← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

النبي ﷺ سهم ذي القربى لبني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، فلذلك قالوا له: إن هاشمًا شرفوا بمكانك منهم والمطلب، ونحن ندلي إليك بنسب واحد ودرجة واحدة فبمَ فضلتهم علينا؟ فقال لهم النبي ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب واحد وشبك بين أصابعه"؛ تأكيدًا لامتزاج بعضهم ببعض، وقال: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" وقال: "ربونا صغارًا وحملونا كبارًا". قالوا: إنما قال ذلك؛ لأن هاشم بن عبد مناف تزوج بالمدينة سلمى بنت عمرو بن لبيد بن حرام من بني النجار، فولدت له شيبة الحمد جد رسول الله ﷺ واسمه عامر، ثم توفي هاشم [وهو معها] (١) فلما أيفع وترعرع خرج عليه عمه المطلب بن عبد مناف، فأخذه من أمه فقدم به مكة وهو يردفه على راحلته، فقيل: هذا عبد مَلكَه المطلب، فغلب عليه ذلك الاسم فقيل عبد المطلب، ولما بعث رسول الله ﷺ آذاه قومه وهموا به، فقامت بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم دونه، وأَبَوْا أن يسلموه، فلما عرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد ﷺ معهم؛ اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم علي بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، وعمد أبو طالب فأدخلهم الشعب، وأقامت قريش على ذلك ثلاث سنين حتى جهد بنو هاشم وبنو المطلب جهدًا شديدًا، ثم إن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الأرضة فلم تدع فيها اسمًا لله إلا أكلته، وبَقِيَ فيها الظلم والقطيعة والبهتان، وأخبر الله بذلك رسوله، فأخبر به عمه أبا طالب، فقام هشام بن عمرو بن ربيعة في جماعة بنقض ما في الصحيفة وشقها، فلهذا السبب قال رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد؛ لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام". وكان يحيى بن معين يرويه: "إنما هاشم وبنو المطلب سِيِّئ واحد" بسين مهملة

стр. 1927

مكسورة، وياء مشددة، والسيء المثل، يقال هذا سيء هذا أي مثله وشبهه والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن خمس الفيء والغنيمة يقسم على خمسة: سهم للنبى ﷺ [وسهم] (١) لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وحكي عن أبي العالية الرياحي أنه يقسم على ستة؛ لقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) فجعل لله نصيبًا، وقال: يُصرف في رتاج الكعبة. وقال مالك فيما حكي عنه: إن الخمس للإمام يصرفه حيث رأى. وقال أبو حنيفة: الفيء الخمس، ويصرف جميعه مصرف الخمس، وأما خمس الغنيمة فإن سهم رسول الله ﷺ سقط بموته، وأما سهم ذوي القربى فمن أصحابه من قال: سقط بموت رسول الله ﷺ ؛ لأنهم استحقوه لنصرته. ومنهم من قال: يستحقه فقراء ذوي القربى، فعلى مذهب الشافعي أن الخمس يقسم خمسة أقسام فسهم ذي القربى يشترك فيه الغنى منهم والفقير، والذكر والأنثى، والكبير والصغير, ويفضل الذكر على الأنثى كالميراث، وقال المزني وأبو ثور: لا يفضل. وأما باقي أقسام الخمس فسهم رسول الله ﷺ قد تقدم ذكر مصرفه بعد موته، والأسهم الثلاثة الباقية تصرف إلى مستحقيها وهم اليتامى، واليتيم من لم يبلغ الحلم ولا أب له ولا مال، هذا هو المشهور.

стр. 1928

وحكي أن فيه قولًا آخر، وهو: يقسم على الفقراء والأغنياء، والمساكين يدخل معهم الفقراء وابن السبيل المسافر، وسواء كان مستديمًا للسفر أو مبتدئًا به. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن علي بن الحسين، عن رسول الله ﷺ [مثله] (١) وزاد: "لعن الله من فرق بين بني هاشم وبني المطلب". قوله: "مثله" يعني مثل حديث معمر، عن ابن شهاب، عن ابن جبير بن مطعم، وقد تقدم قبل هذا. وقد روى الشافعي لهذا الحديث رواية أخرى أبسط من هذا، عن عمه محمد ابن علي، قال: سمعت زيد بن علي بن حسين يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا [لم يفارقونا] (٢) في جاهلية ولا إسلام، وأعطاهم رسول الله ﷺ [سهم] (٣) ذي القربى دون بني عبد شمس وبني نوفل. قال الشافعي: فلما أعطى رسول الله ﷺ بني هاشم وبني المطلب سهم ذوي القربى؛ دلت سنة رسول الله ﷺ على أن ذوي القربى الذين جعل الله لهم سهمًا من الخمس: بنو هاشم وبنو المطلب، دون غيرهم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن مطر الوراق ورَجل لم يسمه، كليهما عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: "لقيت عليًّا (كرم الله وجهه) (٤) عند أحجار الزيت، فقلت له:

стр. 1929

بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟ فقال علي: أما أبو بكر ﵀ فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد وافاناه. وأما عمر ﵁ فلم يزل يعطيناه حتى جاءه مال السوس والأهواز أو قال: الأهواز -أو قال: فارس أنا أشك يعني الشافعي فقال في حديث مطر أو حديث الأغر- فقال: في المسلمين خلة، فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم منه؟ فقال العباس لعلي بن أبي طالب: لا تُطْمِعْه في حقنا. فقلت له: يا أبا الفضل، ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين ورفع خلة المسلمين؟ فتوفي عمر بن الخطاب قبل أن يأتيه مال [فيقضيناه] (١) ". وقال الحكم في حديث مطر الوراق والآخر: إن عمر بن الخطاب قال: "لكم حق ولا يبلغ علمي إذْ كثر أن يكون لكم كله فإن شئتم أعطيتكم بقدر ما أرى لكم، فأبينا عليه إلا كله، فأبى أن يعطينا كله". "أحجار الزيت" موضع معروف بالمدينة يومئذ. و"أهل البيت" منصوب على النداء، تقديره: يا أهل البيت. فحذف حرف النداء. وقوله: "حقكم" يريد ما تستحقونه من الخمس وما هو حق لكم ثابت. وقوله: "لم يكن في زمان أبى بكر أخماس" يريد أنه لم يكن في زمان أبي بكر غنائم ولا فتح بلاد والذي كان في زمانه منها قد أوصل إلينا نصيبنا. و"الخلة" بفتح الخاء: الحاجة والفقر، فلذلك قال لهم: "إن أحببتم تركتم حقكم" فأورد هذا اللفظ في معنى الفرض عليهم والمشورة ورده إلى رأيهم وإيثارهم، ثم لم يَكْفِ أنه رده إلى رأيهم ومحبتهم حتى جاء بلفظه: "حقكم"

стр. 1930

فاعترف لهم أنه حقهم وأنهم إنما يتركون حقهم إن أحبوا رعاية للمسلمين وتكرمًا عليهم وإحسانًا إليهم وإيثارًا لهم بحقهم على أنفسهم، وهذا من محاسن الخطاب وألطف الطرق في تحصيل المفاسد والأغراض. وقوله: "حتى يأتينا مال" متعلق بقوله: "فإن أحببتم أن تتركوا حقكم" التقدير: تتركوه إلى أن يجيئنا مال، وهو متعلق بقوله: "فجعلناه في خلة المسلمين إلى أن يجيئنا مال" والأول أحسن. وقوله: "ولا لا يبلغ علمي إذْ كثر أن يكون لكم كله" كأن عمر ظن أن الخمس إنما جعله الله تعالى لهم لحاجتهم وفقرهم. وقد اختلف الناس في علة جعله لهم، فقال قوم: للفقر والحاجة. وقال قوم: لما منعوا الزكاة وحرمت عليهم جعل لهم الخمس عوضًا عنه. وقال قوم: إنما جعل لهم خاصة؛ لقربهم من رسول الله ﷺ وتشريفًا لهم على غيرهم. فعمر غلب على ظنه أنما أعطاهم للحاجة، ولما كثرت الفتوح والغنائم والفيء صار نصيبهم من الخمس كثيرًا أكثر مما يحتاجون إليه، فغلب على ظنه أنهم لا يستحقونه كله، وإنما يستحقون منه بقدر حاجتهم وكفايتهم. وهذا فيه بعد؛ لأن الذي جعل لهم النصيب كان عالمًا حيث جعله لهم بالسبب المقتضي لجعله لهم، وكان عالمًا أنه سيكثر ويتضاعف، ولم يزل عالمًا كما كان عالمًا بما كان وما يكون، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فلو أن السبب كان الحاجة والفقر؛ كان مقدَّرًا مخصوصًا مُعَيَّنًا، وإنما عمر ﵁ اجتهد، فغلب على ظنه ذلك، فقال: "ولا يبلغ [علمي] (١) إذ كثر أن يكون لكم كله" وعليٌّ وجماعة مستحقي النصيب كانوا

стр. 1931

على يقين من استحقاقهم جميع النصيب بالغًا ما بلغ؛ فلذلك قال: "فأبينا عليه إلا كله، فأبى أن يعطينا كله". وهذا الحديث أورده الشافعي في معرض المعارضة على بعض من كلمه في هذه المسألة، ونحن نحكي مختصرًا من كلامه: قال الشافعي ﵁ وقال بعض الناس: ليس لذي القربى من الخمس شيء؛ فإن ابن عيينة روى عن محمد بن إسحاق قال: "سألت أبا جعفر محمد بن علي، ما صنع علي في الخمس؟ قال: سلك به طريق أبى بكر وعمر، وكان يكره أن يؤخذ عليه خلافهما". فكان هذا القول يدل على أنه كان يرى فيه رأيًا خلاف رأيهما، فاتبعهما. قال الشافعي: فقلت له: هل علمت أبا بكر قسم على العبد والحُرِّ وسوى بين الناس، وقسم عمر فلم يجعل للعبيد شيئًا وسوى بين الناس؟ قال: نعم. قلت: أفتعلمه خالفهما؟ قال: نعم. قلت: أو تعلم [أن] (١) عمر قال: لا تباع أمهات الأولاد و [خالفه] (٢) علي؟ قال: نعم. قلت: أو تعلم [أن] (١) عليًّا خالف أبا بكر في الجد؟ قال: نعم. قلت: فكيف جاز [لك] (٣) أن يكون هذا الحديث عندك على ما وصفت من أن عليًّا رأى غير رأيهما وتبعهما وبَيِّنٌ عندك أنه قد يخالفهما فيما وصفنا وفي غيره؟ قال: فما قوله: أسلك به (في طريق) (٤) أبى بكر وعمر؟ قلنا: هذا الكلام جملة يحتمل معانِيَ. قال: فإن قلت: كيف صنع فيه علي؟ فذلك يدلني على ما صنع فيه أبو بكر وعمر.

стр. 1932

قال الشافعي ﵁: أُخْبِرْنا [عن] (١) جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن حسنًا وحسينًا وابن عباس وعبد الله بن جعفر سألوا عليًّا نصيبهم من الخمس، فقال: هو لكم حق، ولكني محارب معاوية، فإن شئتم تركتم حقكم فيه". في القديم: عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر. وقال في الجديد: فَأَخْبَرْتُ بهذا الحديث عبد العزيز بن محمد، فقال: صدق، هكذا كان جعفر يحدثه، أفما حدثكه عن أبيه عن جده؟ قلت: لا. قال: ما أحسبه إلا عن جده. قال الشافعي: فقلت له: أجعفر أوثق وأعرف بحديث أبيه أو ابن إسحاق؟ قال: بل جعفر، ثم قال: فإن الكوفيين قد رووا فيه عن أبي بكر وعمر شيئًا، أفعلمته؟ قال الشافعي: قلت: نعم، ورووا عن أبي بكر وعمر مثل قولنا. قال: وما ذاك؟ فذكر حديث ابن أبي ليلى هذا المذكور. ثم قال الشافعي: فكيف يقسم سهم ذي القربى وليست الرواية فيه عن أبي بكر وعمر [متواطئة] (٢)؟ قال الشافعي: فقلت: [هذا] (٣) قول من لا علم له؛ هذا الحديث يثبت عن أبي بكر أنه أعطاهموه وعمر حتى كثر المال، ثم اختلف عنه في الكثرة.

стр. 1933

وقلت: أرأيت مذهب أهل العلم في القديم والحديث إذا كان الشيء منصوصًا في كتاب الله مُبَيَّنًا على لسان رسول الله ﷺ أو فعله؛ أليس يستغنى به عن أن يسأل عما بعده؟ ويعلم أن فرض الله على أهل العلم اتباعه؟ قال: بلى. قلت: أفتجد سهم ذي القربى مفروضًا في آيتين من كتاب الله تعالى مبينًا على لسان رسول الله ﷺ وبفعله بأثبت ما يكون من أخبار الناس من وجهين: أحدهما: ثقة المخبرين. واتصاله وأنهم كلهم أهل قرابة رسول الله ﷺ الزهري من أخواله، وابن المسيب من أخوال أبيه، وجبير بن مطعم ابن عمه وكلهم قريب به في جذم النسب، وهم يخبرونك مع قرابتهم وشرفهم أنهم مخرجون منه وأن غيرهم مخصوص به، ويخبرك جبير أنه طلبه هو وعثمان فمنعاه، فمتى تجد سنة أثبت بفرض الكتاب وصحة للخبر وهذه الدلالات من هذه السنة التي لم يعارضها عن رسول الله ﷺ معارض بخلافها؟ ثم أجرى في خلال كلامه أن النبي ﷺ أعطى أبا الفضل العباس بن عبد المطلب وهو في كثرة المال يعول عامة بني طالب ويتفضل على غيرهم. قال الشافعي: ويفرق ثلاثة أخماس: الخمس على من سمى الله تعالى على اليتامى والمساكين وابن السبيل في بلاد الإسلام كلها, لكل صنف منهم سهمه. قال: وقد مضى رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي [ماضيًا] (١) وصلى الله وملائكته عليه -واختلف أهل العلم عندنا في سهمه، فمنهم من قال: يرد على السِّهْمان التي ذكرها الله معه. ومنهم من قال: يضعه الإمام حيث رأى على الاجتهاد للإسلام وأهله. ومنهم من قال: يضعه في الكراع والسّلاح.

стр. 1934

قال الشافعي ﵁ والذي أختار: أن يضعه الإمام في كل أمر حصن به الإسلام وأهله من سد ثغر، أو إعداد كراع أو سلاح، أو إعطائه أهل النبلاء في الإسلام وأهله، [نفلًا] (١) على ما صنع فيه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قد أعطى المؤلفة ونفل في الحرب وأعطى عام [خيبر] (٢) نفرًا من أصحابه من المهاجرين والأنصار أهل حاجة وفضل، وأكثرهم أهل فاقة، نرى ذلك -والله أعلم- كله من سهمه. قال الشافعي في القديم: وقال قوم: سهم النبي ﷺ لوالي الأمر من بعده، يقوم فيه مقامه، ورووا في ذلك رواية عن أبي بكر عن النبي ﷺ : "أن فاطمة أتت أبا بكر تسأله ميراثها، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أطعم الله نبيًّا طعمة فهي لوالي الأمر من بعده" وإنما اعتذر أبو بكر ﵁ بما جاء في الأحاديث الثابتة بقوله ﷺ : "لا نورث، ما تركناه صدقة" وبه احتج الشافعي حيث جعل سهم الرسول للمسلمين، فإن كان ما رووه صحيحًا فيشبه أن يكون أراد به: كان ولايتها وأمرها للذي من بعده، يصرفها في مصالح المسلمين، والله أعلم. وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم عن عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت: "أن رسول الله ﷺ أخذ شعرة من بعير فقال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس [والخمس] (٣) مردود فيكم ولا مثل هذه الوبرة". وأخبرنا الشافعي ﵁ قال -أخبرنا غير واحد من أهل العلم بأنه:

стр. 1935

"لما قُدم [على] (١) عمر بن الخطاب بما أصيب بالعراق، قال له صاحب بيت المال: أنا أدخله بيت المال. قال: لا ورب الكعبة، لا يُؤوى تحت سقف بيت حتى أقسمه، فأمر به فوضع في المسجد، ووضعت عليه الأنطاع، وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار، فلما أصبح غدا معه العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن ابن عوف أخذ بيد أحدهما -أو أحدهما أخذ ييده- فلما رأوه كشطوا الأنطاع عن الأموال (فرأوا منظرًا لم يروا) (٢) مثله، رأى الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ فبكى، فقال له أحدهما: إنه والله ما هو بيوم بكاء، ولكنه يوم شكر وسرور فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت، ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بَأْسُهُم بينهم، ثم أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجًا؛ فإنى سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ثم قال: أين سراقة بن جعشم؟ فأتي به، أشعر الذراعين رقيقهما، فأعطاه سواري كسرى فقال: البسهما، ففعل، فقال: قل الله أكبر. قال: الله أكبر. قال قل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيَّا من بني مدلج، وجعل يقلب بعض ذلك بعضًا, فقال: إن الذي أدى هذا لأمين, فقال له رجل: أنا أخبرك، أنت أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا، قال: صدقت. ثم فرقه". قال الشافع: إنما ألبسهما سراقة بن مالك لأن النبي ﷺ قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" قال: ولم يجعل له إلا سوارين. وقال الشافعي ﵁: أخبرني الثقة من أهل المدينة قال: "أنفق عمر

стр. 1936

ابن الخطاب على أهل الرمادة حتى وقع مطر (فرحلوا) (١) فخرج إليهم عمر راكبًا فرسًا ينظر إليهم وهم يترحلون بظعائنهم فدمعت عيناه، فقال رجل من بني محارب بن خصفة: أشهد أنها انحسرت عنك ولست بابن أمة، فقال له عمر: ويلك، ذلك لو كنت أنففت عليهم من مالي أو مال الخطاب؛ إنما أنفقت عليهم من مال الله ". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن إسحاق الأزرق، عن [عبيد] (٢) الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهمين وللفارس بسهم" وذكر في القديم [رواية] (٣) أبي معاوية، عن [عبيد] (٢) الله بن عمر بهذا الإسناد: "أن رسول الله ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهم له، وسهمان للفرس". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود، والترمذي. أما البخاري فأخرجه (٤) عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله ابن عمر. وأما مسلم فأخرجه (٥) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل، عن سليم بن أخضر، عن عبيد الله بن عمر. وأما أبو داود فأخرجه (٦) عن أحمد بن حنبل، عن أبي معاوية، [عن] (٧) عبيد الله.

стр. 1937

وأما الترمذي (١) فأخرجه عن أحمد بن [عبدة] (٢) الضبي وحميد بن مسعدة، عن [سليم بن] (٣) أخضر عن عبيد الله. وقوله: "ضرب للفرس بسهمين" أي جعل. ومنه قول النبي ﷺ في حديث آخر: "اضربوا لي معكم بسهم" أي اجعلوا، وافرزوا لي نصيبًا، وكأنه من ضرب اللِّبِن، أي اعملوا واصنعوا. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الفرس يقسم له من الغنيمة مثل قسمي صاحبه، وسواء كان الفرس عربيًّا أو برذونًا أو هجينًا أو مُقْرِفًا. فالعربي: ما كان أبواه عربيين. والبرذون: ما كان أبواه عجميين. والمُقْرِف: ما كانت أمه عربية وأبوه عجميًّا. والهجين: ما كانت أمه عجمية وأبوه عربيًّا. وقيل في المقرف والهجين بالعكس مما قيل فيهما وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال الأوزاعي: لا يسهم للبرذون، ويسهم للباقية. وقال أحمد: يسهم عدا عد العربي بسهم واحد. وعن أبي يوسف روايتان: إحداهما مثل الشافعي، والأخرى مثل أحمد. ولا يسهم إلا للخيل دون غيرها من الدواب. قال الشافعي ﵁ وقد روى عبد الله بن عمر العمري -وهو أخو عبيد الله- عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ قسم يوم خيبر للفارس

стр. 1938

سهمين وللراجل سهمًا [كأنه سمع نافعًا يقول: للفرس سهمين وللراجل سهمًا] (١) فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا" قال: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ. وروى مجمع بن [جارية] (٢): أن النبي ﷺ قسم سهم خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا" (٣). قال الشافعي: مجمع بن يعقوب يعني راوي هذا الحديث عن أبيه، عن عمه، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية شيخ لا يعرف، فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله، ولم نر له خبرًا مثله يعارضه، ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله. قال أبو داود صاحب السنن (٤): حديث أبى معاوية أصح والعمل عليه [وأرى] (٥) الوهم في حديث مجمع، أنه قال: ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس. وذكر الشافعي حديث شاذان، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: "غزوت مع سعيد بن عثمان، فأسهم لفرسي سهمين ولي سهمًا". قال أبو إسحاق: وبذلك حدثني هانئ بن هانئ عن علي ﵇، وكذلك حدثني حارثة بن مضرب عن عمر ﵁ (٦). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة،

стр. 1939

عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير: "أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه، وسهمًا في ذي القربى". قال الشافعي: يعني -والله أعلم- بسهم ذي القربى: سهم صفية أمه، وقد شك سفيان أحفظه عن هشام عن يحيى سماعًا , ولم يشك سفيان أنه من حديث هشام عن يحيى هو ولا غيره ممن حفظ عن هشام. هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد رواه محاضر بن المورع وسعيد بن عبد الرحمن عن هشام عن يحيى، عن عبد الله بن الزبير موصولاً. وأخرجه النسائي (١) عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن يحيى بن عباد، عن جده عبد الله ابن الزبير. قوله: "بأربعة أسهم سهمًا" بالنصب على البدل من موضع أربعة أسهم أو يعطى أربعة أسهم. وصفية هي أمه، عمة النبي ﷺ , ولها سهم ذي القربى. قال الشافعي ﵁: وحديث مكحول عن النبي ﷺ مرسل: "أن الزبير حضر خيبر بفرسين، فأعطاه النبي ﷺ خمسة أسهم: سهمًا له، وأربعة أسهم لفرسيه". ولو كان كما حدث مكحول كان ولده أعرف بحديثه وأحرص على ما فيه زيادتهم من غيرهم إن شاء الله تعالى. وقد ذكر عبد الوهاب الخفاف، عن العمري، عن أخيه: "أن الزبير وافى بأفراس يوم خيبر فلم يسهم له إلا لفرس واحد". والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أنه لا يسهم إلا لفرس واحدٍ لكل فارس، وبه قال مالك وأبو حنيفة.

стр. 1940

وقال الأوزاعي وأحمد: يسهم لفرسين؛ لحديث مكحول والله أعلم. وقد أخرج المزني، عن الشافعي ﵁ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (١). وأخرج أيضًا عنه، عن سفيان قال: سمعت [شبيب بن غرقدة] (٢) يقول: سمعت عروة بن أبي الجعد البارقي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". قال شبيب: فرأيت في دار عروة سبعين فرسًا مربوطة. هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) والذي قبله (٥). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن يزيد بن هرمز: "أن نجدة كتب إلى ابن عباس: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فقال: قد كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ولم يكن يضرب لهن بسهم ولكن يحذين من الغنيمة". هذا طرف من حديث صحيح قد أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. أما مسلم فأخرجه (٦) عن القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد [عن أبيه عن يزيد بن هرمز] (٧): "أن نجدة -هو ابن عامر الحروري- كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت [إليه، كتب] (٧) إلى نجدة؛ أما بعد فأخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل

стр. 1941

الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن، وإن رسول الله ﷺ لم يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان. وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، وإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك". وأما أبو داود فأخرجه (١) عن محبوب بن موسى أبي صالح، عن أبي إسحاق الفزاري، عن زائدة، عن الأعمش، عن المختار بن صيفي، عن يزيد بن هرمز، نحوه. وأما الترمذي فأخرجه (٢) عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد ..... وذكر نحو مسْلم في غزو النساء. يريد بالسهم: نصيبًا معلومًا كما يقسم للرجال الغانمين. وأحذيت الرجل أحذيه من الغنيمة: إذا أعطيته منها، الاسم: الحُذْيَا بالضم. و"الخلال" جمع خلة، وهي الخصلة.

стр. 1942

والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن المرأة لا تدخل في فرض الجهاد، ولا العبد، ولا الصبي، ولا المعذور، فإن حضر الجهاد نساءٌ أو صبيان أو عبيد؛ لم يُسهم لهم، وإنما (يرضح) (١) لهم. وحُكي عن الأوزاعي أنه قال: يسهم لهم ولا يبلغ بالرضح مقدار سهم الرجل. قال الشافعي ﵁ وإنما ذهب الأوزاعي إلى حديث رجل ثقة -وهو منقطع- روى: "أن النبي ﷺ غزا بيهود ونساء من نساء المسلمين، فضرب لليهود وللنساء مثل سهمان الرجال". والحديث المنقطع لا يكون عندنا حجة، وإنما اعتمدنا على حديث ابن عباس؛ لأنه متصل، وقد رأيت أهل العلم بالمغازي قبلنا يوافقون ابن عباس فيه (٢). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن [ابن] (٣) أبى خالد، عن قيس، عن جرير، [قال] (٤): "كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم عمر ربع السواد، فاستغلوه ثلاث سنين أو أربع سنين -أنا شككت- ثم قدمت على محمد بن الخطاب ومعي فلانة بنت فلان -امرأة منهم قد سماها لا بحضرتي ذكر اسمها- قال عمر بن الخطاب: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس". هكذا جاء [في] (٥) المسند، وقد أخرجهما الإمام البيهقي في كتاب "السنن

стр. 1943

والآثار" (١) أوضح من هذا، قال قيس: "كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية، فجعل لهم عمر ربع السواد، فأخذوه سنتين أو ثلاثًا، فوفد عمار إلى عمر ومعه جرير فقال عمر لجرير: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما جعل لكم، وإن الناس قد كثروا فأرى أن تردوا عليهم، ففعل جرير وأجازه عمر بثمانين دينارًا. قال: وكانت امرأة من بجيلة يقال لها: أم كرز، فقالت لعمر: يا أمير المؤمنين، إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد، وإني لم أسلم. فقال لها: يا أم كرز، أن قومك قد صنعوا ما علمت. قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة وعليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبًا. ففعل ذلك، فكانت الدنانير نحوًا من ثمانين دينارًا". وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم، وفيه من الزيادة: "قال جرير: فأنا ضامن لك بجيلة. فأجابته بجيلة إلا امرأة يقال لها أم كرز، فإنها قالت: مات أبي وسهمه ثابت في السواد فلا أسلم، فلم يزل بها عمر حتى رضيت وملأ كفها، فقالت: رضيت". وقد روي هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن المبارك، وهشيم، ويحيى بن زائدة، وعبد السلام بن حرب وغيرهم، إلا أن بعضهم لم يذكر قصة المرأة. قوله: "كانت بجيلة ربع الناس" يريد ربع المهاجرين، قاتلوا الفرس بالفارسية وفتحوا العراق وأرض السواد. وقوله: "فقسم لهم ربع السواد" أي ربع ما فتحوا من أرض السواد. وقوله: "فاستغلوا ثلاث سنين" أي أنهم أخذوا غلتها لأنفسهم هذه [المدة] (٢).

стр. 1944

وقوله: "لولا أني قاسم مسؤل" أي يسألني الله عما أقسمه بينكم لتركتكم على أن تأخذوا ربع السواد، ولكني أرى أن تردوا الربع الذي يخصكم على الناس حتى أجعل جميع السواد بين المسلمين كلهم وأنتم شركاء. قال الشافعي ﵁ ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا ظنًّا مقرونًا إلى علم، وذلك أفي وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان، ووجدت أحاديث من أحاديثهم مخالفة، منها: أنهم يقولون: السواد صلح. ويقولون: السواد عنوة. ويقولون: بعض السواد صلح وبعضه عنوة. ويقولون إن جريرًا البجلي ... فذكر الحديث، ثم قال: وهذا أثبت حديث عندهم فيه. قال: وفي هذا الحديث دلالة إذْ أعطى جريرًا عوضًا من سهمه والمرأة عوضًا من سهم أبيها أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه، فتركوا حقوقهم منه، فجعله وقفًا للمسلمين، فلم يكن عمر ليستطيب أنفس بجيلة ويأخذ من غيرهم بغير طيب نفس؛ لأن بجيلة ومن سواهم سواء، وهذا حلال للإمام لو افتتح اليوم أرضًا عنوة، فأحصى من افتتحها وطابوا نفسًا عن حقوقهم منها أن يجعلها الإمام وقفًا، وحقوقهم منه الأربعة الأخماس، ويوفي أهل الخمس حقهم؛ إلا أن يدع البالغون منهم حقهم فيكون ذلك لهم، والحكم في الأرض كالحكم في المال، وقد سبى النبي ﷺ هوازن، وقسم أربعة أخماسها بين الموجفين، ثم جاءته وفود هوازن مسلمين، فسألوه أن يمن عليهم بأن يرد عليهم ما أُخِذَ منهم، فخيرهم بين الأموال والسبي، فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فنختار أحسابنا، فترك لهم رسول الله ﷺ حقه وحق أهل بيته، وسمع بذلك المهاجرون فتركوا له حقوقهم، وسمع بذلك الأنصار فتركوا حقوقهم،

стр. 1945

وبقي قوم من المهاجرين الآخرين والفتحيين فأمر فَعَرَّفَ على كل عشرة واحد، ثم قال: ائتوني بطيب أنفس من، بقي فمن كره فله كذا وكذا من الإبل إلى وقت ذكره، فجاءوه بطيب أنفسهم إلا الأقرع بن حابس وعتبة [ابن] (١) بدر، فإنهما أَبَيَا، فلم يكرهما رسول الله ﷺ على ذلك حتى كانا هما تركا، وسلم [لهم] (٢) رسول الله ﷺ حق من طابت نفسه عن حقه. وهذا أولى الأمور بعمر بن الخطاب عندنا في السَّواد وفتوحه إن كانت عنوة فهو عندنا كما وصفت ظن، عليه دلالة يقين، وإنما منعنا أن نجعله يقينًا بالدلالة أن الحديث الذي فيه متناقض، فلا ينبغي أن يكون قسم إلا عن أمر عمر ولو تفوت فيه عليه ما ابتغى أن يغيب عنه قسمة ثلاث سنين، ولو كان القسم ليس لمن قسم ما كان لهم منه عوض، ولكن عليهم أن يؤخذ منهم الغلة، والله أعلم كيف كان، ولم أجد فيه حديثًا يثبت، إنما أجدها متناقضة، والذي هو أولى بعمر عندي هو الذي وصفته. قال البيهقي (٣): والأشبه بما انتهى إلينا من أخبار عمر في الأراضي المغنومة: أنه كان يرى قسمتها بين الغانمين كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، ثم رأى من المصلحة أن يجعلها وقفًا ليكون لمن بعدهم أيضًا، فكان يحب أن يكون ذلك برضا الغانمين، فجعل يستطيب قلوبهم، وقد روى ابن عمر قال: "أصاب الناس فتيء بالشام وفيهم بلال -وأظنه ذكر معاذ بن جبل- فكتبوا إلى عمر: إن هذا الفيء الذي أصبنا لك خمسه ولنا ما بقي، ليس لأحد منه شيء كما صنع النبي ﷺ بخيبر. فكتب عمر: إنه ليس على ما قلتم ولكني أقفها للمسلمين -فراجعوه

стр. 1946

بالكتاب وراجعهم، يأبون ويأبى، فلما أبوا قام عمر فدعا عليهم فقال: اللهم اكفني بلالًا وأصحاب بلال -فما حال الحول عليهم حتى ماتوا جميعًا". وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم هذا الحديث مختصرًا من حديث [زيد] (١) بن الحباب، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وعن زيد ابن أسلم، عن أبيه "أن بلالًا وأصحابه افتتحوا فتوحًا بالشام فقالوا لعمر: اقسم بيننا ما غنمنا. فقال عمر: اللهم أرحني من بلال وأصحابه". وقول عمر ليس كما قلتم، لا يريد إنكار ما احتجوا به من قسمة خيبر، فإنه قد روي عن عمر أنه قال: " [لولا] (٢) آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر". وإنما أراد عمر -والله أعلم-: ليست المصلحة فيما قلتم وإنما المصلحة في أن أقفها للمسلمين، فلما أَبَوْا عليه وأبى عليهم، لما كان لهم من الحق ولما رآه من المصلحة، لم يقطع عليهم الحكم بإخراجها من أيديهم ووقفها, ولكن دعا عليهم حيث خالفوه فيما رآه من المصلحة، وهم لو وافقوه وافقه الناس. وتفصيل المذهب: في أرض السواد وحدّها: في العرض: من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية، والمتصل بالعُذَيْب من أرض العرب. وفي الطول: من تخوم الموصل إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فأما الغرلي الذي يلي البصرة فإنما هو إسلامي مثل شط عثمان، كانت سباخًا ومواتًا فأحياها عثمان بن أبي العاص، وإنما سميت هذه الأرض سوادًا؛ لأن المسلمين لما خرجوا من البادية ورأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سموها

стр. 1947

السواد لذلك (١). ومذهب الشافعي ظاهر؛ لأن عمر وقفها على المسلمين بعد أن أسترجعها منهم وما يؤخذ منهم يكون أجره، وعلى قول أبي العباس بن شريح وأبي إسحاق المروزي أنه باعها منهم وما يأخذه من الثمن، وقال سفيان الثوري: جعل عمر أرض السواد وقفًا على المسلمين ما تناسلوا. وقال ابن شبرمة: ولا أجيز بيع أرض السواد ولا هبتها ولا وقفها. وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵃ في معنى قوله: "ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظن مقرون إلى علم". فمنهم من قال: أراد أن فتح السواد خبره حصل من جهة العلم لكثرة نقله، وأن ما فعله عمر من قسمتها أو وقفها ظن مقترن إلى ذلك، وكل واحد منهما يتعلق بما يتعلق به الآخر. وقال أبو إسحاق: أراد أنه ظن مستند إلى علم؛ لأن الظن المستند إلى علم يجوز العمل به؛ لأن الفروع المظنونة ترجع إلى أصول معلومة. وقال الشيخ أبو حامد: إن قوله: "ظن". أي غالب الظن، وقوله: "علم". معناه الخبر المقبول، وإن حسن الخبر يوجب العلم، فكأنه قال: فتحت عنوة بدليلين: أحدهما: غالب ظن، وهو أنه قسمها بين الغانمين. والثاني: العلم بالخبر أنه فتحها عنوة. قال القاضي أبو الطيب: هذا غلط؛ لأنه إذا كان فيه طريق يوجب العلم لا يجوز فيه الظن ولا يثبت به. وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: أراد بالظن ما حصل له من الظن بخبر الواحد، والعلم إنما أراد به الخبر والله وأعلم.

стр. 1948

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر، قِبَلَ نجدٍ فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا". وقد رواه المزني، عنه، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن [ابن] (١) عمر: "أن رسول الله ﷺ بعثنا في سرية إلى نجد، فأصاب سهم كل رجل منا اثنى عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. أما البخاري فأخرجه (٢) عن أبي النعمان، عن حماد بن أيوب، عن نافع. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن أبي الربيع وأبي كامل، عن حماد، عن أيوب، وعن يحيى بن يحيى، عن مالك، وزاد في رواية أخرى: "فلم يغيره رسول الله ﷺ ". وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع. وقال في حديثه: "فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ قسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل ثلاثة عشر بعيرًا". قوله: "في سرية" السرية: طائفة من الجيش ينفذون في الغزو على غزة، وأنما سميت سرية؛ لأنها تسري بالليل حتى لا يظهر أمرها فيحترز منها. و"النفل" بفتح الفاء وبسكونها ما يعطى الغازي زيادة على نصيبه، وهو من الزيادة.

стр. 1949

والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن النفل من خمس الخمس، وإنما يجوز أن شرط الإمام للغزاة النفل عند الحاجة إلى ذلك، وهو أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة ولهم شوكة، فيشترط لهم ذلك تحريضًا على القتال، فأما إذا كانوا مستظهرين فلا حاجة بهم إلى ذلك، قال: وأكثر مغازي النبي ﷺ لم يكن فيها أنفال، فعلم أنه إنما فعل ذلك عند الحاجة؛ ولأنه من سهم المصالح، فلا يدفع إلا عند المصلحة، ويكون تقدير ذلك إلى ما يراه الإمام كما كان شرطه إلى رأيه. قال الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، أنه سمع سعيد ابن المسيب يقول: "كان الناس يعطون النفل من الخمس". وقول ابن المسيب: يعطون النفل من الخمس كما قال -إن شاء الله- وذلك من خمس النبي ﷺ وبه قال الشافعي وأبو عبيد. وقال غيره: إنما كان ينفلهم من الغنيمة التي يغنمونها كما ينفل القاتل السلب من جملة الغنيمة قبل أخذ الشخص، ويجوز أن يكون قد أسقط الخمس ونفلهم، وفي رواية الشافعي: "نُفِلوا" لما لم يسم فاعله، فيحتمل أن يكون المُنْفِل أميرهم، أو أن يكون رسول الله ﷺ وقد صرح مسلم في بعض رواياته، وكذلك أبو داود في رواية أخرى له (١): أن النبي ﷺ نفلهم، والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة الأنصاري، عن أبي قتادة الأنصاري قالة: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة، فأقبل عليّ

стр. 1950

فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت له: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﷺ : من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه. فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقالها الثانية، فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقالها الثالثة. فقمت في الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : مالك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله ﷺ ، [وسلب] (١) ذلك القتيل عندي، فَأَرْضِه عني. قال أبو بكر: لاها الله إذن لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْد الله يقاتل عن الله يعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : صدق، فأعطه إياه. قال أبو قتادة: فأعطانيه، فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة؛ فإنه لأول مال تأثلته في الإِسلام". قال مالك: المخرف النخل. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود. أما البخاري فأخرجه عن القعنبي (٢) وعبد الله بن يوسف (٣)، عن مالك. وعن قتيبة (٤)، عن الليث، عن يحيى بن سعيد. وأما مسلم فأخرجه (٥) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك، وعن

стр. 1951

يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد. وأما أبو داود فأخرجه (١) عن القعنبي، عن مالك، وأما مالك فأخرج (٢) إسنادًا ولفظًا. "الجولة" المرة الواحدة، تقول: جال في الحرب يجول جولًا وجولانًا إذا حمل على خصمه، وأصْله من الحركة. وقوله: "قد علا رجلاً من المسلمين" أي ركبه وتمكن منه واستولى عليه. و"حبل العاتق" عصبه. وقوله: "وجدت منها ريح الموت" وهذا من الاستعارات الحسنة أن يجعل للموت ريحًا فيشمها؛ لأن ريح الشيء يصل إلى الإنسان قبل أن يصل الشيء إليه. و"السَّلَب" الشيء المسلوب المنهوب، تقول: سَلَبْتُ [الشيء] (٣) أسلُبه سَلْبًا، وسَلَبًا أيضًا فَعَلٌ بمعنى مفعول. وقوله: "من يشهد لي" إنما هذا القول منه لنفسه، أي أنه لما سمع قول النبي ﷺ : "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" قام ثم قال لنفسه: من يشهد لي؟ لأنه كان الناس في حالة قتله إياه مشغولين عنه بما دهمهم من الهزيمة، فما كان يظن أن أحدًا قد رآه ذلك الوقت حتى يشهد له، ويجوز أن يكون قال ذلك القول ظاهرًا للحاضرين من المسلمين أي: من يشهد لي منكم، ويعضد الأولى قول النبي ﷺ له: "مالك يا أبا قتادة؟ " فلو كان قاله ظاهرًا لما سأله عن حاله. وقوله: "فأرضه عني" أي أعطه ما يرضيه عني إما من عندك أو ببعض

стр. 1952

السلب ليتوفر السلب عليه. وقوله: "لاها الله إذًا" هذا من ألفاظ القسم, والأصل فيه: لا والله. فأبدلوا من الواو هاءً والصواب فيما قاله أئمة العربية أن يقال: لاها الله ذا. أي والله لا يكون ذا؛ إلا أن الذي جاء في لفظ الحديث على اختلاف طرقه: لاها الله إذًا. وكذا يرويه المحدثون على ما سمعوه. وعمدت إلى الشيء أعمد إذا قصدت نحوه. وقوله: "أسَدٍ من أُسْدِ الله" شبهه لقوته وشجاعته بالأسد, وقد سمى رسول الله ﷺ حمزة عمه: أَسَد الله. و"المخرف" بفتح الميم: البستان الذي تُخترف ثماره، أي تجتنى وتقطف, وأراد به ها هنا: حائط نخل، وكذلك فسره مالك في آخر الحديث؛ وأما "المْخِرف" فهو الظرف الذي تجنى فيه الثمار. و"التأثل": الادخار والجمع، وأثل كل شيء أصله، ويقال: تأثل مُلْك فلان إذا كثر. والذي ذهب إليه الشعافى ﵁: أن السلب للقاتل وحده دون غيره، سواء شرط له الإمام ذلك أو لم يشرط. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحق ذلك إلا بشرط الإمام. قال الشافعي ﵁ هذا حديث ثابت عندنا، وفيه ما دَلَّ على أن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلًا فله سلبه" يوم حنين بعد ما قتل أبو قتادة الرجل، والقاتل الذي يستحق السلب هو أن يكون ممن له سهم في الغنيمة، فإن لم يكن له سهم كالمرأة والصبي والعبد ففيه قولان، وأما السلب فهو كل ما كان

стр. 1953

متصلًا بالقتيل مما يحتاج إليه في الحرب من اللباس والسلاح والمركوب، و [أما] (١) ما لا يحتاج إليه مما عليه كالتاج والسوارين والطوق والمَنْطقة وهميان النفقة ففيه قولان، وقد جعل الأوزاعي وأحمد المَنْطقة من السلب. قال الشافعي ﵁: ولا يخمس السلب، فعارضنا معارض فذكر أن عمر بن الخطاب قال: "إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ شيئًا كثيرًا ولا أراني إلا خامسه" وذكر عن ابن عباس أنه قال: "السلب من الغنيمة وفيه الخمس". قال الشافعي: وإذا ثبت عن رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي شيء لم يجز تركه، ولم يستثن رسول الله قليل السلب ولا كثيرة [وهذه الرواية في خمس السلب عمن ليست من روايتنا] (١). قال: وله رواية عن سعد بن أبي وقاص في زمان عمر [تخالفها] (١). أخرجهما الشافعي عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن رجل من قومه يسمى بشر بن علقمة قال: "بارزت رجلاً يوم القادسية فقتلته، فبلغ سلبه أثنى عشر ألفًا فنفلنيه سعد". قال الشافعي ﵁ واثنى عشر ألفًا كثير. واحتج الشافعي أيضًا بحديث الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمر، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك: "أن مدديًّا قتل رجلاً من الروم في غزوة مؤتة، فأراد خالد بن الوليد أن يخمس السلب، فقلت: قد علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل".

стр. 1954

كِتَابُ قسْم الصّدقاتِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا (الثقة) (١) -أو ثقة غيره، أو هما- عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ حين بعثه: فإن أجابوك، فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" هكذا جاء الحديث في (المسند) (٢) وقد جاء في نسخة أخرى: أخبرنا الثقة عن زكريا ولم يقل: أو ثقة غيره. وأخرجه البيهقي في كتابه (٣): أخبرنا وكيع بن الجراح -أو ثقة غيره أو هما- عن زكريا. قال: وقد رواه الشافعي ﵁ في موضع آخر، عن وكيع ولم يشك فيه. وهذا طرف من حديث قد أخرجه بطوله الجماعة إلا الموطأ. أما البخاري فأخرجه (٤) عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن زكريا بن إسحاق ... "أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم". وأما مسلم فأخرجه (٥) عن ابن [أبي] (٦) عمر، عن بشر بن السري، وعن أبي

стр. 1955

بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن راهويه، عن وكيع. وعن عبد بن حميد، عن أبي عاصم، كلهم عن زكريا بن إسحاق. وأما أبو داود فأخرجه (١) عن أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن زكريا ... وذكر الحديث مثل البخاري، وزاد: "فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب". وأما الترمذي فأخرجه (٢) عن أبي كريب، عن وكيع، عن زكريا بن إسحاق ... وذكر مثل أبي داود. وأما النسائي فأخرجه (٣) عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن المعافى، عن زكريا بن إسحاق ... وذكر مثل أبي داود. قال الشافعي ﵁ قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤) فأحكم الله ﵎ فرض الصدقات في كتابه، ثم أكدها فقال: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ﴾ (٤) فليس لأحد أن يقسمها على غير ما قسمها الله عليه ما كانت الأصناف موجودة!! وقال في كتاب البويطي: وقد روي أن النبي ﷺ قال في حديث الصدائي: "إن الله لم يرض فيها بقسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتى قسمها". قال: ولا [تخرج] (٥) صدقة قوم من بلدهم وفي بلدهم من يستحقها. وأخرج هذا الحديث، قال: واحتج محتج في نقل الصدقة بأن طاوسًا روى: "أن معاذ بن جبل قال لبعض أهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذها منكم مكان

стр. 1956

الشعير والحنطة؛ فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة". قال الشافعي ﵁ صالح رسول الله ﷺ أهل ذمة اليمن على دينار على كل واحد كل سنة، وكان في سنته أن يُؤخذ دينار أو قيمته من (المعافر) (١)، فلعل معاذًا لو (أُعْسِرَ) (٢) بالدينار أخذ منهم الشعير والحنطة؛ لأنه أكثر ما عندهم، وإذا جاز أن يترك الدينار لعرض؛ فلعله جاز عنده أن يأخذ منهم طعامًا فيقول: الثياب خير للمهاجرين بالمدينة وأهون عليكم؛ لأنه لا مؤنة كثيرة في المحمل للثياب إلى المدينة، والثياب بها أغلى منها باليمن، واستدل على هذا بما روي من قضايا معاذ في العُشْرِ والصدقة. قال: ومعاذ إذا حكم بهذا كان من أن ينقل صدقة المسلمين من أهل اليمن الذين هم أهل الصدقة [إلى أهل المدينة] (٣) الذين أكثرهم أهل الفيء أبعد. قال الشافعي: وطاوس لو ثبت عن معاذ شيئًا لم يخالفه إن شاء الله تعالى، وطاوس يحلف ما يحل بيع الصدقات قبل أن تقبض ولا بعد أن تقبض. ولو كان ما ذهب إليه من احتج علينا بأن معاذًا باع الحنطة والشعير الذي يؤخذ من المسلمين بالثياب كان بيع الصدقة قبل أن تقبض، ولكنه عندنا على ما ذكرنا. قال: فإن قال قائل: كان عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بصدقات، والزبرقان بن بدر، فهما وإن جاءا بما فضل عن أهلها إلى المدينة فيحتمل أن يكون أهل المدينة أقرب الناس نسبًا ودارًا ممن يحتاج إلى سعة من مضر وطيء من اليمن، ويحتمل أن يكون [من حولهم] (٤) ارتد فلم يكن لهم حق في الصدقة،

стр. 1957

ويكون بالمدينة أهل حق هم أقرب من غيرهم، ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر الصديق ثم يأمر بردها إلى غير أهل المدينة، وليس في ذلك خبر عن أبي بكر نصير إليه. فإن قال قائل: فإن عمر كان يحمل على إبل كثيرة إلى الشام والعراق. قلت: ليست من نعم الصدقة؛ لأنه إنما يحمل على ما يحتمل من الإبل، وأكثر فرائض الإبل لا تحمل أحدًا. ثم قال: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم -أظنه عن أبيه-: "أن عمر بن الخطاب كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية". قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن محمد بن عبد الله بن (مالك) (١)، عن يحيى بن عبد الله بن (مالك) (١)، عن أبيه: "أنه سأله: أرأيت الإبل التي كان يحمل عليها عمر الغزاة وعثمان بعده؟ قال: أخبرني أبي: أنها إبل الجزية التي كان يبعث بها معاوية وعمرو بن العاص. قلت: وممن كانت تؤخذ؟ قال: من جزية أهل الذمة، وتؤخذ من صدقات بني تغلب، فرائض على وجهها فتبعث ويبتاع بها إبل جلة، فيبعث بها إلى عمر فيحمل عليها". وقد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشرائع الدين، وإنما خوطبوا بالشهادة، فإذا أقاموا توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات؛ لأنه ﷺ قد وجهها مرتبة، وقدم فيها الشهادة، ثم تلاها بالصلاة، ثم بالزكاة. وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز دفع شيء من صدقات أموال المسلمين إلى غير أهل دينهم؛ لأنه قال: "وتردٌّ على فقرائهم" وهو قول الفقهاء. وفيه دليل على أنه سنة الصدقة أن تدفع إلى أهل البلد الذي تؤخذ منه، ولا

стр. 1958

تنتقل من بلد إلى بلد، وقد كره ذلك أكثر الفقهاء، فإن نقلت جاز. وفيه دليل لمن ذهب إلى إسقاط الزكاة عمن في يده نصاب وعليه مثله دين؛ لأن له أخذ الصدقة، وذلك من حكم الفقراء. وقد استدل به من يذهب إلى وجوب الزكاة في مال الأيتام. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة -وهو يحيى بن حسان- عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن شريك بن أبي نمير، عن أنس بن مالك: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، نشدتك بالله، آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا وتردها على فقرائنا؟ فقال: اللهم نعم". هذا طرف من حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الموطأ. أما البخاري فأخرجه (١) عن ابن يوسف، عن الليث ... بالإسناد أنه سمع أنس ابن مالك يقول: "بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم (علفه) (٢) ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال: يابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك. فقال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة؛ فلا تجد عليّ في نفسك. فقال: سل ما بدا لك. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرْسَلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟

стр. 1959

قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ قال النبي ﷺ : اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول مَنْ ورائي من قومي، وأنا ضمام بن [ثعلبة] (١) أخو بني سعد بن بكر". وأما مسلم فأخرجه (٢) عن عمرو بن محمد بن بكير الناقد، عن هاشم بن القاسم أبي النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ... وذكر الحديث بطوله أتم منه. وأما أبو داود فأخرج منه طرفًا (٣) من أول رواية البخاري إلى قوله: "إني سائلك" ثم قال ... وساق الحديث ولم يذكر لفظه. وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الحميد الكوفي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس .. مثل مسلم. وأما النسائي فأخرجه (٥) عن محمد بن معمر، عن أبي عامر العقدي، عن سليمان بن المغيرة ... بإسناد مسلم وحديثه. "نشدتك بالله" أي سألتك وأقسمت عليك به. وقوله: "آلله أمرك" استفهام منه عما أبلغه رسوله. وقوله: "فلا تجد عليّ" أي لا تغضب.

стр. 1960

أخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر، [عن] (١) ابن طاوس، عن أبيه: "أن معاذ بن جبل قضى أنه أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته، فعشيرته وصدقته إلى مخلاف عشيرته". احتج بذلك على نقل الصدقة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن هشام -يعني ابن عروة- عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلين أخبراه: "أنهما أتيا رسول الله ﷺ ، فسألاه [من] (٢) الصدقة، فَصَعَّد فيهما وصوب، فقال: إن شئتما, ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب". هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. فأما أبو داود فأخرجه (٣) عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة ... وذكر الحديث نحوه، وقال: "أتينا النبي ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة". وأما النسائي (٤) فأخرجه عن عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، عن يحيى، عن هشام ... نحوه. قوله: "فصعّد فيهما وصوب" أي نظر إليهما، فوضع بصره إلى أعاليهما ثم رد إلى أسافلهما؛ ليتحقق أمرهما، فينظر خلعتهما حتى يعلم هل هما مستحقان للصدقة أم لا، فلما رآهما جلدين قويين على الاكتساب قال: "إن شئتما" أي أردتما أن أعطكما من الصدقة، ولكن اعلما أنه لا حظ في الصدقة لغني ولا

стр. 1961

لذي قوة مكتسب. قال الشافعي ﵁ رأى رسول الله ﷺ صحة وجلدًا [يشبه الاكتساب] (١) فأعلمهما أنه لا تصلح لهما مع الاكتساب الذي يستغنيان به أن يأخذا منها, ولا يعلم أمكتسبين أم لا؟ فقال: إن شئتما -بعد أن أعلمتكما أنه لا حظ فيها لغني ولا مكتسب- فعلت. وذلك أنهما يقولان: أعطنا فإنا ذوا حظ؛ لأنا لسنا غنيين ولا مكتسبين كسبًا يغني. والمراد بالقوة في قوله: "ولا لذي قوة مكتسب" القوة على الكسب لا غيره. قال الشافعي: وإذا كان فقيرًا أو مسكينًا فأغناه وعياله كسبه أو حرفته فلا يعطى في واحد من وجهين شيئًا لأنه غني وجد. وبيان المذهب هو: أن الرجل إذا كان له حرفة يكتسب منها ما يغني نفسه وعياله؛ لم يحل له أن يأخذ شيئًا من الزكاة، وبه قال ابن عمر، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إذا لم يملك نصابًا جاز له أن يأخذ، وكذلك إن كان له بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها، فإن كفاه الغلة له ولعياله لا يحل له أن يأخذ شيئًا من الزكاة، وان كان ذلك لا يكفيه وعياله جاز له أن يأخذ من الزكاة ما تتم به كفايته. قال أبو حنيفة: إذا كان يملك نصابًا من الأثمان لم يجز له أن يأخذ شيئًا، وإن كان يملك ما قيمته نصابًا فإن كان فاضلًا عن مسكنه وخادمه لم يجز له أيضًا. وقال أحمد: إذا ملك خمسين درهمًا لم يجز له أن يأخذ شيئًا. وقد أخرج الشافعي ﵁ عن إبراهيم بن [سعد] (٢) بن إبراهيم، عن أبيه، عن [ريحان] (٣) بن يزيد قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص

стр. 1962

يقول: "لا تصلح الصدقة [لغني] (١) ولا لذي مرة سوي". قال الشافعي: قد رفع هذا الحديث عن سعد غير أبيه، رفعه سفيان وشعبة عن سعد. هذا الحديث أخرجه الترمذي (٢) وأبو داود (٣)، وقالا: "لذي مرة سوي". و"المرة" القوة، والمراد بهذه القوة قوة الاكتساب أيضًا. و"السوي" الصحيح السليم من الآفات. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم، عن قبيصة بن المخارق الهلالي قال: "تحملت حمالة، فأتيت النبي ﷺ فسألته، فقال: نؤديها ... " وذكر الحديث. هكذا جاء في المسند، وهو طرف من حديث صحيح طويل قد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. أما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى، وقتيبة عن، حماد بن زيد، عن هارون ابن رئاب ... بالإسناد، قال: "تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل حمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا".

стр. 1963

وأما أبو داود فأخرجه (١) عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب ... بالإسناد مثل مسلم. وأما النسائي فأخرجه (٢) عن هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن هارون ... وذكر الحديث أخصر منهما. "الحَمالة" بفتح الحاء: أن تقع حرب بين فريقين، فيقتل بينهم قتلى، فيلتزم رجل أن يؤدي ديات القتلى من عنده، طلبًا للصلح، وإطفاء للفتنة. "الجائحة": الآفة التي تعرض للإنسان فتستأصل ماله وتدعه محتاجًا إلى الناس. و"القِوَام" بكسر القاف: ما يقوم به أمر الإنسان من مالٍ ونحوه. و"السِّداد" بكسر السين: ما يكفي لمعوز المقل، تقول في هذا: سِدَادٌ من عوز. و"الفاقة" الفقر. و"الحجا" العقل. و"السحت" الحرام؛ يسمى به لأنه يسحت البركة أي يذهبها، أو لأنه يهلك آكله. وهذا الحديث موافق للذي قبله في أن الصدقة لا تصلح لمن له كسب يقوم بكفايته، وينفرد هذا [بأنها تصلح] (٣) لمن تحمل حمالة في دم، أو لزمه غرم في مال.

стр. 1964

وهو إنما أباح له المسألة عند تحقق الفاقة، وإنما تتحقق فاقته إذا لم [يكن له] (١) مال يغنيه ويغني عياله، أو كسب يقوم بكفايته وكفاية عياله، فإذا كان له أحدهما فلا تتحقق فاقته. وأباح له المسألة في الجائحة تصيب ماله فتجتاحه، حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سِدَادًا من عيش فبين بذلك أن المَعْنِيَّ فيه: كفايته وكفاية عياله، فإذا كان له كسب يقوم بكفايته وكفاية عياله فقد أصاب قوامًا من عيش، فلم يجز له أخذ الصدقة بالفاقة، وإذا كان له كسب ضعيف لا يقوم بكفايته وكفاية عياله فله أخذ الصدقة من غير تقدير حتى يصيب قوامًا من عيش أو سِدَادًا من عيش. قال الشافعي ﵁ والغارمون صنفان: صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية، ثم عجزوا عن أداء ذلك في العَرَضِ والنَّقْدِ، فيعطون في غرمهم لعجزهم. وصنف دانوا في حَمَالاتٍ وصلاح ذات بين ومعروف، ولهم عَرُوض تحمل حمالاتهم أو عامتها، وإن بيعت أَضَرَّ ذلك بهم وإن لم يفتقروا، فيُعْطى هؤلاء وتوفر عروضهم، كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا غرمهم. ثم أخرج حديث قبيصة هذا وقال: بهذا الحديث نأخذ، و [هو] (٢) معنى ما قلت في الغارمين، وقول النبي ﷺ : "تحل المسألة في الفاقة والحاجة" يعني -والله أعلم- من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين. وقوله: "حتى يصيب سدادًا من عيش" يعني -والله أعلم- أقل اسم الغني. بذلك نقول، وذلك حين يخرج من الفقر والمسكنة.

стр. 1965

وقد أخرج الشافعي ﵁ في كتاب "حرملة" عن سفيان، عن عمار ابن زريق، عن حكيم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد له خمسون درهمًا أو عدله من الذهب تحل له الصدقة". وهذا الحديث [إن صح] (١) لم يخالف ما قلناه؛ لأنه اعتبر في الابتداء ما يغنيه، فدخل فيه الكسب والمال؛ لوقوع الغنى بكل واحدٍ منهما، ثم حين سئل عن الغنى فسره بخمسين درهمًا، وإنما أراد من لا كسب له أن يقوم بكفايته حتى يكون معه خمسون درهمًا، ألا تراه قال في حديث آخر: "من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا" (٢). والأوقية أربعون درهمًا، وفي حديث آخر: "قيل: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: أن يكون له شبع يوم وليلة" (٣) وكل ذلك متفق في المعنى، وهو أنه اعتبر الغنى وهي الكفاية. ثم إنها تختلف باختلاف الناس، فمنهم من [يغنيه] (٤) خمسون، ومنهم من [يغنيه] (٤) أربعون، ومنهم من له كسب يدر عليه كل يوم ما يغذيه ويعشيه ولا عيال له فهو مستغن به ولا يكون له أخذ الصدقة، وفي مثل هذا المعنى ورد قوله: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (٥) فقد يكون كثير العيال ولا كسب
следующие страницы →