ورواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد السلام بن حرب، عن هشام ابن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنكح المرأةُ المرأةَ، ولا تُنكح المرأة نفسها".
وكان يقول: "التي تنكح نفسها زانية" وقد أخرج الزهري، عن ابن عباس هذا المعنى مرفوعًا وموقوفًا.
قوله: "لا تُنكح" بضم التاء أي لا تتولى عقد النكاح، والمرأة الأولى مرفوعة؛ لأنها فاعلة، والثانية منصوبة؛ لأنها المفعولة، ويجوز أن تكون "لا" ناهية ونافية، والنهي أعم، وقد تقدم لها نظائر، فإن جعلتها نافية رفعت "تُنكح" وإن جعلتها ناهية كسرتها.
و"البغي" الزانية.
وقوله: "فإن البغى إنما تنكح نفسها" كلام هو تعليل لنفي الإنكاح أو نهيه، ولا يريد أن يجمع بين حكم البغي ولن تزويج المرأةِ المرأةَ، وأن يجعل النكاحين زنا، فقال: إن الزانية هي التي تتولى نكاح نفسها، ويريد بالنكاح ها هنا الوطء؛ لأنه ليس بين الزانية والزاني عقد نكاح، إنما هو تمكين من نفسها، وابتغاء في تحصيل الجماع لا غير.
وهذا الحديث مؤكد لما تقدم من كون المرأة لا تلي عقد النكاح.
و [قال الشافعي] (١) أخبرنا الثقة، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: "كانت عائشة ﵂ تُخطب إليها المرأة من أهلها، فَتَشَهَّدُ، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زوج؛ فإن المرأة لا تلي عقد النكاح".
روى هذا الحديث عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، وقال: لا أعلم إلا عن أبيه ... وذكره.
стр. 1997
قوله: "فَتَشَهَّدُ" يريد الخُطبة؛ لأنه لما كانت الخُطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ؛ سميت الخُطبة تشهدًا، تسمية للشيء ببعضه، كما قيل للتحيات: التشهد؛ لأن فيها تشهدًا، وقد جاء في بعض النسخ "فتشهد" بتاء واحدة، وفي بعضها بتاءين وهو الأصل، والحذف على التخفيف مع إرادة المحذوف.
و"عقدة النكاح" هي الإيجاب والقبول، تشبيهًا بالعُقدة في الحبل ونحوه؛ لأن بالإيجاب والقبول يلتئم الزوج مع الزوجة، فيجتمعان فيصيران كأنهما منعقدان أحدهما بالآخر.
وقد احتج بعض من نصر مذهبه بتزويج عمر بن أبي سلمة أمه من رسول الله ﷺ وهو صغير، وفي ذلك دلالة على سقوط احتجاجهم به في ولاية الابن، وليس فيه حجة على من اشترط الولي في النكاح؛ لأنه لو كان يجوز النكاح بغير ولي؛ لأشبهه أن توجب العقد هي، ولا تأمر به غيرها، فلما أمرت به غيرها بأمر النبي ﷺ إياها بذلك على ما رري في بعض الروايات؛ دَلَّ أنها لا تلي عقد النكاح.
وقول من زعم أنه كان صغيرًا دعوى، ولم يثبت صغره بإسناد صحيح.
وقول من زعم أنه زوجها بالبنوة مقابل لقول من قال بل زوجها بأنه كان من بني أعمامها, ولم يكن لها [ولي] (١) هو أقرب منه إليها؛ وذلك لأنه هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
فتزويجها كان بولي مع قول من زعم أن نكاح النبي ﷺ كان لا يفتقر إلى الولي.
وفي قصة تزويج زينب بنت جحش ونزول الآية فيها دلالة على صحة ذلك، والله أعلم.
стр. 1998
الْفَرْعُ الثَّاني:
فِي ولَايةِ الآبَاءِ
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع، وبنى بي وأنا ابنة تسع، وكنت ألعب بالبنات، وكن جواري يأتينني، فإذا رأين رسول الله ﷺ ينقمعن منه، فكان رسول الله ﷺ يسربهن إليّ".
وأخبرنا الشافعي، عن سفيان ... بهذا الإسناد أنها قالت: "تزوجني وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين" هكذا جاء في المسند "وأنا ابنة سبع".
وأخرجه من طريق أخرى فقال: "وأنا ابنة ست أو سبع" بالشك.
وهو حديث صحيح متفق عليه قد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي مفرقًا في موضعين.
فأما البخاري فأخرج (١) عن محمد بن يوسف، عن سفيان ... "أن النبي ﷺ تزوجها وهي ابنة [ست] (٢) وأُدْخِلَت عليه وهي ابنة تسع سنين ومكث عندها تسعًا".
وأخرج (٣) عن محمد عن أبي معاوية، [عن فليح] (٤)، عن هشام ... قالت: "كنت ألعب بالبنات ... " الحديث.
وأما مسلم فأخرجه (٥) عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام
стр. 1999
وذكر الفصل الأول وقال في رواية: "ست" وفي أخرى: "سبع".
وأخرج عن أبي كريب (١)، عن أبي معاوية مثل البخاري.
وأخرج أبو داود (٢) الفصل الأول: عن سليمان بن حرب وأبي كامل، عن حماد بن زيد، عن هشام ... وقال: "وأنا ابنة سبع" وقال سليمان: "أو ست".
وأخرج (٣) الفصل الثاني: عن مسدد، عن حماد، عن هشام نحوه.
وأخرج النسائي (٤) الفصل الأول عن إسحاق بن إبراهيم عن معاوية ... وقال: "ست"، وفي أخرى (٥): "سبع" ولم يخرج الفصل الثاني، يريد بالست والسبع: سنين وكذلك حذف تاء التأنيث؛ لأن السَّنَة مؤنثة.
و"بنى" بامرأته إذا دخل بها، قال الجوهري: يقال: بنيت على امرأتي ولا يقال: بنيت بها، والعامة تقوله، قال: لأن الأصل في ذلك أن الرجل إذا كان عَرَّس بزوجته بنى عليها قبة، وحكى الأزهري عن ابن السكيت مثله، وقال: إنه ليس من كلام العرب، وقد جاء هذا اللفظ كثيرًا في الحديث وغيره.
و"البنات" جمع بنت، وتريد به اللعب التي تلعب بها الصبايا، تتخذ من عظم أو خشب ونحو ذلك ويلبسن الثياب.
و"الجواري" جمع جارية، وهي الصبية من النساء ها هنا.
و"الانقماع" الاختباء والتستر، تشبيهًا بدخول الثمرة في قمعها، وقيل: انقمعن إذا انقهرن وذلك من قوله: قمعته فانقمع، أي قهرته فانقهر.
و"سربهن" أي ردهن إليها، من قوله: سرب على الإبل إذا أرسلها عليه قطعة
стр. 2000
قطعة، وسرب عليه الخيل أي بعثها سرية بعد سرية.
وقيل: هو من السرب: جماعة النساء. وقيل: من السارب: الظاهر.
وفي كونه ﷺ رأى عائشة تلعب بالبنات ورده الجواري إليها لدليل جواز أمثال ذلك من اللعب مما لم يرد فيه نهي، أو لأن عائشة قد كانت هي والجواري يومئذ صغائر ولم يجر عليهن القلم؛ فأجاز ذلك لهن، والله أعلم.
وهذا الحديث قد استدل به الشافعي ﵁ في إنكاح الأب، فقال في كلام طويل: دَلَّ إنكاح أبى بكر عائشةَ رسول الله ﷺ ابنة سبع سنين وبناؤه [بها] (١) ابنة تسع على أن الأب أحق بالبكر من نفسها ولو كانت إذا بلغت بكرًا كانت أحق بنفسها منه أشبه أن لا يجوز له عليها حتى تبلغ فيكون ذلك بأمرها، كما قلنا في المولود يُقْتَل أبوه، يحبس قاتله حتى يبلغ الولد فيعفو ويصالح أو يَقْتُل؛ لأن ذلك لا يكون إلا بأمره، وهو صغير لا أمر [له] (١).
قال: وقد زوج عَليٌّ عمرَ أم كلثوم بغير أمرها، وزوج الزبير [ابنته] (٢) صبية.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الأب والجد لهما إجبار البكر الصغيرة والكبيرة على النكاح بغير إذنها، سليمة كانت أو معتوهة، وليس ذلك لغيرهما, ولا يجوز لهما إجبار الثيب صغيرة كانت أو كبيرة.
وقال مالك وأحمد: يجوز ذلك لهما في الكبيرة، والأب خاصة في الصغيرة.
وقال أبو حنيفة: الكبيرة لا تجبر أصلاً، والصغيرة يجبرها الأب والجد وجميع عصباتها، كالأخ والعم والحاكم، إلا أنه إذا زوجها غير الأب والجدِّ؛ ثبت لها الخيار في فسخ النكاح إذا بلغت.
стр. 2001
وعنده أن الثيب الصغيرة في حكم البكر الصغيرة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن حارثة، عن خنساء بنت خدام: "أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت النبي ﷺ ، فرد نكاحها".
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
أما البخاري فأخرجه (١) عن إسماعيل، عن مالك.
[وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن القعنبي، عن مالك] (٣)
وأما النسائي فأخرجه (٤) عن هارون بن عبد الله، عن معن.
وعن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، جميعًا عن مالك.
هذا الحديث دليل على أن الثيب لا يجوز إجبارها على النكاح؛ لأنه لو جاز ذلك لما رَدَّ النبي ﷺ نكاحها.
стр. 2002
الْفَرْعُ الثَّالِثُ:
فِي الاسْتِئْذَان
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها".
هذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" وعاد أخرجه إسنادًا ولفظًا في كتاب "خلاف مالك" وأخرجه في القديم عن سفيان بن عيينة، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
أما مسلم فأخرجه (١) عن سعيد بن منصور وقتيبة ويحيى بن يحيى.
وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن أحمد بن يونس والقعنبي.
وأما الترمذي (٣) والنسائي (٤) فأخرجاه عن قتيبة.
كل هؤلاء عن مالك.
"الأيم" المرأة التي لا زوج لها، والزوج الذي لا امرأة له، بكرين كانا أو ثَيِّبَيْنِ، تزوجا أو لم يتزوجا، وقد آمتِ المرأةُ من زوجها أَيْمًا وأيُومًا، وتأيمت المرأة وتأيم الرجل إذا مكثا زمانًا لا يتزوجان.
قال بعض أهل العلم: لأهل اللغة في الأيم قولان:
أحدهما: المرأة قد تكون أَيِّمًا إذا لم يكن لها زوج، وإن لم تكن نكحت قط.
والثاني: أنها لا تكون أَيِّمًا إلا وقد نكحت، ثم خلت بموت أو طلاق، بكرًا
стр. 2003
كانت أو ثَيِّبًا، بَنَى عليها الأزواج أو لم يَبن.
يقال: تأيمت المرأة إذا لم تنكح بعد موت زوجها.
وقد ذهب فقهاء العراق في الأيم إلى ظاهر اللغة، فجعلوا الأيم عامًّا في الشيب والبكر، وجعلوا اللفظة الثانية وهي البكر مفردة بحكم، وداخلة مع الأولى في حكمها، وأبى الشافعي [وغيره] (١) من الفقهاء ذلك، وذهبوا إلى أن المراد بالأيم الثيب، وليس يحفظ عن الشافعي ولا يوجد في شيء من كتبه أن الأيم والثيب في اللغة عبارتان عن معنى واحد، فيجد العائب طريقًا إلى عَيْبِه، ولكنه ألطف الفكر، وتوصل إلى استخراج ما غمض على غيره، وذلك [أنه] (٢) رأى الخبر تضمن الأيم والبكر، ووجد البكر معطوفًا على الأيم، وكان ظاهر الخطاب وحقيقة اللغة يقتضي تغاير المعطوف والمعطوف عليه، ومن الظاهر عند أهل اللسان أن الشيء لا يعطف على نفسه، هذا هو الأصل المُطَّرد، فإن وجد في الكلام ما يخرج عنه وأصيب فيه ما يخالف هذه القضية؛ فزائل عن الظاهر، تابع لدليله، كما يوجد عموم يُخَصّ، وأمر يُحْمَل على الندب، وخبر يراد به الأمر، فلا تترك له موضوعات الأصول، ولا يُعترض به على حقائق اللغة، وكما لا يعطف بالشيء على نفسه فكذلك لايعطف به على جملة هو بعضها؛ لأنه يكون معطوفًا به على نفسه، وعلى شيء آخر معه، ولو قال قائل من أهل اللغة ممن يوثق بسداده: جاءني عمرو وأكرمني أبو زيد؛ لوجب أن يكون أحدهما غير الآخر في مقتضى الظاهر.
وكذلك لو قال: وجدت عبد الله عاقلًا وأبا محمد فاضلاً؛ لكان المعقول منه تغايرهما، وإن أمكن أن يكون المسمَّى هو المكنَّى.
فلما تقرر عند الشافعي هذا الأصل، ووجد الأدلة تقوده إليه؛ فصل بين المعطوف والمعطوف عليه، فجعل الأَيِّمَ غير البكر، وليس غير البكر إلا الثيب،
стр. 2004
ولا يعترض هذا قول من يزعم أنه إقرار بالعدول عن الظاهر، ومفارقة الحقيقة، فقد سلما للمخالف، ووقعت المنازعة في هذه الدلالة؛ لأنا نقول إن في الخبر ظاهرين متقابلين: أحدهما: حقيقة الأيم، وهو وقوعها على كل خالية من حرمة نكاح.
والثاني: ظاهر العطف، ووجوب تمييز المعطوف من المعطوف عليه.
فلما تقابل هذان الظاهران، ولم يكن من نقض أحدهما بُدٌّ؛ أَتبع التعارف واستسلم عادة الخطاب وعادة استعمال في اللغات مقدمة على حقيقتها، هي أولى بالظواهر من أصولنا، فاستعمل الشافعي -رحمه الله تعالى- ذلك وذهب إلى أن المراد بالأيم في هذا الحديث: الثيب؛ لأنه قابله بالبكر، فيكون قد أطلق اللفظ العام على أحد مدلوليه، واستعمله استعمالًا خاصًّا، ثم إنه أزال الاشتراك والاشتباه بقوله: "والبكر تستأذن".
وقد جاء هذا الحديث من طرق أخرى عن ابن عباس وغيره وقال فيه: "الثيب أحق بنفسها" بدل "الأيم" فدل على أن المراد بالأيم: الثيب، والله أعلم.
و"الولي" الذي يتولى أمر المرأة، كالأب، والجدِّ، والأخ، والعمِّ، ومن يجري مجراهم من العصبات، وهو [من] (١) الولاية؛ لأنه يلي أمر المرأة، هو من الوليِّ القرب؛ لأنه أقرب إليها من غيره.
و"البكر" خلاف الثيب، والذكر والأنثى فيه سواء.
و"أحق" أفعل من الحقِّ، بمعنى هي ألزم بنفسها وأولى بشأنها.
و"الصُّمات" بالضم السكوت، صَمَتَ يَصْمت صمتًا وصُمَاتًا وصموتًا.
وفي هذا الحديث نظر وله تأويل، وذلك أن قوله: "الأيم أحق بنفسها" يدل ظاهره وصريحه على أن لها أن تزوج نفسها؛ لأنه قال: "أحق بنفسها من وليها" ومن ذهب إلى أنها لا يصح زواجها نفسها قال: معنى قوله: "أحق بنفسها" في
стр. 2005
التعيين واختيار الزوج لا في عقد النكاح؛ لأن ولي الثيب ليس له أن يزوجها بغير إذنها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ إلا أن تكون معتوهة فللأب والجد إجبارها على النكاح، فالحديث مسوق لبيان الاستئذان لا لجواز النكاح بغير إذن الولي ولا بإذنه، فكان حمل هذا اللفظ على ما قلنا أولى من حمله على جواز التزويج، ويدل على ذلك أنها لو زوجت نفسها من غير كفؤ؛ كان لوليها ردّ النكاح بغير خلاف، وقد استدل أصحاب الشافعي بقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" على أن ولي البكر أحق بها من نفسها من طريق دلالة المفهوم؛ لأن الشيء إذا قيد بأخص أوصافه دل على أن ما عداه بخلافه، فقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها قد جمع نصًّا ودلالة، والعمل واجب بالدلالة كوجوبه بالنص، ودلالته أن غير الثيب وهي البكر حكمها خلاف حكم الثيب في كونها أحق بنفسها.
وأما استثمار البكر فإنما شرع تطييبًا لنفسها دون الوجوب، بدليل أنه جعل صماتها إذنها، والصمات لا يكون إذنها بل هو إلى الامتناع أقرب به وأولى؛ لأن الإذن له عبارة تدل عليه فإنه إيجاد وإنشاء، والامتناع عدم، فالسكوت من أقوى أدلته، ولكن لما اعتبر الشارع صلوات الله عليه أن البكر الغالب عليها الحياء وأنها لذلك لا تنطق بالإذن؛ جعل السكوت أمارة على الإذن والرضا, ولأنه قد يستدل بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع وسبب لا يصلح معه النكاح مما لا يعلمه غيرها.
قال الشافعي ﵁ ويشبه في دلالة سنة رسول الله ﷺ [إِذْ فرق] (١) بين البكر والثيب، فجعل الثيب أحق بنفسها من وليها، وجعل البكر تستأذن من نفسها؛ أن الولي الذي عَنى -والله أعلم- الأب خاصة، فجعل
стр. 2006
الأيم أحق بنفسها منه، فدل ذلك على أن أمره أن تستأذن البكر في نفسها أمر اختيار لا فرض؛ لأنها لو كانت إذا كرهت لم يمكن [له] (١) تزويجها كانت كالثيب، وكان يشبه أن يكون الكلام فيها: أن كل امرأة أحق بنفسها من وليها فإذن الثيب الكلام والبكر الصمت، ويشبه أمره أن تستأذن البكر في نفسها أن يكون على استطابة نفسها؛ لأنه يروى أن النبي ﷺ قال: "وأمروا النساء في بناتهن" (٢).
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج: "أن رسول الله ﷺ قد أمر نعيمًا أن يؤامر أم ابنته فيها".
وهذا الحديث مرسل، وهكذا أخرجه الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" مؤكدًا لما سبق من قوله: إن استئمار البكر على سبيل استطابة نفسها.
قال: ولا يختلف الناس أن ليس لأمها فيها أمر، ولكن على معنى الاستطابة.
و"المؤامرة" مفاعلة من الأمر، أن يأخذ أمرها ويستأذنها.
وقوله: "أم ابنته" ولم يقل زوجته؛ لأن أم ابنته قد لا تكون يومئذ زوجته، ولأن الزوجة قد لا تكون أم ابنته، ولأن لفظ الحديث كذا جاء، وقد أخرجه البيهقي (٣) بإسناده، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عمر: "أنه خطب ابنة نعيم ابن النحام ... " وذكر الحديث في ذهابه إليه مع زيد بن الخطاب، قال: فقال: "إن عندي ابن أخ لي يتيم ولم أكن لأنقص لحوم الناس وأترب لحمي.
قال: فقالت أمها من ناحية البيت: والله لا يكون هذا حتى يقضي به علينا رسول الله ﷺ فتحبس أمر بني عدي على ابن أخيك سفيه -أو قال: ضعيف- ثم خرجت حتى أتت رسول الله ﷺ ، فأخبرته الخبر، فدعا نعيمًا، فقص عليه كما قال لعبد الله بن عمر، فقال رسول الله ﷺ لنعيم: صل رحمك وارض ابنتك وأمها؛ فإن لهما في أمرهما نصيبًا".
стр. 2007
الفرْعُ الرابعُ:
فِي أحَادِيثَ متفرقة
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن الزبير، قال: "أُتي عمر بن الخطاب بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السِّرِّ ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت".
هكذا أخرجه الشافعي في كتاب "عشرة النساء"، وقد أخرجه مالك في الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا.
وكذا أخرجه البيهقي (٢).
قوله: "نكاح السر" يريد به ترك إظهاره والإعلان به، فإن أعلان النكاح مستحب.
وقوله "لا أجيزه" أي لا أمضيه وأقره.
وقوله: "لو كنت تقدمت فيه لرجمت" يريد النهي عنه والتحذير منه، أي لو كنت نهيت عنه وفعل لرجمت فاعله.
وقد تقدم في الفرع الأول في حديث ابن عباس تفصيل المذهب في شهود النكاح؛ فلم نذكره ها هنا اختصارًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية، عن ابن أبي [عروبة] (٣)، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أنكح الوليان، فالأول أحق".
وأخبرنا الشافعي بهذا الإسناد عن الحسن، عن رجل من أصحاب
стр. 2008
النبي ﷺ ، عن النبي قال: "إذا أنكح الوليان فالأول أحق، فإذا باع المجيزان فالأول أحق".
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "عِشرة النساء"، وأخرج الثانية في كتاب "أحكام القرآن" ولم يسمَّ الرجل الصحابي لأن ابن أبي عروبة كان يشك فيه، فتارة يرويه عن عقبة بن عامر، وتارة عن سمرة بن جندب، وتارة عن أحدهما [بالشك] (١) وقد رواه الشافعي أيضًا بالإسناد المذكور في "تحريم الجمع بن النساء" ولم يذكر البيع، وفي كتاب "الإيلاء" وذكر البيع، وسمى الرجل فيهما عقبة بن عامر.
والصحيح في إسناد هذا الحديث: رواية هشام وهمام وأشعث وحماد بن سلمة وغيرهم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، وقد أخرج حديث سمرة أبو داود (٢) والترمذي (٣) في كتابيهما.
و"الوليان" تثنية الولي، وهو الذي يتولى نكاح المرأة.
و"المجيزان" تثنية المجيز، قال الأزهري: هو الولي، والوصي باليتيم، والقَيِّمُ بأمر اليتيم، والعبد المأذون [له] (٤) في التجارة، فهذا اسم فاعل من أجاز الشيء، يجيزه: إذا أمضاه، فكأن كل واحد من المتبايعين مجيز لما باعه.
قوله: "فالأول أحق" أي أثبت حقًّا وأولى من الثاني.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن المرأة إذا أذنت لكل واحد من ولييها أن يزوجها من رجل لا بعينه؛ وزوجها كل واحد رجلاً، فإن عُلم أن النكاحين وقعا معًا دفعة واحدة، أو لم يعلم هل اتفقا, أو سبق أحدهما الآخر، أو علم أن أحدهما سبق الآخر لا بعينه؛ فإن في هذه المسائل الثلاث ينفسخ
стр. 2009
النكاحان؛ لأنه لا يمكن إمضاؤهما, ولا أحدهما أولى من الآخر، فإن علم أن أحدهما سبق الآخر بعينه، فإن نكاح الولي الأول [أولى إلا] (١) أن يشك بعد العلم؛ فإنه يتوقف ليتبين.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: الأول أولى، إلا أن يدخل بها الثاني فيكون الثاني أولى والله أعلم.
...
стр. 2010
الفصْل الثاني:
فِي الجمْع بيْن الأقارب
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها, ولا بين المرأة وخالتها".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه مالك في الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا.
فأما البخاري فأخرجه (٢) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم فأخرجه (٣) عن محمد بن المثنى [و] (٤) ابن [بشار] (٥) وأبي بكر بن نافع، عن ابن [أبي] (٦) عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٧).
وأما أبو داود فأخرجه (٨) عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة.
وأما الترمذي فأخرجه (٩) عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى،
стр. 2011
عن هشام، عن زهير، عن [.......................] (١)
قوله: "لا يجمع الرجل" يجوز أن يكون نهيًا ونفيًا، فإن نهيت كسرت العين، وإن نفيت ضممت العين، والنفي أحسن؛ لأنه أعم، كأن هذا أمر لا يقع وليس من شأنه أن يوجد.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ، وهو قول من لقيت من المفتين لا اختلاف بينهم فيما علمته، ولم يُرو من وجه يثبته أهل الحديث عن النبي ﷺ إلا عن أبي هريرة.
وقد روي من وجه لا يثبته أهل الحديث من وجه آخر.
وفي هذا حجة على من رد الحديث، وعلى من أخذ بالحديث مرة وتركه أخرى.
والذي عنى الشافعي أنه روي عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، كلهم عن النبي ﷺ إلا أن شيئًا من هذه الأحاديث ليس من شرط الصحة، وإنما اتفق حفاظ الحديث على حديث أبي هريرة (٢).
والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها حرام بالسنة.
وحكي عن الخوارج والشيعة أنهم قالوا: لا يحرم الجمع وإنهما.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي وهب الجيشاني، عن أبي خراش، عن الديلمي -أو عن ابن الديلمي- قال: "أسلمت وتحتي أختان، فسألت النبي ﷺ ، فأمرني أن أمسك أيتهما شئت وأفارق الأخرى".
стр. 2012
هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
فأما أبو داود فأخرجه (١) عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه.
وأما الترمذي فأخرجه (٢) عن قتيبة، عن ابن لهيعة، عن أبي وهب الجيشاني ... وقال: هذا حديث حسن غريب (٣).
الذي ذهب إليه الشافعي: أن الجمع بين الأختين لا يجوز.
قال الشافعي: لا يحل الجمع بين الأختين بحال من نكاح ولا ملك يمين؛ لأن الله جل ثناؤه أنزله مطلقًا، فلا يحرم من الحرائر شيء إلا حرم من الإماء بالملك مثله، إلا العدد.
والقول الجامع في ذلك أن كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى لأجل القرابة فلا يجوز الجمع بينهما، والمعنى في ذلك أنه يؤدي إلى قطع الرحم الدنية لما في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن قبيصة ابن ذئيب: "أن رجلاً سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية؛ فأما أنا فلا أحب أن أصنع هذا. قال: فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدًا فعل ذلك؛ لجعلته نكالًا".
стр. 2013
زاد في نسخة: قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال مالك: وبلغني عن الزبير بن العوام مثله، هكذا أخرجه مالك في الموطأ (١).
"أحلتهما آية" يريد قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٢) فأطلق ملك اليمين.
وقوله: "وحرمتهما آية" يريد قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣) فلما تعارضت الآيتان عند عثمان قال: "وأما أنا فلا أحب أن أصنع هذا" يعني الجمع بينهما؛ اجتنابًا للشك، واستظهارًا.
و"النكال": العقوبة، وهو اسم لما أوقعته بإنسان عبْرة لغيره؛ حتى إذا رآه خاف أن يَعمل مثل عمله.
ونكلت بفلان إذا عاقبته في جرم أو جريمة عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (٤) أي جعلنا هذه الفعلة عبرة تنكل أن يفعل مثلها فاعل فيناله مثل الذي نال هؤلاء.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجمع بين الأختين في مِلك اليمين لغير الاستمتاع بهما معًا جائز، فأمَّا الجمع بينهما في الاستمتاع فلا يجوز.
وروي ذلك عن علي وعثمان، وإليه ذهب عامة الفقهاء.
وقال داود وأهل الظاهر: لا يحرم الجمع بين الأختين بملك اليمين.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٥).
стр. 2014
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وابنتها من ملك اليمين هل توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أَخْبُرَهُمَا جميعًا".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه قال: "سئل عمر بن الخطاب عن الأم وابنتها من ملك اليمين، فقال: ما أحب أن أَخْبُرَهُما جميعًا".
قال عبيد الله: قال أبي: "فوددت أن عمر كان أشد في ذلك مما هو".
هذا أخرجه مالك في الموطأ (١)، وذكر الرواية الأولى وزاد فيها: "ونهاه عن ذلك".
قوله: "ما أحب أن أَخْبُرَهُما" أي أن يطأهما معًا؛ لأنه إذا وطئ الواحدة فقد خبرها، فلذلك قال: "ما أحب أن أَخْبُرَهُما جميعًا" أي أجمع في الاختبار بينهما, ولذلك قال عبيد الله بن عبد الله: قال أبي: "فوددت أن عمر كان أشد في ذلك مما هو" أي أكثر احتياطًا، أي لو أنه كان يحرم الجمع بينهما قطعًا لا أنه يتوقف ويقول: "ما أحب أن أخبرهما جميعًا".
والمذهب: أن الرجل إذا وطئ أمته لا تحل له أمها ولا بنتها أبدًا؛ لأن هذا وطء له حرمة، يتعلق به لحوق النسب فتعلق به تحريم بنتها، كوطء الزوجة، وأما الأم فتحرم بعقد النكاح لأنها تصير به فراشًا، والوطء آكد في ذلك من العقد؛ ولأنه إذا حرمت البنت بالأم فالأم أولى؛ لأن البنت أوسع في الإباحة من الأم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يخبر أن معاذَ بن عبيد الله بن معمر جاء عائشة فقال لها: "إن لي سرية أصبتها، وإنها قد بلغت لها ابنة جارية لي، أفأستسر
стр. 2015
ابنتها؟ فقالت: لا. فقال: فإني والله لا أدعها إلا أن تقولي: حرمها الله.
فقالت: لا يفعله أحد من أهلي، ولا أحدٌ أطاعني".
هذا الحديث مؤكد لحديث عمر في الجمع بين الأم وابنتها من ملك اليمين.
و"السُّرِّيَّة" الجارية التي يطؤها مولاها، قال الأزهري: أختلفوا في السرية من الإماء لم سميت سرية؟ فقال بعضهم: نسبت إلى السِّرِّ: وهو الجماع، فضمت السين؛ فرقًا بين الحُرَّة، والأمة التي تكون للوطء، فيقال للحرة إذا نكحت سرًّا سِرِّية بالكسر وللأمة يَتَسَرَّاها مالكها سُرِّيَّة بالضم، وقال قوم: السُّرُّ بالضم: السرور فسميت الجارية سُرِّيَّة لأنها موضع سرور الرجل، وهذا أحسن القولين.
وقال الليث: السُّرِّيَّة: فعيلة من قولك تسررت، قال: ومن قال: تَسَرَّيْتُ فقد غلط، وقال الأزهري: "ليس بغلط" (١) ولكنه لما توالت ثلاث راءات في تسررت قلبت إحداهن ياء، كما قالوا: قَصَّيْتُ أظفاري، والأصل: قصصت.
وقال بعضهم: يقال: استسر الرجل جارية إذا تسراها.
ولما استفتى هذا الرجل عائشة عن بنت سريته، فقالت: "لا" فكأنه لم يقنع بفتواها من نفسها، وأراد أن تنقل له الحكم فيها نقلاً ورواية لا أجتهادًا وقياسًا، أو أراد أن تصرح بالتحريم؛ فإن قولها له: "لا" قد يجوز أن يكون [ليس] (٢) حرامًا وإنمآ أرادت أن تنهاه عنها ورعًا واحتياطًا، فلما قال لها ما قال، قالت: "لا يفعله أحمد من أهلي ولا أحد أطاعني". وهذا القول يُجَوِّز أن تكون أرادت بالنهي الاحتياط والورع؛ لأن عدولها عن إجابته بما طلبه منها من التصريح بالتحريم إلى هذا القول فيه نظر و [إيهام] (٣) أن ذلك ربما كان لهذا السبب.
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن سفيان بن عيينة، عن مطرف،
стр. 2016
عن أبي الجهم، عن أبي الأخضر، عن عمار: "أنه كره من الإماء ما كرهه من الحرائر إلا العدد".
وأخرج الشافعي، عن سفيان، عن هشام بن حسان وأيوب , عن أبن سيرين قال: قال ابن مسعود: "يكره من الإماء ما يكره من الحرائر إلا العدد".
قال الشافعي: هذا من قَول عمار -إن شاء الله- في معنى القرآن، وبه نأخذ.
يريد بذلك الجمع بين الأختين من ملك اليمين.
وأخرج الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار، أنه سمع الحسن ابن محمد يقول: "جمع ابن عم لي بين ابنتي عم له، فأصبح النساء لا يدرين أين يذهبن" قال البيهقي (١): يريد بين ابنتي عمين له.
قال الشافعي: وأخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: أن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته" هذه المرأة هي ليلى بنت مسعود النهشلية امرأة علي ابن أبي طالب، وابنته أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
стр. 2017
الفصْل الثالثُ
في نِكَاحِ المتْعَة
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ، وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصي، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء".
هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" ثم عاد أخرجه بالإسناد واللفظ في كتاب "اختلاف علي وابن مسعود".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.
فأما البخاري فأخرجه (١) عن قتيبة، عن جرير، عن إسماعيل بن أبي خالد بالإسناد نحوه.
وأما مسلم فأخرجه (٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني، عن أبيه ووكيع وابن بشر، عن إسماعيل ... بالإسناد.
"الاختصاء" الافتعال من خَصَيُتهُ أُخْصِيه خِصَاءً -ممدود- إذا أسللت خُصيته، والرجل خَصِيّ والجمع خِصْياَنٌ وخِصْيةٌ.
وقوله: "بالشيء" يريد كل ما يقع عليه اسم الموجود لا يخص شيئًا بعينه، وقد اختلف العلماء في الشيء هل يطلق على المعدوم أم لا؟
فذهبت المعتزلة إلى أنه يطلق عليه، وقال أهل السنة والجماعة: لا يقع إلا على الموجود خاصة.
стр. 2018
وهذه مسألة عظيمة من مسائل الكلام، حتى إن بعض المتكلمين قد كَفَّر القائلين: إن المعدوم شيء، وفي رواية الشافعي: "وليس معنا نساء" وفي رواية البخاري ومسلم: "وليس لنا نساء" ورواية الشافعي أولى؛ لأن قوله: "ليس معنا" يفيد أن لهم نساء ولكنهن لسن معهم في الغزو؛ فيحتاجون إلى النكاح المألوف عندهم لبعدهم عن أزواجهم.
وأما قوله: "وليس لنا" فإنه يفيد أنهم لَمَّا يملكوا عصمة النساء، وليسوا ذوي زوجات لا في الحضر ولا في الغزو، فإن الغزو ليس له زيادة في تحريك شهوة الجماع بخلاف المقام، ولكنهم لما كانوا بسبب الغزو يغيبون عن نسائهم، وتطول مدة عهدهم بالنكاح المباح لهم؛ قالوا: "وليس معنا نساء" فالاختصاء حرام لا يجوز للإنسان فعله لا بنفسه ولا بغيره.
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي -قال: وكان الحسن أرضاهما- عن أبيهما، أن عليًّا قال لابن عباس: "إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية".
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "اختلاف الحديث"، وعاد أخرجها بالإسناد في كتاب "الشغار" أيضًا.
وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
стр. 2019
فأما البخاري فأخرجه (١) عن مالك بن إسماعيل، عن ابن عيينة ... وزاد فيه: "زمن خيبر".
وأما مسلم فأخرجه (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينه.
وعن (٢) أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب.
وأما الترمذي فأخرجه (٣) عن ابن أبي عمر، عن سفيان .. وذكر "يوم خيبر".
وأما النسائي فأخرجه (٤) عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم.
وأخرج مالك في الموطأ (٥) الإسناد بالرواية الثانية.
"المتعة" المنفعة، تقول: تمتعت بكذا واستمتعت به، فأنا مستمتع، وتقع المتعة في استعمال الشرع في النكاح والطلاق والحج؛ لأن كلاًّ منها به انتفاع، ونكاح المتعة في الشرع هو النكاح إلى أجل، فتقول: زوجني ابنتك -مثلًا- إلى شهرٍ, أو سنة، أي مدة كانت معلومة كهذه، أو مجهولة: إلى يوم يقدم فلان.
وفي الرواية الأولى: "نهى عن نكاح المتعة" وفي غيرها: "نهى عن متعة النساء" والمعنى سواء؛ إلا أن قوله: "نكاح المتعة" أوضح وأبين من متعة النساء؛ لأنه صرح في الأولى بذكر النكاح ولم يذكره في الثانية، واحتاج حينئذ أن يأتي بلفظ آخر يدل على الغرض وينفي عنه الاشتراك، فقال: "متعة النساء" ولم يقل: عن المتعة؛ لئلا يُظَن أنها متعة الحج والطلاق.
стр. 2020
و"الأهلية" منسوبة إلى الأهل، يعني أنها مملوكة، وأن لها أهلًا ترجع إليهم ويرجعون إليها، بخلاف حمر البرِّ؛ فإنها لا أهل لها.
و"الإنسية" منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم.
وقوله: "عن لحوم الحمر" يريد عن أكلها، فحذف المضاف تخفيفًا للمعلم به، وقد جاء في بعض الروايات تعيين يوم التحريم، وبعضها لم يرد فيه، وفي بعضها [قرن] (١) الوقت بالمتعة، وبعضها قرنه بالحمر فبخلاف ذلك؛ لأن الوقت يعم الأمرين معًا؛ لأنه يذكر حكمين أحدهما معطوف على الآخر، ثم جاء بالوقت بعد الفراغ من ذكرهما، فكان إسناده إليهما بخلاف ما إذا فصل بين الأمرين بذكر الوقت فإنه يكون بالأول أخص.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن نكاح المتعة حرام فاسد لا ينعقد، وإليه ذهب جميع الصحابة والتابعين والفقهاء؛ إلا ما يحكى عن ابن عباس أنه أجازه ثم رجع عنه، وحكي عن ابن جريج جوازه، وذهبت الشيعة إلى أنه جائز، وأنه لا تتعلق به أحكام النكاح من طلاق، وظهار، ولعان، وميراث.
وقال الشافعي: يُدْرَأْ به الحدُّ؛ لأنه شبهة ولكن يُعَزَّر.
وأما الحمر الأهلية فإنها حرام، وبه قالت الجماعة، وحكي عن ابن عباس أنه حلال عنده.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه: "أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة".
هكذا أخرجه الشافعي في كتاب "الشغار" وعاد أخرجه في كتاب "اختلاف علي وابن مسعود" إسنادًا ولفظًا.
هذا طرف من حديث طويل يتضمن قصة، وقد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
стр. 2021
فأما مسلم فأخرجه (١) عن قتيبة، عن الليث، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه أنه قال: "أذن [لنا] (٢) رسول الله ﷺ بالمتعة فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بَكْرةٌ عيْطاء، فعرضنا عليها أنفسنا، فقالت: ما تعطي؟ قلت: ردائي. قال: وقال صاحبي ردائي وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشَبَّ منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك تكفيني، فمكثت معها ثلاثًا.
ثم إن رسول الله ﷺ قال: من كان عنده من هذه النساء التي يتمتع بها فَلْيُخْلِ سبيلها".
وأخرجه أيضًا (٣) عن عمرو الناقد وابن نمير، عن سفيان ... بإسناد الشافعي ولفظه.
وأخرجه (٣) من طرق كثيرة مطولة ومختصرة وذكر في بعضها: "أنه كان عام الفتح وأنه حرمها".
وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن محمد بن يحيى بن فارس، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه ... مثل حديث الشافعي.
وأما النسائي فأخرجه (٥) بإسناد مسلم ولفظه.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ذكر ابن مسعود الإرخاص في نكاح المتعة، ولم يوقت شيئًا يدل أهو قبل خيبر أو بعدها؟ فأشبه حديث علي بن أبي طالب الذي يقول فيه: "نهى النبي ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر" أن يكون -والله
стр. 2022
أعلم- ناسخًا, ولا يجوز نكاح المتعة بحال.
ويؤيد ذلك: أن ابن مسعود قال في بعض روايات حديثه من رواية وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عنه أنه قال: "كنا ونحن شباب" فأخبر أنهم كانوا يفعلون ذلك وهم شباب، وابن مسعود مات سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وكان يوم مات ابن بضع وستين سنة، وكان فتح خيبر في سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، فعبد الله بن مسعود كان زمان الفتح ابن أربعين سنة والشباب قبل ذلك فأشبه [حديث] (١) علي أن يكون ناسخًا، كيف وما حكاه ابن مسعود كان أمرًا شائعًا لا يشبه على مثل علي بن أبي طالب ﵇؟! وقد أنكر على ابن عباس قوله في الرخصة، وأخبر بنهي النبي ﷺ عن ذلك، فدل على أنه علم النسخ حتى أنكر قوله في الرخصة.
قال البيهقي: كان ابن عيينة يزعم أن تاريخ خيبر في حديث علي إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لا في نكاح المتعة، وهو يشبه أن يكون كما قال؛ فقد روي عن النبي ﷺ أنه رخص فيه بعد ذلك ثم نهى عنه، فيكون احتجاج عليٍّ بنهيه عنه آخرًا حتى تقوم به الحجة على ابن عباس.
وهذا الذي حكاه البيهقي عن ابن عيينة وترجيحه لما ذهب إليه ابن عيينة فلأنه لم يوقت في روايته التي رواها الشافعي عنه، وأما البيهقي فَيُنْتَقَض ترجيحه عليه بما رواه الشافعي عن مالك في المسند وقد ذكرناه: "أنه نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية" فخصص التوقيت بالمتعة حيث ذكره بعدها وقيل: الحمر، وقد أشرنا في حديث عليّ إلى اختلاف ألفاظ الرواة في ذلك.
قال الشافعي: وإن كان حديث الربيع بن سبرة يَثْبُت؛ فهو بَينِّ أن رسول الله ﷺ أحل نكاح المتعة، ثم قال: "هي حرام إلى يوم القيامة".
стр. 2023
وذكر الشافعي في أحكام القرآن الآيات التي وردت في أحكام النكاح، ثم قال: [فكان] (١) بَيِّنًا -والله أعلم- أن يكون نكاح المتعة منسوخًا بالقرآن والسنة في النهي عنه؛ لأن نكاح المتعة أن ينكح إلى مدة ثم ينفسخ نكاحه بلا إحداث طلاق، وفي نكاح المتعة إبطال ما وصفت مما جعل الله إلى الأزواج من الإمساك والطلاق، وإبطال المواريث بين الزوجين، وأحكم النكاح التي حكم الله بها في الظهار، والإيلاء، واللعان، إذا انقضت المدة قبل إحداث الطلاق.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عمرو: "أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية اسْتمتع [بامرأة] (٢) مولدة فحملت منه، فخرج عمر يَجُرُّ رداءه فزعًا وقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٣).
"المولدة" يريد بها (٤)، وهي الوليدة أيضًا، كأن المولدة هي من بنات الإماء إذا وطئهن الأحرار من العرب.
وقوله: "فزعًا" يجوز أن يكون بكسر الزاي فيكون اسم فاعل من فَزَعَ يَفْزَعُ فهو فَزِعٌ، ويكون منصوبًا على الحال.
وأن يكون بفتح الزاي فيكون مصدرًا ويكون منصوبًا لأنه مفعول له، أي يَجُرُّ رداءه لأجل الفزع.
و"الرداء" ما يطرحه الرجل على كتفه من ثوب، وهو الآن يسمى الطيْلسَان،
стр. 2024
فتارة يكون على الرأس وتارة على الأكتاف.
وأما قوله: "ولو كنت تقدمت لرجمت" أي لو كنت نهيت عنها ثم فعلها لرجمت فاعلها.
وأما ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما وأعاقب [عليهما] (١):
إحداهما: متعة النساء؛ فلا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل ألا غيبته في الحجارة.
والأخرى: متعة الحج؛ افصلوا حجكم من عمرتكم؛ فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم.
فَبَيِّنٌ في قول عمر أن نهيه عن متعة الحج على الاختيار لإفراد الحج عن العمرة، لا على التحريم.
وأما متعة النكاح فإنما نهى عنها، وأوعد العقوبة عليها؛ لأنه علم نهي النبي ﷺ عنها بعد الإذن فيها، وبذلك احتج في بعض ما روي عنه، فلا يجوز أن يظن به غير ذلك، وهو يترك رأيه ويرد قضاء نفسه بخبر يرويه غيره عن النبي ﷺ وذلك فيما انتشر عنه من دية الجنين، وميراث المرأة من دية زوجها وغير ذلك، فكيف يستجيز خلاف ما يرويه بنفسه عن النبي ﷺ من غير ثبوت ما نسخه عنده، وهو كقول علي لابن عباس: "أنت امرؤٌ تائه؛ إن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة" إلا أن رأوي حديث علي ذكر ما احتج به عليه، وراوي حديث عمر لم يذكره في أكثر الروايات عنه، وقد ذكره بعضهم والله أعلم.
стр. 2025
الفَصْلُ الرَّابعُ
في الشِّغَار
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار".
"والشغار" أن يزوج الرجل (أخته) (١) على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
ومسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
كلاهما عن النبي ﷺ : " أنه نهى عن الشغار" وزاد مالك في حديثه:
"الشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته".
قال الشافعي: ولا أدري تفسير الشغار في الحديث من النبي ﷺ أو من ابن عمر أو نافع أو مالك".
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "الشغار" وأخرج الثانية في كتاب "النكاح" من الإملاء.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وأخرجه مالك في "الموطأ" (٢) إسنادًا ولفظًا.
فأما البخاري فأخرجه (٣) عن عبد الله بن يوسف.
وأما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن القعنبي.
стр. 2026
وأما الترمذي فأخرجه (١) عن إسحاق بن موسى، عن معن.
وأما النسائي فأخرجه (٢) عن هارون بن عبد الله، عن معن، كل هؤلاء عن مالك.
وأخرجه مسلم (٣) عن زهير بن حرب ومحمد بن مثنى وعبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بمثله غير أن في حديث عبيد الله قال: "قلت لنافع: ما الشغار؟ " فذكر التشغير المقدم ذكره، وهذه الرواية قد صرحت بأن تفسير الشغار لنافع.
"الشِّغَار"، بكسر الشين،: نكاح كان في الجاهلية وهو أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك أو من تلي أمرها على أن أزوجك ابنتي أو أختي أو من يلي أمرها على أن صداق [كل واحدة] (٤) منهما بضع الأخرى، كأنهما رفعًا الأمر وأخليا البضع عنه.
وقالوا: أصل الشغار في اللغة: الرفع، من قولهم شغر الكلب برجله: إذا رفعها ليبول، فَسُمِّيَ هذا النكاح شغارًا؛ لأن المتناكحين رفعًا المهر بينهما.
وقيل: بل سُمِّيَ شغرًا؛ لأنه رفع للعقد من أصله، فارتفع النكاح والعقد معًا، وقد علل بعض العلماء النهي عن نكاح الشغار بأنه يُصيرّ المعقود عليه معقودًا به؛ لأن الفرجين كل واحد منهما معقود به ومعقود عليه، فعلى هذا يكون فساده راجعًا إلى عقده، ويفسح قبل الدخول وبعده.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن هذا العقد فاسد، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور؛ أخذًا بظاهر الحديث.
قال الشافعي: فإذا أنكح الرجل ابنته الرجل -أو المرأة يلي أمرها من كانت-
стр. 2027
على أن ينكحه ابنته -أو المرأة يلي أمرها من كانت- على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى، أو على أن ينكحه الأخرى ولم يُسَم لواحدة منهما صداق، فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، ولا يحل هذا النكاح وهو منسوخ. هذا نص الشافعي في كتاب "الشغار".
وقال الزهري وأبو حنيفة: العقد صحيح، والمهر فاسد؛ لأنه لو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك وسكتا، صح العقد، فإذا زاد فيه مهرًا فاسدًا لم يفسد العقد.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "إن النبي ﷺ نهى عن الشغار".
هكذا أخرجه في كتاب الشغار، وقد أخرجه في كتاب نكاح الإملاء عن مسلم ابن خالد، عن ابن جريج.
وعن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج.
وقد ذكر الشافعي في حديث ابن عمر المقترن بحديث جابر زيادة مالك وهي قوله: "والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته" ثم قال الشافعي: كأنه يقول: صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى.
قال البيهقي (١): والظاهر أن هذا تأويل من جهة الشافعي للتفسير الذي رواه في حديث مالك، وقد رُوي عن نافع بن يزيد، عن ابن جريج بإسناده ومتنه، وفيه من الزيادة: "والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق؛ بضع هذه صداق هذه [وبضع هذه صداق هذه] " (٢) فيشبه إن كانت هذه الرواية صحيحة أن
стр. 2028
يكون هذا التفسير من قول ابن جريج [أو ممن فوقه] (١) والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن النبي ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام".
هكذا أخرج الشافعي هذا الحديث في كتاب "الشغار" مرسلًا.
وقد أخرج مسلم (٢)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "لا شعار في الإسلام".
"لا" هذه هي النافية التي تبني ما بعدها على النصب، وهي لاستغراق النفي وتعميمه، كقولك: لا رجل في الدار، ولذلك قال النحويون: هي جواب: هل من رجل في الدار؟ فإذا قال: لا رجل في الدار. كان قد استغرق النفي، ولم يجز أن يكون في الدار رجل ولا أكثر منه، بخلاف ما لو قلت: لا رجل في الدار، ولا في الدار رجل لجاز أن يكون فيها أكثر من رجل، فقوله ﷺ : "لا شغار في الإسلام" جاء بالنفي المستغرق ليكون أدل على نفيه والمنع منه، وفيه طرف من النهي؛ لاشتراك النفي والنهي في "لا" فهذا نفي أريد به النهي وجاء به بلفظ [النفي] (٣) ليكون أعم، أي ليس الشغار من شِعَارِ الإسلام وليس مما من شأنه أن يؤخذ في الإسلام، فكأن الإسلام ينافيه ولا يجامعه.
وقوله: "في الإسلام" يريد في حكم الإسلام وسنته.
стр. 2029
الْفصْل الخامِسُ
في نِكاحِ المحَلل وَالزُّناة
قال الشافعي ﵁ ونكاح المحلل الذي يروى أن رسول الله ﷺ لعنه عندنا -والله أعلم- ضَرْب من نكاح المتعة؛ لأنه غير مطلق إذا شرط أن ينكحها حتى تكون الإصابة.
فإن عقد النكاح مطلقًا لا شرط فيه فالنكاح [ثابت] (١) ولا تُفْسِد النية من النكاح شيئًا؛ لأن النية حديث نفس، وقد وُضع عن الناس ما حَدثوا به أنفسهم.
قال الشافعي: وقد أخبرنا مسلم بن خالد، [عن] (٢) ابن جريج، [عن] (٣) سيف ابن سليمان، عن مجاهد قال: "طلق رجل من قريش امرأة فَبَتَّها، فَمرَّ بشيخ وابن له من الأعراب في السوق وقدما بتجارة لهما، فقال للفتي: هل فيك من خير؟ ثم مضى عنه ثم كَرَّ عليه فكمثلها، ثم مضى عنه، ثم كر عليه فكمثلها، قال: نعم. [قال] (٣) فأرني يدك، فإنطلق به فأخبره الخبر وأمره بنكاحها، فبات معها فَلَمَّا أصبح استأذن، فأذن له فإذا هو قد ولاه الدبر، فقالت: والله لئن طلقني لا أنكحك أبدًا فَذُكر ذلك لعمر، فدعاه فقال: لو نكحتها لفعلت بك كذا وكذا، وتواعده، ودعا زوجها فقال: الزمها".
ورواه في "الإملاء" بهذا المعنى وزاد فيه: "وقال: إن عرض لك أحد بشيء فأخبرني به".
قال: وحدثني سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن عمر مثله.
стр. 2030
قال: وأخبرنا سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرت عن ابن سيرين: "أن امرأة طلقها زوجها ثلاثًا، وكان مسكين أعرابي يقعد بباب المسجد، فجاءته امرأة فقالت: هل لك في امرأة تنكحها فتبيت معها ليلة وتصبح فتفارقها؟ فقال: نعم [فكان ذلك، فقالت له امرأته: إذا أصبحت فإنهم سيقولون لك فارقها] (١) فلا تفعل؛ فإني مقيمة لك ما ترى، واذهب إلى عمر.
فلما أصبحت أتوه وأتوها، فقالت: كلموه فأنتم جئتم به. فكلموه فَأَبَى، فانطلق إلى عمر، فقال: [الزم] (٢) امرأتك، فإن رابوك بريب فأتني، فأرسل إلى المرأة التي مشت لذلك فنكل بها، ثم كان يغدو على عمر ويروح في حلة فيقول: الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح".
قال الشافعي: وسمعت هذا الحديث مسندًا إسنادًا موصولاً عن ابن سيرين بمعناه عن عمر.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن يحيى -يعني ابن سعيد- عن سعيد بن المسيب: "أنه قال هي منسوخة ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣) فهي من أيامى المسلمين، يعني قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (٤) الآية".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن بعض أهل العلم: "أنه قال في هذه الآية: هو حكم بينهما".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن مجاهد: "أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات".
стр. 2031
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: "في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (١) الآية قال: هي منسوخة نسختها ﴿وأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ﴾ (٢) وهي من أيامى المسلمين".
وأخرج الروايات الأوائل في كتاب "أحكام القرآن", وأخرج الرواية الآخرة في كتاب "عشرة النساء".
هذه الآثار الثلاثة هكذا جاءت في كتاب "أحكام القرآن" من المسند، وهي غير متسقة الإيراد، فلا يكاد يفهمها من لم يقف على أصل لفظ الشافعي في كتاب أحكام القرآن، فإنه أراد بإيرادها بيان معنى القرآن في الآيات المتعلقة بهذا الحكم، فإن الزناة يجوز نكاح بعضهم لبعض ولغيرهم.
قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: واختلف في تفسير هذه الآية، فقيل: فنزلت في بغايا كانت لهن رايات وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحهن إلا من أعلن بمثل ما أعلنَّ به، أو مشرك.
وقيل: كن زوان مشركات، فنزل أن لا ينكحهن إلا زانٍ مثلهن مشرك، أو مشرك وإن لم يكن زانيًا، وحرم ذلك على المؤمنين.
وقيل: أراد الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك فأراد [بالنكاح] (٣) الوطء.
وقوله: [وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنينَ] (٤) [أي] (٥) حرم الزنا على المؤمنين،
стр. 2032
وقيل: هي عامة ولكنها نسخت، وذكر حديث مجاهد.
وقوله: "بعض أهل العلم" قيل: وابن عباس؛ فإنه رواه سعيد بن منصور وغيره، عن سفيان، عن عبيد الله، عن ابن عباس، فكأن الشافعي شك فيه فترك اسمه.
قال الشافعي: والذي يشبه والله أعلم ما قال ابن المسيب.
وذكر الحديث الأول بهذا اللفظ: "أنه قال في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١): إنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢) فهي من أيامى المسلمين: يعني أنه يجوز نكاحها، والأيامى جمع أيم ويقع على الرجل والمرأة إذا لم يتزوجا، بكرين كانا أو ثَيِّبينَ، وقد تقدم شرح ذلك.
ومعنى الآية: زوجوا الأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من عبادكم وإمائكم، أي عبيدكم وجواريكم.
و"البغايا" الزواني، جمع بَغيّ، بغت المرأة تبغي بغاءً فهي بغي، إذا زنت.
وقوله: "كانت على منازلهن رايات" يريد أمارات وعلامات يُعرفن بها، فمتى رُئيت تلك الراية منصوبة على منزل؛ عُلم أنه منزل زانية.
قال الشافعي: وقد أَتى رسولَ الله ﷺ ماعز بن مالك فأقر عنده بالزنا مرارًا لم يأمره في واحدة منها أن يجتنب زوجة إن كانت له، ولا زوجته أن تجتنبه، وقد ذكر له رجل أن امرأة رجل زنت وزوجها حاضر، فلم يأمر -فيما علمنا- زوجها باجتنابها، وأمر أنيسًا أن يغدو عليها، فإن أعترفت رجمها.
стр. 2033
وقد [جلد ابن] (١) الأعرابي في الزنا مائة، وغربه عامًا, ولم ينهه -علمنا- أن ينكح ولا واحدًا أن ينكحه إلا زانية.
وقد رفع الرجل الذي قذف امرأته إليه أمر امرأته وقذفها برجل وانتفى من حملها، فلم يأمره باجتنابها حتى لاعن بينهما.
وقد روي عنه أن رجلاً شكى إليه أن امرأته لا تدفع يد لامس، فأمره بفراقها فقال له: إني أحبها. فأمره أن يستمتع بها.
وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: "أتى رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة لا ترد يد لامس، قال النبي ﷺ : فطلقها. فقال: إني أحبها. قال: فأمسكها إذن".
هذا حديث أخرجه أبو داود والنسائي.
فأما أبو داود فأخرجه (٢) عن الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس ... وذكر نحوه.
وأما النسائي (٣) فأخرجه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يزيد، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير.
وعن عبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس -عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه- قالا: "جاء رجل .. " فذكر
стр. 2034
نحوه.
قال النسائي: عبد الكريم ليس بالقوي، هارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.
وكذلك أخرجه الشافعي.
وقد أخرج الشافعي من رواية البيهقي عنه بإسناده (١) قال: أخبرنا رجل يقال له: أبو عبد الله الخراساني، قال: أخبرنا الفضل بن موسى ... وذكره إسناد أبي داود، وقال في آخره: "فذكر وَجْدَهُ بها، قال: استمتع بها".
قوله: "لا ترد يد لامس" يريد الزنية، وأنه يتهمها أنها مطاوعة لمن أرادها، ولا ترد يده، وتنقاد معه.
وقوله: "فأمسكها إِذَا" إِذْنُ له منه بأن يرضى بما يرتاب منها، ويصبر عليه؛ لأنه لم يتحقق ذلك فيها ولا ثبت عنده.
وقوله: "فاستمتع بها" أي تمسكها بقدر ما تقضي متعة النفس من وطرها، فالاستمتاع بالشيء: الانتفاع به إلى مدة ما، ومنه نكاح المتعة، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقد استدل الشافعي بهذا الحديث على أن الرجل إذا اتهم زوجته وقذفها، أو ظهر له منها ريبة، لا يؤمر بفراقها، وأن الزنا لا يفسخ النكاح، ولا يغير حالاً بين الزوج والزوجة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، قال: حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه: "أن رجلاً تزوج امرأة لها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففجر الغلام بالجارية، فظهر بها حبل، فلما قدم عمر بن الخطاب مكة رفع ذلك إليه، فسألهما فاعترفا، فجلدهما عمر الحدَّ، وحرص أن يجمع
стр. 2035
بينهما، فأبى الغلام".
هذا أخرجه الشافعي في كتاب "عشرة النساء" مؤكدًا لما تقدم من الأحاديث في هذا المعنى.
و"الفجور": الزنا، وقد روي (١) عن ابن عباس: "أنه سئل عن رجل فجر بامرأة، أينكحها؟ قال: نعم ذلك حين أصاب الحلال".
وقال ابن عباس (١): "أوله سفاح وآخره نكاح لا بأس به".
وروي عن أبي بكر الصديق (٢) ﵁ في جواز ذلك.
وعن جابر بن عبد الله (٢) وأبي هريرة (٢).
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: حرص عمر على الجمع بينهما، فلو لم يكن جائزًا حرص عليه.
وقد أخرج الشافعي، عن عمرو بن الهيثم، عن شعبة، عن الحكم، عن سالم ابن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود: "في الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها، قال: لا يزالان زانيين".
قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، هما آثمان حين زنيا، ومصيبان الحلال [حين] (٣) تناكحا غير زانيين، وقد قال عمر وابن عباس نحو هذا.
وقد أخرج الشافعي -فيما بلغه- عن هشيم، عن منصور، عن ابن مسعود: "كان يكره أن يطأ الرجل أمته إذا فجرت، أو يطأها وهي مشركة".
وقال الشافعي: قال وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن حنش: "أن رجلاً تزوج امرأة فزنا [بها] (٤) قبل أن يدخل بها، فرفع إلى عليّ ففرق بينهما وجلده