينة، وقريب منها على عدة أميال. و"اليوم الصائف": الشديد الحر. و"البكر": الفَتِيُّ من الإبل. و"الفراش" معروف، ويصف شدة الحر حتى يتبين للناظر فراشًا يتطاير على

стр. 1859

الأرض من شدة الحر. و"لفح السموم": لذع الهواء الحار للبدن من شدته. استدل به الشافعي على جواز الحمى، والله أعلم. وأخرج الشافعي ﵁، عن ابن عيينة، عن معمر، عن رجل من أهل مأرب، عن أبيه: "أن الأبيض بن حمال سأل النبي ﷺ أن يُقطعه ملح مأرب، فأراد أن يُقطعه -أو قال: أقطعه إياه- فقيل له: إنه كالماء العد. فقال له: فلا إذن". هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). و"مأرب" مدينة بالمدينة. و"العِدّ" الماء الدائم الذي لا انقطاع لمادته وكثرته. قال الشافعي: ما كان ظاهرًا كالملح الذي يكون في الجبال ينتابه الناس فهذا لا يصلح لأحد أن يُقْطِعَهُ [أحدًا] (٣) بحال، والناس فيه شرع، وهكذا النهر والماء الظاهر، وهذا كالنبات فيما لا يملكه أحد وكالماء فيما لا يملكه أحد. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي.

стр. 1860

أما مالك فأخرجه بالإسناد (١) أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ". وأما البخاري، فأخرجه عن ابن يوسف (٢) وإسماعيل (٣)، عن مالك، (عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ... الحديث) (٤). وأما الترمذي (٥) وأما أبو داود فأخرجه (٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير. وأما مسلم فأخرجه (٧) عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأخرجه عن قتيبة (٧)، عن الليث، عن أبي الزناد، عن الأعرج. وكل هؤلاء قالوا لفظ مالك ولم يذكروا: "منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". وقد أخرج المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج ... وذكر لفظ مالك. وأخرج أيضًا المزني، عن سفيان، عن أبي الزناد مثله، وهو الصحيح، وكذا رواه الحسن بن محمد الزعفراني في كتاب القديم عن الشافعي، عن مالك. قال البيهقي: وهذا الذي جاء في المسند من طريق الأصم والربيع خطأ، فإن

стр. 1861

هذا الكتاب -يعني كتاب "الطعام والشراب" (١) - الذي أخرج فيه هذا الحديث -مما لم يقرأ على الشافعي، ولهذا يقول فيه الأصم: قال الربيع: قال الشافعي. ولو قُرِئ عليه لغَيَّره إن شاء الله تعالى. ثم حمله الربيع [عن الكتاب] (٢) على الوهم. وهذا اللفظ ليس في حديث مالك، إنما هو في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . وروي من وجه آخر ضعيف عن أبي هريرة. ومن وجهٍ آخر عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا. فيشبه أن يكون الشافعي ذكره ببعض هذه الأسانيد، فأدخل الكاتب حديثًا في حديث، هذا هو الأظهر، والله أعلم. ومعنى هذا الحديث: هو أن يحفر الرجل البئر في الأرض الموات فيملكها بالإحياء، وحول البئر أو بقربها موات فيه كلأ ولا يمكن الناس أن يرعوه إلا بأن يبذل لهم ماءه وأن لا يمنعهم أن يسقوا ماشيتهم منه، فأمره النبي ﷺ أن لا يمنع فضل مائه؛ لأنه إذا فعل ذلك وحال بينه وبينهم فقد منعهم الكلأ؛ لأنهم لا يمكنهم رعيه والمقام فيه مع منع الماء. قال الشافعي ﵁: وفي هذا الحديث دلالة على أن مالك الماء أولى أن يشرب به ويسقي، فإنه إنما يعطى فضله عما يحتاج إليه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "من منع فضل الماء [ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته"

стр. 1862

وفضل الماء الفضل] (١) عن حاجة مالك الماء. وهذا أوضح حديث رُوي في الماء، وأبينه معنى؛ لأن مالكًا روى عن أبي الرجال، عن عمرة، أن النبي ﷺ قال: "لا يمنع نقع البئر" (٢). قال الشافعي: فكل ماء ببادية، في عين أو بئر أو غيل أو نهر بلغ مالكه منه حاجته لنفسه وماشيته وزَرَعَ -إن كان له- فليس له منع فضله عن حاجته من أحد يشرب به، أو يسقي ذا روح خاصة دون الزرع والشجر. زاد في سنن حرملة: "والبناء": إلا أن يتطوع بذلك مالك الماء. قال الخطابي: وإلى بيان ما قلناه من تفسير الماء والكلأ؛ ذهب مالك والأوزاعي والليث، وهو معنى قول الشافعي، والنهي في هذا عنده على التحريم. وقال قوم: ليس النهي فيه على التحريم لكنه من باب المعروف، فإن شح رجل على مائه لم ينتزع من يده، والماء في هذا كغيره من صنوف الأموال لا يحل إلا بطيب نفس مالكه. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز له منع الماء ولكنه تجب له القيمة على أصحاب المواشي، وشبهوه بمن يضطر إلى طعام رجل؛ فإن له أكله وعليه أداء قيمته، ولو لزمه بدل الماء بلا قيمة للزمه بدل الكلأ إذا كان في أرضه بلا قيمة، وللزمه كذلك أن لا يمنع الماء زرع غيره، فأما من تأول الحديث على معنى الاستحباب دون الإيجاب فإنه يحتاج إلى دليل يجوز معه ترك الظاهر، وأصل النهي على التحريم، فمنع فضل الماء محظور على ما ورد به الظاهر، وأما من أوجب فيه

стр. 1863

القيمة فقد صار إلى المنع أيضًا، وهو خلاف ظاهر الخبر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء. والله أعلم. "الغَيل" -بفتح الغين- الذي يجري على وجه الأرض. ***

стр. 1864

كِتَابُ الْوقْفِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب ملك مائة سهم من خيبر اشتراها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت مالاً لم أصب مثله قط، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله فقال: حَبِّس الأصل و [سَبِّل] (١) الثمرة". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن حبيب القاضي -وهو عمر بن حبيب- عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال: "يا رسول الله، إني أصبت من خيبر مالاً لم أصب مالاً قط أعجب إليّ وأعظم عندي منه. فقال رسول الله ﷺ : إن شئت حبست أصله و [سَبَّلْتَ] (٢) ثمرته، فتصدق به عمر بن الخطاب، ثم حكى صدقته به". وقد رواه الشافعي في القديم، عن رجل، عن ابن عون قال: "فتصدق بها عمر أن لا يباع أصلها, ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي الغرباء، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا، غير متمول منه، قال ابن عوف: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالاً". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا. أما البخاري فأخرجه (٣) عن قتيبة، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون.

стр. 1865

وعن مسدد (١)، عن يزيد بن زريع، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر. وأما مسلم فأخرجه (٢) عن يحيى بن يحيى، عن سليم بن أخضر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن [ابن] (٣) أبي زائدة وعن إسحاق [عن] (٤) أزهر. وعن (٥) ابن عمر عن عمر. وأما أبو داود فأخرجه (٦) عن مسدد، عن يزيد بن زريع وبشر بن المفضل، وعن يحيى [عن] (٧) ابن عون. وأما الترمذي فأخرجه (٨) عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم. [وأما النسائي فأخرجه (٩) عن إسحاق بن إبراهيم] (١٠) عن أبي داود الحفري عمر بن سعد، عن الثوري، عن ابن عون. وفي بعض طرقه عن ابن عمر، عن عمر. قوله: "مائة سهم" يريد مائة نصيب من الأنصباء التي قسمت عليها خيبر؛ لأن النبي ﷺ لما فتح خيبر قسمها على الغارمين يومئذ، فأصاب كل إنسان منهم سهمًا يخصه، فكان عمر قد حصل له مائة سهم من تلك السهام بالقسمة والابتياع، والمال يقع على الإبل، والبقر، والخيل، والغنم، والمِلْك، والشجر، والأرضين، وعلى الذهب، والفضة، فهو يطلق على الجميع. وقوله: "حَبِّس الأصل" أي اجعله حَبْسًا ووقفًا؛ بحيث يكون ذلك باقية

стр. 1866

خالدة لا يتطرق إليها طريق من طرق التصرفات التي تنقل الملك كالبيع، والإقرار، والهبة، وغير ذلك من الأنواع. وأصل الحبس: المنع الذي هو ضد النحلة. والحُبْس -بالضم- الوقف، وحَبِّس شدَّدَ للتكثير. وقوله: "وسَبِّل الثمرة" أي اجعلها في سبيل الله، والسبيل: الطريق، يُذَكَّرُ ويؤنث. وقوله: "ثم حكى صدقته به" يريد كيفية صدقته بهذا المال، وهو ما رواه في القديم. وقد أخرجه أبو داود في السنن (١) مبسوطًا، عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: "نسخ [لي] (٢) عبد الحميد ابن [عبد] (٣) الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب صدقة عمر بن الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد اللهِ عُمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث: إن ثمغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة (٤) التي أطعمه فيه محمد ﷺ بالواد؛ تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى في السائل والمحروم، وذي القربى، ولا حرج على وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه". وقد روى عبد العزيز بن المطلب (٥)، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر في هذه القصة قال: "فقال له النبي ﷺ : تصدق بثمره واحبس أصله

стр. 1867

لا يباع ولا يورث ولكن ينفق ثمره فتصدق به عمر". وفي هذا دلالة على أنه إنما شرطه عمر في كتاب صدقته لَمَّا أخذه من رسول الله ﷺ . وفي رواية أبي داود ألفاظ تحتاج إلى بيان: "القربى" القرابة من النسب والصهر. و"الرقاب" المكاتبون الذين يشترون أنفسهم من مواليهم ليعتقوا. و"في سبيل الله" هو الجهاد. و"ابن السبيل" المنقطع به من المسافرين. و"المتأثل" الذي يأخذ أصل المال، من التأثيل الفاضل، يريد: غير آخذ أصل هذا المال إنما ينتفع بثمرته. و"ثَمْغ" بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم وبالغين المعجمة: اسم لذلك المال الموقوف. وقوله: "فما عما منه" أي ما حصل من ثمره، من العفو: الزيادة؛ لأن الثمرة زيادة على الأصل. و"المحروم" الذي لا يسأل تعففًا، وقيل: من يُظَنُّ أنه غني فيحرم الصدقة، وقيل: الذي يكاد يكسب، وقيل: الذي لا سهم له في الغنيمة، وقيل: المصاب بثمره أو زرعه. و"الحرج" الإثم أو الضيق. و"وليه" الذي يتولاه ويتصرف فيه. وقوله: "إن أكل آكل" أي أكل بنفسه أو أطعم غيره فغذاه بالثمرة. و"الرقيق" العبيد. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن ملك الواقف يزول عن الملك

стр. 1868

الموقوف. وحكي عن ابن شريج أنه خرَّج فيه قولاً آخر: أنه لا يزول ملكه عن الواقف. وإليه ذهب مالك؛ لحديث عمر فإنه قال: "حَبِّس الأصل وسَبِّل الثمرة"، وليس حجة؛ فإن حبس الأصل إنما هو وقفه، والمنع من التصرفات فيه إلا بطريق الوقف كما قلنا، وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵁ فيمن ينتقل الملك إليه إذا وقفه الواقف، فقال قوم: ينتقل إلى الله تعالى قولاً واحداً؛ لأنه لا مالك له، وإنما منفعته لمن وقف عليه قولاً واحداً، وقال قوم: فيه قولان: يعنون هذين القولين؛ لأن كلام الشافعي في موضعين من كتبه يدل على القولين، وليس من شرط الوقف القبض، ولا حكم الحاكم به، وبذلك قال عامة الفقهاء. وقال أبو حنيفة: الوقف لا يلزم [بمجرده] (١) وللواقف الرجوع فيه، وإذا مات رجع فيه ورثته؛ إلا أن يوصي به أو يحكم به حاكم فيلزم. وحكي عن علي وابن مسعود وابن عباس مثل قوله. وقال الشافعي ﵁: والصدقات المحرمات التي يقول لها بعض الناس: توقف عند [....] (٢) بالمدينة ومكة من الأمور المشهورة العامة التي لا يُحتاج فيها إلى نقل خبر الخاصة، وصدقة رسول الله ﷺ -بأبي وأمي- قائمة، وصدقة عثمان والزبير قريب منها، وصدقه عمر بن الخطاب قائمة، وصدقة عثمان، وصدقة علي وصدقة فاطمة بنت رسول الله ﷺ بالمدينة وأعراضها، وصدقة الأرقم بن أبي الأرقم والمسور بن مخرمة بمكة، وصدقة جبير ابن مطعم وصدقة عمرو بن العاص بالرهط من ناحية الطائف، وما لا أحصي من الصدقات المحرمات لا تبعن ولا توهبن بمكة والمدينة، وقد بلغني أن أكثر من

стр. 1869

ثمانين رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات موقوفات، وقد وَرِثَ كل من سميناه ورثةٌ فيهم: المرأة العربية الحريصة على أخذ حقها من تلك الأموال، وعلى بعض ورثتهم الديون التي يطلب أهلها أموالَ من عليه ديونهم ليبلغ له في حقه، وفيهم من يحب بيع ماله في الحاجة، ويحب بيعه لينفرد بمال لنفسه، ويحب قسمه، فأنفذ الحاكم ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ من ذلك، ومنعوا من طلب قسم أصولها أو بيعها من ذلك بكل وجه. وقال الشافعي: لما سأل عمرُ بن الخطاب رسولَ الله ﷺ عن ماله، فأمره أن يحبس أصله ويُسَبِّل ثمره؛ دل ذلك على إجازة الحبس، وعلى أن عمر كان يلي حبس صدقته، ويصدق ثمرها، بأمر النبي ﷺ لا يليها غيره، قال: أفيحتمل قوله ﷺ : "حبس أصلها وسبل الثمرة" اشتراط ذلك؟ [قلت: نعم] (١) والمعنى الأول أظهرهما، وعليه من الخبر دلالة أخرى، وهي: إذا كان عمر لا يعرف وجه الحبس؛ أَفَيُعَلِّمه: "حَبِّس الأصل وسَبِّل الثمرة" ويدع أن يعلمه أن يخرجها من يديه إلى من يليها عليه ولمن حبسها عليه؟ لأنها لو كانت لا تتم إلا بذلك كان هذا أولى أن يعلمه إياه. قال الشافعي: ولم يزل عمر بن الخطاب [المتصدق] (٢) بأمر رسول الله ﷺ يلي -فيما بلغنا- صدقته حتى قبضه الله، ولم يزل علي بن أبي طالب يلي صدقته بينبع حتى لقي الله، ولم تزل فاطمة تلي صدقتها حتى لقيت الله تعالى، وأخبرنا بذلك أهل العلم من ولد علي وفاطمة وعمر ﵃ ومواليهم، ولقد حفظت الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، ولقد حُكي لي عن عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا،

стр. 1870

ينقل ذلك العامة منهم عن العامة لا يختلفون فيه، وأن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات لكما وصفت، وإِنَّ نقل الحديث فيها [لتكلف] (١) وإن (قد) (٢) كنا قد ذكرنا بعضه، والذي روي عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب قال: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ -ونحو هذا- لرددتها" فهو منقطع لا تثبت به حجة، ومشكوك في متنه لا يدري كيف قاله، والظاهر منه مع ما روينا فيه عن النبي ﷺ أنه: "لولا ذكري إياها لرسول الله ﷺ وأمره إياي بتحبيس أصلها، وقوله: لا تباع ولا توهب ولا تورث؛ لرددتها, لكنه لما شرعَ في [الوقف] (٣) -بسبب سؤالي- ما شَرَّعَ فلا سبيل إلى ردها، والأشبه نعم -إن كان هذا صحيحًا- أنه لَعَلَّه أرادَ رَدَّها إلى سبيل آخر من سُبل الخير، فقال: لولا أني ذكرتها له وأمرني بما شرطت فيها لرددتها إلى سبيل آخر؛ إذْ لم تتحدد له ضرورة إلى ردها إلى مكة، ولا زهادة في الخير، بل كان يزداد على ممر الأيام حرصًا على الخيرات، ورغبة في الصدقات، وزهادة في الدنيا، فلا يصح مثل هذا عن عمر على الوجه الذي عارض به من يدعي تسوية الأخبار عن مذهبه ما أشرنا إليه من الأخبار الثابتة التي انقاد لها أبو يوسف القاضي وترك بها قول من خالفها، وتبعها أيضًا محمد بن الحسن، إلا أنه شرط في لزومها القبض، وقد عاد الشافعي ﵁[و] (٤) أخرج هذا الحديث في كتاب "البحيرة" عن سفيان، عن عبيد الله بن عمر بالإسناد الأول، وسبب تخريجه إياه في كتاب "البحيرة" أنه قال: قال لي قائل: إنما رددنا الصدقات الموقوفات بأمور. قلت له: وما هي؟ فقال: قال شريح: جاء ﷺ بإطلاق الحبس. فقلت له: الحبس الذي جاء النبي ﷺ بإطلاقها هي غير ما ذهبت

стр. 1871

إليه، وهي بينة في كتاب الله ﴿مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١) فهذه الحبس التي كان أهل الجاهلية يحبسونها، فأبطل الله شروطهم فيها، وأبطلها رسول الله ﷺ بإبطال الله جَلَّ ثناؤه -إياها، وهي أن الرجل كان يقول -إذا نتج فحل إبله ثم ألقح ما نتج منه-: [هو] (٢) حام، أي قد حمي ظهره، فيحرم ركوبه ويجعل ذلك شبيهًا بالعتق له، ويقول في البحيرة والوصيلة على معنى يوافق بعض هذا، ويقول لعبده: أنت حُرٌّ سائبة لا يكون لي ولاؤك ولا عليّ عقلك. وقيل أيضًا إنه في البهائم: قد سيبتك. [فلما] (٣) كان العتق لا يقع على البهائم؛ رَدَّ رسول الله ﷺ ملك البحيرة والوصيلة والحام إلى مالكها، وأثبت العتق وجعل الولاء لمن أعتق السائبة، ولم يحبس أهل الجاهلية -علمته- دارًا ولا أرضًا تبررًا بحبسها، وإنما حبس أهل الإِسلام. ثم ذكر الشافعي ﵁ حديث ابن عمر في التحبيس، وبين بذلك أن الحبس الذي أطلق عليه غير الحبس الذي أمر بتحبيسه. ثم قال: وقول شريح: "لا حبس عن فرائض الله" لا حجة فيه؛ لأن قوله على الانفراد لا يكون حجة، ولو كان حجة لم يكن في هذا حبس عن فرائض الله، أرأيت لو وهبها لأجنبي أو باعه إياها [فحاباه] (٤) أيجوز؟ فإن قال: نعم. قيل: أفهذا فرار من فرائض الله؟ [فإن] (٤) قال: لا؛ لأنه أعطاه وهو يملك وقبل وقوع فرائض الله، قيل: وهكذا الصدقة تصدق بها صحيحًا وقبل وقوع فرائض الله؛ لأن الفرائض في الميراث إنما تكون بعد موت المالك، وفي المرض.

стр. 1872

كِتَابُ الْهِبَةِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان أو مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وعن محمد بن النعمان بن بشير، يحدثانه، عن النعمان ابن بشير: "أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي. فقال رسول الله ﷺ : أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ : فارجعه". قال أبو العباس الأصم: وكان عند أصحابنا كلهم مالك؛ فلذلك جعلته بالشك. وأما البيهقي فإنه رواه مرة عن مالك (١) وقال في رواية أخرى: عن سفيان أو مالك (١)، وقال في رواية أخرى: عن سفيان عن ابن شهاب. ورواه المزني، عن الشافعي، عن كل واحد منهما، وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما البخاري فأخرجه (٢) عن عبد الله بن يوسف. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن أحمد بن حنبل، عن [هشيم عن] (٥) سيار بن أبي سيار ومغيرة بن مقسم وداود بن أبي هند ومجالد وإسماعيل بن سالم، كلهم عن الشعبي، عن النعمان بن بشير.

стр. 1873

وأما الترمذي فأخرجه (١) عن نصر بن علي وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن ابن شهاب. وأما النسائي فأخرجه (٢) عن قتيبة ومحمد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري. وفي أخرى (٢) عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. قال الشافعي ﵁ وسمعت في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فارجعه". نَحَلْتُه أَنْحَلُه نُحْلًا -بالضم- ونِحْلةً؛ إذا أعطيته شيئًا ووهبته إياه. وقوله: "نَحَلتُ"؛ والعائد محذوف؛ لدلالة الكلام وطوله عليه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣) ومن نصب فعلى المفعول من قوله: نحلت كقوله تعالى: ﴿[وَمِمَّنْ] (٤) هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ (٥). والولد يقع على الواحد والجمع، وجمع الولد: الوُلْد. وقوله: "فارجعه" أي اردده ولا تعطه، تقول: رجعت الشيء أُرجعه ورجعت أنا أرجع، يتعدى ولا يتعدى. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الهبة مندوب إليها، وهي مع الأقارب أحب؛ لأن فيها صلة الرحم. قال الشافعي في "النحل": الهبة والصدقة غير المحرمة وغير المسبلة، فهذه العطية تتم بأمرين: إشهاد مَنْ أعطاها، وقبضها بأمر من أعطى، أو قبض غيره

стр. 1874

له ممن قبضه له قبض، وإذا وهب الإنسان أولاده فليسوِّ بينهم، ذكرهم وأنثاهم، فإن خص بعضهم؛ انعقدت الهبة مع تركه الأحب. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف، وقال أحمد وإسحاق وطاوس: لا يجوز التفضيل بين الذكور، وأما الأنثى فتعطى نصف ما يعطى الذكر، وحكم الهبة إذا صحت زوال الملك ولزومه؛ إلا فيما يهب [الوالد ولده] (١) وإن سفل فإنه يجوز الرجوع فيه، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يجوز مع ابن الصلب إذا لم ينتفع به. وقال أبو حنيفة والثوري: ليس له الرجوع في ذلك ولا إذا وهب أحدًا من ذوي رحم محرم من النسب. قال الشافعي: حديث النعمان بن بشير حديث ثابت وبه نأخذ. وفيه دلالة على أمور منها: حسن الأدب في أن لا يفضل رجل أحدًا من ولده على بعض في نحل؛ فيعرض في قلب المفضل عليه شيء يمنعه من بره؛ لأن كثيرًا من قلوب الآدميين جبل على الإقصار عن بعض البر إذا أوثر عليه. وفيه دلالة على أن نَحْلَ الوالد بعض ولده دون [بعض] (٢) جائز من قبل أنه لو كان لا يجوز كان أن يقال: إعطاؤك إياه وتركه سواء لأنه غير جائز، وهو على أصل ملكك الأول؛ أشبه من أن يقال: ارجعه. وقوله ﷺ : "فارجعه" دليل على أن للوالد رد ما أعطى الولد؛ فإنه لا يُحَرَّج بارتجاعه فيه. قال: وقد روي أن النبي ﷺ قال له: "أشهد غيري" وهذا يدل على أنه اختيار.

стр. 1875

قال: وقد فضل أبو بكر عائشة بنحل، وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه، وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسْلم، عن طاوس أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده". هكذا جاء هذا الحديث في المسند مرسلاً، وقد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي مسندًا مرفوعًا عن ابن عباس وابن عمر. فأما أبو داود فأخرجه (١) عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عباس وابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل [أن] (٢) يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومَثَلُ الذي يعطي العطية فيرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه". وأما النسائي فأخرجه (٣) عن محمد بن المثنى، عن [ابن] (٤) أبي عدي، عن حسين المعلم (٥). الواهب اسم فاعل من وَهَبَ يَهَبُ وهْبًا وَوَهَبًا -بالفتح- وهِبَةً، و"لا" في قوله: "لا يحل" نافية، وفيها معنى النهي، والوالد مستثنى من غير موجب. و"من" في قوله: "من ولده" متعلقة بوهب لأن التقدير: إلا الوالد فيما

стр. 1876

وهب من ولده، تقول: وهبته ووهبت منه، كما تقول بعته وبعت منه. وقوله: "ثم عاد في قيئه" أي أنه عاد فأكل قيئه، ووجه المشابهة بين الرجوع في الهبة والرجوع في القيء: أن الرجوع في أكل القيء حرام وهذا مثله حرام لا يجوز، [ويفسر] (١) ذلك ما جاء في حديث آخر "العائد في هبته كالعائد في قيئه" قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا فيضره بالحرمة، وإنما شبهه بالقيء ولم يشبهه بغيره من المحرمات؛ تقبيحًا لشأنه، وتقطعًا لأمره، وأن النفس كما تكره الرجوع في القيء وتأنف منه وتستقذره فهكذا ينبغي أن تنفر من الرجوع في الهبة وتكرهه؛ ولأن القيء كما أنه كان طعامًا وشرابًا حصل في جوفه لينتفع [به] (٢) جسمه فأخرجه عنه بالاستقاء فيكره له رده؛ فكذلك الهبة كانت في حكمه وقبضه ينتفع بها في مصالحه، فإذا أخرجها بالعطاء فيكره له ردها وأخذها، فلهذه المناسبات الجامعة بينهما شبهه بها. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، عن مروان بن الحكم، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها" (٣). وقد رواه سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر: "من وهب هبة لوجه الله فذلك له، ومن وهب هبة يريد بها ثوابًا فإنه يرجع فيها إن لم يرض منها" (٤). وقد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على أنه يجوز الرجوع في هبة الأجنبي دون ذوي القربى، وحديث ابن عباس وابن عمر المرفوع إلى النبي ﷺ شكله، وهو أصح منه.

стр. 1877

كِتَابُ العمْرى وَالرقبى أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه [فإنها للذي] (١) يعطاها؛ لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت [فيه] (٢) المواريث". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك فأخرجه (٣) إسنادًا ولفظًا، وزاد بعد قوله: "لا ترجع إلى الذي أعطاها": "أبدًا". وأما البخاري فأخرجه (٤) عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر قال: "قضى النبي ﷺ [بالعمرى] (٥) أنها لمن [وهبت] (٦) له". وأما مسلم فأخرجه (٧) عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وله روايات كثيرة نحوه. وأما أبو داود فأخرجه (٨) عن محمد بن يحيى ومحمد بن المثنى، عن بشر بن عمر، عن مالك.

стр. 1878

وأما الترمذي فأخرجه (١) عن الأنصاري، عن معن، عن مالك. وأما النسائي فأخرجه (٢) عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. وقد أخرجه الشافعي ﵁ في "كتاب حرملة": عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تكون العمرى حتى يقول: لك ولعقبك، وإذا قال: هي له ولعقبه؛ فقد قطع حقه فيها". ورواه الشافعي أيضًا، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه، فهي له لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا" (٣). فقد جعل بعض من روى هذا الحديث قوله: "لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" من قول أبي سلمة، ومن رواية من لم يذكره أصلاً، ومنهم من صرح به أنه [عن] (٤) النبي ﷺ . "العمرى": أن يقول الرجل للرجل: داري هذه لك عمرك، أو يقول: داري هذه لك عمري. أي مدة عمرك أو مدة عمري، فإذا قال ذلك وسلمها إليه، كانت للمُعْمَر ولم ترجع إلى المُعْمِر إن مات. تقول: أعمرته دارًا أو بستانًا أو نحو ذلك، والاسم "العمرى" والألف في آخرها للتأنيث فلا ينون.

стр. 1879

و"أعمر" فعل لم يسم فاعله، و"الهاء" في "له" راجعة إلى المُعْمَر -بالفتح- وهو الضمير المستتر في أعمر. و"العقب" أولاد الرجل، ذكرهم وأنثاهم. وقوله: "وقعت فيه المواريث" أي استحقها الورثة وصارت بمنزلة ماله، يرثه من يرثه. والذي ذهب [إليه] (١) الشافعي ﵁ أن العمرى نوع من أنواع الهبات وتفتقر إلى إيجاب وقبول وقبض، وهي عقد جائز. وحكي عن الزهري أنه قال: لم يكن الخلفاء يعطون بها. وقال بعض العلماء: لا تجوز العمرى. والمذهب الأول. ولا يخلو المُعْمِر من أحوال ثلاث؛ إما أن يقول: هي لك عمرك ولعقبك من بعدك. أو يقول: هي لك عمري أو عمرك، فإذا من رجعت إليّ. أو يطلق القول، والأول جائز ويكون الملك له ولورثته من بعده، لا يرجع إلى الذي أعطاها، ويرثها ورثته كما ترث جميع أملاكه. وأما [الثاني: فعلى الجديد] (٢): أن الشرط يسقط وتكون للمُعْمَر ولا أثر للشرط، وعلى القديم فإنها تصح وترجع إليه عند موت المُعْمَر ويعتبر فيها الشرط، وقد روي في القديم أيضًا أن هذا فاسد. وأما الثالث: فقد اختلف فيه قول الشافعي ﵁؛ قال في الجديد: هي جائزة، وتكون للمُعْمَر ولورثته بعده، وبه قال أبو حنيفة. وقال في القديم: إنها جائزة، وتكون للمُعْمَر مدة حياته، فإذا مات عادت إلى المُعْمِرِ، وقيل: إن قوله في القديم: إنها فاسدة، ولا يجوز أن تكون للمُعْمِرِ، ولا تنتقل إلى ورثته.

стр. 1880

وقال مالك: تكون للمُعْمَر السُّكنى، فإذا مات عادت إلى المُعْمِر، ولذلك إذا قال: هي له ولعقبه كانت أيضًا سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المُعْمِرِ أو إلى ورثته، وعنده أن التملك إنما هو للمنفعة لا لعين الملك. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو سبيل الميراث". هذا الحديث رواية من حديث جابر الذي قبله، ولولا زيادة ذكر الرقبى فيه لأضفناه إليه، وهذه الرواية قد أخرجها [أبو داود والنسائي. فأما أبو داود فأخرجها] (١) عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان، عن ابن جريج. وأما النسائي فأخرجها (٢) عن محمد بن عبد الله بن [يزيد] (٣)، عن سفيان، عن ابن جريج. و"الرقبي" من أرقبت كالعمرى من أعمرت، ومعنى أرقبته إذا أعطته ملكًا على أن يكون للباقي منكما، إن مت قبله كانت له، وإن مات قبلك عادت إليك، وهو من المراقبة، كأن كل واحدٍ منهما يرقب موت صاحبه، أي ينتظره، ولا فرق بين أن يقول أرقبتك هذه الدار أو يقول: هي لك رقبى، فإذا قال ذلك، وقبلها وتسلمها ملكها -على قول الشافعي الجديد في العمرى- ويسقط الشرط وتكون لورثته بعده. وعلى القول القديم حكمها حكم العمرى أيضًا، وبه قال أبو يوسف.

стр. 1881

وقال أبو حنيفة ومحمد: الرقبى لا يملك بها، وتكون عارية في يده تعود إلى المرقب بموته. وقوله: "فهو في الميراث" أي حكمه حكم الميراث، وفي بعض النسخ "فهو في سبيل الموت" أي أن الملك جار في مجرى الميراث. وقوله: "أعمر" و"أرقب" جاز أن [يكونا] (١) مفتوحي الهمزتين ومضموميهما، فأما [الضم] (٢) فيكون الفعْل راجعًا إلى المُعْمَر والمُرْقَب وهما المفعولان، وإذا قلنا، بالفتح كان الكلام جاريًا على سَنَنٍ واحد داخلًا في حكم الخطاب للفاعلين؛ لأنه قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا" فنهاهم، ثم قال: "فمن أعمر أو أرقب" فجعل اللفظ داخلًا في حكم الفاعل حتى يتبين لهم ما يلزم من خالف النهي، وإن قلنا: بالضم، فيكون لما نهاهم عن الإعمار والإرقاب ذكر المعنى الذي لأجله نهاهم، يحثهم به على اتباع النهي والوقوف عنده، وأنكم متى أعمرتم أو أرقبتم انتقل الملك إلى غيركم ممن أعمرتموه وأرقبتموه، فعدل عن ذكر الفاعل إلى ذكر المفعول لأنه الذي ينتقل الملك إليه ويستقل به دون الفاعل، فينتبه الذهن إلى المعنى الباعث على ترك الإعمار والإرقاب بما تميل النفوس إليه من حبها المال وكراهية انتقاله إلى غيرها، فكان ذلك أدعى إلى الانتهاء والارتداع، والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمر، عن [طاوس] (٣) عن حجر المدري، عن زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ جعل العمرى للوارث". هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود والنسائي.

стр. 1882

فأما أبو داود فأخرجه (١) عن عبد الله بن محمد النفيلى عن معقل، عن عمرو ابن دينار، عن طاوس، عن زيد، وذكر معناه. وأما النسائي فأخرجه (٢) عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بالإسناد مثله. قوله: "للوارث" يريد لوارث المُعْمَر، وأنها جارية مجرى ما يخلفه من الملاكة، وهذا الحديث مؤكد لقوله الجديد، وأن العمرى لا ترجع إلى المُعْمِر. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن سليمان بن يسار: "أن طارقًا قضى بالمدينة بالعمرى عن قول جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم مختصرًا هكذا ومطولاً؛ فأما المختصر فأخرجه (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بالإسناد. وأما المطوله فأخرجها (٣) عن محمد بن رافع وإسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "أعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها، ثم توفى، وتوفيت بعده، وترك ولدًا وله إخوة بنون [للمُعْمِرَة] (٤) فقال ولد المُعْمِرَة: رجع الحائط إلينا؛ وقال بنو المُعْمَرِ: بل كان لأبينا حياته ومماته. فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعى جابرًا فشهد على رسول الله ﷺ بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك

стр. 1883

فأخبره ذلك طارق .... فإن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم، وهذا الحديث [استدل] (١) به الشافعي على ما رواه عنه المزني من جواز العمري لمن وُهبت له، وأنها تكون له في حياته، ولورثته إذا مات، وإن لم يقل: "ولعقبه" إذا قبضها المعتمر. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار وحميد الأعرج، عن حبيب بن [أبي] (٢) ثابت قال: "كنت عند ابن عمر، فجاءه رجل من أهل البادية، فقال: إني وهبت لابني ناقة [حياته] (٣)، وإنها تناتجت إبلاً، فقال ابن عمر: هي له حياته وموته. فقال: إني تصدقت عليه بها، فقال: ذلك أبعد لك منها". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن حبيب بن أبي ثابت ... مثله إلا أنه قال: "أضنت واضطربت". "تناتجت" تفاعلت من النتاج: الولادة، و"إبلًا" منصوب على التمييز، ويريد به الكثرة أي أن نتاجها صار إبلاً، و"الإبل": الجماعة من البعران، ومنه المثل المضروب: "الذود إلى الذود إبل" فكأنه لما رأى نتاجها قد كثر حتى صار إبلًا أراد الرجوع فيه، فقال له ابن عمر: هي له في حياته ومماته، وذلك أنه جعلها بمنزله العمرى لأنها هبة، فأعطاها حكمها، فلما سمع قول ابن عمر، قال: "إني تصدقت بها عليه" ظنًّا منه أنها تعود إليه، فقال له: "ذلك أبعد لك منها" لأن الصدقة في باب العطاء وانقطاع الملك من الهبة.

стр. 1884

قوله: "أَضْنت واضطربت" (١). قال الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "حضرت شريحًا فقضى لأعمى بالعمرى، فقال له الأعمى: يا أبا أمية بم قضيت لي؟ فقال شريح: لست أنا قضيت لك، ولكن محمد ﷺ قضى لك منذ [أربعين] (٢) سنة؛ قال: من أعمر شيئًا حياته فهو لورثته إذا مات". قال (٣): قلت للشافعي: فإنا نخالف هذا -يعني مالكًا وأصحابه- وحجتنا فيه أن مالكًا قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم: "أنه سمع مكحولاً الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمرى وما يقول الناس فيها، فقال له القاسم: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا". فقال الشافعي ﵁ ما أجابه القاسم في العمرى بشيء، وما أخبره إلا أن الناس على شروطهم، ولم يقل له: إن العمرى من تلك الشروط التي أدرك الناس عليها. وقد يجوز أن لا يكون القاسم سمع الحديث, ولو سمعه ما خالفه -إن شاء الله تعالى.

стр. 1885

وقال: ولا يشك عالم أن ما ثبت عن رسول الله ﷺ أولى أن يقال به مما قاله ناس بعده قد يمكن أن لا يكونوا سمعوا من رسول الله ﷺ ، ولا بلغهم عنه شيء؛ وإنهم لناس لا نعرفهم. ***

стр. 1886

كِتَابُ اللُّقَطَةِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد موْلى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن اللقطة، فقال: اعرف عِفَاصَها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها". هكذا جاء في المسند، وقد أخرجه المزني عن الشافعي ﵄ بهذا الإسناد واللفظ، ثم قال: "فَضَالَّة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، قال: فَضَالَّة الإبل؟ قال: فمالك ولها؟! معها سقاؤها و [حذاؤها] (١) تَرِدُ الماءَ، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها". هذا حديث صحيح متفق عليه، وأخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك فأخرجه (٢) بتمامه مثل المزني. وأما البخاري فأخرجه (٣) عن عبد الله بن يوسف. وأما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك بطوله. وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة مثل المزني. وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن قتيبة مثل أبي داود.

стр. 1887

وللبخاري ومسلم روايات كثيرة نحو ذلك، وفي الباب [عن] (١) عبد الله بن عمرو، والجارود بن المعلى، وعياض بن حمار، وجرير بن عبد الله، وقد روى هذا الحديث جماعة عن ربيعة، فمنهم من ذكره هكذا، ومنهم من قدم ذكر التعريف عن [معرفه] (٢) "وكائها وعفاصها" منهم سفيان الثوري وإسماعيل بن جعفر. "اللُّقَطة" -بضم اللام، وفتح القاف وبسكونها: ما يُلتقط من الأرض مما تجده ملقًى عليها. قال الأزهري: قال الليث: اللُّقْطة -بسكون القاف- اسم الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، وكذلك المنبوذ من الصبيان لُقْطَة، وأما اللُّقَطَة -بالتحريك- فهو الرجل اللَّقَّاط الذي يتتبع اللُّقاطَات يَلْتَقطُها. قال الأزهري: قلت: وكلام العرب على غير ما قال الليث، وإن كان ما قاله قياسًا، روى أبو عبيْد عن الأصمعي والأحمر أنهما قالا: هي اللَّقَطَة و [القُصعة] (٣) والنُّفَقَة مثقلات كلها لما يُلتقط من الشيء الساقط. وهكذا رواه المحدثون، وأما الصبي المنبوذ فهو اللقيط عند العرب، فعيل بمعنى مفعول، والذي يأخذ اللقيط أو الشيء الساقط يقال له: الملتقط. انتهى كلام الأزهري. قلت: القُصْعَة: هي القاصعاء، والنُّفْقَة: النافقاء، وهما من جحرة

стр. 1888

اليربوع (١). و"العِفَاص" بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة: الوعاء الذي تكون فيه النُّفقَة جلدًا كان أو خرقة أو غير ذلك. "والوكاء" الخيط الذي يُشدُّ به رأس الوعاء، وإنما أمره بحفظ عفاصها ووكائها ومعرفتها لوجوه من المصالح منها: أن العادة جارية بإلقاء الوعاء والوكاء إذا فرغ من النفقة؛ فأمره بمعرفته وهو حفظه لذلك. ومنها أنه نبهه على حفظ ما في الوعاء؛ لأنه إذا أَمَرَهُ بحفظ الوعاء والوكاء كان أَمْرُه بحفظ ما فيه أولى. ومنها أنه إذا جاء صاحبها بغتة، فربما غلب على ظنه صدقه، فيجوز له الدفع إليه. ومنها أنه إذا عرف ذلك أمكنه التعريف لها والإشهاد عليه. وقوله: "ثم عرفها سنة" أي عرفها للناس وعَرِّضْهَا لتعرف؛ بأن يُشهر خبرها ويُنادي عليها، ويُظهر أنه وجد شيئًا؛ لعل صاحبه يسمع ذلك، فيجيء إليه فيعطيه علامته. وقوله: "فَشَأْنُك بها" الشأن الحال، والأمر، أي فلك أن تتصرف فيها، أي لا حجر عليك في أمرك وشأنك كما لا حجر عليك في مالك، ويكون مرفوعًا بالابتداء وخبره قوله: "بها" أي شَأْنُك بها متعلق بها. و"الضالة": الضائعة التي تضل عن صاحبها، ضَلَّ الشيء يَضِلُّ ضلالة فهو ضَالٌّ: إذا ضاع، وإذا هلك.

стр. 1889

والضالة اسم فاعله في الأصل، ثم استعمل الضالة في الحيوان الضائع، وكثر إطلاق ذلك عليه حتى صار كالمقصور عليه، وحتى صار إطلاقه على غيره كالمجاز المنقول عن أصله، وحتى إذا أطلق أيضًا على المعاني فإنه قد جاء في الحديث: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن" (١) ثم جعلت اللقطة للذكر والأنثى سواء، فيقال في الجمل ضالة كما يقال في الناقة، وفي الكبش كما يقال في النعجة، وعلى هذا القياس تقول: أضللت بعيري إذا ضَلَّ عنك فلم تَدْرِ أين ذهب، وضللت بعيري إذا كان في موضع فلم تهتد إلى موضعه. وقوله: "لك أو لأخيك أو للذئب" يعني أنها لك أي أنت تتنزل منزلة مالكها فكأنها لك، وهذا إذن منه في أخذها حيث جعلها له. وقوله: "أو لأخيك" أي لأحدٍ آخر يراها كما رأيتها، فهي له كما هي لك. وقوله: "أو للذئب" يعني أنك إن لم ترها أنت ولا غيرك، أو رأيتها فلم تأخذها؛ فإن الذئب يراها فيأخذها فيأكلها. وفي قوله: "أو للذئب" حث له وتحريض على أخذها؛ لأنه إذا علم أنه إذا لم يأخذها بقيت للذئب كان ذلك أدعى له وأبعث على أخذها. وقوله في ضالة الإبل: "مالك ولها" استفهام وردع وزجر وإنكار، وهذا من أفصح الأقوال وأبلغ الخطاب أن يستفهم عن شيء وهو أمر بفعله أو تركه مع إنكارٍ وزجرٍ، ثم عَلَّل إنكاره بأن معها سقاءها يريد جوفها؛ لأنها تأخذ الماء كثير السعة في جوفها فيبقى معها، فتحيا إلى أن ترد الماء مرة أخرى، والمراد "بحذائها" إحفاؤها أي أنها تقوى على قطع الأرض. ثم بين ما أراد بقوله: "معها سقاؤها وحذاؤها" فقال: "ترد الماء وتأكل

стр. 1890

الشجر إلى أن يلقاها ربها" وفي بيان المذهب في اللقطة وتفصيلها وأحكامها طول قد استقصي في كتب الفقه، فلم نطل بذكره ها هنا، إلا أنَّا نورد كلامًا للشافعي مجملاً، قال الربيع: قال الشافعي في اللقطة مثل حديث مالك عن النبي ﷺ سواء يعرفها سنة ثم يأكلها -موسرًا كان أو معسرًا- إن شاء الله تعالى. قال الشافعي: إلا أني لا أرى أن يخلطها بماله، ولا أن يأكلها حتى يُشهد على عددها ووزنها وطرفها وعفاصها ووكائها، فمتى جاء صاحبها غرمها له، وإن مات كانت دينًا في ماله، ولا يكون عليه في الشاة يجدها بالمهلكة تعريف، إن أحب أن يأكلها فهي له، ومتى لقي صاحبها غرمها له، وليس ذلك في ضالة الإبل ولا البقر؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما، وضالة الغنم والمال لا يدفعان عن أنفسهما. قال: ويأكل اللقطة الغني والفقير، ومن تحل له الصدقة ومن لا تحل له، قد أمر النبي ﷺ أبي بن كعب وهو أيسر أهل الدينة -أو كأيسرهم- وجد سرة فيها مائة أو ثمانون دينارًا أن يأكلها, وليس -فيما زعمتم- لأحد أن يعطي موسرًا من الصدقة، ولا يعطي معسرًا عشرين دينارًا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أيوب بن موسى، عن معاوية بن عبد الله بن بدر، أن أباه أخبره: "أنه نزل منزلاً بطريق الشام، فوجد [صرة] (١) فيها ثمانون دينارًا، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال له عمر: عرفها على أبواب [المساجد] (٢) واذكرها لمن يقدم [من] (٣) الشام، فإذا مضت

стр. 1891

السنة فشأنك بها". هذا حديث الموطأ أخرجه فيه إسنادًا ولفظًا (١) وفيه شرح لبعض أحكام اللقطة؛ فإنه يستفاد منه: أن الالتقاط كان في الصحراء، وقد اختلف في اللقطة إذا كانت في الصحراء وفي المدن ينبغي أن يكون [التعريف] (٢) بالمساجد وعلى أبوابها، ويتبع ذلك ما كان في معناها كالأسواق ومواضع العامة والقوافل. وفيه تحديد مدة التعريف بسنة. وهذا الحديث هكذا أخرجه مالك موقوفًا على عمر، وقد روي عن عمر في قصة أخرى مرفوعًا (٣). وقد أخرج الشافعي ﵁ عن الدراوردي، عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن علي بن أبي طالب: "أنه وجد دينارًا على عهد رسول الله ﷺ ، فذكره للنبي ﷺ ، فأمره أن يعرفه، فلم يعرف، فأمره أن يأكله، ثم جاء صاحبه فأمره أن يغرمه". قال الشافعي: وعلي بن أبي طالب ممن تحرم عليه الصدقة؛ لأنه من صلبية بني هاشم. وأخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن رجل- عن شعبة، عن أبي قيس، قال: سمعت هذيلًا يقول: "رأيت عبد الله بن مسعود أتاه رجل بسرة مختومة، فقال: قد [عرفتها فلم أجد من يعرفها، فقال استمتع بها". قال الشافعي: وهذا قولنا، إذا] (٤) عرفها فلم يجد من يعرفها فله أن يستمتع

стр. 1892

بها، وهكذا السنة الثابتة عن النبي ﷺ . وقد خالفوا هذا كله ورووا حديثًا عن عامر، عن أبيه، عن عبد الله: "أنه اشترى جارية، فذهب صاحبها، فتصدق بثمنها، وقال: اللهم عن صاحبها، فإن كره فلي وعليّ الغرم، ثم قال: وهكذا نفعل باللقطة" فخالفوا (فيه) (١) السنة في اللقطة وخالفوا حديث عبد الله بن مسعود الذي يوافق السنة، وهو عندهم ثابت، واحتجوا بهذا الحديث الذي عن عامر وهم يخالفونه فيما هو فيه بعينه، ويقولون: إن ذهب البائع فليس للمشتري أن يتصدق بثمنها, ولكنه يحبس حتى يأتي صاحبها متى جاء. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع: "أن رجلاً وجد لقطة فجاء إلى عبد الله بن [عمر] (٢) فقال: إني وجدت لقطة [فماذا] (٣) ترى؟ فقال ابن عمر: عرفها، قال: قد فعلت. قال: زد. قال: قد فعلت. قال: لا آمرك أن تأكلها, ولو شئت لم تأخذها". هذا حديث الموطأ أخرجه بالإسناد واللفظ (٤). قوله: "عرفها" مطلقًا لم يقيده بمدة، ولكن الظاهر أنه إنما أمره أمرًا مطلقًا، لأنه قد كان يعلم منه أنه عارف مدة التعريف، فلم يَحْتَجْ أن يُعَرِّفه مقدار مدته. وقوله: "زد" أي في التعريف، والأشبه أنه أراد الزيادة على السنة للاحتياط والتورع عن أكلها واستهلاكها، ويعضد ذلك قوله في الجواب: "لا آمرك أن تأكلها". قوله: "ولو شئت لم تأخذها" يؤكد ذلك؛ لأن من أحب التورع والتنزه

стр. 1893

عن الشُّبه فإنه يتجنبها. والذي ذهب إليه الشافعي: أَنَّ واجد اللقطة إذا عرف من نفسه الأمانة فإنه يستحب له أخذها، وقال في موضع آخر: ولا يحل ترك اللقطة لمن وجدها إذا كان أمينًا، فقال بعض أصحابه: هي على اختلاف حالين: فالأول: إنما أراد به إذا وجدها في قرية أو محلة يُعرف أهلها بالثقة والأمانة؛ فالظاهر سلامتها فلم يجب عليه أخذها, ولكن يستحب له. والثاني: أراد به إذا وجدها في موضع لا يعرف أهله بالثقه أو كانت في موضع يطرقه الناس فإن الظاهر هلاكها؛ فيجب عليه أخذها. وقال بعض الأصحاب: فيه قولان: أحدهما: يستحب. والثاني: يجب. وحُكي عن مالك وأحمد أنهما كرها الالتقاط، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو مذهب عطاء وجابر بن زيد، هذا إذا كان الواحد أمينًا، وإن كان غير أمين فلا يأخذها؛ لأنه يعرضها للتلف. قال الشافعي ﵁ إذا وجد الرجل بعيرًا فأراد ردّه على صاحبه فلا بأس بأخذه؛ وإن كان إنما يأخذه ليأخذه فلا وهو ظالم. قال: وإن كان للسلطان حمى ولم يكن على صاحب الضوال مؤنة تلزمه في رقاب الضوال؛ صنع كما صنع عمر بن الخطاب تركها في الحمى حتى يأتي صاحبها وما تناتجت فهو لمالكها، وإن لم يكن للسلطان حمى وكان يستأجر

стр. 1894

عليها وكانت الأجرة تعلق في رقابها رأيت أن يصنع كما صنع عثمان بن عفان، إلا في كل ما عُرِفَ أن صاحبه قريب فيحبسه اليومين والثلاثة ونحو ذلك، وقد روى ابن شهاب: "أنه كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بمعرفتها وتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها". ***

стр. 1895

كِتَابُ اللَّقِيطِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سنين [أبي] (١) جميلة -رجل من بني سليم- "أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، فجاء به إلى عمر، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ قال: وجدتها ضائعة فأخذتها. فقال له عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: اذهب فهو حرٌّ، فلك ولاؤه وعلينا نفقته". هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) بالإسناد. وقد أخرجه البخاري في ترجمة باب من كتابه استشهادًا بغير إسناد (٣). "المنبوذ" مفعول من نبذت الشيء أنبذه نبذًا فأنا نابذٌ، وهو منبوذ، هذا هو الأصل، ثم كثر استعماله في "اللقيط" وهو الطفل يُلقى بالأرض لا يعرف له أب ولا أم ولا قبيلة، بل يوجد مرميًّا على الطريق وبالأسواق ونحو ذلك. فجعله كثرة استعماله كأنه خاص به، وهو المراد في الحديث. و"النسمة" الروح، وقيل: كل حيوان، وقيل: الإنسان خاصة، والجمع: النسم. وقوله: "وجدتها ضائعة" فنسب الفعل إليها مجازًا وإلا فهي مُضَيَّعَة؛ لأن أهلها أضاعوها, ولم تضع هي منهم، وإن كان ذلك جائزًا أن يضيع الطفل من أهله، ولكن العادة جارية أن من ضاع له ولد فإنه يطلبه ويسأل عنه، ومن هو من هذا القبيل فإن أهله ألقوه ورموه ليلتقطه الناس.
следующие страницы →