لذي قوة مكتسب.
قال الشافعي ﵁ رأى رسول الله ﷺ صحة وجلدًا [يشبه الاكتساب] (١) فأعلمهما أنه لا تصلح لهما مع الاكتساب الذي يستغنيان به أن يأخذا منها, ولا يعلم أمكتسبين أم لا؟ فقال: إن شئتما -بعد أن أعلمتكما أنه لا حظ فيها لغني ولا مكتسب- فعلت. وذلك أنهما يقولان: أعطنا فإنا ذوا حظ؛ لأنا لسنا غنيين ولا مكتسبين كسبًا يغني.
والمراد بالقوة في قوله: "ولا لذي قوة مكتسب" القوة على الكسب لا غيره.
قال الشافعي: وإذا كان فقيرًا أو مسكينًا فأغناه وعياله كسبه أو حرفته فلا يعطى في واحد من وجهين شيئًا لأنه غني وجد.
وبيان المذهب هو: أن الرجل إذا كان له حرفة يكتسب منها ما يغني نفسه وعياله؛ لم يحل له أن يأخذ شيئًا من الزكاة، وبه قال ابن عمر، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يملك نصابًا جاز له أن يأخذ، وكذلك إن كان له بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها، فإن كفاه الغلة له ولعياله لا يحل له أن يأخذ شيئًا من الزكاة، وان كان ذلك لا يكفيه وعياله جاز له أن يأخذ من الزكاة ما تتم به كفايته.
قال أبو حنيفة: إذا كان يملك نصابًا من الأثمان لم يجز له أن يأخذ شيئًا، وإن كان يملك ما قيمته نصابًا فإن كان فاضلًا عن مسكنه وخادمه لم يجز له أيضًا. وقال أحمد: إذا ملك خمسين درهمًا لم يجز له أن يأخذ شيئًا.
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن إبراهيم بن [سعد] (٢) بن إبراهيم، عن أبيه، عن [ريحان] (٣) بن يزيد قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص
стр. 1962
يقول: "لا تصلح الصدقة [لغني] (١) ولا لذي مرة سوي".
قال الشافعي: قد رفع هذا الحديث عن سعد غير أبيه، رفعه سفيان وشعبة عن سعد.
هذا الحديث أخرجه الترمذي (٢) وأبو داود (٣)، وقالا: "لذي مرة سوي".
و"المرة" القوة، والمراد بهذه القوة قوة الاكتساب أيضًا.
و"السوي" الصحيح السليم من الآفات.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم، عن قبيصة بن المخارق الهلالي قال: "تحملت حمالة، فأتيت النبي ﷺ فسألته، فقال: نؤديها ... " وذكر الحديث.
هكذا جاء في المسند، وهو طرف من حديث صحيح طويل قد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
أما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى، وقتيبة عن، حماد بن زيد، عن هارون ابن رئاب ... بالإسناد، قال: "تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل حمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا".
стр. 1963
وأما أبو داود فأخرجه (١) عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب ... بالإسناد مثل مسلم.
وأما النسائي فأخرجه (٢) عن هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن هارون ... وذكر الحديث أخصر منهما.
"الحَمالة" بفتح الحاء: أن تقع حرب بين فريقين، فيقتل بينهم قتلى، فيلتزم رجل أن يؤدي ديات القتلى من عنده، طلبًا للصلح، وإطفاء للفتنة.
"الجائحة": الآفة التي تعرض للإنسان فتستأصل ماله وتدعه محتاجًا إلى الناس.
و"القِوَام" بكسر القاف: ما يقوم به أمر الإنسان من مالٍ ونحوه.
و"السِّداد" بكسر السين: ما يكفي لمعوز المقل، تقول في هذا: سِدَادٌ من عوز.
و"الفاقة" الفقر.
و"الحجا" العقل.
و"السحت" الحرام؛ يسمى به لأنه يسحت البركة أي يذهبها، أو لأنه يهلك آكله.
وهذا الحديث موافق للذي قبله في أن الصدقة لا تصلح لمن له كسب يقوم بكفايته، وينفرد هذا [بأنها تصلح] (٣) لمن تحمل حمالة في دم، أو لزمه غرم في مال.
стр. 1964
وهو إنما أباح له المسألة عند تحقق الفاقة، وإنما تتحقق فاقته إذا لم [يكن له] (١) مال يغنيه ويغني عياله، أو كسب يقوم بكفايته وكفاية عياله، فإذا كان له أحدهما فلا تتحقق فاقته.
وأباح له المسألة في الجائحة تصيب ماله فتجتاحه، حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سِدَادًا من عيش فبين بذلك أن المَعْنِيَّ فيه: كفايته وكفاية عياله، فإذا كان له كسب يقوم بكفايته وكفاية عياله فقد أصاب قوامًا من عيش، فلم يجز له أخذ الصدقة بالفاقة، وإذا كان له كسب ضعيف لا يقوم بكفايته وكفاية عياله فله أخذ الصدقة من غير تقدير حتى يصيب قوامًا من عيش أو سِدَادًا من عيش.
قال الشافعي ﵁ والغارمون صنفان:
صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية، ثم عجزوا عن أداء ذلك في العَرَضِ والنَّقْدِ، فيعطون في غرمهم لعجزهم.
وصنف دانوا في حَمَالاتٍ وصلاح ذات بين ومعروف، ولهم عَرُوض تحمل حمالاتهم أو عامتها، وإن بيعت أَضَرَّ ذلك بهم وإن لم يفتقروا، فيُعْطى هؤلاء وتوفر عروضهم، كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا غرمهم.
ثم أخرج حديث قبيصة هذا وقال: بهذا الحديث نأخذ، و [هو] (٢) معنى ما قلت في الغارمين، وقول النبي ﷺ : "تحل المسألة في الفاقة والحاجة" يعني -والله أعلم- من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين.
وقوله: "حتى يصيب سدادًا من عيش" يعني -والله أعلم- أقل اسم الغني.
بذلك نقول، وذلك حين يخرج من الفقر والمسكنة.
стр. 1965
وقد أخرج الشافعي ﵁ في كتاب "حرملة" عن سفيان، عن عمار ابن زريق، عن حكيم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد له خمسون درهمًا أو عدله من الذهب تحل له الصدقة".
وهذا الحديث [إن صح] (١) لم يخالف ما قلناه؛ لأنه اعتبر في الابتداء ما يغنيه، فدخل فيه الكسب والمال؛ لوقوع الغنى بكل واحدٍ منهما، ثم حين سئل عن الغنى فسره بخمسين درهمًا، وإنما أراد من لا كسب له أن يقوم بكفايته حتى يكون معه خمسون درهمًا، ألا تراه قال في حديث آخر: "من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا" (٢).
والأوقية أربعون درهمًا، وفي حديث آخر: "قيل: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: أن يكون له شبع يوم وليلة" (٣) وكل ذلك متفق في المعنى، وهو أنه اعتبر الغنى وهي الكفاية.
ثم إنها تختلف باختلاف الناس، فمنهم من [يغنيه] (٤) خمسون، ومنهم من [يغنيه] (٤) أربعون، ومنهم من له كسب يدر عليه كل يوم ما يغذيه ويعشيه ولا عيال له فهو مستغن به ولا يكون له أخذ الصدقة، وفي مثل هذا المعنى ورد قوله: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (٥) فقد يكون كثير العيال ولا كسب
стр. 1966
له يقوم بكفايتهم، فيجوز إعطاؤه حتى يصيب قوامًا من العيش، وهو أقل ما يكفيه ويكفي عياله، وفي مثل هذا المعنى ورد عن علي بن أبي طالب أنه قال: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم".
فاعتبر الكفاية، والاعتبار بها في حالتي الإعطاء والمنع وبالله التوفيق.
وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عمر: "أنه شرب لبنًا [فأعجبه] (١) فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء -قد سماه- فإذا نَعَمٌ من نَعَمِ الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي، فهو هذا، فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه".
قال الشافعي: والعامل عليها يأخذ من الصدقة بقدر غنائه لا يزاد عليه وإن كان العامل موسرًا، إنما يأخذه على معنى الإجارة. والله أعلم.
وأخرج الشافعي، أنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني؛ إلا لخمسة: غازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني".
هذا الحديث أخرجه الموطأ (٢) وأبو داود (٣).
وقد رواه عبد الرزاق (٤)، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري موصولاً.
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرني من لا أتهم ابن أبي يحيى، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين من الخمس.
стр. 1967
قال الشافعي: وهم عيينة والأقرع وأصحابهما, ولم يعط النبي ﷺ عباس [بن مرداس] (١) وقد كان شريفًا عظيم الغناء، حتى استعتب فأعطاه.
وقال في كتاب حرملة: أخبرنا سفيان قال: حدثني عمر بن سعيد، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ يوم حنين: أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، مائة مائة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك.
ثم أردفه الشافعي في كتاب حرملة بأن قال: أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، [عن أبيه] (٢) قال: "قسم رسول الله ﷺ قسمًا، فقلت: يا رسول الله، أعط فلانًا فإنه مؤمن. فقال رسول الله ﷺ : أَوَمُسْلِمٌ. فقلت: يا رسول الله أعط فلانًا فإنه مؤمن. فقال النبي ﷺ : أَوَمُسْلِمٌ، ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه؛ مخافة أن يكبه الله في النار".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٣).
ثم أردفه الشافعي بحديث رواه عن سفيان، عن مصعب بن سليم، عن أنس ابن مالك، قال: "أُتي رسول الله ﷺ بتمر، فجعل النبي يقسمه وهو محتفز يأكل منه أكلًا ذريعًا".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥).
و"المحتفز" المستوفز المستعجل الذي كأنه يريد أن يقوم.
стр. 1968
و"الذريع" السريع.
وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: "أنه قال لعمر بن الخطاب: إن في أظهر ناقة عمياء، فقال: من نعم الجزية أم من نعم الصدقة؟ فقال أسلم: من نعم الجزية، وقال: إن عليها ميسم الجزية".
قال الشافعي: وهذا يدل على أن عمر كان يسم وسمين: وسم جزية، ووسم صدقة، وبهذا نقول.
وقد رواه في كتاب فرض الزكاة بطوله، وقال الشافعي: بلغني عن حميد الطويل أنه ذكر عن أنس بن مالك: "أنه رأى رسول الله ﷺ يسم إبل الصدقة".
وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
قال الشافعي: ولم يزل السُّعاة يبلغني عنهم أنهم يسمون كما وصفت، ولا أعلم في الميسم علة إلا أن يكون ما أخذ من الصدقة معلومًا فلا يشتريه الذي أعطاه؛ لأنه شيء خرج منه لله ، كما أمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه يباع أن لا يشتريه، وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة لأنهم تركوها لله ، وقد روى المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك [فقال: لا] (٣) تبتعه ولا تعد في صدقتك".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله وسلم
كِتَابُ النِّكَاحِ
وَيشْتَمِل عَلَى بَابين:
الباب الأول في المقدمات
وفيه ثلاثة فصُول:
الفصل الأول فيمَا يَتعلَّق برسُول اللهِ ﷺ وَأزْواجه
قال الربيع: قال الشافعي ﵁ إن الله ﵎ لما خص به رسوله ﷺ من وحيه، وأبان من فضله من المباينة بينه وبين خلقه بالفرض على خلقه طاعته، في غير آية من كتابه فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) الآية وأمثالها، وافترض الله على رسوله ﷺ أشياء خففها على خلقه [ليزيده بها -إن شاء الله- قربة إليه وكرامة، وأباح له أشياء حظرها على خلقه] (٢) زيادة في كرامته.
قال: فمن ذلك: أن من ملك زوجة سوى رسول الله ﷺ لم يكن عليه أن يخيرها في المقام معه أو فراقه، وله حبسها إذا أدى ما يجب عليه لها وإن كرهته، وأمر الله رسوله ﷺ أن يخير نساءه فقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ
стр. 1971
تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ...﴾ (١) الآيات.
فخيرهن رسول الله ﷺ ، فاخترنه، فلم يكن الخيار إذا اخترنه طلاقًا, ولم يجب عليه أن يحدث لهن طلاقًا [وكان تخيير رسول الله ﷺ -إن شاء الله- كما أمر الله، إن أردن الحياة الدنيا وزينتها ولم يخترنه، وأحدث لهن طلاقًا لا يجعل الطلاق إليهن، لقول الله : ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٢) أحدث لكن إذا اخترتن الحياة الدنيا وزينتها متاعًا وسراحًا] (٣) فلما اخترنه لم يوجب ذلك عليه أن يحدث لهن طلاقًا ولا متاعًا.
فأما قول عائشة ﵂ "قد خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، أفكان ذلك طلاقًا؟ " يعني -والله أعلم-: لم يوجب ذلك على النبي ﷺ أن يحدث لنا طلاقًا.
وإذا فُرِضَ على النبي ﷺ إن اخترن الحياة الدنيا؛ أن يُمَتَّعْنَ، فاخترن الله ورسوله، فلم يطلق واحدة منهن، فكل من خير امرأته فلم تختر الطلاق فلا طلاق عليها، وكذلك كل من خير نساءه فليس الخيار بطلاق حتى تطلق المخيرة نفسها.
قال الشافعي ﵁ حدثني الثقة، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: "قد خيرنا رسول الله ﷺ ، أفكان طلاقًا؟! ".
وقال الشافعي: وأنزل الله ﵎ عليه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٤) الآية.
стр. 1972
وقال بعض أهل العلم: نزلت عليه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (١) بعد تخييره أزواجه.
قال: وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة ﵂، أنها قالت: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أُحل له النساء".
قال الشافعي [كأنها] (٢) تعني اللاتي حُظِرْنَ عليه في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ (٣) وأحسب قول عائشة: "أُحِلَّ له النساء" لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...﴾ (٤) إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) فذكر الله ما أحل له، فذكر أزواجه اللاتي آتى أجورهن، وذكر بنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي؛ فدل ذلك على معنيين:
أحدهما: أنه أحل له مع أزواجه من ليس بزوج يوم أحل له، وذلك أنه لم يكن عنده من بنات عمه ولا بنات خاله ولا بنات خالاته امرأة، وكان عنده عدة نسوة، وعلى أنه أباح له من العدد ما حظر على غيره، وهو أن يتهب بغير مهر ما حُظِرَ على غيره، ثم جعل له في اللاتي يهبن أنفسهن له أن يتهب ويترك، فقال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٥) فمن اتُّهب منهن فهي زوجه لا تحل لأحد بعده، ومن لم يتهب فلم يقع عليها اسم زوجه وهي تحل لغيره.
قال: أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أن امرأة وهبت نفسها للنبي ﷺ ، فقامت قيامًا طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فذكر أنه زوجها إياه".
стр. 1973
وقال الشافعي ﵁ فكان مما خص الله تعالى به نبيه ﷺ قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١).
وقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (٢) فحرم نكاح نسائه من بعده على العالمين وليس هكذا نساء أحد غيره.
وقال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (٣) فأثابهن به من نساء العالمين.
وقوله: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمهَاتُهُمْ﴾ (١) مثل [ما وصفت من اتساع لسان العرب، وأن الكلمة الواحدة تجمع معاني مختلفة، ومما وصفت من أن الله أحكم كثيرًا من فرائضه بوحيه، وسَنَّ شرائع واختلافها على لسان نبيه وفي فعله، فقوله: ﴿أُمهَاتُهُمْ﴾] (٤) يعني هن أمهاتهم في معنى دون معنى؛ وذلك أنه لا يحل لهم نكاحهن بحال، ولا يحرم عليهم نكاح بنات لو كن لهن كما يحرم عليهم نكاح بنات أمهاتهم اللاتي ولدنهم وأرضعنهم، والدليل عليه أن رسول الله ﷺ زوج ابنته وهو أبو المؤمنين وهي بنت خديجة أم المؤمنين عليًّا، وزوج رقية وأم كلثوم عثمان، وأن زينب بنت أم سلمة تزوجت، وأن الزبير بن العوام تزوج بنت أبي بكر الصديق وأن طلحة تزوج بنته الأخرى وهما أختا أم المؤمنين، وعبد الرحمن بن عوف [تزوج] (٥) حمنة بنت جحش وهي أخت زينب أم المؤمنين.
ولا يرثن المؤمنين ولا يرثوهن كما يرثون أمهاتهم ويرثنهم، ويشبهن أن [يكن] (٦) أمهات؛ لعظم [الحق] (٧) عليهم مع تحريم نكاحهن.
стр. 1974
قال الشافعي ﵁ فأما ما سوى ما وصفنا من [أن] (١) للنبي ﷺ من عدد النساء أكثر مما للناس، ومن أن يتهب بغير مهر، ومن أن أزواجه أمهاتهم لا يحللن لأحد بعده، وما في معناه من الحكم بين الأزواج فيما يحل منهن ويحرم بالحادث، فلا نعلم حلال الناس يخالف حلال النبي ﷺ في ذلك.
فمن ذلك أنه كان يقسم لنسائه فإذا أراد سفرًا أقرع بينهن، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فهذا لكل من له أزواج من الناس.
قال: أخبرني محمد بن علي، أنه سمع ابن شهاب يحدث، عن عبيد الله، عن عائشة ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها".
قال الشافعي: ومن ذلك أنه أراد فراق سودة، فقالت: "لا تفارقني ودعني حتى يحشرني الله في أزواجك، وأنا أهب يومي وليلتي لأختي عائشة".
قال: وقد فعلت ابنة محمد بن مسلمة شبيهًا بهذا حين أراد زوجها طلاقها ونزل فيما ذكر: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية (٢).
أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، يعني بقصة محمد بن مسلمة.
من عادة الفقهاء أن يذكروا في أول كتاب النكاح طرفًا من خصائص النبي ﷺ ، ويحصرون أصلها في واجبات ومحرمات ومباحات لم تشاركه أمته فيها.
فالواجبات: كالوتر، وصلاة الليل، وتخيير نسائه.
стр. 1975
والمحرمات: كالزكاة، وأكل الثوم، والبصل.
والمباحات: كالانفراد بالخمس والفيء من المغنم والزيادة على أربع نسوة، وأشياء كثيرة لم نطل بذكرها؛ لأن الفقهاء يستقصونها والله أعلم.
***
стр. 1976
الفصل الثاني
في الحثِّ على النِّكَاح
أخبرنا الشافعي ﵁ عن عمرو بن دينار: "أن ابن عمر أراد أن لا ينكح، فقالت له حفصة: تزوج، فإن وُلِدَ لك وَلَدٌ فعاشَ من بعدك دعوا لك".
هذا الحديث أورده الشافعي في باب الترغيب في النكاح، وقد جاء في المسند في كتاب أحكام القرآن للشافعي فيما جاء منه في الحث على النكاح، وقد جاء في لفظ الحديث "دعوا لك" بلفظ الجمع فإن لم يكن سهوًا من الكتاب وإلا فهو بعيد الاتجاه؛ لأنها قالت: "فإن ولد لك ولدٌ فعاش" بلفظ الواحد، فكان ينبغي أن تقول "دعى لك"، لا دعوا، فإن قلت: إنما أرادت فإن ولد لك "وُلْدٌ" بضم الواو أي جماعة من الولد؛ قلت: كان ينبغي أن تقول: "فعاشوا" بالجمع أيضًا، اللهم إلا أن يقال: إن الولد يقع على الواحد والجمع، فلما قالت: فعاش ردته إلى اللفظ، لأن الأغلب وقوعه على الواحد، ولما قالت: دعوا لك ردته إلى الجماعة.
ولقائل أن يقول: إن الضمير في "دعوا" ليس راجعًا إلى الولد إنما هو راجع إلى الناس وإن لمن يتقدم لهم ذكر، أي إن وُلِدَ لك وَلَدٌ فرآه الناس ذكروك به ودعوا لك.
ويجوز أن يكون له وجه آخر، وهو أن هذه اللفظة جاءت في المسند على اختلاف نسخه، وفي كتاب البيهقي مكتوبة هكذا "دعوا" بألف بعد الواو، ومن عادة الكتاب أن يكتبوا بعد واو الجمع في أواخر الأفعال ألفًا نحو: "ضربوا" و"رموا" و"سعوا" و"قتلوا" فإن لم تكن الواو التي في دعوا واو الجمع فإنما هي الواو التي من نفس الكلمة انقلبت عن الألف التي في دعا، وذلك أن تكون الألف التي بعد الواو ألف التثنية، نحو "ضربا" و"قتلا" و"دَعَوَا" و"غَزَوَا" ويريد
стр. 1977
بالتثنية الولد والزوجة لأنهما مذكوران.
وهذه الوجوه إنما أوردناها لأن اللفظ يحتملها، وإلا فإحالة السهو إلى الكُتَّاب أولى، والله أعلم.
قال الشافعي ﵁ في الترغيب في النكاح لمن تاقت نفسه إليه: أحب له ذلك؛ لأن الله تعالى أمر به، ورضيه، وندب إليه، وجعل فيه أسباب منافع، فقال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (١).
وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (٢) فقيل: إن الحفدة الأصهار.
وقال: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٣).
قال الشافعي: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "تناكحوا تكثروا؛ فإني أباهي
بكم الأمم، حتى بالسقط" (٤).
وبلغنا أن النبي ﷺ قال: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح" (٥).
وبلغنا أن النبي ﷺ قال: "من مات له ثلاثة من الولد لم تمسه النار" (٦).
ويقال: "إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده" (٧).
وقال عمر بن الخطاب: "ما رأيت مثل من ترك النكاح بعد هذه الآية ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٨) " وقد جاء في الحث على النكاح
стр. 1978
أحاديث كثيرة وآثار.
وأخرج الشافعي ﵁ في القديم من رواية الزعفراني، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: "لَتَنْكِحَنَّ أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي [الزوائد] (١) قال له: ما يمنعك [من] (٢) النكاح إلا عجز أو فجور".
قال الشافعي: ومن لم تَتُقْ نفسه إلى النكاح لا أرى بأسًا أن يدع النكاح؛ بل أحب ذلك، وأن يتخلى لعبادة الله، وقد ذكر الله تعالى القواعد فلم ينههن عن القعود [ولم] (٣) يندبهن إلى النكاح، وذكر عبدًا أكرمه فقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٤) والحصور: الذي لا يأتي النساء، ولم يندبه إلى النكاح.
و"حصور" فعول بمعنى فاعل من الحصر: المنع، أي يمنع نفسه النكاح، وليس بمعنى "محصور" كما ذهب إليه قوم، ومما يدل على ذلك أن فعولًا بناء يقع على ما كان عادة عن اختيار، نحو أكول وشروب.
...
стр. 1979
الفصل الثالث
في [الخطبة] (١)
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن [ابن] (١) عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
هكذا أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث"، وعاد أخرجه في "أحكام القرآن" إسنادًا ولفظًا، وأخرجه في كتاب "التعريض بالخطبة" عن محمد ابن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن مسلم الخياط، عن ابن عمر (٢): "أن النبي ﷺ نهى أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خِطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب".
وأما مسلم فأخرجه (٣) عن زهير بن حرب ومحمد بن مثنى، عن يحيى القطان، عن نافع، عن ابن عمر ... وذكر البيع والخطبة.
وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ... وذكر الخطبة وبعدها البيع.
وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن قتيبة، عن الليث، عن نافع ... وذكر البيع والخطبة.
стр. 1980
وأما النسائي فأخرجه (١) بإسناد الترمذي، وذكر الخطبة وحدها.
فهؤلاء قد ذكروا الحديث مقرونًا بذكر البيع وقد تقدم ذكره في كتاب البيع، فيجوز أن ذكر النكاح طرفًا من الحديث، ويجوز أن يكون منفردًا قد قاله النبي ﷺ في مقام آخر، فإن كان طرفًا من الحديث فيكون ذلك على مذهب من أجاز رواية بعض الحديث دون بعض وهم الأكثرون.
و"الخِطبة" في النكاح بكسر الخاء، "والأخوة" ها هنا هي أخوة الإسلام لا أخوة النسب خاصة؛ فإن أخوة النسب تدخل فيها, ولو كان مقصورًا على أخوة النسب لكان خاصًّا، بل هو عام في الجميع.
والذي ذهب [إليه] (٢) الشافعي: أن الرجل إذا خطب امرأة، فصرحت له بالإجابة إن كانت ثيبًا، أو أذنت لوليها أن يزوجها منه، أو تكون ممن يجبرها وليها فيصرح الولي بالإجابة، فهذه لا يجوز لغيره أن يخطبها؛ لأنه إفساد على الخاطب الأول.
فإن كان الولي ممن يُخَيِّر كالأخ والعم وغيرهما، فإذا أجاب لم تحرم بذلك خطبتها، فإن خطبها فردته أو لم تجبه أو لم يؤخذ منها ركون إلى إجابته؛ فإن هذه لا تحرم خطبتها.
وهذا النهي نهي تأديب لا نهي تحريم؛ فإنه لو وقع انعقد النكاح، وبه قال أكثر العلماء، وقال مالك وداود: لا يصح النكاح.
وروي عن مالك: أنه إن أملكها الثاني فُرِّقَ بينهما؛ إلا أن يكون قد دخل بها، والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ ... " مثله وقد زاد بعض المحدثين:
стр. 1981
"حتى يأذن أو يترك".
هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" وعاد أخرجه في كتاب "التعريض بالخطبة" عن سفيان، عن الزهري قال: أخبرني ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة، وقد تقدم ذكر طرقهم في كتاب [البيع] (١) عند قوله: "لا يَبعْ بعضكم على بيع بعض" فلم نعد ذكرها.
وقوله: وقد زاد بعض المحدثين: "حتى يأذن أو يترك" يريد به الخاطب الأول، وقد جاء مثل ذلك مصرحًا به في روايات كثيرة عن ابن عمر وأبي هريرة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة -هي بنت قيس-: "أن رسول الله ﷺ قال لها في عدتها من طلاق زوجها: فإذا حللت فآذنيني: [قالت] (٢): فلما حللتُ أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة. قالت: فكرهته، فقال: انكحي أسامة. فنكحته فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به".
هكذا أخرجه في كتاب اختلاف الحديث وعاد أخرجه في كتاب أحكام القرآن بالإسناد واللفظ، وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا البخاري.
أما مالك فأخرجه (٣) بالإسناد في جملة حديث هذا آخره، وأوله: "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها بشعير، فسخطته،
стр. 1982
فقال: والله مالك علينا من شيء. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال لها: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند عبد الله بن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك [عنده] (١) فإذا حللت فآذنيني ... " وذكر باقي الحديث.
وأما مسلم فأخرجه (٢) عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... الحديث بتمامه.
وأما أبو داود فأخرجه (٣) عن القعنبي، عن مالك ... بتمامه.
وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي بكر بن أبي الجهم قال: "دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على فاطمة بنت قيس، فحدثت أن زوجها طلقها ثلاثًا ... " وذكر الحديث بطوله.
وأما النسائي فأخرجه (٥) عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن القاسم، عن مالك ... بتمامه.
ولهذا الحديث طرق كثيرة أخرجها الجماعة فأكثروا، وقد ذكرنا أكثرها في كتاب جامع الأصول.
وهذه "الفاء" التي في رواية الشافعي في قوله: "فإذا حللت" هي عاطفة وقد بأن أمرها في رواية مالك؛ فإن لفظ الشافعي هي قطعة من الحديث، ومن لم يقف على أول الحديث لم يتضح له دخول هذه "الفاء"؛ لأنها تقتضي كلامًا قبلها.
"والإيذان": الإعلام.
وقولها: "فلما حللت" قيد انقضاء عدتها، وأنها حلت للأزواج؛ لأنها
стр. 1983
تكون في العدة حرامًا على الأزواج.
وقوله: "لا يضع عصاه عن عاتقه" له تأويلان:
أحدهما أنه يريد به أنه كثير السفر لا يقيم عند أهله؛ فإن مِنْ شأن المسافر أن يحمل عصاه على عاتقه كما يقال للمقيم ألق عصاك.
قال الشاعر:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا (واستقرت) (١) بها النَّوَى ... كما قَرَّ عينَّا بالإِيابِ المُسافِرُ
فكنى بحمل العصى عن السفر الذي هو مظنته، كما كنى بهذا عن الإقامة، وهذا مما يُنَفِّر النساء؛ فإن الزوج إذا كان كثير الأسفار كرهته المرأة.
والثاني أنه يريد أنه كثير الضرب لامرأته، فكأنه يلازم حمل العصا على عاتقه للضرب، وهذا أيضًا مما يُنَفِّر النساء.
و"الغبطة" السرور والفرح، وهو من حسن الحال، والأصل فيه أن يتمنى لنفسه مثل حال محمودة لغيره من غير أن يتمنى زوالها عنه، وليس بحسد، وفي رواية الشافعي ومالك "فاغتبطت به" وفي رواية الباقين بحذف "به" وزيادتها زيادة في البيان، وإيضاح وتخصيص أن الغبطة كانت به لا بغيره؛ فإن هذا الوهم حاصل مع حذفها، وإن كانت الحال تنافيه إلا أن فيه جواز إيهام.
وفي هذا الحديث جواز التعريض بالخطبة في العِدَّة.
وفيه: أن المال معتبر في بعض أنواع الكفاءة.
وفيه: دليل على جواز تأديب الرجل امرأته.
وفيه: دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من
стр. 1984
العيوب على وجه النصيحة لها، والإرشاد إلى ما فيه حظها؛ لم يكن ذلك غيبة يأثم فيها.
وهذا الحديث مسوق لبيان جواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم يكن قد حصل من المرأة إجابة، أو من وليها كما ذكرنا في حديث ابن عمر.
قال الشافعي: فكان [بَيِّنًا] (١) أن الحال التي خطب فيها رسول الله ﷺ فاطمة على أسامة غير الحال التي نهى عن الخطبة فيها, ولم يكن للمخطوبة حالان (مختلفا) (٢) الحكم، إلا أن تأذن المخطوبة بإنكاح رجل بعينه، فيكون الولي إن زوَّجها جاز النكاح عليها, ولا يكون لأحد أن يخطبها في هذه الحال حتى يأذن الخاطب أو يترك خطبتها، وهذا بَيِّهنٌ في حديث ابن أبي ذئب.
قال: وقد أعلمت [رسول الله صلى الله] (٣) عليه وسلم أن أبا جهم ومعاوية خطباها، ولا [أشك] (٤) إن شاء الله أن خطبة أحدهما بعد خطبة الآخر؛ فلم ينههما ولا واحد منهما, ولم تعلمه أنها أذنت في واحد منهما؛ فخطبها على أسامة.
قال: وقوله ﷺ : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" على جواب السائل والله أعلم، فيكون سئل عن رجل خطب امرأة فرضيته وأذنت في إنكاحه، [فخطبها أرجح عندها منه، فرجعت عن الأول الذي أذنت في إنكاحه، فنهى عن خطبة المرأة إذا كانت بهذه الحالة، وقد يكون أن ترجع عمن أذنت في إنكاحه] (٥) ولا ينكحها من رجعت إليه، فيكون هذا إفسادًا عليها وعلى خاطبها الذي أذنت في إنكاحه.
стр. 1985
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أنه كان يقول في قول الله : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها: إنك عليَّ لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيرًا ورزقًا، ونحو هذا من القول".
هذا الحديث أخرجه الشافعي ﵁ في كتاب "أحكام القرآن" في بيان حكم التعريض بالخطبة.
و"الجناح" الإثم.
و"التعريض": خلاف التصريح، وأصل التعريض: التلويح، من عَرْض الشيء وهو جانبه، والفرق بينه وبين الكناية أن الكناية أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن يذكر شيئًا يدل به على شيء لم يذكره.
"من خطبة النساء" مصدر خطب، ومعناه: سألها حاجته في نفسها، من قولهم: ما خطبك؟ أي ما أمرك وما حاجتك؟
وقيل: الخطبة الذكر.
قال الشافعي ﵁ والتعريض الذي أباح الله تعالى: ما عدا التصريح من قول، وذلك أن يقول: رُبَّ متطلع إليك، وراغب فيك، وحريص عليك، وإنك لبحيث تحبين، وما عليك أيمة، وما كان في هذا المعنى مما خالف التصريح.
والتصريح أن يقول: تزوجيني إذا حللت، أو أنا أتزوجك إذا حللت، وما أشبه هذا مما جاوز التعريض وكان بيانًا أنه خطبة لا أنه يحتمل غير الخطبة.
قال: والعدة التي أذن الله تعالى بالتعريض بالخطبة فيها: العدة من وفاة
стр. 1986
الزوج، ولا أحب ذلك في العدة من الطلاق الذي لا يملك فيه المطلق الرجعة احتياطًا، فأما المرأة يملك زوجها رجعتها فلا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة في العدة.
قال: و"السِّرُّ" هو الجماع، والجماع هو التصريح بما لا يحل له في حاله تلك.
قال: و"بلوغ الكتاب أجله": أن تنقضي عدتها، ثم يعقد عليها -إن شاء الله تعالى- ولا يفسخه إساءة تقدمت منه بالتصريح بالخطبة في العدة؛ لأن الخطبة غير العقد.
وتفصيل المذهب: أن المعتدة المطلقة إن كانت بائنًا بالثلاث أو باللعان فهي بمنزلة المعتدة من الوفاة، وإن كانت بائنًا بخلع أو فسخ فإن الزوج يجوز له التعريض والتصريح، وأما غيره ففيه قولان: قال في "البويطي" يجوز، وعلق القول في كتاب "التعريض بالخطبة" والله أعلم.
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن [ابن] (١) أبى مليكة: "أن ابن عمر كان إذا أنكح قال: أنكحتك على أمر الله تعالى، على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
قال الشافعي: وأُحِبُّ إلى أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمرٍ طلبه سوى الخطبة: حمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والوصية بتقوى الله، ثم يخطب.
وأحب للولي أن يفعل ذلك ثم يُزَوِّج، ويزيد: أنكحتك على [ما] (٢) أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
قال: فإن لم يزد على عقد النكاح، جاز النكاح. والله أعلم.
стр. 1987
البَابُ الثّاني في أَحْكَام النِّكَاحِ
وَفِيهِ ثلاثة عشر فَصْلاً:
الفصْل الأوَّل: في الأَوْليَاءِ وَمَا يتعَلّقُ بهمْ
وَفِيهِ أربعَة فروعٍ:
الفرْعُ الأوّل: في الأوْليَاءِ مُطْلقًا
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل. ثلاثًا"
هكذا أخرجه في كتاب اختلافه مع مالك، وأخرجه في كتاب "أحكام القرآن" عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج بالإسناد وزاد: "فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
أما أبو داود (١) فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن ابن جريج ...
стр. 1988
وقال: "فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل" (١) وذكر الزيادة التي في الرواية الثانية، وكذلك أبو داود.
وقد روى هذا الحديث جماعة من الأئمة، منهم الحجاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن عروة.
ورواه هشام بن عروة، عن أبيه.
ورواه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري وكلهم ثقة حافظ. قال الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ما حال سليمان بن موسى في الزهري؟ فقال: ثقة.
والعجب أن بعض من يسوي الأخبار على مذهبه يحكي أن ابن جريج سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره، ثم يرويه عن [ابن] (٢) أبي عمر، عن يحيى بن معين، عن ابن علية، عن ابن جريج، وقد اختصر الحكاية عن ابن معين فلم يبن الغرض منها، والحكاية: أن ابن معين كان يوهن رواية ابن علية عن ابن جريج، عن الزهري، وأنه أنكر معرفة سليمان بن موسى، وقال: لم يذكره عن ابن جريج غير ابن علية، وإنما سمع ابن علية من ابن جريج سماعًا ليس بذاك؛ إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز، وضعف يحيى بن معين رواية ابن علية عن ابن جريج جدًّا.
قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس يصح في هذا شيء إلا حديث سليمان بن موسى.
وقال في رواية مِنْدَل عن هشام بن عروة عن أبيه: هذا ليس بشيء.
فيحيى بن معين إنما ضعف رواية مِنْدل، وصحح رواية سليمان بن موسى،
стр. 1989
وضعف أحمد بن حنبل حكاية ابن علية هذه عن ابن جريج.
وقال: ابن جريج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه، فهذان إمامان في الحديث وَهَّنَا هذه الحكاية ولم يثبتاها [مع ما] (١) في مذاهب أهل الحديث من وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أخبر عنه.
والمحتج بحكاية ابن علية في رد هذه السنة يحتج في مسألة الوقف برواية ابن لهيعة وحده وفي غير موضع برواية الحجاج بن أرطاة وحده، ثم يرد في هذه المسألة رواية ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن عروة عن عائشة، عن النبي ﷺ مثل رواية [موسى] (٢) بن سليمان، ويرد رواية الحجاج ابن أرطأة عن الزهري مثل ذلك، فيقبل رواية كل واحد منهما منفردة إذا وافقت مذهبه، ولا يقبل روايتهما مجتمعة إذا خالفت مذهبه، ومعهما رواية فقيه من فقهاء الشام ثقة تشهد لروايتهما في هذه المسألة بالصحة. هذا كلام البيهقي (٣).
قوله: "أيما امرأة" "أيُّ" هي التي تنوب في الشرط مناب حروفه، وهي اسم، تقول: أي الرجال يقم أقم معه، وأيهمْ يكرمني أكرمه، وهي فيه معرفة للإضافة وقد تترك الإضافة وفيه معناها.
وأما التي زيدت إليها "ما" المبهمة وفائدتها التكثير لكل امرأة نكحت، وذلك كقولك: شيء ما، أي: أي شيء كان قليلاً أو كثيرًا، أكثر ما يطلق على القليل، وهي كلمة استيفاء واستيعاب.
وفيه: إثبات الولاية على النساء كلهن البكر والثيب، والشريفة والوضيعة.
و"النكاح" في الأصل الوطء، وقد أطلق على العقد دون الوطء، تقول: نكحت المرأة، ونكحت هي.
стр. 1990
والمعنى: أيما امرأة زوجت نفسها، فيكون المراد به في هذا الحديث العقد دون الوطء؛ لأن الكلام في صحة النكاح وانعقاده.
وفي تكرار اللفظ تأكيد لفسخ النكاح من أصله.
وفيه: إبطال الخيار.
ومعنى قوله: "بغير إذن وليها" هو أن تتزوج بلا إذنه، فإما أن يلي العقد بنفسه، أو يوكل غيره فيأذن له في العقد عليها. وزعم أبو [ثور] (١) أن الولي إذا أذن للمرأة في أن تعقد على نفسها صح عقدها.
وقوله: "فلها المهر بما استحل من فرجها" يدل على أن المهر إنما يجب بالإصابة، وأن الدخول كناية عنها.
و"التشاجر": التخاصم، والمراد به خصام الولي والمرأة، وإذا طلبت منه النكاح فمنعها، فلم تشاجر الأولياء في السبق إلى العقد لأنهم مع وجودهم لا ولاية للسلطان، إنما يلي السلطان إذا غاب الولي أو عضل المرأة ومنعها من النكاح، فأما إذا تشاجر الأولياء في السبق وكانوا في مرتبة واحدة، فالعقد عقد السابق منهم إذا كان فَعَلَهُ مصلحةً لها ونظر في أمرها.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها ولا غيرها, ولا يملك زواجها إلا وليها إما من نسب أو ولاء أو حاكم وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وابن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وقتادة، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.
قال أبو حنيفة: يجوز للمرأة أن تزوج نفسها وغيرها وتوكل في النكاح.
وبه قال الشعبيّ، والزهري.
стр. 1991
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز لها بغير إذن الولي، فإن فعلت ذلك كان موقوفًا على إجازته.
وقال أبو داود: إن كانت بكرًا زوجها الولي، وإن كانت ثيبًا زوجت نفسها.
وقال مالك: إن كانت عالية القدر لا تزوج نفسها، وإن كانت دنيئة القدر زوجت نفسها.
قال الشافعي: زعم بعض أهل العلم بالقرآن: أن معقل بن يسار كان زَوَّجَ أختًا له ابن عم له فطلقها، ثم أراد التزوج وأرادت نكاحه بعد مضي عدتها، فأبى معقل وقال: زوجتك وآثرتك على غيرك فطلقتها؛ لا أزوجكها أبدًا فنزل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يعني الأزواج ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ فانقضت عددهن ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يعني أولياؤهن ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١) إذا طلقوهن ولم يبتوا طلاقهن.
قال الشافعي: وما أشبه معنى ما قالوا من هذا بما قالوا؛ لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة من له سبب العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء.
قال: وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًّا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف.
قال الشافعي: وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله ... وذَكَرَ حديث عائشة.
وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي في معنى الآية قد أخرجه البخاري (٢) من حديث أبي عامر العقدي، عن عباد بن راشد، عن الحسن، عن معقل بن
стр. 1992
يسار ... وذكر قصته مع أخته وزوجها، وعضله إياها، وأنه حلف بالله أنه لا يزوجها منه أبدًا، فلما نزلت الآية فيه قال معقل: فقلت: "سمعًا وطاعة، فزوجتها إياه وكفرت عن يميني".
وفي ذلك دليل [واضح] (١) على حاجة المرأة إلى الولي الذي هو غيرها في تزويجها، ومن حمل عضل معقل على أنه كان يزهدها في المراجعة فمنع من ذلك، كان ظالمًا لنفسه في حمل كتاب الله على غير وجهه؛ فلا عضل في التزهيد، إذا كان لها التزويج دون الولي، ولا فائدة في يمينه لو كان لها التزويج دونه، ولا حاجة به إلى الحنث والتكفير، ولها أن تتزوج به دون تزويجه والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل".
هكذا أخرج الشافعي هذا الحديث في كتاب اختلافه مع مالك، وأخرجه في كتاب عشرة النساء عن مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم، عن ابن جبير ومجاهد، عن ابن عباس قال: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد".
وأحسب مسلمًا قد سمعه من ابن خثيم.
والحديث قد أخرجه الشافعي موقوفًا على ابن عباس، وقد روي من وجه آخر مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وروي أيضًا مرفوعًا عن أبي موسى، وعمران بن حصين، وغيرهما من الصحابة.
"المرشد": اسم فاعل من أرشد يرشد إذا دل على الرشاد وهدى إليه، والرشاد خلاف الغَيّ.
وقد أضاف الشاهدين إلى "العدل" وهي من باب إضافة الموصوف إِلى
стр. 1993
الصفة؛ لأن العدل من صفة الشاهد، تقول: هذا شاهد عدل، وشاهدان عدلان، وشهود عدول، ثم يضيفه إليها اتساعًا, ولما استعمل الإضافة أفرد المضاف إليه.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ في الأولياء قد اختلف فيه أصحابه فقال بعضهم: إذا كان الولي فاسقًا محجورًا عليه؛ لم يجز أن يزوج، فأما غير المحجور عليه فيجوز.
وقال بعضهم: لا يجوز للفاسق أن يزوج بالإجبار، فأما بالإذن منها فنعم؛ لأنه كالنائب عنها.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجوز أن يكون الفاسق وليًّا بحال، وهو إحدى روايتي أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز، سواء كان مُجْبِرًا أو غَيْرَ مُجْبِر.
وأما شهود النكاح فلا يصح إلا بشاهدين عدلين ذكرين، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، وإليه ذهب الشعبي والنخعي، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يفتقر إلى الشهادة.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير، وإليه ذهب ابن مهدي، ويزيد بن هارون، وبه قال مالك وأهل الظاهر؛ إلا أن مالكًا يقول: من شرط النكاح ترك التواصي بالكتمان.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بشاهدين وإن كانا فاسقين، وبشاهد وامرأتين، ويثبت عند الحاكم بشاهد وامرأتين.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال عمرو بن دينار: "نكحت امرأة من بني بكر بن كنانة يقال لها: ابنة أبي ثمامة عمرو بن عبد الله بن مضرس، فكتب علقمة بن علقمة العتواري إلى عمر بن عبد العزيز -إذ هو والٍ بالمدينة-: إني وليها، وإنها نكحت بغير
стр. 1994
أمري. فرده عمر وقد أصابها".
قال: فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها فلا نكاح لها؛ لأن النبي ﷺ قال: "نكاحها باطل، وإن أصابها فلها صداق مثلها بما أصاب منها بما قضى لها به النبي ﷺ " (١).
قوله: "وقد أصابها" يريد وطئها، وفي هذا مبالغة؛ لأنه رد النكاح بعد الوطء.
وقوله: "فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها ... " إلى آخر الحديث من كلام الشافعي لا من كلام عمر بن عبد العزيز، وقد أدرجه في الكلام، وقد تقدم في حديث عائشة معنى هذا الحديث.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد قال: "جَمَعَت الطريق رفقة فيهم امرأة ثيب، فَوَلَّت رجلاً منهم أمرها، فزوجها رجلاً، فجلد عمر الناكح والمُنْكح ورد نكاحهما".
هكذا أخرجه الربيع في المسند، وقد رواه الزعفراني عنه في القديم، فقال: عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن عكرمة بن خالد وهو أصح، وكذا رواه روح بن عبادة، عن ابن جريج.
قوله: "امرأة ثيب" يريد أنها ليست ببكر، وأصله من ثَابَ يثوب إذا رجع، كأنها رجعت إلى بيت أبيها.
وقوله: "فَوَلَّت أمرها رجلاً لزوجها" والمذهب أن المرأة إذا نكحت نفسها، أو زَوَّجَها غير وليها بإذنها، فإن النكاح فاسد، فإن لم يدخل بها الزوج فلا شيء عليه، وإن وطئها نُظِر، فإن كان يعتقد إباحة ذلك عن اعتقاد أو تقليد مجتهد أو ظن منه؛ فلا حد عليه؛ لشبهة اعتقاده، وإن كان يعتقد التحريم فقال بعضهم: عليه الحد.
стр. 1995
وإنما المذهب لا حد عليه؛ لقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" وأما عمر
ابن الخطاب فإنما جلدهما تأديبًا لا حدًّا، لا يجب على المنكح حَدٌّ ولا على الناكح إلا بعد الوطء، ولم يُنقل الوطء، ولهذا قال: فجلد الناكح والمنكح ولم يقل: فَحَدَّ.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن معبد بن عمير: "أن عُمر رَدَّ نكاح امرأة نُكِحَت بغير ولي".
هذا الحديث مؤكد لحديث قبله، وأن كل نكاح لا يتولاه ولي مرشد ثابت الولاية؛ فَاسِدٌ، وهذه المرأة يجوز أن تكون هي المذكورة في الحديث الأول ويجوز أن تكون غيرها.
وقد أخرج الشافعي، عن مالك، أنه بلغه أن ابن المسيب كان يقول: قال عمر بن الخطاب: "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان".
وهذا قد رواه عمرو بن الحارث، عن [بكير] (١) بن الأشج، عن ابن المسيب.
وقال الشافعي -فيما بلغه- عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن معاوية بن سويد بن مقرن، أنه وجد في كتاب أبيه، عن علي: "أن لا نكاح إلا بولي، فإذا بلغ الحقائق النص فالعصبة أحق".
قال الشافعي: وبهذا نقول لأنه يوافق ما روينا عن رسول الله ﷺ وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا ابن قتيبة عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "لا تُنكح المرأةُ المرأةَ؛ فإن البغي إنما تنكح نفسها".
هكذا رواه ابن عيينة، عن هشام بن حسان موقوفًا.
стр. 1996
ورواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد السلام بن حرب، عن هشام ابن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنكح المرأةُ المرأةَ، ولا تُنكح المرأة نفسها".
وكان يقول: "التي تنكح نفسها زانية" وقد أخرج الزهري، عن ابن عباس هذا المعنى مرفوعًا وموقوفًا.
قوله: "لا تُنكح" بضم التاء أي لا تتولى عقد النكاح، والمرأة الأولى مرفوعة؛ لأنها فاعلة، والثانية منصوبة؛ لأنها المفعولة، ويجوز أن تكون "لا" ناهية ونافية، والنهي أعم، وقد تقدم لها نظائر، فإن جعلتها نافية رفعت "تُنكح" وإن جعلتها ناهية كسرتها.
و"البغي" الزانية.
وقوله: "فإن البغى إنما تنكح نفسها" كلام هو تعليل لنفي الإنكاح أو نهيه، ولا يريد أن يجمع بين حكم البغي ولن تزويج المرأةِ المرأةَ، وأن يجعل النكاحين زنا، فقال: إن الزانية هي التي تتولى نكاح نفسها، ويريد بالنكاح ها هنا الوطء؛ لأنه ليس بين الزانية والزاني عقد نكاح، إنما هو تمكين من نفسها، وابتغاء في تحصيل الجماع لا غير.
وهذا الحديث مؤكد لما تقدم من كون المرأة لا تلي عقد النكاح.
و [قال الشافعي] (١) أخبرنا الثقة، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: "كانت عائشة ﵂ تُخطب إليها المرأة من أهلها، فَتَشَهَّدُ، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زوج؛ فإن المرأة لا تلي عقد النكاح".
روى هذا الحديث عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، وقال: لا أعلم إلا عن أبيه ... وذكره.
стр. 1997
قوله: "فَتَشَهَّدُ" يريد الخُطبة؛ لأنه لما كانت الخُطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ؛ سميت الخُطبة تشهدًا، تسمية للشيء ببعضه، كما قيل للتحيات: التشهد؛ لأن فيها تشهدًا، وقد جاء في بعض النسخ "فتشهد" بتاء واحدة، وفي بعضها بتاءين وهو الأصل، والحذف على التخفيف مع إرادة المحذوف.
و"عقدة النكاح" هي الإيجاب والقبول، تشبيهًا بالعُقدة في الحبل ونحوه؛ لأن بالإيجاب والقبول يلتئم الزوج مع الزوجة، فيجتمعان فيصيران كأنهما منعقدان أحدهما بالآخر.
وقد احتج بعض من نصر مذهبه بتزويج عمر بن أبي سلمة أمه من رسول الله ﷺ وهو صغير، وفي ذلك دلالة على سقوط احتجاجهم به في ولاية الابن، وليس فيه حجة على من اشترط الولي في النكاح؛ لأنه لو كان يجوز النكاح بغير ولي؛ لأشبهه أن توجب العقد هي، ولا تأمر به غيرها، فلما أمرت به غيرها بأمر النبي ﷺ إياها بذلك على ما رري في بعض الروايات؛ دَلَّ أنها لا تلي عقد النكاح.
وقول من زعم أنه كان صغيرًا دعوى، ولم يثبت صغره بإسناد صحيح.
وقول من زعم أنه زوجها بالبنوة مقابل لقول من قال بل زوجها بأنه كان من بني أعمامها, ولم يكن لها [ولي] (١) هو أقرب منه إليها؛ وذلك لأنه هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
فتزويجها كان بولي مع قول من زعم أن نكاح النبي ﷺ كان لا يفتقر إلى الولي.
وفي قصة تزويج زينب بنت جحش ونزول الآية فيها دلالة على صحة ذلك، والله أعلم.
стр. 1998
الْفَرْعُ الثَّاني:
فِي ولَايةِ الآبَاءِ
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع، وبنى بي وأنا ابنة تسع، وكنت ألعب بالبنات، وكن جواري يأتينني، فإذا رأين رسول الله ﷺ ينقمعن منه، فكان رسول الله ﷺ يسربهن إليّ".
وأخبرنا الشافعي، عن سفيان ... بهذا الإسناد أنها قالت: "تزوجني وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين" هكذا جاء في المسند "وأنا ابنة سبع".
وأخرجه من طريق أخرى فقال: "وأنا ابنة ست أو سبع" بالشك.
وهو حديث صحيح متفق عليه قد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي مفرقًا في موضعين.
فأما البخاري فأخرج (١) عن محمد بن يوسف، عن سفيان ... "أن النبي ﷺ تزوجها وهي ابنة [ست] (٢) وأُدْخِلَت عليه وهي ابنة تسع سنين ومكث عندها تسعًا".
وأخرج (٣) عن محمد عن أبي معاوية، [عن فليح] (٤)، عن هشام ... قالت: "كنت ألعب بالبنات ... " الحديث.
وأما مسلم فأخرجه (٥) عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام
стр. 1999
وذكر الفصل الأول وقال في رواية: "ست" وفي أخرى: "سبع".
وأخرج عن أبي كريب (١)، عن أبي معاوية مثل البخاري.
وأخرج أبو داود (٢) الفصل الأول: عن سليمان بن حرب وأبي كامل، عن حماد بن زيد، عن هشام ... وقال: "وأنا ابنة سبع" وقال سليمان: "أو ست".
وأخرج (٣) الفصل الثاني: عن مسدد، عن حماد، عن هشام نحوه.
وأخرج النسائي (٤) الفصل الأول عن إسحاق بن إبراهيم عن معاوية ... وقال: "ست"، وفي أخرى (٥): "سبع" ولم يخرج الفصل الثاني، يريد بالست والسبع: سنين وكذلك حذف تاء التأنيث؛ لأن السَّنَة مؤنثة.
و"بنى" بامرأته إذا دخل بها، قال الجوهري: يقال: بنيت على امرأتي ولا يقال: بنيت بها، والعامة تقوله، قال: لأن الأصل في ذلك أن الرجل إذا كان عَرَّس بزوجته بنى عليها قبة، وحكى الأزهري عن ابن السكيت مثله، وقال: إنه ليس من كلام العرب، وقد جاء هذا اللفظ كثيرًا في الحديث وغيره.
و"البنات" جمع بنت، وتريد به اللعب التي تلعب بها الصبايا، تتخذ من عظم أو خشب ونحو ذلك ويلبسن الثياب.
و"الجواري" جمع جارية، وهي الصبية من النساء ها هنا.
و"الانقماع" الاختباء والتستر، تشبيهًا بدخول الثمرة في قمعها، وقيل: انقمعن إذا انقهرن وذلك من قوله: قمعته فانقمع، أي قهرته فانقهر.
و"سربهن" أي ردهن إليها، من قوله: سرب على الإبل إذا أرسلها عليه قطعة
стр. 2000
قطعة، وسرب عليه الخيل أي بعثها سرية بعد سرية.
وقيل: هو من السرب: جماعة النساء. وقيل: من السارب: الظاهر.
وفي كونه ﷺ رأى عائشة تلعب بالبنات ورده الجواري إليها لدليل جواز أمثال ذلك من اللعب مما لم يرد فيه نهي، أو لأن عائشة قد كانت هي والجواري يومئذ صغائر ولم يجر عليهن القلم؛ فأجاز ذلك لهن، والله أعلم.
وهذا الحديث قد استدل به الشافعي ﵁ في إنكاح الأب، فقال في كلام طويل: دَلَّ إنكاح أبى بكر عائشةَ رسول الله ﷺ ابنة سبع سنين وبناؤه [بها] (١) ابنة تسع على أن الأب أحق بالبكر من نفسها ولو كانت إذا بلغت بكرًا كانت أحق بنفسها منه أشبه أن لا يجوز له عليها حتى تبلغ فيكون ذلك بأمرها، كما قلنا في المولود يُقْتَل أبوه، يحبس قاتله حتى يبلغ الولد فيعفو ويصالح أو يَقْتُل؛ لأن ذلك لا يكون إلا بأمره، وهو صغير لا أمر [له] (١).
قال: وقد زوج عَليٌّ عمرَ أم كلثوم بغير أمرها، وزوج الزبير [ابنته] (٢) صبية.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الأب والجد لهما إجبار البكر الصغيرة والكبيرة على النكاح بغير إذنها، سليمة كانت أو معتوهة، وليس ذلك لغيرهما, ولا يجوز لهما إجبار الثيب صغيرة كانت أو كبيرة.
وقال مالك وأحمد: يجوز ذلك لهما في الكبيرة، والأب خاصة في الصغيرة.
وقال أبو حنيفة: الكبيرة لا تجبر أصلاً، والصغيرة يجبرها الأب والجد وجميع عصباتها، كالأخ والعم والحاكم، إلا أنه إذا زوجها غير الأب والجدِّ؛ ثبت لها الخيار في فسخ النكاح إذا بلغت.