← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: "في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (١) الآية قال: هي منسوخة نسختها ﴿وأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ﴾ (٢) وهي من أيامى المسلمين". وأخرج الروايات الأوائل في كتاب "أحكام القرآن", وأخرج الرواية الآخرة في كتاب "عشرة النساء". هذه الآثار الثلاثة هكذا جاءت في كتاب "أحكام القرآن" من المسند، وهي غير متسقة الإيراد، فلا يكاد يفهمها من لم يقف على أصل لفظ الشافعي في كتاب أحكام القرآن، فإنه أراد بإيرادها بيان معنى القرآن في الآيات المتعلقة بهذا الحكم، فإن الزناة يجوز نكاح بعضهم لبعض ولغيرهم. قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: واختلف في تفسير هذه الآية، فقيل: فنزلت في بغايا كانت لهن رايات وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحهن إلا من أعلن بمثل ما أعلنَّ به، أو مشرك. وقيل: كن زوان مشركات، فنزل أن لا ينكحهن إلا زانٍ مثلهن مشرك، أو مشرك وإن لم يكن زانيًا، وحرم ذلك على المؤمنين. وقيل: أراد الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك فأراد [بالنكاح] (٣) الوطء. وقوله: [وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنينَ] (٤) [أي] (٥) حرم الزنا على المؤمنين،

стр. 2032

وقيل: هي عامة ولكنها نسخت، وذكر حديث مجاهد. وقوله: "بعض أهل العلم" قيل: وابن عباس؛ فإنه رواه سعيد بن منصور وغيره، عن سفيان، عن عبيد الله، عن ابن عباس، فكأن الشافعي شك فيه فترك اسمه. قال الشافعي: والذي يشبه والله أعلم ما قال ابن المسيب. وذكر الحديث الأول بهذا اللفظ: "أنه قال في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١): إنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢) فهي من أيامى المسلمين: يعني أنه يجوز نكاحها، والأيامى جمع أيم ويقع على الرجل والمرأة إذا لم يتزوجا، بكرين كانا أو ثَيِّبينَ، وقد تقدم شرح ذلك. ومعنى الآية: زوجوا الأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من عبادكم وإمائكم، أي عبيدكم وجواريكم. و"البغايا" الزواني، جمع بَغيّ، بغت المرأة تبغي بغاءً فهي بغي، إذا زنت. وقوله: "كانت على منازلهن رايات" يريد أمارات وعلامات يُعرفن بها، فمتى رُئيت تلك الراية منصوبة على منزل؛ عُلم أنه منزل زانية. قال الشافعي: وقد أَتى رسولَ الله ﷺ ماعز بن مالك فأقر عنده بالزنا مرارًا لم يأمره في واحدة منها أن يجتنب زوجة إن كانت له، ولا زوجته أن تجتنبه، وقد ذكر له رجل أن امرأة رجل زنت وزوجها حاضر، فلم يأمر -فيما علمنا- زوجها باجتنابها، وأمر أنيسًا أن يغدو عليها، فإن أعترفت رجمها.

стр. 2033

وقد [جلد ابن] (١) الأعرابي في الزنا مائة، وغربه عامًا, ولم ينهه -علمنا- أن ينكح ولا واحدًا أن ينكحه إلا زانية. وقد رفع الرجل الذي قذف امرأته إليه أمر امرأته وقذفها برجل وانتفى من حملها، فلم يأمره باجتنابها حتى لاعن بينهما. وقد روي عنه أن رجلاً شكى إليه أن امرأته لا تدفع يد لامس، فأمره بفراقها فقال له: إني أحبها. فأمره أن يستمتع بها. وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: "أتى رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة لا ترد يد لامس، قال النبي ﷺ : فطلقها. فقال: إني أحبها. قال: فأمسكها إذن". هذا حديث أخرجه أبو داود والنسائي. فأما أبو داود فأخرجه (٢) عن الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس ... وذكر نحوه. وأما النسائي (٣) فأخرجه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يزيد، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير. وعن عبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس -عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه- قالا: "جاء رجل .. " فذكر

стр. 2034

نحوه. قال النسائي: عبد الكريم ليس بالقوي، هارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. وكذلك أخرجه الشافعي. وقد أخرج الشافعي من رواية البيهقي عنه بإسناده (١) قال: أخبرنا رجل يقال له: أبو عبد الله الخراساني، قال: أخبرنا الفضل بن موسى ... وذكره إسناد أبي داود، وقال في آخره: "فذكر وَجْدَهُ بها، قال: استمتع بها". قوله: "لا ترد يد لامس" يريد الزنية، وأنه يتهمها أنها مطاوعة لمن أرادها، ولا ترد يده، وتنقاد معه. وقوله: "فأمسكها إِذَا" إِذْنُ له منه بأن يرضى بما يرتاب منها، ويصبر عليه؛ لأنه لم يتحقق ذلك فيها ولا ثبت عنده. وقوله: "فاستمتع بها" أي تمسكها بقدر ما تقضي متعة النفس من وطرها، فالاستمتاع بالشيء: الانتفاع به إلى مدة ما، ومنه نكاح المتعة، وقد تقدم ذكر ذلك. وقد استدل الشافعي بهذا الحديث على أن الرجل إذا اتهم زوجته وقذفها، أو ظهر له منها ريبة، لا يؤمر بفراقها، وأن الزنا لا يفسخ النكاح، ولا يغير حالاً بين الزوج والزوجة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، قال: حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه: "أن رجلاً تزوج امرأة لها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففجر الغلام بالجارية، فظهر بها حبل، فلما قدم عمر بن الخطاب مكة رفع ذلك إليه، فسألهما فاعترفا، فجلدهما عمر الحدَّ، وحرص أن يجمع

стр. 2035

بينهما، فأبى الغلام". هذا أخرجه الشافعي في كتاب "عشرة النساء" مؤكدًا لما تقدم من الأحاديث في هذا المعنى. و"الفجور": الزنا، وقد روي (١) عن ابن عباس: "أنه سئل عن رجل فجر بامرأة، أينكحها؟ قال: نعم ذلك حين أصاب الحلال". وقال ابن عباس (١): "أوله سفاح وآخره نكاح لا بأس به". وروي عن أبي بكر الصديق (٢) ﵁ في جواز ذلك. وعن جابر بن عبد الله (٢) وأبي هريرة (٢). ووجه الاستدلال من هذا الحديث: حرص عمر على الجمع بينهما، فلو لم يكن جائزًا حرص عليه. وقد أخرج الشافعي، عن عمرو بن الهيثم، عن شعبة، عن الحكم، عن سالم ابن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود: "في الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها، قال: لا يزالان زانيين". قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، هما آثمان حين زنيا، ومصيبان الحلال [حين] (٣) تناكحا غير زانيين، وقد قال عمر وابن عباس نحو هذا. وقد أخرج الشافعي -فيما بلغه- عن هشيم، عن منصور، عن ابن مسعود: "كان يكره أن يطأ الرجل أمته إذا فجرت، أو يطأها وهي مشركة". وقال الشافعي: قال وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن حنش: "أن رجلاً تزوج امرأة فزنا [بها] (٤) قبل أن يدخل بها، فرفع إلى عليّ ففرق بينهما وجلده

стр. 2036

الحد، وأعطاها نصف الصداق". قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم [ولا] (١) أحد علمته يقول بهذا، وإنما [أورد] (٢) هذا إلزامًا للعراقيين في خلاف علي وابن مسعود. قال: ولم يختلف الناس -فيما علمت- في أن الزانية المسلمة لا تحل لمشرك وَثَنِّي ولا كتابي، وأن المشركة الزانية لا تحل لمسلم زان ولا غيره، فإجماعهم على هذا المعنى في كتاب الله؛ حجة على من قال: هو حكم بينهما، والله أعلم. ...

стр. 2037

الْفصْل السَّادِسُ في نِكَاحِ المشْركِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة -أحسبه إسماعيل بن إبراهيم بن علية- عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، فقال [له] (١) النبي ﷺ : أمسك أربعًا وفارق سائرهن". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب: "أن النبي ﷺ قال لرجل من ثقيف -أسلم وعنده عشر نسوة-: أمسك أربعًا وفارق سائرهن". أخرج الرواية الأولى والثانية في كتاب "أحكام القرآن"، وأخرج الرواية (الثالثة) (٢) في كتاب "التعريض بالخطبة". هذا الحديث أخرجه الترمذي (٣) عن هناد، عن عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري ... بالإسناد، وذكر الحديث إلى قوله: "أربعًا" وقال: هكذا رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره، عن الزهري قال: حُدثت عن محمد بن سويد الثقفي: "أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة". قال محمد: وإنما حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رجلاً من ثقيف

стр. 2038

طلق نساءه، فقال له عمر: "لتراجعن نساءك؛ أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال" انتهى كلام الترمذي. وهذا الحديث قد رواه جماعة كثيرة من البصريين والكوفيين وغيرهم منهم: ابن أبي عروبة، وابن علية، ومحمد بن جعفر غندر، ويزيد بن زريع وغيرهم موصولاً، وقالوا في الحديث: "فأمره أن يختار منهن أربعًا" أو ما يكون [هذا معناه وهؤلاء بصريون، وكذلك رواه أبو عبيد، عن يحيى بن سعيد] (١) وعن سفيان، عن معمر موصولاً، وكذلك روي عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعيسى بن يونس، عن معمر وهؤلاء كوفيون. وروي عن الفضل بن موسى -وهو خراساني- عن معمر موصولاً. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن النبي ﷺ مرْسلاً. وكذلك رواه مالك بن أنس، عن الزهري مرسلاً. وكذلك رواه ابن عيينة، عن الزهري. ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن محمد بن [أبي] (٢) سويد. ورواه عقيل، عن الزهري قال: بلغنا عن عثمان بن محمد بن سويد. [و] (٢) رواه ابن وهب، عن يونس [عن الزهري] (٢) عن عثمان بن محمد بن [أبي] (٢) سويد. وقد روي من غير [جهة] (٣) الزهري، عن نافع وسالم [عن] (٢) ابن عمر: "أن غيلان ..... " الحديث.

стр. 2039

"النسوة" جمع امرأة من غير لفظها, ولا واحد للنسوة من لفظها. "وسائر" الشيء باقيه، من السؤر: بقية الشراب، وكثير من الناس يطلقون سائر الشيء على كله وهو غلط؛ وإنما السائر: الباقي. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الكافر إذا أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه أو كن كتابيات؛ كان عليه أن يختار منهن أربعًا ويفارق الباقي، سواء اختار الأوائل في نكاحه أو الأواخر، وبه قال مالك وأحمد ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى: إن كان تزوجهن في عقد واحد فارق جميعهن، وإن كان ذلك في عقود لزمته الأربع الأوائل وفارق البواقي؛ فإن العقد إذا تناول أكثر من أربع يحرم من طريق الجمع، ولا يكون مخيرًا فيه بعد الإسلام. وهذا بخلاف صريح الحديث. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا بعض أصحابنا، عن أبي الزناد، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن عوف [بن] (١) الحارث، عن نوفل [بن] (١) معاوية قال: "أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي ﷺ ، قال: فارق واحدة وأمسك أربعًا، فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها". هكذا جاء الحديث في "المسند" عن بعض أصحابنا، وقد جاء في كتاب "السنن" (٢) للبيهقي قال: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول: أخبرني عبد المجيد ... وذكر الحديث، وقال في آخره: "فقال لي رسول الله ﷺ أمسك أربعًا؛ أيتهن شئت وفارق الأخرى، فعمدت إلى أقدمهن صحبة، عجوز عاقر معي منذ ستين سنة ففارقتها".

стр. 2040

"العاقر": المرأة التي لا تلد، وقد تقدم في رواية المسند مفارقة الواحدة على إمساك الأربع، وعكس ذلك في رواية السنن, أما وجه رواية المسند فلأن اهتمام الشرع ببيان الحلال والحرام أشد من غيره، ثم تعجيل تعريف الحرام ليجتنب أهم من تقديم تعريف الحلال ليستعمل، فكان تقديمه في الذكر أولى؛ لئلا يقع في حرام، وأيتهن قَرُبَ منها وهنَّ خمس حرام عليه. وأما وجه رواية السنن وتقديم الإمساك على المفارقة؛ فلأن رعايته لمصلحة الزوج وإعلامه بما يجوز له وما لا يجوز مهم، مع علمه: أن من يكون قد جمع بين خمس نساء فما هو إلا لشدة ميله إلى النساء ورغبته فيهن، فبدأ بتعريفه من يمسكه منهن ويصح له الجمع بينه؛ رعاية لمصلحتة، ووقوفًا عند غرضه، وتعريفه بأن شأنك مع نسائك عندنا مهم، وهذه معان تستنبط من بناء الألفاظ وترتيبها في الخطاب تقديمًا وتأخيرًا، وتخفى على كثير من الناس لغفولهم عن النظر فيها. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب: "أن صفوان بن أمية هرب من الإسلام، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، وشهد حنينًا والطائف مشركًا وامرأته مسلمة، واستقرا على النكاح". قال ابن شهاب: وكان بين إسلام صفوان وامرأته نحو من شهر. هكذا أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك، وقد أخرجه في القديم بالإسناد أنه بلغه: "أن نساءكن في عهد النبي ﷺ أسلمن بأرضهن غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، ومنهن ابنة الوليد بن المغيرة وكانت تحت صفوان بن أمية [فأسلمت يوم الفتح] (١) وشهد الطائف وحنينًا وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته حين أسلم، واستقرت امرأته عنده بذلك النكاح".

стр. 2041

هذا الحديث طرف من حديث طويل أخرجه مالك في الموطأ (١) عن ابن شهاب، وكان من حديث صفوان بن أمية: "أن النبي ﷺ خافه صفوان فهرب، فأرسل له النبي ﷺ أمانًا إلى شهرين، وكانت زوجته بنت الوليد بن المغيرة قد أسلمت قبله، فلما وصله الأمان عاد وأقام مشركًا، وشهد مع النبي ﷺ حنينًا والطائف، ثم أسلم؛ فأقرهما رسول الله ﷺ على النكاح". والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن أنكحة المشركين صحيحة، وطلاقهم واقع، وأهل الشرك يقرون على أنكحتهم إذا أسلموا، وإذا أسلمت المرأة وتخلف زوجها عن الإسلام -مشركًا كان أو كتابيًّا- فإن كان قبل الدخول بها انفسخ النكاح في الحال، وإن كان بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة، فإن أسلم قبل الانقضاء كانا على النكاح، وإن انقضت قبل أن يسلم انفسخ النكاح -اتفقت الدار أو اختلفت بينهما- وبه قال أحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال في الأخرى: ينفسخ النكاح في الحال. وكذلك حكم الزوج إذا أسلم قبلها. وقال مالك: إن كان هو المسلم قبلها عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا انفسخ نكاحها. وقال أبو حنيفة: إن كانا في دار الإسلام؛ عُرض الإسلام على الكافر منهما، فإن أبى فرق بينهما، وإن كانا في دار الحرب وقف على انقضاء العدة، فإذا مضت ولم يجتمعا فرق بينهما، وإن أسلم أحدهما ودخل إلى دار الإسلام وقعت الفرقة؛ لاختلاف الدارين. وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن ابن شهاب: "أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت،

стр. 2042

وهرب من الإسلام، ثم أتى النبي ﷺ فبايعه، فثبتا على النكاح". قال الشافعي: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ثم رجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال. ثم أسلمت بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام يومئذ، وزوجها مسلم في دار الإسلام [ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام] (١) وهي في دار الحرب، ثم صارت مكة دار الإسلام وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة فاستقرا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه. وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار إسلام، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام وشهد حنينًا وهو كافر، ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، ورجع عكرمة بن أبي جهل، فأسلم واستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول؛ وذلك أن عدتها لم تنقض. قال الشافعي: وما وصفت من أمر أبي سفيان وحكيم وأزواجهما، وأمر صفوان وعكرمة وأزواجهما، أمر معروف عند أهل العلم بالمغازي والله أعلم.

стр. 2043

الفصل السابع في نكاح المريض أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد، عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد: "أن ابن أم الحكم سأل امرأة له أن يخرجها من ميراثها منه في مرضه فأبت، فقال: لأدخلن عليك فيه من يُنْقِص حقك أو يضرُّ به -وفي نسخة أو يَضُرُّ بِكِ- فنكح ثلاثًا في مرضه، فأصدق كل واحدة منهن ألف دينار، فأجاز ذلك عبد الملك بن مروان". فقال سعيد بن سالم: إن كان ذلك صداق مثلهن جاز، وإن كان أكثر ردت الزيادة، وقال في "المحاباة" كما قلت أنا أيضًا في كتاب "الوصايا" الذي لم يسمع منه، ويقول: قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة بن خالد يقول: "أراد عبد الرحمن بن أم الحكم في شكواه أن يخرج امرأته من ميراثها فأبت، فنكح عليها ثلاث نسوة، وأصدقهن ألف دينار كل امرأة منهن، فأجاز ذلك عبد الملك بن مروان، وشرك بينهن في الثمن". قال الربيع: هذا قول الشافعي، قال: أرى ذلك صداق مثلهن، ولو كان أكثر من صداق مثلهن [جاز النكاح وبطل ما زاد على صداق مثلهن] (١) إن مات في مرضه ذلك. لأنه في حكم الوصية والوصية لا تجوز لوارث. هكذا أخرج هذا الحديث في كتاب النكاح من الإملاء.

стр. 2044

قوله: "لأدخلن عليك فيه من ينقص حقك أو يضرُّ به أو بك" يريد أنه لما امتنعت من أن تخرج نفسها من ميراثها قال لها: لأفعلن ما ينقص ميراثك مني أو يضر بحقك أَوْ بِكِ -على اختلاف النسختين- والذي هددها بفعله هو الزواج عليها؛ فإنه إذا أدخل معها في الميراث زوجة أخرى، شاركتها في نصيبها من ميراثه، فهو الربع أو الثمن، [فلو كان] (١) لها الربع فيصير لها نصفه، أو الثمن فيصير لها نصفه هذا إذا كانت زوجة واحدة، فكيف وقد أدخل ثلاثًا وكان نصيبها الثمن فصار ربع الثمن، وأي نقص أبلغ من هذا وأي إضرار بها أو بحقها أكمل منه؛ لأنه غاية ما كان قدر عليه من النقص والإضرار؛ حيث لا يقدر أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. و"المحاباة" المسامحة ببعض الحق وترك ذلك حياءً منه وإفضالاً. والذي ذهب الشافعي: أن نكاح المريض يصح في مرضه، فإذا أصدقها مهر المثل كان من رأس ماله، وإن كان أكثر من مهر المثل كان ذلك محاباة، فإن كانت وارثة لم يثبت لها ذلك إلا باختيار الورثة، وإن لم تكن وارثة مثل أن تكون كتابية أو أَمَة، نظرت فإن خرج ذلك من الثلث جاز، وإن لم يخرج من الثلث وقف على إجازة الورثة. وقال الزهري: يصح النكاح ولا ترثه، وقال ربيعة: يكون مهرها من الثلث. وحكي عن مالك أنه قال: لا يصح. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع مولى ابن عمر، أنه قال: "كانت بنت حفص بن المغيرة عند عبد الله بن أبي ربيعة فطلقها تطليقة، ثم إن عمر بن الخطاب تزوجها، فَحُدَّثَ أنها عاقر لا تلد، فطلقها قبل أن يجامعها، فمكثت

стр. 2045

حياة عمر وبعض خلافة عثمان، ثم تزوجها عبد الله بن أبي ربيعة وهو مريض؛ لتشرك نساءه في الميراث، وكانت بينها وبينه قرابة". قال: وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع: "أن ابن أبي ربيعة نكح وهو مريض، فجاز ذلك". هذا الحديث مُؤَكِّد للحديث الذي قبله. و"العاقر" المرأة التي لا تحبل، وهذا أولى من قولنا: لا تلد؛ لأن قولنا: لا تلد فيه تعذر الولادة عليها بعد الحبل، وليس المراد بالعاقر هذا، فالمراد امتناعها من الحبل. وقوله: "كانت بينه وبينها قرابة" ذكر السبب الذي من أجله تزوجها في مرضه, لأنه أراد نفعها بما ترثه من ماله بخلاف ما أراد عبد الرحمن ابن أم الحكم في زواجه، فإنه أراد الإضرار بزوجته. قال الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم: "أن شريحًا قضى في نكاح رجل [نكح] (١) عند موته، فجعل الميراث والصداق في ماله". قال: وبلغنا: "أن معاذَ بن جبل قال في مرضه الذي مات فيه: زوجوني؛ لا ألقى الله وأنا عزب". وقد روي في إباحة نكاح المريض عن الزبير بن العوام وقدامة بن مظعون (٢). ...

стр. 2046

الْفصْلُ الثَّامنُ في نِكاحِ الْمُعْتَدَّةِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وسليمان بن يسار: "أن طليحة كانت تحت رُشيد الثقفي فطلقها البتة [فنكحت في عدتها] (١) فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات، وفرق بينهما، ثم قال عمر بن الخطاب: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها؛ فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خَاطبًا من الخُطَّاب، وإن كان دخل بها؛ فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا". وقال سعيد: ولها مهرها بما استحل منها. هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) وقال: "لا يجتمعون أبدًا". قوله: "وطلقها البتة" يريد طلاقًا لا رجعة له فيه، بأن يكون طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا. "والمخفقة" الدرة، والخفق: الضرب والصفع. وقوله: "فضربها عمر وضرب زوجها بالمخفقة" يجوز أن يشتركا في الضرب بها؛ لأن حرف العطف جمع بينهما، ويجوز أن ينفرد الزوج بها ويكون قد ضربها بغير المخفقة، وهذا كأنه أشبه؛ لأن الضرب بالدرة ليس من تأديب النساء.

стр. 2047

"وضَرَبات" جمع قِلَّة، وهذا يعضد قول من قال: لا يتجاوز بالتعزيز عشر ضربات. وقوله: "كان خاطبًا من الخطاب" يريد أنه لما لم يدخل بها كان من كالأجانب منها الذين يخطبونها ويرغبون في زواجها. وقوله: "بما استحل منها" أي بما وطئها. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المعتدة لا يجوز لها أن تتزوج وهي معتدة، فإن تزوجت كان النكاح فاسدًا، ويجب التفرقة بينهما، فإن لم يدخل بها فعدتها من زوجها الأول بحالها تتمها, لكنها تَسْقُط نفقتها وسكناها لذلك، وإن كان الثاني دخل بها وكانا عالمين بالتحريم، أو كان الزوج عالمًا به، أو كان عالمًا أنها معتدة؛ فالوطء زنًا, ولا تنقطع به العدة. وإن كانا جاهلين بالتحريم، أو كان جاهلاً أنها معتدة؛ فإن الوطء يقطع العدة. وقال أبو حنيفة وأحمد ﵄ لا تنقطع العدة، ثم إذا فُرِّقَ بينهما استكملت عدة الأول، ثم اعتدت عن الثاني عدة كاملة؛ لأن العدتين لا يتداخلان، وعن مالك فيه روايتان. وأما الحكم في قوله: "ثم لا ينكحها أبدًا" فقال في القديم: لا يجتمعان أبداً؛ أخذًا يقول عمر بن الخطاب في هذا الحديث، وبه قال مالك. وقال في الحديث: يكون خاطبًا من الخطاب يجوز له نكاحها، وقد روي عن عمر أنه رجع عنه، وبه قال علي بن أبي طالب، وعلى قول علي اعتمد الشافعي في أن العدة لا تنقطع. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا يحيى بن حسان، عن جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عمر، عن علي: "أنه قضى في التي تتزوج في

стр. 2048

عدتها: [أنه] (١) يفرق بينهما, ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول، وتعتد من الآخر". هذا الحديث هو الذي اعتمد عليه الشافعي في كون العدة لا تنقطع على ما فصلناه وبيناه في حديث عمر. وقوله: "ما أفسدت من عدة الأول" يريد أنها أفسدتها بنكاح الزوج الثاني في عدة الأول حيث لم تستكملها. ...

стр. 2049

الْفصْلُ التَّاسِعُ فِي نِكَاح الإمَاءِ وَأَهْل الكِتَابِ أخبرنا الشافعي، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "من وجد صداق حرة فلا ينكح أَمَةً". أخرج الشافعي ﵁ عن مالك، أنه بلغه: "أن ابن عباس وابن عمر سُئلا عن رجل [كانت] (١) تحته امرأة حرة، فأراد أن ينكح عليها أمة؛ فكرها أن يجمع بينهما". قال الشافعي: فأحل الله حرائر المؤمنات، واستنثنى في الإماء المؤمنات أن تحللن بأن يجمع ناكحهن أن لا يجد طولاً لحرة، وأن يخاف العنت في ترك نكاحهن، "والعنت": الزنا، فزعمنا أنه لا يحل نكاح أمة مسلمة حتى يجمع نكاحها الشرطين. قال الشافعي: والكتاب كافٍ -إن شاء الله- فيه من قول غيري. وأخرج الشافعي ﵁ عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير: "أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: توزجناهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا، فلما رجعنا طلقناهن، وقال: ولا يرثن مسلمًا ولا يرثهن، ونساؤهم لنا حل" (٢). وروي في إباحة ذلك عن عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة، وابن عباس، إلا أن عمر كرهها.

стр. 2050

قال الشافعي ﵁ في كتاب "الجزية": فمن كان من بني إسرائيل يدين بدين اليهود والنصارى نُكح نساؤه وأكلت ذبيحته، ومن دان دين بني إسرائيل من غيرهم -من العرب أو العجم- لم تنكح نساؤه ولم تؤكل ذبيحته. وأخرج عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن سعد مولى عمر -أو أبي عبد الله بن سعد- عن عمر أنه قال: "ما نصارى العرب بأهل [كتاب] (١) وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم". وأخرج الشافعي ﵁ عن الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "سألت عَبيدة عن ذبائح نصارى بني تغلب فقال: لا تأكل ذبائحهم؛ فإنهم لم يتمسكوا من نصرايتهم إلا بشرب الخمر". قال الشافعي ﵁ وهكذا أحفظه، ولا أحسبه أو غيره إلا وقد بلغ [بهذا الإسناد] (٢) علي بن أبي طالب.

стр. 2051

الْفصْلُ العَاشِرُ في الأَمةِ تُعْتقُ وَزوْجُها عبْد أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "كانت في [بريرة] (١) ثلاث سنن, وكانت في إحدى السنن: أنها أعتقت، فخيرت في زوجها". هذا طرف من حديث طويل صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة بأسرهم طويلًا ومختصرًا (٢)، وقد سبق بذكر طرقه، وهذا القدر منه. أخرجه الشافعي ﵁ في كتاب "أحكام القرآن". والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الأمة إذا كانت زوجة ثم بيعت لا يكون بيعها طلاقها، ويكون حكم المشتري فيها مع الزوج حكم البائع، وروي مثل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وإليه ذهب عامة الفقهاء، وروي عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وابن عباس أنهم قالوا: بيعها طلاقًا. إذا ثبت هذا فإن أعتقها المشتري ثبت لها الخيار إن كان زوجها عبدًا بالإجماع، فإن كان حرًّا لم يكن لها الخيار، وإليه ذهب ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، والحسن، وسليمان بن يسار، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وقال النخعي، والشعبي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لها الخيار. والمعنى في التخيير أنها [إن] (٣) اختارت فسخ النكاح كان لها، وإن اختارت

стр. 2052

البقاء معه فإن لها ذلك. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن أيوب بن أبي تميمة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه ذكر عنده زوج بريرة ذلك فقال: كان ذلك مغيث عبد بني فلان، كأني انظر إليه يتبعها في الطريق وهو يبكي". هذا طرف من حديث بريرة المقدم ذكره، إلا أن ذلك الطرف كان عن عائشة، وهذا الطرف عن ابن عباس، وقد أخرج حديث ابن عباس البخاري، وأبو داود والترمذي، والنسائي. أما البخاري فأخرجه (١) عن عبد الأعلى بن حماد، عن وهيب. وعن قتيبة (٢)، عن عبد الوهاب، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة. وعن أبي الوليد (٣)، عن شعبة وهمام، عن قتادة، عن عكرمة. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن الحذاء، عن عكرمة. وأما الترمذي فأخرجه (٥) عن هناد، عن عبدة، عن سعيد، عن أيوب وقتادة، عن عكرمة، وسعيد هذا وابن أبي عروبة. وأما النسائي فأخرجه (٦) عن ابن بشار، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا الحديث وإن كان حجة لما ذهب إليه الشافعي ﵁ من

стр. 2053

كون زوج بريرة عبدًا؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث ولا الحديث الذي يجيء بعده عن ابن عمر في وجه الاستدلال بهما على أن زوجها [كان] عبدًا، وإنما ذكره عقيب كلامٍ أورده في بعض كتبه، ونحن نحكي القصة لتبيين سبب ذكره. قال الشافعي: خالفنا بعض الناس في خيار الأمة، فقال: تخير تحت الحر كما تخير تحت العبد، وقالوا: روينا عن عائشة أن زوج بريرة كان حرًّا. قال الشافعي ﵁ فقلت له: روى عروة والقاسم عن عائشة ﵂: أن زوج بريرة كان عبدًا، وهما أعلم بحديث عائشة ممن رويت هذا عنه. قال: فهل تروون عن غير عائشة أنه كان عبدًا؟ فقلت: هي المعتقة، وهي أعلم به من غيرها، وقد روي من وجهين قد تُثبت أنت ما هو أضعف منهما، ونحن إنما نثبت ما هو أقوى منهما. قال: فاذكرهما. فذكر الشافعي ﵁ هذا الحديث عن ابن عباس والحديث الذي يذكره بعد هذا عن ابن عمر، وإنما قال الشافعي بحديث ابن عباس وابن عمر: ونحن إنما نثبت ما هو أقوى [منهما] (١) لأن الحفاظ اختلفوا في عكرمة مولى ابن عباس، فمنهم من لم يحتج بحديثه -منهم مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح- ومنهم من يحتج بحديثه -وهؤلاء الأكثر- وعكرمة هو راوي هذا الحديث عن ابن عباس. وأما حديث ابن عمر؛ فلأن في رواة حديثه القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري شيخ الشافعي، وهو ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فلم [ير] (٢) الشافعي ﵁ الاحتجاج بما رواه عنه، فلهاتين العلتين قال الشافعي ما قاله لمخاطبه، ولأجل ذلك أخرج هذين الحديثين.

стр. 2054

وأما قوله في الحديث: "كأني انظر إليه يتبعها في الطريق وهو يبكي" لأنه كان يحبها ولا يؤثر فراقها، وهي له كارهة، مختارة لفراقه. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: "أن زوج بريرة كان عبدًا". هذا هو الحديث الذي أشرنا إليه، وهو وإن كان القاسم بن عبد الله ضعيفًا فقد روي عن ابن عمر من طرق أخرى أن زوجها كان عبدًا. وأخبرنا الشافعي ﵀ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقول في الأمة تكون تحت العبد فتعتق: إن لها الخيار ما لم يمسها، فإن مسها فلا خيار لها". يريد بالمس ها هنا الوطء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (١) أي من قبل الوطء. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن خيار الأمة إذا أعتقت، فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه على الفور، فإن أخرت الخيار عن حالة الإمكان؛ بطل، كخيار الرد بالعيب. والثاني: أن لها الخيار إلى ثلاثة أيام. والثالث: أنه على التراخي إلى أن يمسها باختيارها أو تصرح بما يبطله وهذا مذهب ابن عمر وحفصة، وهو ظاهر السنة، فإن النبي ﷺ خَيَّر بريرة بعد أن مضى زمان الإمكان، والحاجة داعية إليه، ويعضد ذلك قول الشافعي عقيب حديث حفصة الذي ذكره آنفًا:

стр. 2055

ولا أعلم في توقيت الخيار شيئًا يتبع إلا قول حفصة زوج النبي ﷺ : "ما لم يمسها" وفي تركها إياه أن يمسها كالدلالة على ترك الخيار، فإن أصابها، أو تراخى زمان الإمكان واعتذرت بالجهالة ففيه قولان: أحدهما: تحلف ويكون [لها] (١) الخيار، وهو أحب إلينا. والثاني: لا خيار لها. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: "أن مولاة لبني عدي بن كعب -يقال لها: زبراء- أخبرته أنها كانت تحت عبدٍ وهي أمة يومئذ فعتقت، قالت: فأرسلت إلى حفصة زوج النبي ﷺ فدعتني، فقالت: إني مخبرتك خبرًا ولا أحب أن تصنعي شيئًا؛ إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك. قالت: ففارقته ثلاثًا". هكذا أخرجه في كتاب "أحكام القرآن" وعاد أخرجه فيه مرة أخرى بالإسناد واللفظ، وقال في آخره: "ولم تقل لها حفصة: لا يجوز أن تطلقي ثلاثًا". فأورده في الأول في خيار الأمة إذا أعتقت، وأورده ثانيًا لجواز جمع الطلاق الثلاث وايقاعه. هذا حديث صحيح، قد أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) بالإسناد، وفي آخره: "فقلت: هو الطلاق ثم الطلاق ثم الطلاق، ففارقته ثلاثًا". قوله: "وهي أمة يومئذ" لما كانت تحت العبد. وقوله: "فعتقت" الفعل لها، وهو مفتوح العين والتاء، وكثير ممن لا علم عنده يقول: عُتِق العبد وعُتِقت الأمة بضم العين وكسر التاء، وإنما هو أعتق وأعتقت. وقولها: "ولا أحب أن تصنعي شيئًا" تريد ترك السرعة والعجلة فيما تجيبها

стр. 2056

به؛ فإن حفصة لم ترد أن تحملها على الفراق ولا على إبقاء النكاح؛ إنما أرادت أن تعرفها مالها وعليها في الأمر، فقالت: "ما أحب أن تصنعي شيئًا" أي في أمر الفراق والاجتماع. وقوله: "ففارقته ثلاثًا" يفسره ما جاء في رواية "الموطأ": "هو الطلاق ثم الطلاق". وهذا هو الحديث الذي أشار إليه الشافعي ﵁: ولا أعلم في توقيت الخيار شيئًا يتبع إلا قول حفصة. وقد ذكرناه في حديث ابن عمر. ***

стр. 2057

الْفصْل الحادِي عَشَر في أحْكَامِ مُتفَرّقةٍ أخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب: "أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص [فمسها] (١) فلها صداقها، وذلك لزوجها غُرم على وَلِيِّها". وأخرج الشافعي ﵁ عن وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن الشعبي، عن علي: "في رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص قال: إذا لم يدخل بها فرق بينهما، وإن كان دخل بها [فهي] (٢) امرأته إن شاء طلق وإن شاء أمسك". وأخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه- عن يحيى بن عباد، عن حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الوضيء: "أن أخوين تزوجا أختين، فأهديت كل واحدة منهما إلى أخي زوجها فأصابها، فقضى علي ﵇ على كل واحد منهما بصداق، وجعله يرجع به على الذي غره". وأخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عمر: "أنه جعل أجل العِنِّين سنة". هكذا رواه المزني عنه، ورواه الزعفراني عنه في القديم بالإسناد: "أن عمر قال: يؤجل العِنِّين سنة فإن جامع وإلا فرق بينهما".

стр. 2058

وروي ذلك عن عمر، وعبد الله بن مسعود، والمغيرة بن شعبة. وأخرج الشافعي ﵁ عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "كانت اليهود تقول: من أتي امرأته في قبلها من دبرها جاء ولده أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أحيحة بن الحلاج -أو عن عمرو بن فلان بن أحيحة، قال الشافعي: أنا شككت- عن خزيمة بن ثابت: "أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن -أو إتيان الرجل امرأته في دبرها- فقال النبي ﷺ : [حلال] (٢) فلما ولى الرجل، دعاه أو أمر به فدعي، فقال: كيف قلت؟ في أي الخُربتين -أو في أي الخُرْزتين أو في أي الخُصْفتين؟ - أمن دبرها في قبلها؟ فنعم، أم من دبرها في دبرها؟ فلا، إن الله لا يستحيى من الحق؛ لا تأتوا النساء في أدبارهن". قال الشافعي ﵁: عمي ثقة، وعبد الله بن علي ثقة، وقال: وقد أخبرني محمد بن علي الأنصاري [المحدث] (٣) به أنه أثنى عليه خيرًا، وخزيمة ممن لا يشك عالم في ثقته، فلست أرخص فيه بل أنهى عنه. هذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٤) وقال: فاحتملت الآية معنيين أحدهما أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها؛ لأن معنى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾

стр. 2059

من أين شئتم، لا محظور منها كما لا محظور من الحرث، واحتملت أن الحرث إنما يراد به النبات، وموضع الحرث الذي يطلب به الولد الفرج دون ما سواه، ولا سبيل لطلب الولد غيره، فاختلف أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن، فذهب ذاهبون إلى إحلاله وآخرون إلى تحريمه، وأحسب كلا الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية على موافقة كل واحد منهم؛ فطلبنا الدلالة عن رسول الله ﷺ فوجدنا حديثين أحدهما ثابت، وهو حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء ولده أحول؛ فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) الآية. ثم قال في موضع آخر: وبَيَّنٌ أن موضع الحرث موضع الولد، وأن الله أباح الإتيان فيه إلا وقت المحيض، قال: وإباحة الإتيان في موضع يشبه أن يكون تحريم غيره، فالإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل يحرم بدلالة الكتاب ثم السنة، وذكر حديث عمه محمد بن علي بن شافع. "الخربة" كل ثقب مستدير مثل ثقب الأذن، وجمعها خُرَب، وأراد بالتثنية: الدبر والقبل، وقد جاء في كتاب "السنن": الخُرْتين تثنية الخرت وجمعه خُروت، وهو ثقب الإبرة والفأس ونحوه، وهو مثل الخُربة. وأما "الخُرْزَتَان" فتثنية الخرزة، وهي كل ثقب الخرز. وأما "الخُصْفتان": فتثنية الخُصفة، وهي المرة الواحدة من خصف النعل إذا خرزها. وقوله: "نعم" في جواب سؤال نفسه من فصيح الكلام واختصاره؛ لأن التقدير: إن كنت تريد من دبرها فلا.

стр. 2060

ثم قال: "إن الله لا يستحيي من الحق" حين صرح بهذا اللفظ حيث ذكر القبل والدبر، والوطء فيهما, ولم يكن التصريح بأمثال هذه الألفاظ من عادته إلا في موضع الحاجة إلى البيان والإيضاح، كما قال لماعز في استفساره عن زناه في المرة الثالثة أو الرابعة: "أنكتها". ثم عقب كلامه بصريح النهي فقال: "لا تأتوا النساء في أدبارهن". وتفصيل المذهب: أن المزني حكى عن الشافعي ﵁ في القديم أنه قال: ذهب بعض أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن إلى إحلاله وآخرون إلى تحريمه، ثم قال في آخر الباب: وقال الشافعي: ولا أرخص فيه بل أنهى عنه وحكى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: ما صح عن النبي ﷺ في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه حلال. قال الربيع: كذب والذي لا إله إلا هو، وقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب، وروي تحريمه عن علي، وعبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي الدرداء، ومجاهد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وروي عن زيد ابن أسلم، ونافع، إباحته، واختلف أصحاب مالك، فروي [عنه] (١) أنه قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال، ويقال: إنه نص عليه في كتاب السر، وأهل العراق من أصحابه ينكرون ذلك. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: "ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلون؛ لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد أَلَمُّ بها؛ إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد أو اتركوا".

стр. 2061

وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عمر: "في إرسال الولائد يوطئن ... " مثل معنى حديث ابن شهاب [عن سالم] (١). أخرج هذا الحديث مالك في الموطأ (٢)، وقال في الثانية: "ثم يدعونهن يخرجن، لا تأتيني وليدة ... " وذكر الحديث، وقال في آخره: "فأرسلوهن" وهذه الزيادة قد أخرجها الشافعي ﵁ في القديم. "ما بال فلان" أي ما شأنه. و"الولائد": جمع وليدة، وهي ها هنا الأمة، فإن الوليد والوليدة يقعان على الصبي والصبية أيضًا، وهي فعلية بمعنى مفعولة أي مولودة. "والعزل": أن يجامع الرجل المرأة ولا ينزل معها إنما ينزل خارجًا عن فرجها. "والإلمام" بالشيء المقاربة فكنى به عن الجماع. وقوله: "إلا ألحقت به ولدها" يريد أنها إن جاءت بولد؛ فإني أُلحقه بسيدها، سواء عزل عنها أو لم يعزل؛ فإن الولد للفراش. وقوله: "في إرسال الولائد يوطئن" هو ما كانوا عليه من عادة العرب في الإماء كن يخرجن، فربما عرض لهن بعض الزناة فوطئهن، فكن يحملن، وكان مواليهن لا يلحقن بهم أولادهن؛ لأنهم كانوا يعزلون عنهن، فقال عمر: إن عزلتم أو لم تعزلوا فمن جاءت وليدته بولد وكان قد وطئها مرة؛ فإنني ألحق به ولدها. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن العزل يجوز مع الأمة، وأما الحرة ففي العزل عنها بغير إذنها وجهان، فأما إن كانت الزوجة أمة فله العزل عنها بإذنها وغير إذنها؛ كراهة أن يُسْتَرقّ ولده.

стр. 2062

قال الشافعي ﵁ وروي عن سليمان التيمي، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود -في العزل- قال: "هو الوأد الخفي". قال: وعن عمرو بن الهيثم، عن شعبة، عن عاصم، عن زر، عن علي: "أنه كره العزل". قال الشافعي: وليسوا يأخذون بهذا, ولا يرون بالعزل بأسًا. أورده فيما خالف العراقيون عليًّا وعبد الله، قال: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ [أنهم رخصوا في ذلك ولم يرو به بأسًا. قال: ويروى عن النبي ﷺ ] (١) أنه سئل عن ذلك فلم يذكر فيه نهي، ثم ذكر حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا والقرآن ينزل". وأخرج الشافعي ﵁ في كتاب "حرملة": عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد اللّْه بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ سئل عن العزل، فقال: لا عليكم أن [لا] (٢) تفعلوا؛ فإنه ليس من نسمة يقضى أن تكون إلا وهي كائنة" والله أعلم.

стр. 2063

الْفصْل الثَاني عَشَر فِي الوَلِيمةِ وآدَابِ الأكْلِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن سيرين: "أن أباه دعى نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ -يعني إلى الوليمة- فأتاه فيهم أُبَي بن كعب -وأحسبه قال-: فبارك وانصرف". الوليمة تقع على كل طعام يتخذ لحادث سرور، إلا أنها بالعرس أخص؛ لكثرة الاستعمال، وقد خصت العرب أسماء الأطعمة ببعضها، فسموا طعام الولادة: الخُرْس، وطعام الختان: العذيرة والإِعْذَار، وطعام القدوم: النقيعة، وطعام البناء: الوكيرة، وطعام حلق رأس المولود في اليوم السابع: العقيقة، وطعام حذق الصبي (١): الحذاق، وطعام العرس: الوليمة، وقد أطلقت الوليمة على كل طعام يدعى إليه، ويسمى كل طعام أيضًا مأدبة، فأقل الوليمة لمن قدر عليها شاة، فإن لم يستطع اقتصر على ما يقدر عليه. والإجابة إليها واجبة، وقيل: مستحبة، ومن حضرها إن كان مفطرًا فهل يلزمه الأكل؟ فيه خلاف، وإن كان صائمًا صومًا واجبًا حضر ولا يفطر، ويدعوا لصاحب الوليمة، ويبارك عليه ويعود. ومعنى قوله: "فبارك وانصرف" أي دعا له بالبركة، وإن كان صومه تطوعًا فيستحب له أن يفطر؛ لأن الصائم المتطوع أمير نفسه، وإدخال السرور على قلب أخيه المسلم بأكل طعامه أولى من تطوعه. قال الشافعي ﵁: وإن كان المدعو صائمًا أجاب وبارك

стр. 2064

وانصرف، ولم أحتم عليه أن يأكل، وأحب لي لو فعل إن كان صومه غير واجب؛ إلا أن يأذن له رب الوليمة. وأخرج الشافعي ﵁ قال: حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج -قال الشافعي: ولا أدري عن عطاء أو غيره- قال: "جاء رسول ابن صفوان [إلى] (١) ابن عباس وهو يعالج زمزم يدعوه وأصحابه، فأمرهم فقاموا، واستعفاه وقال: إن لم يعفني جئته". وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ أتى أبا طلحة وجماعة معه فأكلوا عنده، وكان ذلك في غير وليمة". قوله: "وكان ذلك في غير وليمة" من قول الشافعي -رحمة الله عليه- وهذا طرف من حديث طويل صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي (٤)، ونحن نشير إلى طريق من جملة طرقهم. قال أنس بن مالك: قال أبو طلحة لأم سليم: "قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخذت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله ﷺ : أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. فقال: للطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا بنا.

стр. 2065

فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ معه حتى دخلا، فقال رسول الله: هلمي ما عندك يا أم سليم. فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ فَفُتَّ، وعصرت عليه أم سليم عُكَّةً لها فَأَدَمَتْهُ، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائْذَن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائْذَن لعشرة. فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائْذن لعشرة. حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون". قوله: "ردتني ببعضه" أي جعلته لي رداء. و"هلمي" أحضري. و"العكة" وعاء السمن وهي معروفة. و"أَدَمَتْه" أي جعلت فيه إدمًا، وهو ما يؤكل مع الخبز. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن ما عدا الوليمة من الأطعمة فإن الإجابة إليها مستحبة، وقال أحمد: لا يستحب. قال الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق، والوليمة التي نعرف: وليمة العرس، قال: وكل دعوة دعى لها رجل قاسم الوليمة يقع عليها، فلا أرخص لأحد في تركها. قال: ولو تركها لم يَبِنْ لي أنه عاصٍ في تركها كما يَبين لي في وليمة العرس؛ لأني لا أعلم النبي ﷺ ترك الوليمة على عرس، ولم أعلمه أَوْلَمَ على غيره. قال: وأحب للرجلِ إذا دعا الرجلَ إلى طعام أن يجيبه.

стр. 2066

بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لو أهدي إليَّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت". قال الشافعي: وإن دعي إلى الوليمة وفيها المعصية نهاهم، فإن نحَّوا ذلك عنه وإلا لم أحب له أن يجلس. وأخرج في كتاب "حرملة": أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت على بابها دُرْنُوكًا (١) فيه الخيل أولات الأجنحة، فأمرها فنزعته". وأخرج في كتاب "حرملة": أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "من صَوّر صُورة، عُذِّب وكلف أن ينفخ فيها؛ وليس بنافخٍ" (٢). وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله" (٣). وأخرج الشافعي ﵁ عن سفيان قال: أخبرنا زكريا ومسعر، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، أن النبي ﷺ قال: "لا آكل متكئًا" (٤). وأخرج الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ نهى أن ينفخ في الإناء أو يتنفس فيه" (٥).

стр. 2067

وأخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: "رأيت رسول الله ﷺ أمر بدلو من ماء زمزم فنزع له، فشرب وهو قائم" (١). وأخرج الشافعي ﵁ في كتاب "حرملة" بإسناده، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدة له -يقال لها: كبشة-: "أن النبي ﷺ دخل عليها، فرأى عندها قربة معلقة، فشرب من فيها وهو قائم، فقطعت فم القربة وكان عندها" (٢). وأخرج الشافعي ﵁ عن محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ نهى عن اختناث الأسقية؛ أن يشرب من أفواهها" (٣) ورواه المزني عنه بالإسناد وقال: "أن تكسر ويشرب من أفواهما". وأخرج الشافعي ﵁ عن سفيان، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد" (٤). وأخرج الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن حكيم بن جابر، عن أبيه قال: "دخلت على رسول الله ﷺ

стр. 2068

فرأيت عنده الدباء، فقلت: ما هذا يا رسول الله؟ قال: نكثر به طعامًا" (١). وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يأكل المسلم في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (٢).

стр. 2069

الْفَصْل الثَالث عَشَر في القسَم أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: ليس بك على أهلك هوان؛ إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت؟ قالت: ثلَّث". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أخبراه أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يحدث، عن أم سلمة، أنها أخبرته: "أنها لما قدمت المدينة أخبرتهم: أنها ابنة أبي أمية بن المغيرة، فكذبوها، وقالوا: ما أكذب الغرائب، حتى أنشأ إنسان منهم الحج، فقالوا: أتكتبين إلى أهلك؟ فكتبت معهم، فرجعوا إلى المدينة، قالت: فصدقوني وازددت عليهم كرامة، فلما حللت جاءني رسول الله ﷺ يخطبني، فقلت له: ما مثلي نكح؛ أما أنا فلا ولد لي، وأنا غيور ذات عيال. قال: أنا أكبر منك، وأما المغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله. فتزوجها رسول الله ﷺ ، فجعل يأتيها ويقول: أين زناب؟ حتى جاء عمار بن ياسر فاختلجها، قال: وهذه تمنع رسول الله ﷺ . وكانت ترضعها، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أين زناب؟ فقالت قريبة بنت أبي أمية ووافقها عندها أخذها عمار بن ياسر، فقال رسول الله ﷺ : إني آتيكم الليلة. فقالت: فقمت فوضعت ثفالي، وأخرجت حبات من شعير كانت في جرّ، وأخرجت شحمًا فعصدته -أو صعدته- قال: فبات رسول الله ﷺ -

стр. 2070

وأصبح، فقال حين أصبح: إن لك على أهلك كرامة؛ فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك أسبع لنسائي". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أم سلمة: "أن رسول الله ﷺ خطبها، فساق نكاحها وبناءه بها وقوله لها: إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن". وأخرج الروايتين الأولتين في كتاب "الخلع والنشوز" وأخرج الرواية الثالثة في كتاب "أحكام القرآن"، وهو صحيح أخرجه مالك في "الموطأ" ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ولم يخرج أحد منهم القصة المذكورة في الحديث. فأما مالك فأخرجه (١) عن عبد الله بن أبي بكر [عن عبد الملك بن أبي بكر] (٢) عن أبيه. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن حاتم ويعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن أم سلمة، ولم يذكر الثلاث. وأخرجها (٣) أيضًا عن يحيى بن يحيى، عن مالك مثل الشافعي. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن زهير بن حرب، عن يحيى، عن سفيان، مثل مسلم. وأما النسائي فأخرجه عن (٥)
следующие страницы →