← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لو أهدي إليَّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت". قال الشافعي: وإن دعي إلى الوليمة وفيها المعصية نهاهم، فإن نحَّوا ذلك عنه وإلا لم أحب له أن يجلس. وأخرج في كتاب "حرملة": أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت على بابها دُرْنُوكًا (١) فيه الخيل أولات الأجنحة، فأمرها فنزعته". وأخرج في كتاب "حرملة": أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "من صَوّر صُورة، عُذِّب وكلف أن ينفخ فيها؛ وليس بنافخٍ" (٢). وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله" (٣). وأخرج الشافعي ﵁ عن سفيان قال: أخبرنا زكريا ومسعر، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، أن النبي ﷺ قال: "لا آكل متكئًا" (٤). وأخرج الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ نهى أن ينفخ في الإناء أو يتنفس فيه" (٥).

стр. 2067

وأخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: "رأيت رسول الله ﷺ أمر بدلو من ماء زمزم فنزع له، فشرب وهو قائم" (١). وأخرج الشافعي ﵁ في كتاب "حرملة" بإسناده، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدة له -يقال لها: كبشة-: "أن النبي ﷺ دخل عليها، فرأى عندها قربة معلقة، فشرب من فيها وهو قائم، فقطعت فم القربة وكان عندها" (٢). وأخرج الشافعي ﵁ عن محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ نهى عن اختناث الأسقية؛ أن يشرب من أفواهها" (٣) ورواه المزني عنه بالإسناد وقال: "أن تكسر ويشرب من أفواهما". وأخرج الشافعي ﵁ عن سفيان، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد" (٤). وأخرج الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن حكيم بن جابر، عن أبيه قال: "دخلت على رسول الله ﷺ

стр. 2068

فرأيت عنده الدباء، فقلت: ما هذا يا رسول الله؟ قال: نكثر به طعامًا" (١). وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يأكل المسلم في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (٢).

стр. 2069

الْفَصْل الثَالث عَشَر في القسَم أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: ليس بك على أهلك هوان؛ إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت؟ قالت: ثلَّث". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أخبراه أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يحدث، عن أم سلمة، أنها أخبرته: "أنها لما قدمت المدينة أخبرتهم: أنها ابنة أبي أمية بن المغيرة، فكذبوها، وقالوا: ما أكذب الغرائب، حتى أنشأ إنسان منهم الحج، فقالوا: أتكتبين إلى أهلك؟ فكتبت معهم، فرجعوا إلى المدينة، قالت: فصدقوني وازددت عليهم كرامة، فلما حللت جاءني رسول الله ﷺ يخطبني، فقلت له: ما مثلي نكح؛ أما أنا فلا ولد لي، وأنا غيور ذات عيال. قال: أنا أكبر منك، وأما المغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله. فتزوجها رسول الله ﷺ ، فجعل يأتيها ويقول: أين زناب؟ حتى جاء عمار بن ياسر فاختلجها، قال: وهذه تمنع رسول الله ﷺ . وكانت ترضعها، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أين زناب؟ فقالت قريبة بنت أبي أمية ووافقها عندها أخذها عمار بن ياسر، فقال رسول الله ﷺ : إني آتيكم الليلة. فقالت: فقمت فوضعت ثفالي، وأخرجت حبات من شعير كانت في جرّ، وأخرجت شحمًا فعصدته -أو صعدته- قال: فبات رسول الله ﷺ -

стр. 2070

وأصبح، فقال حين أصبح: إن لك على أهلك كرامة؛ فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك أسبع لنسائي". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أم سلمة: "أن رسول الله ﷺ خطبها، فساق نكاحها وبناءه بها وقوله لها: إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن". وأخرج الروايتين الأولتين في كتاب "الخلع والنشوز" وأخرج الرواية الثالثة في كتاب "أحكام القرآن"، وهو صحيح أخرجه مالك في "الموطأ" ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ولم يخرج أحد منهم القصة المذكورة في الحديث. فأما مالك فأخرجه (١) عن عبد الله بن أبي بكر [عن عبد الملك بن أبي بكر] (٢) عن أبيه. وأما مسلم فأخرجه (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن حاتم ويعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن أم سلمة، ولم يذكر الثلاث. وأخرجها (٣) أيضًا عن يحيى بن يحيى، عن مالك مثل الشافعي. وأما أبو داود فأخرجه (٤) عن زهير بن حرب، عن يحيى، عن سفيان، مثل مسلم. وأما النسائي فأخرجه عن (٥)

стр. 2071

فقوله: "ليس بك على أهلك هوان" من الكلام الذي يقدم من القائل بين كلامه؛ توطئة لما يريد أن يقوله، وتأنيسًا للمخاطب، وتمهيدًا لعذره عما يريد أن يبديه إليه، وهذا النوع في الخطاب كثير، كقوله ﷺ : "ليس لنا مثل السوء كذا وكذا, ولغيرنا مثل السوء كذا وكذا" وكقوله: "نحن الآخرون السابقون. كيت وكيت" وكقول الناس في محاوراتهم لمن يخاطبونهم: أنت تعرف محلك من قلبي، ومنزلتك عندي، وكرامتك علي، وأشباه ذلك، فكأن النبي ﷺ لما أراد أن يعلم أم سلمة حكم السنة في القسم بين النساء والمقام عندهن، وخاف أنه إذا أقام عندها ثلاثًا وانتقل عنها ربما ظنت أن ذلك لسبب أوجب انتقاله من ملل أو إيثار غيرها عليها، أو ميل إلى سواها، فقدم هذا اللفظ بين يدي قوله؛ ليعلمها أن حكم العدل بين النساء يقتضي له أن ينتقل عنها إذا وفَّاها حقها، وأن ذلك ليس لهوان بها، أو ملل منها وميل إلى غيرها، فما ألطف خطابه وأحسن آدابه ﷺ . قوله: "سبعت" أي أقمت عندك سبعًا، وكذلك "ثلثت" تقول: سبعت الشيء تسبيعًا إذا جعلته سبعة، وثلثته إذا جعلته ثلاثة، وكذلك إلى العشرة. و"الغرائب" جمع غريبة وهذا الجمع [مخصص] (١) بالمؤنث نحو طريفة وطرائف، ولا يقال: صديق وصدائق، ولا شديد وشدائد. فأما قولهم في المذكر: خليفة وخلائف؛ فلأجل دخول تاء التأنيث في الاسم. وإنما أنكر أهل المدينة أم سلمة لأنها من المهاجرات الأُول، وذلك أن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، ومنع بنو المغيرة بن عبد الله بن مخزوم أم سلمة أن تهاجر مع زوجها، فأقامت مكرهة على ذلك قريبًا من سنة، ثم أذنوا لها في اللحاق بزوجها، فتوجهت إليه مهاجرة، فوصلت المدينة وكان أبو سلمة

стр. 2072

نازلاً بها ولم يكن أهل المدينة يعرفونها؛ فلذلك أنكروها لا انتسبت لهم. وقولها: "فلما حللت" كلام فيه اختصار لأنها تريد فلما مات زوجي أبو سلمة بعد ذلك وحللت -تعني: انقضاء العدة- خطبني رسول الله ﷺ . وقولها: "ما مثلي نكح" قد جاء تفسيره في قولها: "فلا ولد لي، وإني امرأة غيور، وذات عيال". وأما قولها: "أما أنا فلا ولد لي" تريد أنها كبيرة لا يولد لها، يدل على صحة ذلك: قول النبي ﷺ لها: "أنا أكبر منك" ويشهد لذلك: ما جاء في "مسند أحمد بن حنبل" (١) في بعض روايات هذا الحديث قولها: "فقالت: يا رسول الله ﷺ ، إن في ثلاث خصال؛ أنا امرأة كبيرة، فقال: "أنا أكبر منك". وجاء في رواية أخرى (٢) "فقالت: ما مثلي نكح أما أنا فلا ولد في" أي لا يرجى أن يجيء مني ولد؛ لكبري. فقال رسول الله ﷺ : "أنا أكبر منك". فقولها في هذه الرواية: "لا ولد في" يدل على أنها أرادت بقولها: "لا ولد لي" أي لا يرجى لي أن ألد، هذا إن صحت الرواية بقولها: "لا ولد لي". وأما "زناب" فهو لفظ مبني من اسم زينب، وليس تصغيرًا لها, ولكنه تغيير للاسم حيث هى صغيرة، فكأنه ﷺ كان إذا دخل على أم سلمة حين تزوجها يرى بنتها زينب -وكانت صغيرة- في حجرها، فيكره أن يفرق بينهما رفقًا بهما فيسأل عنها لذلك، فلما جاء عمار بن ياسر وعرف ذلك من لطف أخلاق رسول الله ﷺ "اختلجها" أي استلبها بسرعة وأخذها من حجرها؛ لعلمه بما يريده رسول الله من ذلك، ولذلك قال عمار: "هذه تمنع رسول الله ﷺ ".

стр. 2073

وإنما فعل عمار ذلك؛ لأنه كان أخا أم سلمة من الرضاعة، وقد صرح به في "مسند أحمد" (١) قال: "فعلم بذلك عمار وكان أخاها من الرضاعة فأتاها فقال: أين هذه المشقوحة المقبوحة التي قد آذيت بها رسول الله ﷺ ؟ فأخذها وذهب بها". وجاء في رواية أخرى (٢) قال: "فبلغ ذلك عمار بن ياسر، فأتاها فقال: حلت بين رسول الله ﷺ وبين حاجته، هلمي الصبية. فأخذها واسترضع لها". و"الثفال" الجلد الذي يبسط تحت رحا اليد لنقي الدقيق من التراب، وهذا يدل على أنها لما أخرجت الشعير من الجرّ طحنته ثم عصدته أو صعدته، والصعد في الأصل: اللَّيُّ، تقول: عصده عصدًا إذا لواه، ومنه سميت العصيدة لأنك تعصدها بالمِسواط، أي تلويها فتنقلب ولا يبقى في الإناء منها شيء إلا انقلب. وأما قوله: "أو صعدته" فإنه هكذا جاء في المسند بالشك، ولم أجده مشروحًا في موضع، فإن صحت الرواية فمعناه والله أعلم: أن ما يكون من المقلوب مثل: جذب وجبذ بمعنى واحد. وإما أن يكون من قولهم: [خل] (٣) مصعد، وشراب مصعد إذا عولج بالنار، والتصعيد الإذابة، حكى ذلك الأزهري. قال الخطابي: وقوله: "إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي" ليس فيه دليل على سقوط حقها الواجب لها وهو الثلاث إذا لم يسبع، ولو كان ذلك حقها الواجب لها إذا لم يسبع بمعنى التبدئة ثم يحتسب عليها لم يكن للتخيير معْنى؛ لأن الإنسان لا يُخَيَّر بين جميع الحق وبين بعضه، فدل على

стр. 2074

أنه بمعنى التخصيص والله أعلم. قال: ويشبه أن يكون هذا من الأمر بالمعروف الذي أمر الله به في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) وذلك لأن البكر لما فيها من الحنوِّ والحياء تحتاج إلى فضل إمهال وصبر، وحسن عشرة ورفق؛ ليتوصل الزوج إلى الإرب منها. والثيب قد جربت الأزواج وخبرت الرجال وارتاضت بصحبتهم؛ فالحاجة إلى ذلك في أمرها أقل، إلا أنها تخص بثلاث؛ تكرمة لها وتأنيسًا للألف فيما بينه وبينها، والله أعلم. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الرجل إذا كان تحته امرأتان مثلاً ثم تزوج أخرى، فإنه يقطع الدور الذي كان للاثنتين الأولتين ويقيم عند الأخرى إن كانت بكرًا سبعًا، وإن كانت ثيِّبًا ثلاثًا, ولا يقضي للاثنتين الأولتين ما فاتهما، وإن شاءت المستجدة إذا كانت ثيِّبًا أن يقيم عندها سبعًا ويقضي للاثنتين فعل، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي والنخعي، وقال أبو حنيفة: يقضي لها بكل حال. قال الشافعي ﵁ في حكاية قول من خالفه في هذه المسألة: أليس قال رسول الله ﷺ : "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت"؟ قلت: نعم. قال: فلم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطي غيرها مثله. قال: فقلت له: إنها كانت ثيِّبًا فلم يكن لها إلا ثلاث، فقال لها: إن أردت حق البكر وهو أعلى حقوق النساء وأشرفه عندهن (فعفوت) (٢) حقك إذ لم

стр. 2075

تكوني بكرًا، فيكون لك سبع فعلت، وإن لم تريدي عفوه وأردت حقك فهو ثلاث. قال: فهل له وجه غيره؟ قلت: لا، إنما يخير من له حق يشركه فيه غيره، في أن يترك من حقه. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن حميد، عن أنس أنه قال: "للبكر سبع وللثيب ثلاث". وقد رواه المزني، عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن حميد، عن أنس أنه قال: "للبكر سبع وللثيب ثلاث، فَتِلْكُم السنة". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي. فأما مالك فأخرجه في "الموطأ" (١) إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن مسدد، عن بشر -وابن المفضل- عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس -ولو شئت أن أقول: قال النبي ﷺ لقلت ولكن- قال: "السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا". وله في أخرى (٣) عن يوسف بن راشد، عن أبي أسامة، عن سفيان، عن أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السنة .... " وذكر الحديث. قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ . وأما مسلم فأخرجه (٤) عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة ... وذكر نحو البخاري، وقال فيها: قال خالد: لو قلت: إنه رفعه ... فيه أن القائل خالد، وهو خالد الحذاء.

стр. 2076

وأما أبو داود فأخرجه (١) عن عثمان بن أبي شيبة، عن هشيم وإسماعيل، عن خالد. وأما الترمذي فأخرجه (٢)، عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن بشر بن المفضل، عن خالد ... وذكر نحو البخاري. وإنما ذكر الشافعي هذا الحديث؛ تأكيدًا وتحقيقًا لما ذهب إليه مما شرحناه في حديث أم سلمة. وقوله: "للبكر سبع وللثيب ثلاث" بلام التمليك، وأنه فصل بين البكر والثيب بالعدد يدل على ثبوت ما قاله الشافعي، ولو كان ذلك على جهة القضاء كما ذهب إليه من ذهب لم يكن ذلك لها, ولا للفصل بينهما معنى في ذلك، ولما اختارت أم سلمة حقها حيث قالت: "ثلاث"، ولكان قول النبي ﷺ في التثليث كقوله في التسبيع، فلما قال في التسبيع: "سبعت عندهن" وقال في التثليث: "ثم درت" فاختارت التثليث حق لها؛ إلا على وجه القضاء والله أعلم. أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان". وأخرجه بالإسناد: "أن رسول الله ﷺ قبض عن تسع نسوة، وكان يقسم بينهن لثمان". أخرج الأولى في كتاب "الخلع" والثانية في كتاب "أحكام القرآن" وهو طرف من حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. أما البخاري فأخرجه (٣) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن

стр. 2077

ابن جريج، عن عطاء قال: "حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف، فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا؛ فإنه كان عند رسول الله ﷺ تسع فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة". وأما مسلم فأخرجه (١) عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج ... وذكر مثل البخاري. قال عطاء: "التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب". قال مسلم (١): وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج. وفي أخرى (٢) عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبي مريم، عن سفيان [عن عمرو ابن دنيار] (٣) عن عطاء، عن ابن عباس قال: "توفي رسول الله ﷺ وعنده تسع نسوة يصيبهن إلا سودة إنما وهبت يومها وليلتها لعائشة". في هذا الحديث جواز ترك النساء حقها، وأن تؤثر به غيرها، فإن النبي ﷺ لم يكن جائرًا في قسمته، ولا حائفًا في عدله، وبيان ذلك في رواية النسائي أنها وهبت يومها وليلتها لعائشة، وذلك أن النبي ﷺ أراد طلاقها، فقالت له: لا تطلقني وأنا أجعل نصيبي لعائشة، أريد أن أحشر في جملة أزواجك، فكان يقسم لثمان. وأما ما جاء في رواية مسلم من قول عطاء: إنها صفية. فليس بمحفوظ، وإنما المحفوظ أنها سودة، والله أعلم.

стр. 2078

قال الشافعي: فيجوز للرجل حبس المرأة على ترك بعض القسم لها أو كله ما طابت به نفسًا، فإذا رجعت فيه لم يحل له إلا العدل أو فراقها. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن هشام، عن أبيه: "أن سودة وهبت يومها لعائشة". أخرج الأولى في كتاب "الخلع والنشوز" وأخرج الثانية في كتاب "أحكام القرآن"، وأخرج في "الإملاء" الرواية الأولى وزاد فيها: "فخرج سهمها في غزوة بني المصطلق، فخرج بها". وهو حديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. فأما البخاري فأخرجه (١) عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ... وذكر الحديث، وزاد في آخره: "وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها [وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها] (٢) وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول ﷺ ". وأما النسائي فأخرجه (٣) القرعة معروفة، تقول: تقارع القوم، واقترعوا بمعنىً واقترعت، والاسم القرعة.

стр. 2079

والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الرجل إذا كان له زوجات فأراد أن يسافر وحده دونهن أو أراد إخراجهن كلهن معه كان ذلك له، فأما إن أراد أن يخرج بعضهن معه فليس له ذلك إلا بالقرعة، فأيتهن خرج سهمها سافر بها إن اختار ذلك, لأن القرعة لا توجب عليه السفر بإحداهن، وإنما توجب تقدمها على غيرها وأن لا يتركها ويسافر بغيرها، والتي يسافر بها [لا] (١) تحسب عليها مدة السفر للباقيات من النساء، ولا يقضي لهن ما فاتهن في أيام السفر، وقال داود: عليه القضاء لهن. قال الشافعي: ولو كان المسافر يقسم لمن خلف عدة ما غاب لم يكن للقرعة معنى، إنما معناها أن تصير لمن خرج [سهمها] (٢) هذه الأيام خالصة دون غيرها؛ لأنه موضع ضرورة، والله أعلم.

стр. 2080

كتاب الصداق وفيه فصلان فيما يصح أن يكون صداقًا ومقداره أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله, إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة. قال: فقال رسول الله ﷺ : هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال النبي ﷺ : إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا. قال: لا أجد شيئًا. قال: فالتمس ولو خاتمًا من حديد. فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له رسول الله ﷺ : هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا -لسور سماها- فقال رسول الله ﷺ : زوجتكها بما معك من القرآن". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك ... بالإسناد: "أن رجلاً خطب إلى النبي ﷺ امرأة قائمة، فقال له النبي ﷺ في صداقها، فقال: التمس ولو خاتم من حديد". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك ... بالإسناد: "أن رسول الله ﷺ زوج امرأة بسورة من القرآن". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك فأخرجه (١) في "الموطأ" بالإسناد والرواية الأولى. وأما البخاري فأخرجه (٢) عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن. وعن قتيبة (٣) والقعنبي (٤)، عن عبد العزيز بن أبي حازم.

стр. 2081

وعن علي بن عبد الله، عن سفيان (١). وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد (٢)، كلهم عن أبي حازم ... وذكر نحوه بطوله. وأخرج (٣) الرواية المختصرة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم فأخرجه (٤) عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن أبي حازم. وعن خلف، عن حماد بن زيد. وعن زهير، عن ابن عيينة (٤). وعن إسحاق بن إبراهيم، عن الدراوردي (٤). وعن أبي بكر، عن الحسين بن علي، عن زائدة (٤). كلهم عن أبي حازم، يزيد بعضهم على بعض. وأما أبو داود فأخرجه (٥) عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي فأخرجه (٦) عن الحسن بن علي الخلال، عن إسحاق بن عيسى وعبد الله بن نافع، عن مالك. وأما النسائي فأخرجه (٧) عن هارون بن عبد الله، عن معن، عن مالك. وعن قتيبة، عن يعقوب، عن أبي حازم (٨).

стр. 2082

ذكر الشافعي الرواية الأولى في كتاب "الصداق" والثانية في كتاب "اختلافه مع مالك" والثالثة في كتاب "المناسك". قوله: "تصدقها إياه" أي تجعله لها صداقًا، تقول: أصدقت المرأة. إذا سميت لها صداقًا، والصداق -بفتح الصاد وكسرها- مهر المرأة وكذلك الصَدُقة -بفتح الصاد وضم الدال- وقد ضموا الصاد وسكنوا الدال. وقد جاء في الرواية الأولى: "ولو خاتمًا من حديد" بالنصب على أنه مفعول قوله: "التمس" وجاء في الرواية الثانية بالرفع، وهو بعيد، فإن صحت الرواية فيكون معطوفًا على "التمس" كأنه قال: فالتمس أي اطلب شيئًا ما، ثم استأنف فقال: "ولو خاتم من حديد"، أي ولو أن الملتَمَس خاتم من حديد، و"لو" ها هنا وما يجري هذا المجرى معناها التمني، لا التي يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، فالتمني كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (١) و ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والأخرى كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) و"لو" في هذا الحديث وأشباهه تفيد معنى التمني الذي هو [في] (٤) الأصل يعني التقليل والمبالغة فيه أي ولو أن شيئًا كان والباقي قوله: "بما معك من القرآن" بالتعريض كقولك: بعتك هذا الثوب بدينار، والمراد: زوجتكها بتعليمك إياها ما معك من القرآن، وقد تأوَّله بعضهم فقال: إنما زوجه إياها بحفظه تلك السور من القرآن تفضيلاً له، ولو كان كذلك لكانت المرأة موهوبة له بلا مهر، وهذا خاصة للنبي ﷺ ليست لغيره، ولولا أنه أراد معنى المهر لم يكن لسؤاله إياه: "هل معك من القرآن شيء" معنى؛ لأن التزويج ممن لا يحسن القرآن جائز جوازه

стр. 2083

ممن يحسنه، وليس في الحديث ما يدل على أنه جعل مهرها دَينًا عليه إلى أجل، فكان الظاهر أنه جعل تعليمه القرآن إياها مهرًا لها، كيف وقد صرح زائدة في روايته عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: "انطلق فقد زوجتكها بما تعلمها من القرآن". وفيه من الفقه أن المنافع يجوز أن تكون صداقًا كأعيان الأموال، وتدخل فيه الإجارات وما كان في معناها من خياطة ثوب، ونقل متاع، ونحو ذلك، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يكون هذا. وفيه دليل على [جواز أخذ] (١) الأجرة على تعليم القرآن. وفيه دليل على أنه لا حَدَّ لأقل المهر. وفيه أنه لم يسألها هل أنت في عدة من تزوج أو على شبهة ونحو ذلك أم لا، وهذا شيء يفعله الحكام احتياطًا، فلو تركه تارك وجعل الأمر على ظاهر الحال وصدقها على قولها كان ذلك جائزًا ما لم يعلم خلافه. والذي ذهب إليه الشافعي أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد عنده، وبه قال ابن المسيب وعطاء والزهري وربيعة وأحمد، ولا ينعقد إلا بلفظ التزويج والإنكاح. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد به وبلفظ البيع والتمليك والصدقة، وفي لفظ الإجارة عنه روايتان. وقال مالك: ينعقد بذلك إذا ذكر المهر. وأما للنبيّ ﷺ ففي انعقاده بلفظ الهبة وجهان، ومع الانعقاد فإنه كان خالصًا له بقوله : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).

стр. 2084

وأما تسمية الصداق وذكره في العقد فليس بشرط ولا واجب ولكنه مستحب، فإذا ترك ذكره انعقد النكاح، وإذا عقد النكاح بمجهول أو حرام ثبت العقد ولها مهر مثلها، وبه قال عامة الفقهاء إلا ما يحكي عن مالك -في إحدى الروايتين- وعن أحمد: أن النكاح يفسد، ولا تحديد للمهر فيجوز أن يكون قليلاً وكثيرًا، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال أبو حنيفة ومالك: أقله مقدر بما قطع به السارق، فأبو حنيفة يقدره بعشرة دراهم، ومالك بربع دينار. وقال النخعي: أقله أربعون درهمًا. وقال ابن جبير: خمسون درهمًا. وقال ابن شبرمة: أقله خمسة دراهم. ومع ذلك فالمستحب تخفيف الصداق. وأما النكاح بتعليم القرآن فيجوز، وبه قال مالك إلا أنه قال: يكره. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وعن أحمد روايتان، فإن طلقها قبل الدخول ففيه قولان: أحدهما أن لها مثل نصف مهر المثل، والثاني: أن لها نصف أجرة التعليم، والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة أسهم الناس المنازل، فطار سهم عبد الرحمن بن عوف على سعد بن الربيع، فقال له سعد: تعال حتى أقاسمك مالي، وأنزل لك عن أي امرأتي شئت -وفي نسخة: وأترك لك أي امرأتي شئت- وأكفيك العمل. فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فخرج إليه، فأصاب شيئًا، فخطب امرأة فتزوجها، فقال له رسول الله ﷺ : على كم تزوجتها يا عبد الرحمن؟ فقال: على ثقل نواة من ذهب. قال: أولم ولو بشاة".

стр. 2085

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك: "أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي ﷺ وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله ﷺ فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : كم سقت إليها؟ قال: زنة نواة من ذهب. فقال له رسول الله ﷺ : أولم ولو بشاة". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن حميد، عن أنس: "أن عبد الرحمن تزوج امرأة على نواة من ذهب". أخرج الروايتين الأولتين في كتاب "الصداق" وأخرج الثالثة في كتاب "أحكام القرآن" وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك فأخرج (١) الرواية الثانية بالإسناد. وأما البخاري فأخرج (٢) نحو الأولى عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن حميد. وأخرج (٣) الثانية عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم فأخرج (٤) عن يحيى بن يحيى وسليمان بن داود العتكي وقتيبة، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس. وعن محمد بن عبيد الله العنبري، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة وحميد. ولهما روايات أخرى.

стр. 2086

وأما أبو داود فأخرج (١) الرواية الثانية عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن ثابت. وأما الترمذي فأخرج (٢) الثانية عن قتيبة، عن حماد، عن ثابت. وأخرج الأولى (٣) عن ابن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد. وأما النسائي فأخرج (٤) الثانية عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. قوله: "أسهم الناس المنازل" أي أقرع بينهم، تقول ساهمت فلانًا أي قارعته، وسهمته أَسْهَمُه -بالفتح- إذا قرعته، وتساهم القوم: تقارعوا، واستهموا: اقترعوا، فكان معنى "أسهم الناس" أي حملهم على المساهمة وجعل لهم في المنازل سهمًا، وذلك أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وهاجر المسلمون إليه لم يكن لهم بها منازل يسكنونها ويأوون إليها، فاستهم الأنصار فيما بينهم أن يسكنوهم في منازلهم معهم، فاقترعوا على المهاجرين، فوقع كل واحد من المهاجرين عند أنصاري، فكان عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين في سهم سعد بن الربيع الأنصاري، فيكون "الناس" على هذا التقدير منصوبًا؛ لأنه مفعول به، و"المنازل" منصوبة على الظرف، ويجوز أن يكون "الناس" مرفوعًا؛ لأنه فاعل أسهم، ويريد بهم الأنصار لأنهم أسهموا المهاجرين في منازلهم، والمفعول محذوف لدلالة الحال عليه، والوجه: الأول.

стр. 2087

ومعنى قوله: "فطار سهم عبد الرحمن" أي خرج؛ تقول: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان كيت وكيت، أي خرج وجرى فيها سهمه، قال الأزهري: العرب تقول: أطرت المال، وطيرته بين القوم، فطار لكل منهم سهم. أي صار له وخرج بسهمه. وقوله: "أنزل لك عن أي امرأتيَّ شئت" أي أطلقها لأجلك فتنكحها، فكني عن الطلاق بالنزول؛ لأنه بعقد نكاحها مسْتعل عليها متمكن منها، فإذا طلقها فقد نزل عنها بزوال سبب الاستعلاء. وقوله: "دلوني على السوق" يريد ليخرج إليها ويكسب فيها ويبيع ويشتري. وقوله: "فأصاب شيئًا" أي ربح وجعل له كسب. و"النواة" قد اختلف فيها، فقيل: هو اسم لما وزنه خمسة دراهم، كما سموا الأربعين: أوقية، والعشرين: نشَّا. وقيل: أراد على وزن نواة من ذهب، كأنه حاذى النواة بذهب، وهذا مختلف المقدار لاختلاف وزن النوى بعضها عن بعض في الثقل والخفة. وقيل: أراد به زُوِّجها على ذهب قيمته خمسة دراهم، وأن ذلك الذهب كان مقدار نواة. والأول الوجه، تقول: وزنت الشيء أزنه وزنًا وزنة بمعنى. وقوله: "به أثر صفرة" يريد خلوق العرس. وقوله: "أولم" من الوليمة يقال أولم الرجل على زوجته إذا صنع للعرس طعامًا. وقوله: "ولو بشاة" يدل على التقليل بدخول "لو" والله أعلم.

стр. 2088

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة: كم كان صداق النبي ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتا عشرة أوقية ونش، قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. أما مسلم فأخرجه (١) عن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر. وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن عبد الله بن محمد النفيلي. وأما النسائي (٣) فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، كلهم عن عبد العزيز بن محمد، وزاد النسائي: "وذلك خمس مائة درهم". "الأوقية" بضم الهمزة وتشديد الياء جزء من الرطل يُقَدّر من الاصطلاح العرفي، والذي جاء في الحديث على اختلاف أماكنه فإنما يراد بها أربعون درهمًا، وكذلك كان الاصطلاح عندهم، والذي يرد في كتب الطب في اصطلاح أرباب المقادير والموازين في البلاد فإنما يريدون بالأوقية جزءًا من اثنى عشر جزءًا من الرطل على اختلاف الأرطال في البلاد، فتكون الأوقية من الرطل العراقي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم؛ لأن الرطل العراقي تسعون دينارًا، والتسعون مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وتجمع الأوقية على الأواقيّ بالتشديد مثل أثفية وأثافي، وقد تخفف الياء في الجمع ويقال في لغة ليست بالعالية: وَقِيَّة بوزن عَطِيَّة، وقد جمع في هذا الحديث بين اللغتين.

стр. 2089

و"النَّش" -بفتح النون-: عشرون درهما، وهو نصف أوقية. قال الأزهري: قال ابن الأعرابي: النَّشُّ: النصف من كل شيء، نَش الدرهم نصفه، ونَش الرغيف نصفه، وقد جاء في رواية الشافعي في أكثر النسخ اثنى عشر أوقية ونش بالرفع وتذكير الأوقية وإنما الرواية بالنصب والتأنيث، أما النصب فلأنه خبر كان، واسمها "صداق أزواجه"، وأما التأنيث فلأن الأوقية مؤنثة، ولا شك أنه تغيير وتحريف من النساخ، وهذا وأمثاله كثير مما يجيء في كتب الحديث؛ لكثرة من يقرؤها ويكتبها من غير أهلها، وقد ذكرنا في حديث سهل بن سعد اختلاف الأئمة في مقادير الصَّدُقَات، وما يصح أن يكون صداقًا، ما فيه كفاية، ونحن نشير ها هنا إلى طرف من ذلك يزيده بيانًا، فنقول: لا حد لكثرة الصداق، وقد جعل الله في الصداق قنطارًا في قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) والقنطار: سبعون ألف دينار، وقيل: مائة رطل -وهو الأشبه- وقيل: ملء جلد ثور ذهبًا. وروي أن عمر بن الخطاب قال: "لا تغالوا في صدقات النساء، فلا يبلغني أحدًا ساق أكثر مما ساقه رسول الله ﷺ إلا جعلت الفضل في بيت المال، فاعترضته امرأة وقالت: كتاب الله أحق أن يتبع، أيعطنا الله ويمنعنا ابن الخطاب؟ فقال: أين؟ فقالت: قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) فقال: كل الناس أفقه من عمر، فرجع عن ذلك" (٢) وروي عنه أنه أمهر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب أربعين ألف درهم، ومع ذلك فإن المستحب تخفيف الصداق، والأفضل منه الاقتداء بما أمهر به رسول الله ﷺ نساؤه، وهو ما تضمنه هذا الحديث وهو خمس مائة درهم فضة.

стр. 2090

الْفصْلُ الثَّانِي فِي أحْكَامِ الصَّدَاق أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها الصداق ولم يدخل بها، فحسبها نصف المهر". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: "لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها الصداق ولم تمس، فحسبها ما فرض لها". أخرج الرواية الأولى في كتاب "اليمين مع الشاهد" وأخرج الثانية في كتاب "الطلاق" وهذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (١) إلا أنه قال: "فحسبها نصف ما فرض لها" وهو الصواب إن شاء الله ويعضده ما جاء في الرواية الأولى. والذي جاء في نسخ المسند التي قرأتها فرأيتها على اختلافها: "فحسبها ما فرض لها" والظاهر أنه سهو من النسّاخ، ويمكن أن يخرج له وجه وذلك أنه يريد بما فرض لها نصف الصداق؛ لأن فرض التي لم تمس هو نصف المهر لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٢) فلما كان قد علم أن فرض غير المدخول بها نصف المهر أطلق القول وقال: حسبها ما فرض لها, ولم يرد به جميع الصداق الذي فرض لها عند عقد النكاح. "المتعة" المنفعة، وقد تقدم ذكرها في كتاب النكاح و"فرض الصداق" تسمية وتعيينه.

стр. 2091

و"حسبها" بمعنى كافيها وقانعها، وكذلك المتوفى عنها زوجها لا متعة لها إجماعًا. وأما المطلقة فإن كانت قبل الدخول ولم يفرض لها فلها المتعة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك وابن أبي ليلى والليث بن سعد: المتعة مستحبة وليست واجبة، وإن كان قد فرض لها مهرًا عند العقد فلها نصف المهر ولا متعة لها، وإن كان بعد العقد وقبل الطلاق فلها نصف المهر، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يسقط وتجب المتعة؛ لأنه فرضه بعد العقد، فأما إن كانت مدخولاً بها ففي المتعة قولان سواء كان فرض لها أولم يفرض، قال في القديم: لا متعة لها. وبه قال أبو حنيفة وإحدى روايتي أحمد. وقال في الجديد: لها المتعة. وهي الرواية الثانية عن أحمد، وروي ذلك عن علي والحسن بن علي. وقد اختلفوا في مقدارها، فقالوا: الواجب ما يقع عليه الاسم قليلاً كان أو كثيرًا، وقال قوم: الواجب مفوض إلى الحاكم على قدر مال الزوج أو حال المرأة. وقال أبو حنيفة: المتعة ثلاثة أثواب؛ درع وخمار وملحفة إلا أن يكون نصف مهر مثلها أقل من ذلك فينقصها ما لم ينقص عن خمسة دراهم، وإنما تجب المتعة إذا كان الفراق من جهة الزوج لا من جهتها مثل أن يطلق، أو يخالع، أو يملَّك، أو يرتد وهي مسلمة، أو يسلم وهي كافرة، فلها المتعة. وإن كان من قبلها فلا متعة ولا مهر، كما إذا ارتدت وهو مسلم، أو أسلمت وهو كافر، أو أعتقت وهو عبد. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع: "أن ابنة عبيد الله بن عمر -

стр. 2092

وأمها بنت زيد بن الخطاب- كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يدخل بها ولم يسم لها صداقًا، فابتغت أمها صداقها فقال ابن عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمنعكموه ولم نظلمها. فأبت أن تقبل ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها, ولها الميراث". هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (١) وهو حديث حسن. و"الابتغاء" الطلب. وقوله: "فجعلوا بينهم زيد بن ثابت" أي جعلوه حكمًا يرضون بقوله. و"تسمية الصداق" تعيينه. و"الدخول بها" يريد به الوطء. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المفوضة وهي التي لم يفرض لها إذا ماتت أو مات الزوج هل يثبت لها مهر؟ فيه قولان: أحدهما: لها مهر مثلها. وإليه ذهب ابن مسعود، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق. إلا أن أبا حنيفة يقول: يجب لها المهر بالعقد. والقول الثاني: لا يجب لها المهر. وإليه ذهب علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، والزهري، وربيعة، ومالك. قال الشافعي: وقد روي عن النبي ﷺ -بأبي هو وأمي-: "أنه قضى في بروع بنت واشق ونكحت بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها وقضى لها بالميراث". فإن كان يثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا, ولا حجة في قول أحد دون النبي ﷺ وإن كثروا, ولا في قياس، ولا في شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له.

стр. 2093

وإن كان لا يثبت عن النبي ﷺ لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت, ولم أحفظه بعد من وجه يثبت مثله، مرة يقال: عن معقل بن يسار، ومرة عن معقل ابن سنان، ومرة عن بعض أشجع ولا يسمي، فإذا مات أو ماتت فلا مهر لها. قلت: حديث بروع قد جاء في سنن أبي داود (١) والنسائي (٢) وكتاب الترمذي (٣) إلا أن أبا داود والترمذي سميا معقل بن سنان، والنسائي لم يسمه وقال: "رجل من أشجع". وقال البيهقي: رواه جماعة عن سفيان فقال بعضهم: معقل بن يسار وهو وهم ورواه الجماعة عن مسروق وعلقمة، فقالوا فيه: "ناس من أشجع" و"رهط من أشجع". وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن عبد خير، عن علي -كرم الله وجه-: "في الرجل يتزوج المرأة ثم يموت ولم يدخل بها, ولم يفرض لها صداقًا؛ أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا صداق لها". هكذا أخرجه في كتاب اختلاف " [علي] (٤) وابن مسعود" بغير شك عن علي. وقد رواه في موضع آخر عن سفيان، عن عطاء قال: "سألت عبد خير عن رجل فوض إليه، فمات ولم يفرض، فقال: ليس لها إلا الميراث، ولا نشك أنه قول علي". قال سفيان: قوله: "ولا نشك أنه قول علي" لا أدري من قول عطاء أو عبد خير. قال الشافعي: وبهذا نقول؛ إلا أن يثبت حديث بروع، قال: ورويناه عن

стр. 2094

ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وهم يخالفونه. وأخرج الشافعي، عن عبد المجيد، عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: "سمعت ابن عباس يُسأل عن المرأة يموت عنها زوجها وقد فرض لها صداقًا. قال: لها الصداق والميراث". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس: "أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلوا بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١). هكذا أخرجه في كتاب "العدد" وأخرجه في كتاب "اليمين مع الشاهد" بهذا الإسناد عن طاوس، عن ابن عباس: "ليس لها إلا نصف المهر، ولا عدة عليها" يعني إن قال الله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١) وقول الله : ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). قوله في الرواية الثانية: "ليس لها إلا نصف المهر" فذكر ضمير من لم يجر في الحديث له ذكر، وإنما جاز ذلك لأنه جواب كلام سابق، كأنه سئل عن [امرأة] (٣) طلقت قبل المسيس، فقال: ليس لها إلا نصف المهر. وقد جاء ذلك مفسرًا في كتاب "العدة" من لفظ الشافعي، وهو في موضعه. و"المهر" الصداق، تقول مهرت المرأة وأمهرتها، ويسمي الصداق أيضًا: الفريضة، والأجر، والنِّحلة.

стр. 2095

و"المس" ها هنا الجماع، و"العدة" الزمان الذي تعد أيامه المرأة التي فارقت زوجها لتحل للأزواج غيره ويكون بالأقراء، والحمل، والشهور، وستجيء مشروحة في كتاب "العدة". و"الخلوة" بالمرأة معروفة. والذي ذهب إليه الشافعي: العمل بهذا الحديث، وتفصيل المذهب: أن الرجل إذا طلق المرأة بعد الدخول فلها جميع المهر، وإن لم يكن دخل بها من غير خلوة فلها نصف الصداق، وإن كان خلا بها ففيه قولان: قال في القديم: إنه يجب المهر كاملاً بالخلوة. وبه قال عمر، وعلي، والزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد. وقال زرارة بن أوفى: قضى الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون: أن من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد وجب المهر. وقال في الجديد: لها نصف المهر وإن خلا بها. وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال شريح، والشعبي، وطاوس، وابن سيرين، ومالك، وأبو ثور، إلا أن مالكًا قال: إذا خلا بها وادَّعت الدخول؛ كان القول قولها. وقد حكي مثله في القديم عن الشافعي أن دعواها عليه بالدخول بها مرجح على دعواه. وقد أخرج الشافعي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: "أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة يتزوجها الرجل أنها إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق". وقد أخرج الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، أن زيد بن ثابت قال: "إذا دخل بامرأته فأرخيت عليهما الستور؛ فقد وجب الصداق". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن أبي فديك وسعيد بن سالم، عن عبد الله بن

стр. 2096

جعفر بن المسور، عن واصل بن أبي سعيد، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: "أنه تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى طلقها، فأرسل إليها بالصداق تامًّا، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أولى بالفضل". قوله: "ولم يدخل بها حتى طلقها" يجوز أن تكون "حتى" بمعنى: "إلى أن" وأن تكون العاطفة، والعاطفة أحسن؛ لأنه يكون التقدير: ولم يدخل بها وطلقها، وإذا جعلتها بمعنى "إلى أن" كان التقدير: ولم يدخل بها إلى أن طلقها فمفهوم اللفظ يعطي معنى أنه دخل بها بعد الطلاق أو عند عزمه على الطلاق، وإن كان الظاهر بخلافه ولكنه يوهم ذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: ما أكلت شيئًا حتى حضر زيد. يفهم من قولك هذا أكلك بعد حضوره؟ وإن كان هذا المفهوم منتفيًا في الدخول بعد الطلاق من جهة الحكم الشرعي، وهذا المعنى مع تقديرها عاطفة منتف. وقوله: "أنا أولى بالفضل" هو من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) أي أنا أولى منها بالكرم والسخاء في أن أعطيها ما لا تستحقه علي لأن غير المدخول بها إذا طلقت لها نصف المهر، وقد أعطاها المهر تامًّا؛ فكان أولى بالفضل. قال الشافعي: أُخبرنا: "أن جبير بن مطعم دخل على سعد يعوده، فَبُشِّر سعد بجارية، فعرضها على جبير فقبلها، فزوجه إياها، فطلقها، وأرسل إليه صداقها تامًّا، فقيل له: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: عرض عليَّ ابنته فكرهت أن أردها، وكانت صبية فطلقتها. قيل: فإنما عليك نصف المهر. قال: فأين قول الله ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (١)؟ فأنا أحق بالفضل". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج".

стр. 2097

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي مليكة، عن سعيد بن جبير أنه قال: "الذي بيده عقدة النكاح الزوج". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد، عن ابن جريج أنه بلغه عن ابن المسيب أنه قال: "هو الزوج". هذه الآثار هكذا جاءت في المسند وقد رفع في "الإملاء" حديث ابن سيرين إلى شريح ولم يرفعه في كتاب "الصداق" وهو عن شريح مشهور. قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١) فجعل الله للمرأة فيما أوجب لها من نصف المهر أن تعفو، أي تهب بعض ما تستحقه، وجعل للذي بيده عقدة النكاح أن يعفو عن ذلك، أي يتمم لها الصداق، وبَيِّنٌ عندي أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج؛ وذلك أنه إنما يعفو من له يعفوه، فالعفو في الآية له معنيان, لأنه قد جاء في حق النساء وحق الرجال؛ فأما حق النساء فهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١) هو بمعنى: إلا أن يتركن، تقول عفوت لفلان عما لي عليه إذا تركته، ويعفون فعل جماعة النساء، وهو في اللفظ مثل فعل جماعة الرجال، ولكن بتقديرين مختلفين. وأما حق الرجال فهو من الزيادة والإفضال، تقول: عفوت لفلان عما لي إذا أفضلت له وأعطيته، والمعنى دائر في الأمرين على معنى الإفضال؛ لأن كل واحد من الزوجين عافٍ أي مفضل، أما إفضال المرأة فبأن تترك للزوج ما وجب لها عليه أو بعضه، وأما إفضال الزوج فبأن يتمم لها المهر، أو يزيدها على النصف الذي وجب لها عليه.

стр. 2098

والذي ذهب إليه الشافعي: أن الذي بيده عقدة النكاح هو ولي الصغيرة كالأب والجد، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن البصري والزهري وطاوس وربيعة ومالك وأحمد؛ لأن الزوج بعد الطلاق لا تبقى بيده عقدة النكاح، والعفو إنما هو بعد وقوع الطلاق. وقال في الجديد: إنه الزوج، وهو قول عليّ وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد والشعبي والثوري وأبي حنيفة وإسحاق؛ لأن الولي ليس بيده عقدة نكاح، وبعد العقد لا يبقى له حكم في النكاح، وإنما يسمى الزوج: "الذي بيده عقدة النكاح" استصحابًا للحال قبل الطلاق، ولأن الحكم مسوق لبيان حكم الزوجين في الصداق المفروض إذا وقع الطلاق قبل الدخول، فلا فرق بين أن يقول: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح. وبين أن يقول: أو يعفو الزوج، ولا شبهة أنه بعد الطلاق ليس بزوج وإنما سُمي زوجًا استصحابًا للحال. وأخرج الشافعي قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب بن أبي تميمة، عن محمد بن سيرين: "أن الأشعث بن قيس صحب رجلاً، فرأى امرأته فأعجبته، فتوفي في الطريق، فخطبها الأشعت بن قيس، فأبت أن تتزوجه إلا على حكمها، فتزوجها على حكمها ثم طلقها قبل أن تحكم، فقال: احكمي. فقالت: أحكم فلانًا وفلانًا -رقيقًا كانوا لأبيه من تلاده- فقال: احكمي غير هؤلاء. فأبت، فأتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، عجزت ثلاث مرات، فقال: ما هن؟ فقال: عشقت امرأة. قال: هذا ما لم تملك. قال: ثم تزوجتها على حكمها، ثم طلقتها قبل أن تحكم. فقال عمر: امرأة من المسلمين". قال الشافعي: يعني عمر: لها مهر امرأة من نسائها ما لا أعلم فيه اختلافًا، وهو يشبه أن يكون الذي أراد عمر. والله أعلم.

стр. 2099

كِتَابُ الخلْع وَالنشُوزِ وَفيهِ فَصْلان الْفَصْل الأولُ: فِي النشُوزِ أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب: "أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني واقسم لي ما بدا لك؛ فأنزل الله ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ (١) الآية". وأخبرنا الشافعي بهذا الإسناد قال: "كانت بنت محمد بن مسلمة عند رافع بن خديج، فكره منها شيئًا إما تكبرًا وإما غيره، فأراد أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني وأنا أحل لك؛ فنزل في ذلك ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (١) الآية". قال: فمضت بذلك السنة. أخرج الأولى في كتاب "الخلع" والثانية في كتاب "النكاح" من الإملاء. هذا حديث مرسل، ومراسيل ابن المسيب -فيما قيل- عند الشافعي مقبولة بخلاف ما ذهبنا إليه، قالوا: لأنه قال: تتبعت مراسيل ابن المسب فوجدتها كلها مسندة. فقد أخرج مالك هذا الحديث في "الموطأ" عن الزهري ولم يرفعه إلى ابن المسيب. و"النشوز" يكون من الرجل ومن المرأة، فهو من الرجل: البغض والإعراض والضرب والجفاء، ومن المرأة: البغض والاستعصاء عليه، تقول: نشزت المرأة تَنْشِز وتَنْشُز نشوزًا، وكذلك الرجل، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض.

стр. 2100

وقوله: "اقسم لي ما بدا لك" أي ما عنَّ لك، وأرادت: فلا ألزمك بقسم معين، وهو من قولهم: بدا له في هذا الأمر بداءً -ممدودًا- أي نشأ له فيه رأي. قال الشافعي: فيحل للرجل حبس المرأة على ترك بعض القسم لها أو كله ما طابت به نفسًا، فإذا رجعت فيه لم يحل له إلا العدل أو فراقها. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله. قال: فأتاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ذئر النساء على أزواجهن؛ فأذن في ضربهن. فأطاف بآل محمد نساء كثير كلهن يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : لقد أطاف بآل محمد سبعون امرأة كلهن تشكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك خياركم". هذا الحديث قد أخرجه أبو داود (١) عن ابن أبي خلف وأحمد بن عمرو بن السرح، عن سفيان ... بالإسناد، وقال: قال ابن السرح: عبيد اللٌّه بن عبد الله وذكر الحديث بنحوه. وإياس بن عبد الله قد اختلف في صحبته، وكلهم قد أثبته في معارف الصحابة. وقال البخاري: لا صحبة له. "الإماء" جمع أمة، وهي الجارية، والمراد بها ها هنا المرأة نفسها كانت حرة أو أمة؛ لأن النساء كلهن إماء الله كما أن الرجال كلهم [عباد الله] (٢). وقوله: "ذئر النساء" يقال: ذَئِرت المرأة -بفتح الذال المعجمة، وكسر الهمزة، وفتح الراء- على زوجها تَذْأَر: إذا نشزت ونفرت واجترأت عليه،

стр. 2101

فهي ذائر بغيرها، والرجل ذائر أيضًا، الذكر والأنثى فيه سواء، قال الأزهري: منه امرأة ذئر على مثال فعل. وقال: قال ابن الأعرابي: الذائر: العصيان والنفور والأنف. وقال: قال أبو عبيد: على فاعلت فهي مذائر إذا ساء خلقها وكذلك المرأة إذا نشزت. و"أطاف بالشيء" أحاط به والكاف في "خياركم" راجعة إلى الأزواج أي لا تجدون الأزواج الذين يضربون نساءهم خياركم أيها الأزواج. وفي هذا حث على احتمال سوء أخلاقهن ونفورهن، وأن لا يُضربن ولا يؤذين. قال الشافعي: [يشبه] (١) أن يكون النبي ﷺ نهى عنه على اختيار النهي، وأذن فيه بأن يكون مباحًا لهم الضرب في خوف النشوز، واختار لهم أن لا يضربوا بقوله: "ولا تجدون أولئك خياركم". قال: ويحتمل أن يكون النهي قبل نزول الآية بضربهن، ثم أذن بعد نزولها بضربهن. وفي قوله: "ولا تجدون أولئك خياركم" دلالة على أن ضربهن مباح لا واجب، ونختار له من ذلك ما اختار رسول الله ﷺ . وقال الشافعي: لا يبلغ بالضرب حدًّا, ولا ضربًا مبرحًا ولا مدميًا، ويتقي الوجه. وفي معناه: الأماكن المخوفة من الجسد، والموالاة على موضع واحد. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: "أنه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢) قال: جاء رجل وامرأة إلى علي ومع كل واحد منهما

стр. 2102

فئام من الناس، فأمرهما علي فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرِّقا أن تفرِّقا. قال: قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي. فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت، والله حتى تقر بمثل ما أقرت به". أخرج مالك هذا الحديث في "الموطأ" (١) مجملاً قال: إنه بلغه أن علي بن أبي طالب قال في الحكمين اللذين قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢) أن إليهما الفرقة بينهما والاجتماع". قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل والمرأة في الفرقة والاجتماع. "الشقاق" الخلاف والنزاع، والمراد به: ما يقع بين الرجل وزوجته من الخلاف والنزاع في الأمور الخاصة بهما، وقوله تعالى: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٢) أصله شقاقًا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع، والضمير في "بينهما" راجع إلى الزوج والزوجة، ولم يجر لهما في الآية ذكر حيث جرى ما يدل عليهما قبلها من ذكر الرجال والنساء. و"الحَكَم" الحاكم، وإنما جعل الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما من الأجانب, ولأن كل واحد من الزوجين يظهر إلى حكمه ما في نفسه من الحب والبغض ما لا يظهر إلى الأجانب. و"الفئام" بالهمز الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه. وقوله: "تدريان ما عليكما" بغير همزة استفهام جاز على الاتساع وكثرة

стр. 2103

الاستعمال، وقد جاء ذلك في العربية كثيرًا. و"عليكما" الثانية متعلقة بقوله: "إن رأيتما أن تجمعًا" كأنه قال: أتدريان ما عليكما. أي: ما الذي يجب عليكما, ما يؤدي إليه اجتهادكما من الجمع والفرقة، والجمع: هو الإصلاح بين الزوجين، والفرقة: هي الطلاق والخلع. وقوله: "كذبت والله" ليس تكذيبًا لقول الزوج "أما الفرقة فلا" لأن التكذيب إنما يتعلق بالأخبار. وقوله: "أما الفرقة فلا" ليس خبرًا محضًا إنما هو حكم من الزوج، كأنه قال: الجمع إليكما دون الفرقة، فهو أمر منه للحكمين بما فوض إليهما, ولكنه لما قال ذلك، قال له علي: "كذبت والله" أي: أخطأت الصواب، وقلت ما لا يجوز لك قوله، ومن عادة العرب بأن تضع الكذب موضع الخطأ، فتقول: كذب سمعي وبصري. أي أخطأ. قال الشافعي: الله أعلم بمعنى ما أراد من الآية؛ فأما ظاهرها فإن خوف الشقاق بين الزوجين: أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه منع الحق، ولا يطيب واحد منهما لصاحبه بإعطاء ما يرضى به، ولا ينقطع ما بينهما بفرقة ولا صلح ولا ترك الشقاق. وتفصيل المذهب: أن الشقاق وإن كان من الزوجة فهو نشوز، وقد ذكرنا حكمه، وإن كان من الزوج فإن الحاكم يضع من يمنعه عن الإضرار بها، فإن كان منهما وضع الحاكم أيضًا من يسعى في إزالة ما بينهما، فإن لم يحصل من ذلك غرض وادعى كل واحد منهما أنه مظلوم من صاحبه؛ بعث الحاكم حكمين من أهله وأهلها، وأمرهما أن يفعلان معهما ما هو الأصلح لهما، وهل هما حاكمان مستقلان أو وكيلان لهما؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما وكيلان. وقد نص عليه الشافعي في أكثر كتبه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وحكي عن عطاء والحسن.

стр. 2104

والثاني: أنهما حاكمان. نص عليه في كتاب "أحكام القرآن" وبه قال مالك والأوزاعي، واختاره ابن المنذر قال: إنهما وكيلان فلا يفعلان شيئًا حتى يأذن الرجل لأحدهما بما يراه من طلاق أو صلح، وحتى تأذن المرأة للآخر بما تراه من خلع أو صلح، وإن قلنا: إنهما حاكمان؛ فإنهما يمضيان ما يرياه من طلاق وخلع وصلح، وينفذ ذلك عليهما رضيا أو لم يرضيا, ولا يكون الحكمان إلا حُرَّين، بالغين، عاقلين، ذكرين، عدلين. قال الشافعي: حديث علي ﵁ ثابت عندنا، وهو إن شاء الله كما قلنا. وقال: ولو جاز للحاكم أن يبعث حكمين بفرقة بلا وكالة الزوج ما احتاج علي أن يقول لهما: ابعثوا. ولبعث هو ولقال للرجل: إن رأيا الفراق أمضيا ذلك عليه وإن لم يأذن به. قال: ويشبه أن يكون الحديث عن عثمان كالحديث عن علي -يريد بحديث عثمان الذي نذكره الآن- ثم قال: ولو قال قائل: يخيرهما السلطان على الحكمين كان مذهبًا. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن [ابن] (١) أبي مليكة، سمعته يقول: "تزوج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة وقالت: اصبر لي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها [تقول له: أين عتبة وشيبة؟ فيسكت عنها، فدخل يومًا برمًا] (٢) فقالت: أين عتبة بن ربيعة، وأين شيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان بن عفان، فذكرت له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن

стр. 2105

بينهما. وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. قال: فأتياهما فوجداهما قد شدا عليهما [أثوابهما] (١) وأصلحا أمرهما". قولها: "اصبر لي" أي اصبر على عشرتي واحتملني، كأنها قد كانت لكبرها تظن أنه يملّها ولا يصبر عليها ولذلك أرضته بالإنفاق عليه. وقولها: "أين عتبة أين شيبة" وهما أبوها وعمها، وهو تعريض منها برئاستهما في الجاهلية وتقديمهما وما قد آل إليه أمرها من كونها تتقرب بمالها إلى من يصبر عليها ويرضى بها. و"البرم": الضجور، تقول: بَرِمَ به -بالكسر- يبرم بَرَمًا -بالفتح- فهو بَرِم. وقوله: "بين شيخين" يريد عقيلا وزوجته فاطمة، والعجوز تسمى شيخة.
следующие страницы →