← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

السنة فشأنك بها". هذا حديث الموطأ أخرجه فيه إسنادًا ولفظًا (١) وفيه شرح لبعض أحكام اللقطة؛ فإنه يستفاد منه: أن الالتقاط كان في الصحراء، وقد اختلف في اللقطة إذا كانت في الصحراء وفي المدن ينبغي أن يكون [التعريف] (٢) بالمساجد وعلى أبوابها، ويتبع ذلك ما كان في معناها كالأسواق ومواضع العامة والقوافل. وفيه تحديد مدة التعريف بسنة. وهذا الحديث هكذا أخرجه مالك موقوفًا على عمر، وقد روي عن عمر في قصة أخرى مرفوعًا (٣). وقد أخرج الشافعي ﵁ عن الدراوردي، عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن علي بن أبي طالب: "أنه وجد دينارًا على عهد رسول الله ﷺ ، فذكره للنبي ﷺ ، فأمره أن يعرفه، فلم يعرف، فأمره أن يأكله، ثم جاء صاحبه فأمره أن يغرمه". قال الشافعي: وعلي بن أبي طالب ممن تحرم عليه الصدقة؛ لأنه من صلبية بني هاشم. وأخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن رجل- عن شعبة، عن أبي قيس، قال: سمعت هذيلًا يقول: "رأيت عبد الله بن مسعود أتاه رجل بسرة مختومة، فقال: قد [عرفتها فلم أجد من يعرفها، فقال استمتع بها". قال الشافعي: وهذا قولنا، إذا] (٤) عرفها فلم يجد من يعرفها فله أن يستمتع

стр. 1892

بها، وهكذا السنة الثابتة عن النبي ﷺ . وقد خالفوا هذا كله ورووا حديثًا عن عامر، عن أبيه، عن عبد الله: "أنه اشترى جارية، فذهب صاحبها، فتصدق بثمنها، وقال: اللهم عن صاحبها، فإن كره فلي وعليّ الغرم، ثم قال: وهكذا نفعل باللقطة" فخالفوا (فيه) (١) السنة في اللقطة وخالفوا حديث عبد الله بن مسعود الذي يوافق السنة، وهو عندهم ثابت، واحتجوا بهذا الحديث الذي عن عامر وهم يخالفونه فيما هو فيه بعينه، ويقولون: إن ذهب البائع فليس للمشتري أن يتصدق بثمنها, ولكنه يحبس حتى يأتي صاحبها متى جاء. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع: "أن رجلاً وجد لقطة فجاء إلى عبد الله بن [عمر] (٢) فقال: إني وجدت لقطة [فماذا] (٣) ترى؟ فقال ابن عمر: عرفها، قال: قد فعلت. قال: زد. قال: قد فعلت. قال: لا آمرك أن تأكلها, ولو شئت لم تأخذها". هذا حديث الموطأ أخرجه بالإسناد واللفظ (٤). قوله: "عرفها" مطلقًا لم يقيده بمدة، ولكن الظاهر أنه إنما أمره أمرًا مطلقًا، لأنه قد كان يعلم منه أنه عارف مدة التعريف، فلم يَحْتَجْ أن يُعَرِّفه مقدار مدته. وقوله: "زد" أي في التعريف، والأشبه أنه أراد الزيادة على السنة للاحتياط والتورع عن أكلها واستهلاكها، ويعضد ذلك قوله في الجواب: "لا آمرك أن تأكلها". قوله: "ولو شئت لم تأخذها" يؤكد ذلك؛ لأن من أحب التورع والتنزه

стр. 1893

عن الشُّبه فإنه يتجنبها. والذي ذهب إليه الشافعي: أَنَّ واجد اللقطة إذا عرف من نفسه الأمانة فإنه يستحب له أخذها، وقال في موضع آخر: ولا يحل ترك اللقطة لمن وجدها إذا كان أمينًا، فقال بعض أصحابه: هي على اختلاف حالين: فالأول: إنما أراد به إذا وجدها في قرية أو محلة يُعرف أهلها بالثقة والأمانة؛ فالظاهر سلامتها فلم يجب عليه أخذها, ولكن يستحب له. والثاني: أراد به إذا وجدها في موضع لا يعرف أهله بالثقه أو كانت في موضع يطرقه الناس فإن الظاهر هلاكها؛ فيجب عليه أخذها. وقال بعض الأصحاب: فيه قولان: أحدهما: يستحب. والثاني: يجب. وحُكي عن مالك وأحمد أنهما كرها الالتقاط، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو مذهب عطاء وجابر بن زيد، هذا إذا كان الواحد أمينًا، وإن كان غير أمين فلا يأخذها؛ لأنه يعرضها للتلف. قال الشافعي ﵁ إذا وجد الرجل بعيرًا فأراد ردّه على صاحبه فلا بأس بأخذه؛ وإن كان إنما يأخذه ليأخذه فلا وهو ظالم. قال: وإن كان للسلطان حمى ولم يكن على صاحب الضوال مؤنة تلزمه في رقاب الضوال؛ صنع كما صنع عمر بن الخطاب تركها في الحمى حتى يأتي صاحبها وما تناتجت فهو لمالكها، وإن لم يكن للسلطان حمى وكان يستأجر

стр. 1894

عليها وكانت الأجرة تعلق في رقابها رأيت أن يصنع كما صنع عثمان بن عفان، إلا في كل ما عُرِفَ أن صاحبه قريب فيحبسه اليومين والثلاثة ونحو ذلك، وقد روى ابن شهاب: "أنه كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بمعرفتها وتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها". ***

стр. 1895

كِتَابُ اللَّقِيطِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سنين [أبي] (١) جميلة -رجل من بني سليم- "أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، فجاء به إلى عمر، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ قال: وجدتها ضائعة فأخذتها. فقال له عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: اذهب فهو حرٌّ، فلك ولاؤه وعلينا نفقته". هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) بالإسناد. وقد أخرجه البخاري في ترجمة باب من كتابه استشهادًا بغير إسناد (٣). "المنبوذ" مفعول من نبذت الشيء أنبذه نبذًا فأنا نابذٌ، وهو منبوذ، هذا هو الأصل، ثم كثر استعماله في "اللقيط" وهو الطفل يُلقى بالأرض لا يعرف له أب ولا أم ولا قبيلة، بل يوجد مرميًّا على الطريق وبالأسواق ونحو ذلك. فجعله كثرة استعماله كأنه خاص به، وهو المراد في الحديث. و"النسمة" الروح، وقيل: كل حيوان، وقيل: الإنسان خاصة، والجمع: النسم. وقوله: "وجدتها ضائعة" فنسب الفعل إليها مجازًا وإلا فهي مُضَيَّعَة؛ لأن أهلها أضاعوها, ولم تضع هي منهم، وإن كان ذلك جائزًا أن يضيع الطفل من أهله، ولكن العادة جارية أن من ضاع له ولد فإنه يطلبه ويسأل عنه، ومن هو من هذا القبيل فإن أهله ألقوه ورموه ليلتقطه الناس.

стр. 1896

و"العريف" المتقدم على القوم يتولى أمرهم مثل النقيب، وهو دون الرئيس والجمع: عرفاء، تقول منه: عَرُفَ -بالضم- عَرَافَةً -بالفتح- أي صار عريفًا. وإذا أردت أنه عَمِلَ ذلك قلت: عَرَفَ -بالفتح-[يَعْرُف] (١) بالضم. (أن) (٢) اللقيط يكون عبدًا لملتقطه فقال له عمر: "اذهب به فإنه حر" وليس على ما كنتم عليه من استرقاق اللقيط، ولما قال له: "إنه حر" قال: "ولك ولاؤه" لأنك أولى به من غيرك؛ حيث كنت أنت الواجد له، "وعلينا نفقته" يعني في بيت المال. وإنما قال له عمر: "ما حملك على أخذه؟ " لأنه اتهمه في أمره؛ فإن ذلك ربما كان لزنية منه، أو ريبة فعلها، فلما شهد له عريفه بالصلاح أقره عليه ولم يحقق معه الإنكار. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن التقاط المنبوذ واجب على الكفاية، ولو تركه الكل أثموا، وعلى الملتقط كفالته وتربيته، ونفقته في بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال شيء وجبت على المسلمين فإن كان عند المنبوذ شيء من مال وغيره فإنه ماله ويملكه كما يملك غيره، فحينئذ تكون النفقة من مالهِ هذا بالمعروف. وأما الولاء فمذهب الأئمة أن لا وَلاء عليه للملتقط وإنما يرثه بيت المال، وحكي عن بعض الناس أنه قال: ولاؤه للملتقط فيرثه؛ أخذًا يقول عمر، وإنما أراد عمر بقوله: "ولاؤه" ولاء الحضانة والتربية أو الحفظ، وإنما حملوه على ذلك للحديث الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ وهو قوله: "إنما الولاء لمن أعتق" و"وإنما" للحصر، فكان هذا محمولاً على ما قلناه. قال الشافعي -في رواية المزني عنه-: وقد روي عن عمر أنه قال: "لئن أصاب الناس سَنَةٌ، لأنفقن عليهم من مال الله حتى لا أجد درهمًا، فإذا لم أجد درهمًا ألزمت كل رجلٍ رجلاً".

стр. 1897

كِتَابُ الفَرَائِض أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك فأخرجه (١) عن الزهري بالإسناد، وقال: عمر بن عثمان. وهو وهم؛ فإنما هو عمرو بن عثمان، وقد روى بعضهم عن مالك فقال: عمرو بن عثمان، وأكثر أصحابه إنما رووا: عمر بن عثمان، وهو وَهْم (٢). وأما البخاري فأخرجه (٣) عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق ابن إبراهيم، عن ابن عيينة. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن مسدد، عن سفيان. وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد، عن سفيان، وفي الباب عن جابر [وعبد الله] (٦) بن عمرو بن العاص.

стр. 1898

"لا" في قوله: "لا يرث المسلم الكافر" نافية قد تضمنت معنى النهي وورودها بلفظ النفي أبلغ في الخطاب من النهي؛ لأن النهي يتضمن أن الحكم قد كان قارًّا قبل وروده، والنفي يتضمن الإخبار عن حالته وأنها كانت منفية لم تكن ثابتة قبل ذلك. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن لا توارث بين المسلم والكافر بحال. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وجابر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وغيرهم [من] (١) الفقهاء والأئمة، وروى معاذ بن جبل ومعاوية: "أن المسلم يرث الكافر، ولا يرث الكافر المسلم كما يجري بينهما أمر النكاح" وبه قال محمد بن الحنفية ومحمد بن علي ابن الحسين، وابن المسيب، ومسروق، والنخعي، وإسحاق. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين قال: "إنما ورث أبا طالب عقيل وطالب، ولم يرثه علي ولا جعفر. قال: فلذلك تركنا نصيبنا من الشعب". هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في الموطأ (٢) مرسلاً، وقد جاء هذا المعنى عن أسامة (٣) أنه قال: "يا رسول الله أين تنزل غدًا؛ في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه علي ولا جعفر؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين". قال الشافعي: فدلت سنة رسول الله ﷺ على ما وصفت من أن الدينين إذا اختلفا بالشرك والإسلام لم يتوارث من سُميت له فريضة. و"الشعب" هو شعب بني هاشم الذي كانت بيوتهم فيه بمكة، وهو الذي

стр. 1899

أقاموا فيه لما تحالفت عليهم قريش أن لا يبايعوهم. وأخرج الشافعي (١) ﵁ حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من باع عبدًا له [مال] (٢) فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع". ثم قال: فلما كان بَيِّنًا في سنة رسول الله ﷺ أن العبد لا يملك مالاً، وأن ما يملك العبد فإنما يملكه لسيده، فإن كان للعبد أب أو غيره ممن سُميت له فريضة [وكان لو] (٣) أعطيها ملكها سيده عليه، ولم يكن السيد بأب للميت ولا وارث سميت له فريضة، لكنا لو أعطينا العبد بأنه أب إنما أعطينا السيد الذي لا فريضة له، فوَرَّثْنا غير من وَرَّث الله، فلم نورث عبدًا لما وصفت، ولا واحدًا لم تجتمع فيه الحرية والإسلام والبراءة من القتل حتى لا يكون قاتلًا، وذلك أنه أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب أن النبي ﷺ قال: "ليس لقاتل شيء" هذا مرسل وقد رواه محمد بن راشد (٤)، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . قال الشافعي ﵁: ولم أسمع اختلافًا في أن قاتل الرجل عمدًا لا يرث من قتل من دية ولا مال شيئًا، ثم افترق الناس في القاتل خطأ فقال بعض أصحابنا: يرث من المال ولا يرث من الدية، وروي ذلك عن بعض أصحابنا عن رسول الله ﷺ بحديث لا [يثبته] (٥) أهل العلم بالحديث، وقال غيرهم: لا يرث قاتل الخطأ من دية ولا مال، وهو كقاتل العمد، وإذا لم يثبت الحديث فلا يرث عمدًا ولا خطأً شيئًا [أشبه] (٦) بعموم أن لا يرث قاتلٌ مَنْ قتل.

стр. 1900

وقد أخرج الشافعي (١) ﵁ فيما بلغه عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أن عبد الله سئل عن رجل مات وترك أباه مملوكًا ولم يدع وارثًا، فقال: يُشترى من ماله فيعتق، ويدفع إليه ما ترك". قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا. أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف عبد الله. قال: ونقول نحن: ماله في بيت المال وكذلك يقولون هم إن لم يوصِ به. وقال الشافعي ﵁ في باب ميراث الجد: وهذا قول زيد بن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وإلى الحجة ذهبنا في قول زيد بن ثابت. وأخرج الشافعي (٢) ﵁ عن رجل، عن الثوري، عن معمر بن خالد الجهني، عن مسروق، عن عبد الله في "ابنتين وبنات ابن وابني ابن: للابنتين الثلثان، وما بقي فلابني الابن دون البنات، وكذلك قال في الأخوات والإخوة للأب مع الأخوات للأم وللأب". قال الشافعي: ولسنا نقول بهذا، وإنما نقول: للبنات أو الأخوات الثلثان، وما بقي فلابني الابن وبنات الابن أو للإخوة والأخوات من الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين. أورده إلزامًا فيما خالف العراقيون فيه عبد الله بن مسعود. وأخرج الشافعي (٢) ﵁ عن رجل، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي: "أنه كان يشرك بين الجد والإخوة حتى يكون سادسًا". قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، أما صاحبهم فيقول: الجدٌّ أَبٌ، فيطرح

стр. 1901

الإخوة، وأما هم ونحن فنقول بقول زيد: يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة خيرًا له ولا ينقص من [الثلث] (١) من رأس المال. وأخرج الشافعي (٢) ﵁ فيما بلغه، عن أبي معاوية، عن الأعمعش، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله يشرك الجد مع الإخوة، فإذا كثروا أوفاه السدس". وقال: هذا ما قال في قول علي ﵇. وأخرج الشافعي (٢) ﵁ فيما بلغه، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله يجعل الأكدرية من ثمانية أسهم، للأم سهم، وللجد سهم، وللأخت ثلاثة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم". قال الشافعي ﵁ وليسوا يقولون بهذا؛ ولكنهم يقولون بما روي عن زيد بن ثابت فجعلها من تسعة أسهم، للأم سهمان، وللجد سهم، وللأخت ثلاثة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، ثم يقاسم الجد الأخت فيجعل بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال أخبرنا ابن أبي رواد ومسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة: "أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق امرأته فيبتها، ثم يموت وهي في عدتها؟ فقال عبد الله بن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية فبتها، ثم مات وهي في عدتها، فَوَرَّثَها عثمان، قال ابن الزبير: وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف -قال: وكان أعلمهم بذلك- وعن أبي سلمة بن

стр. 1902

عبد الرحمن: "أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة وهو مريض، فَوَرَّثَها عثمان منه بعد انقضاء عدتها" (١). أخرج الموطأ (٢) الرواية الثانية عن ابن شهاب. قوله: "فيبتها" أي يقطعها من نكاحه، وهو من البَتِّ: القطع، يريد أنه طلقها طلاقًا بائنًا لارجعة له عليها، يقال: بَتَّ وأَبَتَّ. و"العدة" للمرأة معروفة، وهي ما تعُدُّه من أيام أقرائها أو أشهرها أو الحمل. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن المريض إذا طلق امرأته وقع طلاقه إجماعًا، فإن مات قبل انقضاء العدة وكان الطلاق واحدة أو اثنتين فهو رجعي وترثه، وتنتقل إلى عدة الوفاة، وإن كان الطلاق ثلاثًا أو تمام الثلاث ففي الميراث قولان: أحدهما: أنها لا ترثه، وروي ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وابن الزبير، وبه قال أبو ثور والمزني. والقول الثاني: أنها ترثه، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وعامة الفقهاء. وقال الشافعي ﵁ لما ذكر هذا الحديث: فذهب بعض أصحابنا إلى أن يُورِّث المرأة وإن لم يكن له عليها رجعة إذا طلقها الزوج وهو مريض، وإن انقضت عدتها منه قبل موته. وقال بعضهم: وإن نكحت زوجًا غيره. وقال غيرهم: ترثه ما امتنعت من الأزواج. وقال بعضهم: ترثه ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة لم ترثه بعد

стр. 1903

انقضاء العدة؛ لأن حديث ابن الزبير متصل، يعني الرواية الأولى، وهو يقول: "وَرَّثَها عثمان في العدة" وحديث ابن شهاب مقطوع يعني الرواية الثانية. وأجاب الشافعي في الإملاء بأن عثمان بن عفان ورّث امرأة عبد الرحمن بن عوف وقد طلقها ثلاثًا بعد انقضاء العدة، قال: وهو فيما يخيل إليّ أثبت الحديثين ثم قال: [وقيل] (١) في العدة. وروى يونس عن ابن شهاب، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن السائب ابن يزيد بن أخت نمر "أنه شهد على قضاء عثمان في تماضر بنت الأصبغ، وَرَّثَها من عبد الرحمن بن عوف بعدما حلت، وعلى قضائه في أم حكيم، وَرَّثَهَا من عبد الله بن مكمل بعدما حلت" وهذا إسْناد موصول. قال الربيع: قد استخار الله فيه يعني الشافعي فقال: لا ترث المبتوتة. قال الربيع: وهو قول ابن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف طلقها على أنها لا ترثه، والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقتسمن ورثتي دينارًا ولا درهمًا ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا، ابن عيينة [عن أبي الزناد] (٢) عن الأعرج، عن أبي هريرة بمثل معناه. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود. أما مالك فأخرجه إسنادًا ولفظًا (٣).

стр. 1904

وأما البخاري فأخرجه (١) عن ابن يوسف. وأما مسلم فعن يحيى بن يحيى (٢). وأما أبو داود فعن قتيبة (٣)، جميعًا عن مالك. وأخرجه مسلم (٤) أيضًا عن أبي عمر، عن سفيان. قوله: "لا يقتسمن" هذه "لا" ناهية؛ لأجل دخول النون التي للتأكيد، ولا تدخل مع النفي عند الأكثرين، وقد ذهب قوم إلى جواز دخولها مع النهي. يدل الكلام على أنه خَلَّف شيئًا ثم نهاهم أن يقسموه بعده، ويدل عليه قوله: "ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة" وإذا كانت نافية دل على أنه لا يخلف شيئًا؛ لأنه يكون قد نفى وقوع القسمة بعده، ويجوز أن يكون قد خلف ثم أخبر أنهم لا يقتسمونه إما لأنهم يمنعون من ذلك؛ أو لأنهم لا يجوز لهم أن يقتسموه، والأولى في "لا" أن تكون ناهية لا نافية، وأن ما خَلَّفهُ من غلة أو تمر أو غير ذلك، وأن ما يفضل عنهم هو صدقة. ولا خلاف بين العلماء أن ما خَلَّفَهُ رسول الله ﷺ لا يورث؛ لقوله: "ما تركناه صدقة" ولأنه صرح في هذا الحديث بقوله: "ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة" ولم يخرق الإجماع في ذلك إلا الشيعة؛ فإنهم قالوا: يورث ﷺ .

стр. 1905

كِتَابُ الْوَصِيَّةِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة عن سليمان الأحول، عن مجاهد أن رسول الله ﷺ قال: "لا وصية لوارث". هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي ﵁ مرسلًا في كتاب "الرسالة" (١)، وقد أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣)، عن أبي أمامة الباهلي. "الوصية" من أوصى يوصي إيصاءً ووصية، فالاسم منه الوَصَاةُ -بالفتح- وأوصيت به إذا عهدت بأمره إلى الوَصِيِّ، وأوصيت إليه إذا جعلته وَصِيَّكَ، والوَصيُّ الذي يعهد إليه، قالوا: إن أصل هذه الكلمة من وصيت الشيء أصيه إذا وَصَّلته؛ سمي بذلك لأن الميت إذا أوصى فقد وصل ما كان فيه من أمر حياته بإيصاء إليه من أمر مماته. وكونه نفى الوصية نفي استغراق يدل على حَسْمِ الباب فيها، وسد أمرها سدًّا كليًّا لا رجعة فيه ولا جواز، وهو نفي أريد به النهي ليكون أبلغ في الخطاب. والوارث من يستحق التركة أو بعضها من ذوي الفروض والعصبات. قال الشافعي: قال الله ﵎ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٥).

стр. 1906

قال: وأنزل الله تعالى ميراث الوالدين، ومن ورث بعدهما ومعهما من الأقربين، وميراث الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها، ثم ذكر احتمال ثبوت الوصية مع الميراث، واحتمال أن تكون المواريث ناسخة للوصايا. قال الشافعي ﵁: فوجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث، ولا يُقْتَل مؤمنٌ بكافر" وما يروونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم بالمغازي، فكان نقل هذا عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد، وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين. قال: وروى بعض الشاميين حديثًا ليس مما يثبته أهل الحديث في أن بعض رجاله مجهولون يعني حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة ثم ذكر حديث مجاهد الذي ذكرناه، وقال: فاستدللنا بما وصفت من عامة نقل أهل المغازي على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة، مع الخبر المنقطع وإجماع العامة على القول به. وقد ذهب طاوس والزهري والضحاك وأبو مجلز إلى أن آية الميراث نسخت الوصية للوارثين، وأما القرابة عن الوارثين فإن الوصية ثابتة لهم واجبة، وإليه ذهب داود ومحمد بن جرير الطبري. قال الشافعي: فلمَّا احتملت الآية ما ذهب إليه طاوس؛ وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف ما قال طاوس أو موافقته، فوجدنا رسول الله ﷺ حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم عند الموت، فَجَزَّأَهم عليه ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة. أخبرنا بذلك عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ .

стр. 1907

قال الشافعي: فكانت دلالة السنة في حديث عمران بَيِّنَة؛ فإن رسول الله ﷺ أنزل عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم، فأجاز النبي ﷺ لهم الوصية، فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن هشام [ابن حجير] (١)، عن طاوس، عن ابن عباس، "أنه قيل له: كيف تأمر بالعمرة [قبل الحج, والله يقول ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)] (٣) فقال: كيف تقرءون: الدين قبل الوصية أو الوصية قبل الدين؟ قالوا: الوصية قبل الدين. قال: فبأيهما تبدءون؟ قالوا: بالدين. قال: فهو ذلك". قال الشافعي: يعني أن التقديم جائز. قال: وقال الله في غير آية من قسم المواريث ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤) و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فكان ظاهر الآية المعقول فيهما: من بعد وصية يوصين بها أو دين إن كان عليهم دين. قال: فلما لم يكن بين أهل العلم خلاف علمته في أن ذا الدين أحق بمال الرجل في حياته منه حتى يستوفي دينه، وكان أهل الميراث إنما يملكون عن الميت ما كان الميت أملك به، وكان بَيّنًا والله أعلم في حكم الله بما لم أعلم أهل العلم اختلفوا فيه أن الدين مُبَدّى على الوصايا والميراث.

стр. 1908

قال: وقد روي في تبدية الدين قبل الوصية حديث عن النبي ﷺ لا يُثْبِتُ أهل الحديث مثله. قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن الحارث، عن علي: "أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية". إنما امتنعوا من تثبيت هذا الحديث؛ لانفراد الحارث الأعور بروايته عن علي، وقد طعنوا في روايته، ثم ذكر الشافعي حديث ابن عباس المذكور. وقد أخرج المزني عن الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: "جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتَدَّ بي، فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ ولايرثني إلا ابنة لي؛ أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال: لا. فقلت: فالشطر؟ قال: لا. الثلث والثلث كثيرٌ -أو كبير- إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعله فِي فِي امرأتك. فقلت: يا رسول الله، أَأُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخَلَّفَ فتعمل عملًا صالحًا إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوام ويضرَّ آخرون، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢). وأخرجه المزني أيضًا (٣) عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري بالإسناد، وقال فيه: "مرضت عام الفتح مرضًا أشرفت منه على الموت" وخالف فيه سفيان جميع الرواة فقال: "عام الفتح" وإنما هو حجة الوداع.

стр. 1909

قال الشافعي ﵁ قول النبي ﷺ لسعد أغنى عما قال مَنْ بَعْدَه في الوصايا، وذلك أن بَيِّنًا في كلامه أنه إنما قصد اختيار أن يترك الموصي ورثته أغنياء، فإن تركهم أغنياء أجزت له أن يستوعب الثلث، وإذا لم يدعهم أغنياء كرهت له أن يستوعب الثلث. قال: وقول النبي ﷺ : الثلث والثلث كثير -أو كبير- يحتمل الثلث غير قليل، وهو أولى معانيه؛ لأنه لو كرهه لسعد لقال له غض عنه. وقد أخرج المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه؛ يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة". وفي رواية عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم يوصي الوصية وله مال يوصي فيه؛ يأتي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢). قال الشافعي: ويجب هذا لقول رسول الله ﷺ فإن الله ﵎ جعل أمره ﷺ الرشيد المبارك المحمود المبدأ والعاقبة. وقال الربيع: قال الشافعي ﵁ فيما روى عن النبي ﷺ في الوصية: أن قوله: "ما حق امرئ" يحتمل: ما لامرئ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. ويحتمل: ما المعروف في الأخلاق إلا هذا، لا من وجه الفرض. وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم، عن مالك، عن هشام

стр. 1910

بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : [إن أمي] (١) افْتُلِتَتْ نَفْسُها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، فتصدق عنها". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥). وقوله: "افْتُلِتَتْ نَفْسُها" كناية عن موت الفجأة كأن روحها أخذت فلتة. وأخرج الشافعي ﵁ في القديم عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده قال: "خرج سعد بن عبادة في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي. قالت: فيمَ أوصي؟ إنما المال مال سعد. فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد ذُكر ذلك له، فقال سعد: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سماه". هذا الحديث أخرجه الموطأ (٦) والنسائي (٧). وأخرج الشافعي ﵁ في القديم، عن مالك، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، أنه حدثه: "أن أمه أرادت أن توصي، ثم أخرت ذلك إلى أن تصح، ثم هلكت، وقد كانت همت بأن تعتق، قال عبد الرحمن: فقلت للقاسم بن محمد: أينفعها أن أعتق عنها فقال القاسم: [إن سعد بن] (٨) عبادة

стр. 1911

قال لرسول الله ﷺ : إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال النبي ﷺ : [نعم] (١) ". قال الشافعي: وبهذا نأخذ، وقد أعتقت عائشة ﵂ عن أخيها ومات عن غير وصية. قال الشافعي ﵁ أرجو أن يوصل الله تعالى إلى الميت خير العتق والأجر، ولا يُنْقِص حظ الحي، والعتق ليس كغيره؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الولاء لمن أعتق"، والحي هو المُعْتِق بلا أمر من الميت. قال الشافعي: يلحق الميت من فعل غيره عنه وعمله ثلاث: حج يؤدى عنه، ومال يتصدق به عنه أو يقضى، ودعاء. ...

стр. 1912

كِتَابُ قسْم الْفَيْء وَالْغَنِيمَةِ أخبرنا الشافعي ﵀ قال: سمعت ابن عيينة، عن الزهري، أنه سمع مالك ابن أوس بن [الحدثان] (١) يقول: "سمعت عمر بن الخطاب والعباس وعلي يختصمان إليه في أموال النبي ﷺ فقال عمر: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ دون المسلمين، وكان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقةَ سَنَةٍ، فما فضل جعله في الكراع والسلاح عُدة في سبيل الله، ثم توفي رسول الله ﷺ ، فوليها أبو بكر بمثل ما وليها رسول الله، ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق، ثم سألتماني أن أوليكماها فوليتكماها على أن تعملا فيها بمثل ما وليها [به] (٢) رسول الله ثم وليها به أبو بكر ثم وليتها به فجئتماني تختصمان؟! أتريدان أن أدفع إلى كل واحد منكما نصفًا؟ أتريدان مني قضاء غير ما قضيت به بينكما أولاً؟ فلا والذي بإذنه تقوم السموات والأرض لا أقضي بينكما قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ أكفكماها". قال الشافعي: فقال لي سفيان: لم أسمعه من الزهري ولكن أخبرنيه عمرو ابن دينار، عن الزهري. قلت: كما قصصت؟ قال: نعم. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة، وأخرجوه أطول من هذا وأتم، وفيه زيادة تتضمن ذكر ما جرى بين عليّ والعباس من المنازعة والخطاب عند عمر.

стр. 1913

فأما البخاري فأخرجه (١) عن إسحاق بن محمد الفروي، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٢) عن قتيبة ومحمد بن عباد وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري. ولهما روايات لهذا الحديث طويلة وقصيرة. وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مالك بن أنس، عن الزهري. وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن الحسن بن علي، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن الزهري، وذكر طرفًا من أول الحديث، ثم قال: في قصة طويلة. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان. وقد أخرج مالك في الموطأ طرفًا إلى قوله: "عدة في سبيل الله". "الواو" في قوله: "والعباس" "واو" الحال والجملة من الكلام مبتدأ وخبر. وقوله: "في أموال النبي ﷺ يريد الأموال التي خلفها من القرى والنخل مما أفاء الله عليه من بني النضير وخيبر وفَدَك، ولم يرد به الذهب والفضة؛ فإن النبي ﷺ لم يخلف دينارًا ولا درهمًا، وكل ما يغني ويتمول يسمى مالاً في الغالب. والفيء هو ما وصل إلى المسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا قتال،

стр. 1914

وقد فسره بقوله: "مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب". و"الإيجاف" ضرب من السير، تقول: وَجَفَ البعير والفرس يَجِفُ وَجفًا وَوَجيفًا، وأوجفته أنا إيجافًا: أي حملته على السير. قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١) يريد ما أعملتم على تحصيله خيلًا ولا إبلًا. و"الكراع" اسم لجماعة الخيل، قال الأزهري: قال الليث: الكراع اسم لجميع الخيل، والكراع الخيل نفسها. و"الباء" في قوله: "بمثل" يحتمل أن تكون "باء" التشبيه، أي وليتها بالأمر الذي وليها، وهو الإمارة والحكم على المسلمين، ويحتمل أن يكون التقدير: ثم وليتها عاملًا بما عمل به رسول الله ﷺ وأبو بكر. وقوله: "بإذنه تقوم السموات والأرض"، استقامتها وثباتها واستقرارها على حالتها. قال الشافعي ﵁: ومعنى قوله: "فكانت لرسول الله ﷺ خالصة" يريد به ما كان يكون للموجفين؛ وذلك أربعة أخماس الغنيمة. قال: وقد مضى من كان ينفق عليه رسول الله ﷺ ، فلم أعلم أن أحدًا من أهل العلم قال: لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم، ولا يخالف في أن يجعل تلك النفقات حيث كان رسول الله ﷺ يجعل فضول غلات تلك الأموال مما فيه صلاح الإسلام وأهله.

стр. 1915

وقال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١). وقال: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢). قال الشافعي ﵁ فالغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معًا الخمس من جميعهما، لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معًا، ثم (يفرق) (٣) الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله تعالى على لسان نبيه ﷺ وفي فعله؛ فإنه قسم أربعة (أقسام) (٤) الغنيمة. والغنيمة: [هي] (٥) الموجف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير. والفيء: هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة رسول الله ﷺ في القرى التي أفاء الله عليه: أن أربعة أخماسها لرسول الله ﷺ خاصة دون المسلمين، يضعها رسول الله ﷺ حيث أراه الله . وتفصيل المذهب: أن الفيء يقسم خمسة أقسام، فقسم منها يقسم خمسة أقسام للرسول ﷺ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة أقسام لرسول الله خاصة فيكون له من الفيء أربعة أخماس وخمس خمس، وهو أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا، فلما مات رسول الله ﷺ انتقل السهم الذي كان له من الخمس إلى المصالح، وأما الأربعة الأخماس ففيها

стр. 1916

قولان: أحدهما: أنها انتقلت إلى الغزاة المرصدين للجهاد. والثاني: أن ترصد لمصالح المسلمين كخمس الخمس، وذلك بأن تصرف إلى الغزاة والقضاة وأهل العلم وبناء المساجد والقناطر والسقايات ونحو ذلك. قال أبو حنيفة: الفيء لا يخمس ويصرف جميعه مصرف الخمس. وقد قال الشافعي أيضًا: وجملة الفيء ما رَدَّ الله على المسلمين، من المشركين بغير قتال، مثل ما انجلوا عنه فزعًا من المسلمين، ومثل الجزية والخراج والعشور من تجاراتهم، وجميع ذلك يخمس. وقال في القديم: لا يخمس إلا ما انجلوا عنه فزعًا من المسلمين، ولا يخمس الخراج والجزية، وأما ما كان من الفيء مما لا ينقل ويحول كالدور والأراضي فقد نص الشافعي ﵁ أنه يصير وقفًا على من تقدم ذكره من المستحقين، وفي سهم ذوي القربى وجه أنه لا يكون وقفًا عليهم بل هو ملكهم يتصرفون فيه وكما يختارون، وأما قسمة الغنائم فَسَتَرِدُ في موضعها؛ فإن مساق هذا الحديث هو لقسمة الفيء. ثم أخرج الشافعي ﵁ مؤكدًا لذلك عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث , ما تركنا فهو صدقة" قال: "وسمعت عمر بن الخطاب ينشد عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير فقال: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السموات والأرض أسمعتم رسول الله ﷺ يقول: ما نورث، ما تركناه صدقة؟ قالوا: نعم". وأخرج هذا المعنى أيضًا من حديث أبي هريرة، وقد تقدم ذكره في كتاب الفرائض، والله أعلم.

стр. 1917

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لو جاءني مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا، فتوفي رسول الله ﷺ ولم يأته، فجاء أبو بكر، فأعطاني حين جاءه". قال الربيع: بقية الحديث: حدثني غير الشافعي من قوله، قال: "لو جاءني". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم. أما البخاري (١) فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان وعن عمرو ابن دينار عن محمد بن علي، عن جابر، ولفظهما أتم. ونحن نذكر بعض روايات مسلم (٢): قال: قال النبي ﷺ : "لو جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا، فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر: فنادى من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا، فأتيته فقلت: إن النبي ﷺ قال لي: كذا وكذا. فحثا لي حثية فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال: خذ مثلها". زاد في رواية: "أن جابرًا قال مرة: فأتيت أبا بكر فسألته فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فقلت: سألتك فلم تعطني، فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عني. قال: [قلت: تبخل على؟!] (٣) ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك. قال ابن المنكدر: وأي داء أدوى من البخل".

стр. 1918

قوله: "هكذا وهكذا" يريد ملء كفيه مرتين، كأنه قد أشار إليه بكفيه جميعًا مرتين أو ثلاثًا، وأراد الشافعي من هذا الحديث أن الفيء لرسول الله خالصًا, ولذلك وعد جابرًا منه بما وعد خاصًّا دون غيره، حيث كان له خالصًا يتصدق منه كما يريد، ويؤثر منه واحدًا دون واحدٍ. وقول الربيع:- "بقية الحديث حدثني غير الشافعي" [أي أن الشافعي] (١) أخرج بعضه، "وتمامه سمعته من غيره"، وكأنه يريد ببقيته: تمام ما ذكرناه من رواية مسلم (٢) والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس، أن عمر بن الخطاب قال: "ما أحد إلا وله في هذا المال حق، أُعْطِيَهُ أو مُنِعَهُ إلا ما ملكت أيمانكم". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، [عن محمد] (٣) ابن المنكدر، عن مالك بن أوس، عن عمر بن الخطاب نحوه وقال: "فلئن عشت ليأتين الراعي بسر وحمير حقه". قوله: "أعطيه أو منعه" يريد أن المسلمين جميعهم لهم فيما أفاء الله عليهم حق ونصيب، سواء أعطاه متولي المال فإنه يكون قد أعطاه حقه، وإن منعه المتولي [فإنه يكون قد منعه حقه] (٤) ثم استثنى الأرقاء. وقوله: "ليأتين الراعي بسر وحمير حقه" ذكر ذلك مبالغة في عدله وإنصافه، وإيصاله كل ذي حق إلى مستحقه وإن بعدت المسافة فيما بينه وبينه، وإن كان ذو الحق قويًّا أو ضعيفًا، أو شريفًا أو دنيئًا، فلذلك قال: "الراعي"

стр. 1919

مبالغة. قال الشافعي: يحتمل هذا الحديث معاني، منها: أن يقول: ليس لأحد أن يُعطى -بمعنى حاجة من أهل الصدقة أو بمعنى أنه من أهل الفيء الذين يغزون- إلا وله حق في مال الفيء أو الصدقة، وهذا كأنه أولى معانيه. واحتج بقول النبي ﷺ في الصدقة: "لا حَظَّ فيها لغني ولا لذي مرة مكتسب". وقيل: أراد به الفقراء والمحتاجين، كأنه قال: ما من أحد محتاج. وقيل: أراد به أن مال بيت المال يكون فيه حق لجماعة المسلمين، فمنهم من يستحق الصدقة، ومنهم من يستحق الفيء، ومنهم من يستحق الخمس، فصرف إليه في مصالحه، قيل: أراد به العموم، فكأنه ما يُعْطَى المجاهدون فهو حق لهم ولغيرهم ممن يسقط عنه الفرض بجهادهم ويكفى شر العدو بهم، والصدقة تصرف إلى الفقراء فيكون فيها نفع الأغنياء لأنهم يكتفون بها عن الاضطرار إلى أموالهم. قال: والذي أحفظ عن أهل العلم: أن الأعراب لا يعطون من الفيء، وأهل الفيء كانوا في زمان رسول الله ﷺ بمعزل عن الصدقة، وأهل الصدقة كانوا بمعزل عن الفيء. ورواه المزني عن ابن عباس. وتفصيل المذهب: أن الأربعة الأخماس من الفيء تقسم على مستحقيها من الرجال البالغين الأحرار المقاتلة؛ لأن من ليس ببالغ ليس من أهل القتال، فيحضر فرسانهم ورجالتهم فيفرق ذلك عليهم بقدر كفايتهم، ويختلفون في مبلغ العطاء لاختلاف أسعار البلاد، ولا بأس أن يعطي الرجل منهم أكثر من كفايته.

стр. 1920

وأما المماليك فليس لهم فيه، وقد اختلفت الصحابة ﵃ فكان أبو بكر الصديق يسوي في العطاء، ويدخل فيه العبيد، حتى قال له عمر: يا خليفة رسول الله ﷺ ، أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن إنما دخلوا في الإسلام كرهًا؟ قال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ وخير البلاغ أَوْسَعُهُ. فلما [ولي] (١) عمر فاضل بينهم وأخرج العبيد، [فلما ولي علي سوى بينهم وأخرج العبيد] (١) واختار الشافعي مذهب علي. وأما الأعراب الذين هم أهل الصدقات فليس لهم فيه سهم، يريد بذلك من لم يكن أعد نفسه للجهاد، وإنما ينفر ما إذا نشط لذلك ثم يعود إلى شغله وموضعه فإن هؤلاء لا يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات، ولا حق لهم في الفيء. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر قال: "عرضت على النبي ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فَرَدَّني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني". قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: "هذا فرق بين المقاتلة والذَّرِّيَّة وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة في المقاتلة، و [من] (٢) لم يبلغها في الذرية". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا. أما البخاري فأخرجه عن عبيد الله بن إسماعيل (٣)، عن أبي أسامة. وعن يعقوب الدورقي (٤)، عن يحيى، عن عبيد الله بن عمر.

стр. 1921

وأما مسلم فأخرجه (١)، عن ابن [نمير] (٢)، عن أبيه، وعن أبي بكر [عن عبد الله] (٣) بن إدريس وعبد الرحيم بن سليمان وعن ابن المثنى، عن عبد الوهاب، كلهم عن عبيد الله. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن أحمد بن حنبل، عن يحيى، عن عبيد الله ولم يذكر قول نافع لعمر بن عبد العزيز. وأما الترمذي [عن محمد بن الوزير الواسطي، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عبيد الله بن عمر. وأما النسائي] (٥) فأخرجه (٦) عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله ابن عمر. والشافعي استدل بهذا الحديث على أن العطاء الواجب لا يكون إلا للبالغ العاقل الحر الذي [يطيق]، (٧) مثله القتال، فأما من عدا هؤلاء فلا يفرض لهم في المجاهدين؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، ولهذا لا يستحقون السهم مع المجاهدين إذا حضروا في القتال، وهذا الحديث هو فصل ما بين الصغير والكبير. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي: "أن عمر بن الخطاب لما دون الدواوين قال: بمن ترون أن أبدأ؟ فقيل له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بك. قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله ﷺ ".

стр. 1922

قال الشافعي ﵁ أخبرني غير واحدٍ من أهل العلم من قبائل قريش: "أن عمر بن الخطاب لما كثر المال في زمانه أجمع على أن يُدَوِّن الدواوين، فاستشار فقال: بمن ترون أبدأ؟ فقال له رجل: [ابدأ بالأقرب فالأقرب بك، فقال: [ذكرتموني] (١) [بل] (٢) أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله ﷺ ، فبدأ ببني هاشم". قال: وأخبرني غير واحد من أهل العلم والصدق من أهل المدينة ومكة من قبائل قريش وغيرهم، وكان بعضهم أحسن اقتصاصًا للحديث من بعض، وقد زاد بعضهم على بعض في الحديث: "أن عمر ﵁ لما دَوّن الدواوين قال: أبدأ ببني هاشم، ثم قال: حضرت رسول الله ﷺ يعطيهم، وبني المطلب، فإذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع الديوان على ذلك، وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة، ثم استوت له [بنو عبد] (٣) شمس ونوفل في جذم النسب، فقال: عبد شمس أخوة النبي ﷺ لأبيه وأمه دون نوفل فقدمهم، ثم دعا بني نوفل يتلونهم، ثم استوت له عبد العزي [وعبد الدار فقال: في بني أسد ابن عبد العزى] (٤) أصهار رسول الله ﷺ وفيهم أنهم من المطيبين". وقال بعضهم: [وهم من] (٤) حلف من الفضول (ومنهما) (٥) كان رسول الله ﷺ . وقد قيل: ذكر سابقة فقدمهم على بني عبد الدار [ثم دعا بني عبد الدار] (٦) يتلونهم ثم انفردت له زهرة فدعاها تتلو عبد الدار، ثم استوت له [بنو] (٦) تيم

стр. 1923

ومخزوم، فقال في بني تيم: إنهم من حلف الفضول ومن المطيبين، (ومنهما) (١) كان رسول الله ﷺ ، وقيل: ذكر سابقة. وقيل: ذكر صهرًا فقدمهم على مخزوم، ثم دعا مخزومًا يتلونهم. ثم استوت له سهمٌ وجمعٌ وعدي بن كعب، فقيل: ابدأ بعدي، فقال: بل أقر نفسى حيث كنت؛ فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد، ولكن انظروا بني جمح وسهم، فقيل: قدم بني جمح. ثم دعا بني سهم وكان ديوان سهم وعدي مختلطًا كالدعوة الواحدة، فلما خلصت إليه دعوته كبر تكبيرة عالية، ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلي حظي من رسوله، ثم دعى بني عامر بن لؤي، فقال بعضهم: إن أبا عبيدة بن عبد الله ابن الجراح لما رأى من تَقَدَّم عليه قال: أكل هؤلاء تدعو أمامي؟! فقال: يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم قومك، فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه، فأما أنا وبنو عدي فنقدمك -إن أحببت- على أنفسنا. وشجر بين بني سهم وعدي في زمان المهدي فافترقوا، فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمح؛ للسابقة فيهم. قال الشافعي: وإذا فرغ من قريش قدمت الأنصار على قبائل العرب كلها؛ لمكانها من الإسلام، فإن الناس عباد الله فأولاهم أن يكون مقدمًا أقربهم بخيرة الله لرسالاته، ومستودع [أمانته] (٢) وخاتم النبيين وخير خلق [رب] (٣) العالمين محمد ﷺ .

стр. 1924

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر بن راشد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "لما قسم رسول الله ﷺ [سهم] (١) ذوي القربى بين بني هاشم و [بني] (٢) المطلب، أتيته أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله [به] (١) منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب؟ أعطيتهم وتركتنا -أو منعتنا- وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة! فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا، وشَبَّكَ بين أصابعه". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا -أحسبه قال-: داود بن عبد الرحمن العطار، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ مثل معناه. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن [ابن] (٣) المسيب، عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ مثل معناه. قال الشافعي: فذكرت ذلك لمطرف بن مازن [أن يونس ومحمد بن إسحاق رويا حديث ابن شهاب عن [ابن] (٤) المسيب قال: حدثني معمر كما وصفت، فلعل ابن شهاب رواه عنهما معًا. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير

стр. 1925

ابن مطعم، عن النبي ﷺ قال: "قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى بين بني هاشم و [بني]، (١) المطلب، ولم يعط أحدًا من بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئًا". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. فأما البخاري (٢) فأخرجه (٣) عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير. وعن ابن بكير (٤)، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن جبير. وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة، عن عبد الرحمن ابن مهدي، عن عبد الله بن المبارك. عن يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب. وأما النسائي (٦) فأخرجه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن سعيد بن يحيى، عن نافع بن يزيد، عن يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب. قوله: "إنما قرابتنا وقرابتهم واحدة" يريد أنهم بنو أب واحدٍ وفي درجة [واحدة] (٧) لأن عبد مناف أولد هاشمًا والمطلب وعبد شمس ونوفل، فجعل

стр. 1926

النبي ﷺ سهم ذي القربى لبني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، فلذلك قالوا له: إن هاشمًا شرفوا بمكانك منهم والمطلب، ونحن ندلي إليك بنسب واحد ودرجة واحدة فبمَ فضلتهم علينا؟ فقال لهم النبي ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب واحد وشبك بين أصابعه"؛ تأكيدًا لامتزاج بعضهم ببعض، وقال: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" وقال: "ربونا صغارًا وحملونا كبارًا". قالوا: إنما قال ذلك؛ لأن هاشم بن عبد مناف تزوج بالمدينة سلمى بنت عمرو بن لبيد بن حرام من بني النجار، فولدت له شيبة الحمد جد رسول الله ﷺ واسمه عامر، ثم توفي هاشم [وهو معها] (١) فلما أيفع وترعرع خرج عليه عمه المطلب بن عبد مناف، فأخذه من أمه فقدم به مكة وهو يردفه على راحلته، فقيل: هذا عبد مَلكَه المطلب، فغلب عليه ذلك الاسم فقيل عبد المطلب، ولما بعث رسول الله ﷺ آذاه قومه وهموا به، فقامت بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم دونه، وأَبَوْا أن يسلموه، فلما عرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد ﷺ معهم؛ اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم علي بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، وعمد أبو طالب فأدخلهم الشعب، وأقامت قريش على ذلك ثلاث سنين حتى جهد بنو هاشم وبنو المطلب جهدًا شديدًا، ثم إن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الأرضة فلم تدع فيها اسمًا لله إلا أكلته، وبَقِيَ فيها الظلم والقطيعة والبهتان، وأخبر الله بذلك رسوله، فأخبر به عمه أبا طالب، فقام هشام بن عمرو بن ربيعة في جماعة بنقض ما في الصحيفة وشقها، فلهذا السبب قال رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد؛ لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام". وكان يحيى بن معين يرويه: "إنما هاشم وبنو المطلب سِيِّئ واحد" بسين مهملة

стр. 1927

مكسورة، وياء مشددة، والسيء المثل، يقال هذا سيء هذا أي مثله وشبهه والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن خمس الفيء والغنيمة يقسم على خمسة: سهم للنبى ﷺ [وسهم] (١) لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وحكي عن أبي العالية الرياحي أنه يقسم على ستة؛ لقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) فجعل لله نصيبًا، وقال: يُصرف في رتاج الكعبة. وقال مالك فيما حكي عنه: إن الخمس للإمام يصرفه حيث رأى. وقال أبو حنيفة: الفيء الخمس، ويصرف جميعه مصرف الخمس، وأما خمس الغنيمة فإن سهم رسول الله ﷺ سقط بموته، وأما سهم ذوي القربى فمن أصحابه من قال: سقط بموت رسول الله ﷺ ؛ لأنهم استحقوه لنصرته. ومنهم من قال: يستحقه فقراء ذوي القربى، فعلى مذهب الشافعي أن الخمس يقسم خمسة أقسام فسهم ذي القربى يشترك فيه الغنى منهم والفقير، والذكر والأنثى، والكبير والصغير, ويفضل الذكر على الأنثى كالميراث، وقال المزني وأبو ثور: لا يفضل. وأما باقي أقسام الخمس فسهم رسول الله ﷺ قد تقدم ذكر مصرفه بعد موته، والأسهم الثلاثة الباقية تصرف إلى مستحقيها وهم اليتامى، واليتيم من لم يبلغ الحلم ولا أب له ولا مال، هذا هو المشهور.

стр. 1928

وحكي أن فيه قولًا آخر، وهو: يقسم على الفقراء والأغنياء، والمساكين يدخل معهم الفقراء وابن السبيل المسافر، وسواء كان مستديمًا للسفر أو مبتدئًا به. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن علي بن الحسين، عن رسول الله ﷺ [مثله] (١) وزاد: "لعن الله من فرق بين بني هاشم وبني المطلب". قوله: "مثله" يعني مثل حديث معمر، عن ابن شهاب، عن ابن جبير بن مطعم، وقد تقدم قبل هذا. وقد روى الشافعي لهذا الحديث رواية أخرى أبسط من هذا، عن عمه محمد ابن علي، قال: سمعت زيد بن علي بن حسين يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا [لم يفارقونا] (٢) في جاهلية ولا إسلام، وأعطاهم رسول الله ﷺ [سهم] (٣) ذي القربى دون بني عبد شمس وبني نوفل. قال الشافعي: فلما أعطى رسول الله ﷺ بني هاشم وبني المطلب سهم ذوي القربى؛ دلت سنة رسول الله ﷺ على أن ذوي القربى الذين جعل الله لهم سهمًا من الخمس: بنو هاشم وبنو المطلب، دون غيرهم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن مطر الوراق ورَجل لم يسمه، كليهما عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: "لقيت عليًّا (كرم الله وجهه) (٤) عند أحجار الزيت، فقلت له:

стр. 1929

بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟ فقال علي: أما أبو بكر ﵀ فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد وافاناه. وأما عمر ﵁ فلم يزل يعطيناه حتى جاءه مال السوس والأهواز أو قال: الأهواز -أو قال: فارس أنا أشك يعني الشافعي فقال في حديث مطر أو حديث الأغر- فقال: في المسلمين خلة، فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم منه؟ فقال العباس لعلي بن أبي طالب: لا تُطْمِعْه في حقنا. فقلت له: يا أبا الفضل، ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين ورفع خلة المسلمين؟ فتوفي عمر بن الخطاب قبل أن يأتيه مال [فيقضيناه] (١) ". وقال الحكم في حديث مطر الوراق والآخر: إن عمر بن الخطاب قال: "لكم حق ولا يبلغ علمي إذْ كثر أن يكون لكم كله فإن شئتم أعطيتكم بقدر ما أرى لكم، فأبينا عليه إلا كله، فأبى أن يعطينا كله". "أحجار الزيت" موضع معروف بالمدينة يومئذ. و"أهل البيت" منصوب على النداء، تقديره: يا أهل البيت. فحذف حرف النداء. وقوله: "حقكم" يريد ما تستحقونه من الخمس وما هو حق لكم ثابت. وقوله: "لم يكن في زمان أبى بكر أخماس" يريد أنه لم يكن في زمان أبي بكر غنائم ولا فتح بلاد والذي كان في زمانه منها قد أوصل إلينا نصيبنا. و"الخلة" بفتح الخاء: الحاجة والفقر، فلذلك قال لهم: "إن أحببتم تركتم حقكم" فأورد هذا اللفظ في معنى الفرض عليهم والمشورة ورده إلى رأيهم وإيثارهم، ثم لم يَكْفِ أنه رده إلى رأيهم ومحبتهم حتى جاء بلفظه: "حقكم"

стр. 1930

فاعترف لهم أنه حقهم وأنهم إنما يتركون حقهم إن أحبوا رعاية للمسلمين وتكرمًا عليهم وإحسانًا إليهم وإيثارًا لهم بحقهم على أنفسهم، وهذا من محاسن الخطاب وألطف الطرق في تحصيل المفاسد والأغراض. وقوله: "حتى يأتينا مال" متعلق بقوله: "فإن أحببتم أن تتركوا حقكم" التقدير: تتركوه إلى أن يجيئنا مال، وهو متعلق بقوله: "فجعلناه في خلة المسلمين إلى أن يجيئنا مال" والأول أحسن. وقوله: "ولا لا يبلغ علمي إذْ كثر أن يكون لكم كله" كأن عمر ظن أن الخمس إنما جعله الله تعالى لهم لحاجتهم وفقرهم. وقد اختلف الناس في علة جعله لهم، فقال قوم: للفقر والحاجة. وقال قوم: لما منعوا الزكاة وحرمت عليهم جعل لهم الخمس عوضًا عنه. وقال قوم: إنما جعل لهم خاصة؛ لقربهم من رسول الله ﷺ وتشريفًا لهم على غيرهم. فعمر غلب على ظنه أنما أعطاهم للحاجة، ولما كثرت الفتوح والغنائم والفيء صار نصيبهم من الخمس كثيرًا أكثر مما يحتاجون إليه، فغلب على ظنه أنهم لا يستحقونه كله، وإنما يستحقون منه بقدر حاجتهم وكفايتهم. وهذا فيه بعد؛ لأن الذي جعل لهم النصيب كان عالمًا حيث جعله لهم بالسبب المقتضي لجعله لهم، وكان عالمًا أنه سيكثر ويتضاعف، ولم يزل عالمًا كما كان عالمًا بما كان وما يكون، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فلو أن السبب كان الحاجة والفقر؛ كان مقدَّرًا مخصوصًا مُعَيَّنًا، وإنما عمر ﵁ اجتهد، فغلب على ظنه ذلك، فقال: "ولا يبلغ [علمي] (١) إذ كثر أن يكون لكم كله" وعليٌّ وجماعة مستحقي النصيب كانوا
следующие страницы →