← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فهي ذائر بغيرها، والرجل ذائر أيضًا، الذكر والأنثى فيه سواء، قال الأزهري: منه امرأة ذئر على مثال فعل. وقال: قال ابن الأعرابي: الذائر: العصيان والنفور والأنف. وقال: قال أبو عبيد: على فاعلت فهي مذائر إذا ساء خلقها وكذلك المرأة إذا نشزت. و"أطاف بالشيء" أحاط به والكاف في "خياركم" راجعة إلى الأزواج أي لا تجدون الأزواج الذين يضربون نساءهم خياركم أيها الأزواج. وفي هذا حث على احتمال سوء أخلاقهن ونفورهن، وأن لا يُضربن ولا يؤذين. قال الشافعي: [يشبه] (١) أن يكون النبي ﷺ نهى عنه على اختيار النهي، وأذن فيه بأن يكون مباحًا لهم الضرب في خوف النشوز، واختار لهم أن لا يضربوا بقوله: "ولا تجدون أولئك خياركم". قال: ويحتمل أن يكون النهي قبل نزول الآية بضربهن، ثم أذن بعد نزولها بضربهن. وفي قوله: "ولا تجدون أولئك خياركم" دلالة على أن ضربهن مباح لا واجب، ونختار له من ذلك ما اختار رسول الله ﷺ . وقال الشافعي: لا يبلغ بالضرب حدًّا, ولا ضربًا مبرحًا ولا مدميًا، ويتقي الوجه. وفي معناه: الأماكن المخوفة من الجسد، والموالاة على موضع واحد. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: "أنه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢) قال: جاء رجل وامرأة إلى علي ومع كل واحد منهما

стр. 2102

فئام من الناس، فأمرهما علي فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرِّقا أن تفرِّقا. قال: قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي. فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت، والله حتى تقر بمثل ما أقرت به". أخرج مالك هذا الحديث في "الموطأ" (١) مجملاً قال: إنه بلغه أن علي بن أبي طالب قال في الحكمين اللذين قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢) أن إليهما الفرقة بينهما والاجتماع". قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل والمرأة في الفرقة والاجتماع. "الشقاق" الخلاف والنزاع، والمراد به: ما يقع بين الرجل وزوجته من الخلاف والنزاع في الأمور الخاصة بهما، وقوله تعالى: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٢) أصله شقاقًا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع، والضمير في "بينهما" راجع إلى الزوج والزوجة، ولم يجر لهما في الآية ذكر حيث جرى ما يدل عليهما قبلها من ذكر الرجال والنساء. و"الحَكَم" الحاكم، وإنما جعل الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما من الأجانب, ولأن كل واحد من الزوجين يظهر إلى حكمه ما في نفسه من الحب والبغض ما لا يظهر إلى الأجانب. و"الفئام" بالهمز الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه. وقوله: "تدريان ما عليكما" بغير همزة استفهام جاز على الاتساع وكثرة

стр. 2103

الاستعمال، وقد جاء ذلك في العربية كثيرًا. و"عليكما" الثانية متعلقة بقوله: "إن رأيتما أن تجمعًا" كأنه قال: أتدريان ما عليكما. أي: ما الذي يجب عليكما, ما يؤدي إليه اجتهادكما من الجمع والفرقة، والجمع: هو الإصلاح بين الزوجين، والفرقة: هي الطلاق والخلع. وقوله: "كذبت والله" ليس تكذيبًا لقول الزوج "أما الفرقة فلا" لأن التكذيب إنما يتعلق بالأخبار. وقوله: "أما الفرقة فلا" ليس خبرًا محضًا إنما هو حكم من الزوج، كأنه قال: الجمع إليكما دون الفرقة، فهو أمر منه للحكمين بما فوض إليهما, ولكنه لما قال ذلك، قال له علي: "كذبت والله" أي: أخطأت الصواب، وقلت ما لا يجوز لك قوله، ومن عادة العرب بأن تضع الكذب موضع الخطأ، فتقول: كذب سمعي وبصري. أي أخطأ. قال الشافعي: الله أعلم بمعنى ما أراد من الآية؛ فأما ظاهرها فإن خوف الشقاق بين الزوجين: أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه منع الحق، ولا يطيب واحد منهما لصاحبه بإعطاء ما يرضى به، ولا ينقطع ما بينهما بفرقة ولا صلح ولا ترك الشقاق. وتفصيل المذهب: أن الشقاق وإن كان من الزوجة فهو نشوز، وقد ذكرنا حكمه، وإن كان من الزوج فإن الحاكم يضع من يمنعه عن الإضرار بها، فإن كان منهما وضع الحاكم أيضًا من يسعى في إزالة ما بينهما، فإن لم يحصل من ذلك غرض وادعى كل واحد منهما أنه مظلوم من صاحبه؛ بعث الحاكم حكمين من أهله وأهلها، وأمرهما أن يفعلان معهما ما هو الأصلح لهما، وهل هما حاكمان مستقلان أو وكيلان لهما؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما وكيلان. وقد نص عليه الشافعي في أكثر كتبه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وحكي عن عطاء والحسن.

стр. 2104

والثاني: أنهما حاكمان. نص عليه في كتاب "أحكام القرآن" وبه قال مالك والأوزاعي، واختاره ابن المنذر قال: إنهما وكيلان فلا يفعلان شيئًا حتى يأذن الرجل لأحدهما بما يراه من طلاق أو صلح، وحتى تأذن المرأة للآخر بما تراه من خلع أو صلح، وإن قلنا: إنهما حاكمان؛ فإنهما يمضيان ما يرياه من طلاق وخلع وصلح، وينفذ ذلك عليهما رضيا أو لم يرضيا, ولا يكون الحكمان إلا حُرَّين، بالغين، عاقلين، ذكرين، عدلين. قال الشافعي: حديث علي ﵁ ثابت عندنا، وهو إن شاء الله كما قلنا. وقال: ولو جاز للحاكم أن يبعث حكمين بفرقة بلا وكالة الزوج ما احتاج علي أن يقول لهما: ابعثوا. ولبعث هو ولقال للرجل: إن رأيا الفراق أمضيا ذلك عليه وإن لم يأذن به. قال: ويشبه أن يكون الحديث عن عثمان كالحديث عن علي -يريد بحديث عثمان الذي نذكره الآن- ثم قال: ولو قال قائل: يخيرهما السلطان على الحكمين كان مذهبًا. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن [ابن] (١) أبي مليكة، سمعته يقول: "تزوج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة وقالت: اصبر لي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها [تقول له: أين عتبة وشيبة؟ فيسكت عنها، فدخل يومًا برمًا] (٢) فقالت: أين عتبة بن ربيعة، وأين شيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان بن عفان، فذكرت له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن

стр. 2105

بينهما. وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. قال: فأتياهما فوجداهما قد شدا عليهما [أثوابهما] (١) وأصلحا أمرهما". قولها: "اصبر لي" أي اصبر على عشرتي واحتملني، كأنها قد كانت لكبرها تظن أنه يملّها ولا يصبر عليها ولذلك أرضته بالإنفاق عليه. وقولها: "أين عتبة أين شيبة" وهما أبوها وعمها، وهو تعريض منها برئاستهما في الجاهلية وتقديمهما وما قد آل إليه أمرها من كونها تتقرب بمالها إلى من يصبر عليها ويرضى بها. و"البرم": الضجور، تقول: بَرِمَ به -بالكسر- يبرم بَرَمًا -بالفتح- فهو بَرِم. وقوله: "بين شيخين" يريد عقيلا وزوجته فاطمة، والعجوز تسمى شيخة.

стр. 2106

الْفَصْلُ الثَانِي فِي الخُلعِ أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، أن حبيبة بنت سهل أخبرتها: "أنها كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى صلاة الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله. فقال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت. لزوجها فلما جاء ثابت بن قيس، قال له رسول الله ﷺ : هذه حبيبة بنت سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله ﷺ : خذ منها، فأخذ منها، وجلست في أهلها". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن حبيبة بنت سهل: "أنها أتت النبي ﷺ في الغلس وهي تشكوا شيئًا ببدنها، وهي تقول: لا أنا ولا ثابت بن قيس. قالت: فقال رسول الله ﷺ : يا ثابت، خذ منها -فأخذ منها، وجلست". هكذا الحديث في كتاب "الخلع والنشوز" يعني قوله: "أن حبيبة بنت سهل أخبرتها" وقد رواه في كتاب "الحجر" عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن [أنها] (١) أخبرته: "أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس". قال: وهو الصحيح، وقوله: "أخبرتها" في هذه الرواية خطأ من الكاتب، وإنما أخبرته في إخبار عمرة يحيى بن سعيد، كذلك رواه عامة أصحاب مالك.

стр. 2107

قلت: والذي رأيته ورويته في "الموطأ" (١): عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصاري: "أنها كانت تحت ثابت" هذا اللفظ يقتضي صريحه أن رواية عمرة إنما هي عن حبيبة لأنه قال: إنها أخبرته عن حبيبة، وهذا صريح في الإسناد، وقد يجوز أن نتأول لفظة "عن" ويقال فيها: إنما أرادت عمرة أنها أخبرت يحيى بن سعيد عن شأن حبيبة، وأمرها كانت كذا وكذا، وهذا على خلاف الظاهر وإن كان اللفظ له محتملاً، وفائدة هذا القول من البيهقي (٢) ﵀ أن الحديث لم تروه عمرة، عن حبيبة، وإنما روته عن غيرها, ولذلك قال: وقد قيل: عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة: "أن حبيبة ... " فيكون الحديث على قول البيهقي مرسلاً، وعلى ما قلناه مسندًا عن حبيبة نفسها، ويشهد لصحة ذلك: الرواية التي أخرجها الشافعي، عن ابن عيينة ... وذكرها مسندة إلى حبيبة، وكذلك أخرجه أبو داود والنسائي. أما أبو داود (٣) فعن القعنبي، عن مالك ... "أنها أخبرته عن حبيبة". وأما النسائي (٤) فأخرجه عن محمد بن سلمة، عن القاسم، عن مالك ... "أنها أخبرته عن حبيبة". وقد أخرج أبو داود (٥) هذا الحديث أيضًا عن عمرة، عن عائشة: "أن حبيبة" كما قاله البيهقي والله أعلم. "الغلس" ظلمة آخر الليل، و"الشأن" الحال والأمر.

стр. 2108

وقولها: "لا أنا ولا ثابت" تريد لا نجتمع ولا نصطحب، فنفت نفسها ونفسه نفيًا مستغرقًا، أي لا بقاء ولا ثبات ولا وجود لي وله معًا. وقوله: "تشكوا شيئًا ببدنها" تريد أثرًا من ضرب. و"الخلع" معروف، تقول: خلعت المرأة خُلعًا -بالضم- وخَالعتها فأنا خَالِع، والمرأة خالع، وقد تخالعا واختلعت فهي مختلعة، والاسم: الخُلعة، وإنما سمي بهذا الفعل؛ لأن الرجل والمرأة بعضهما لباس لبعض؛ قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١) فكأن كلا منهما عند التخالع قد خلع لبسه من صاحبه. ومنه محظور ومباح، فالمحظور ضربها لتخالعه وتسقط حقها، وأما المباح فهو أن تكون المرأة كارهة للرجل بسبب ما من خُلق أو خَلق أو دين، فتخاف أن لا توفيه حقه لما في نفسها منه، فتبذل له فدية ليطلقها, ولو لم تكرهه فخالعته صح الخلع، وبه قال الثوري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد. وقال داود: لا يصح الخلع إلا عند التخاصم، وحكي ذلك عن عطاء والنخعي والزهري؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ (٢) دليل الجماعة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣) وإنما شرط الخوف في الجواز في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٤) لأن العادة جارية أن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وفيه تنبيه على جوازه في غير

стр. 2109

حال الشقاق، ولأنه إذا جاز مع كونها محتاجة إليه بسبب من جهة الزوج فجوازه وهي مختارة أولى. والذي ذهب إليه الشافعي في الخلع: أنه فسخ وهو قوله القديم، والمنصور في الخلاف، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، واختاره ابن المنذر. وقال في الجديد: إنه طلاق. وهو قول علي وعثمان وابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي ومالك. وفائدة الخلاف: أنه في الطلاق ينقص به العدد، فإذا تزوجها بعد ذلك كانت معه على طلقتين. وإذا قلنا: إنه فسخ وأعادها كانت معه بثلاث وكانت صريحًا فيه. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن مولاة لصفية بنت أبي عبيد: "أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها، فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر". هذا الحديث ذكره الشافعي في جواز الاختلاع على أكثر مما أعطى الزوج وقال: فإذا حل له أن يأكل مما طابت به نفسًا على غير فراق؛ حل أن يأكل ما طابت به نفسًا عوضًا بالفراق. والذي يروى عن عطاء، عن النبي ﷺ أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها فإنه يذكر عن ابن جريج أنه أنكره، وليس لما يخالع عليه حدٌّ، فيجوز أن يكون أكثر من المهر، وأقل، وبه قال عامة الفقهاء، وحكي عن طاوس وعطاء والزهري والشعبي وعمرو بن شعيب أنهم قالوا: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وكره ذلك أحمد وإسحاق وأبو عبيد، والأول القول؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ (١).

стр. 2110

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن جمهان مولى الأسْلميين، عن أم بكرة الأسلمية: "أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان في ذلك، فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت". هذا الحديث ذكره الشافعي في الحديث على أن الخلع طلاق، وقال: لا أعرف جمهان ولا أم بكرة بشيء يثبت به خبرهما ولا يرده، وبقول عثمان نأخذ، وكان في القديم يقول: إنه فسخ، وحمل قول عثمان: "إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت" على العدد. قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد بن حنبل: حديث عثمان: "الخلع تطليقة" لا يصح؟ قال: ما أدري جمهان ولا أعرفه. وقال ابن المنذر: وروي عن عثمان وعلي وابن مسعود: "الخلع تطليقة بائنة". وضعف أحمد بن حنبل حديث عثمان، وحديث علي وابن مسعود في إسنادهما [مقال] (١): وليس في الباب أصح من حديث ابن عباس. يريد حديثًا رواه عنه طاوس. واستدل الشافعي في القديم على أنه فسخ لا طلاق وهو هذا. قال الشافعي: واختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: "في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، قال: يتزوجها إن شاء الله تعالى؛ يقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وقرأ إلى ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٢). قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: "كل شيء

стр. 2111

أجازه المال فليس بطلاق". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير: "أنهما قالا في المختلعة يطلقها زوجها، قالا: [لا] (١) يلزمهما الطلاق؛ لأنه طلق ما لا يملك". وأخبرنا الشافعي بالإسناد المذكور أنهما قالا: "لا يلحق المختلعة الطلاق في العدة؛ لأنه طلق ما لا يملكه". أخرج الرواية الأولى في كتاب "أحكام القرآن"، والثانية في كتاب "اليمين مع الشاهد". "المختلعة" مفتعلة من الخلع، وقد تقدم بيان أصل الخلع. وقوله: "لا يلزمها طلاق" أي لا يقع عليها الطلاق؛ وعلل ذلك بقوله: "لأنه طلق ما لا يملك" يريد أنه بعد أن خالعها انقطعت وبقة النكاح بينهما فإذا أوقع عليها طلاقًا لم يقع، وهذا معنى قوله: "طلق ما لا يملك". فإنه تعليل لامتناع وقوع الطلاق؛ فإن المختلعة تَبِين من زوجها بالخلع، والبائنة لا يقع عليها طلاق. قال الشافعي: وإذا خالعها ثم طلقها في العدة لم يقع عليها الطلاق؛ لأنها ليست بزوجة ولا في معاني الأزواج، واحتج بانقطاع الرجعة والإيلاء والظهار واللعان والميراث بين الزوجين، ولأنه لو مات الزوج لم تنتقل إلى عدة الوفاة، فقد أطلق في الرواية الأولى انتفاء وقوع الطلاق، وقيده في الثانية بالعدة، والحكم فيهما سواء، فلا يلحقها طلاق بكل حال، سواء كانت في العدة أو لم تكن، وإنما تعرض لذلك العدة لأنه قضاء بالأخص على الأعم، فإذا لم يقع الطلاق عليها في العدة وهي مظنة ذلك فبالأولى أن لا يقع عليها بعد انقضاء

стр. 2112

العدة. وبقول الشافعي قال الشعبي وعكرمة وأبو الشعساء ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: يلحقها الطلاق باللفظ الصريح دون الكناية، ولا يلحقها المرسل، مثل أن يقول: كل امرأة لي طالق. وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء، وإليه ذهب ابن المسيب والنخعي، وحكي عن الحسن أنه قال: إن طلقها في المجلس لحقها وإن كان بعده لم يلحق. والله أعلم. ***

стр. 2113

كِتَابُ الطَّلاقِ وَفيِه سِتّة فصُولٍ الفصل الأول: في طَلاقِ السُّنةِ وَالبدعةِ أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض في زمان رسول الله ﷺ قال عمر: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: مُره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يمس [فتلك] (١) العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع [عبد الرحمن] (٢) بن أيمن مولى عزة يسأل عبد الله بن عمر -وأبو الزبير يسمع- فقال: "كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال ابن عمر: طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضًا فقال النبي ﷺ : مُره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك. قال ابن عمر: وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٣) في قِبل عدتهن أو لقبل عدتهن"، الشافعي يشك. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد: "أنه كان يقرأها كذلك".

стр. 2114

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقرأ: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن". هذه الروايات أخرجها في كتاب "إباحة الطلاق" وعاد أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن أيمن يسئل ابن عمر -وأبو الزبير يسمع-: "كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : مره فليراجعها. فردها عليّ ولم يرها شيئًا، فقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". وأخرج الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" أيضًا عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: مُره فليراجعها، فردها عليّ ولم يرها شيئًا". وأخرج في كتاب "اختلاف الحديث" أيضًا الرواية الأولى بطولها. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك فأخرج (١) الرواية الأولى. وأما البخاري فأخرج (٢) الأولى عن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك. وعن (٣) حجاج بن منهال، عن قتادة، عن يونس بن جبير قال: قلت لابن عمر: "رجل طلق امرأته وهي حائض [فقال: تعرف ابن عمر؟ إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض] (٤) فأتى عمر النبي ﷺ فذكر [ذلك] (٤) له، فأمره أن

стр. 2115

يراجعها، فإذا طهرت فأراد أن يطلقها فليطلقها. قلت: فهل عَدَّ ذلك طلاقًا؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق". وأما مسلم فأخرجه (١) عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك. وذكر الأولى (١) عن يحيى بن يحيى وقتيبة وابن رمح، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن عبد الله: "أنه طلق امرأته وهي حائض". وعن هارون بن عبد الله (١)، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج ... وذكر الرواية الثانية، وقال: "في قبل عدتهن" ولم يشك. وأما أبو داود فأخرج الأولى (٢) عن القعنبي، عن مالك. وعن القعنبي (٣)، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين مثل رواية البخاري. وأما الترمذي فأخرجه (٤) عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين مثل البخاري. وأما النسائي فأخرج الأولى (٥) عن عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرج [الثانية] (٦) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن تميم، عن حجاج، عن ابن جريج، عن أبي الزبير. هؤلاء جميعهم لم يخرج منهم ذكر القراءة إلا مالك فإنه أخرج الرواية الآخرة

стр. 2116

إسنادًا ولفظًا، وقال مالك: يعني بذلك أن يطلق في كل طهر مرة. "الحيض" معروف، وامرأة حائض إذا رأت الدم المعتاد، حاضت المرأة تحيض فهي حائض، وحائضة أيضًا وليس بالكثير، وقد تقدم بيان ذلك فيما سبق مستوفى. و"الطلاق" مصدر، طَلَقت المرأة -بالفتح- تطلق طَلاَقًا فهي طَالِق، قال الأخفش: لا يقال: طَلُقت بالضم، وطَلَّقتها تَطْلِيقًا، شدد للكثرة، ورجل مِطْلاق كثير الطلاق للنساء. ومعنى "الطلاق" التخلية، ومنه أطلقت الأسير، كأن المرأة في أسر الرجل فإذا طلقها فقد خلى سبيلها، وكذلك أطلقت الناقة من عقالها، إلا أنهم خصوا المرأة بالتطليق في الاستعمال وغيرها بالإطلاق. و"المراجعة" أن يعيد الرجل زوجته إلى نكاحه إذا كان يملك ذلك منها، وهو أن يكون قد بقي له من الثلاث بعضها ولم تنقض العدة، وستجيء أحكام الرجعة في كتابها. و"العِدَّة" فِعْلة من العدِّ: الإحصاء، كأن المعتدة تعد أيامها التي إذا انقضت حلت للأزواج، قال الجوهري: وعِدَّة المرأة أيام أقرائها، وفي إطلاقه نظر فإن العدة قد تكون بالأشهر، والحمل. و"قِبَل" الشيء أوله وحقيقة ما أقبل منه، والمعنى فطلقوهن مستقبلات عدتهن؛ لأنه إذا طلقها وهي حائض احتاجت أن تبتديء بالعدة من أول الطهر على ما سيجيء بيانه في ذكر المذهب، وفي رواية: "في قبل عدتهن" وفي أخرى: "لقبل عدتهن" وهذه "اللام" هي التي في "لِسِتٍّ خلون" و"الِخَمْسٍ بقين" وهي "لام" التخصيص، وفيها معنى الظرفية كأنه قال: فطلقوهن في استقبال عدتهن، وكأن الطلاق مخصوص بقبل العدة، وأما "في" ففائدتها الظرفية إلا أن "اللام" يشير ظاهرها إلى أن الطلاق مقترن بأول مدة العدة وأما

стр. 2117

"في" فلا تقتضي ذلك؛ لأنه لابد أن يكون قد ذهب من المدة شيء حتى تصح أن تكون ظرفًا. وقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" بيان أن الأقراء التي تعتد بها هي الأطهار دون الحيض؛ لأنه قال: "يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهير" عقب الطهارة بقوله: "فتلك العدة" فكانت مضافة إلى الطهر لا إلى الحيض، ولأنه قد أنكر عليه لما طلق في حالة الحيض فكيف كان ينكر عليه ما هو جائز له؟! ويوضح ذلك قوله: "ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" فدل على أن الطهر هو المعتد به في الأقراء. وقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق" يريد العجز عن تطليقها في الوقت المسنون للطلاق، "واستحمق" أكثر ما يروى بضم التاء على ما لم يسم فاعله يعني أن الناس استحمقوه وعدوه أحمق، حيث وضع الشيء في غير موضعه، والمعروف بفتح التاء، على أن الفعل له، أي تكلف الحمق بما فعله من الطلاق وامرأته حائض، ومثله قولهم: "استنوق الجمل" إذا صار يشبه الناقة، وفي الكلام محذوف تقديره: أرأيت إن عجز وصار أحمق يُسقط حمقه وعجزه عنه الطلاق وأن ذلك هل يقوم له عذرًا حتى يعتد بتطليقه؟ و"المجامعة" مفاعلة من الجمع بين الشيئين أو الأشياء، واستعمالها في الوطء استعمال خاص لأن المجامعة تقع على جمع أنواع، لكن الاستعمال خصصه باجتماع خاص على هيئة خاصة، حتى صار كأنه موضوع بإزائه لا يدل على غيره، فإذا أطلقت لفظة المجامعة لم يفهم منها إلا الوطء إلا أن تكون القرائن تدل على خلاف ذلك. وقوله: "ولم ير التطليقة شيئًا" ظاهره أنه لم يعتد به عليه، وهذا لا قائل به من الأئمة إلا ما حكي عن الشيعة من أن الطلاق لا يقع في الحيض، ويحتمل أن يكون قوله: "لم يرها شيئًا" يعني أنه لم ير التطليقة شيئًا يمنع من الرجعة التي

стр. 2118

أمره أن يردها إلى نكاحه، وحكي عن الشافعي أنه حمل هذا اللفظ على أنه لم يرها شيئًا صوابًا غير خطأ يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه، ألا ترى أنه يؤمر بالمراجعة؟ ولا يؤمر بها الذي طلقها طاهرًا، كما يقال للرجل أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا، أي لم يصنع شيئًا صوابًا، وفي رواية الشافعي: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" فذكر طهرين بينهما حيضة, وإنما منعه من طلاقها في الطهر الأول؛ لئلا تطول عليها العدة, لأن المراجعة لم تكن تنفعها حينئذ، فوجب عليه أن يجامعها في الطهر لتحقيق معنى المراجعة، فإذا جامعها, لم يكن له أن يطلقها في طهر جامعها فيه؛ لأنه طلاق بدعة، ولأنه قبل أن يمس، وعلى أن أكثر رواة الحديث عن ابن عمر إنما قالوا: "ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق" ولم يذكروا إلا طهرًا واحدًا، وهذه الزيادة إنما رواها عنه نافع وسالم من طريق الزهري. والذي ذهب إليه الشافعي أن الطلاق على أربعة أضرب: الأول: واجب وهو طلاق المُولي إذا انقضت مدة الإيلاء وجب عليه الفيئة والطلاق. والثاني: طلاق محظور وهو طلاق المرأة وهي حائض، وفي طهر قد جامعها فيه، بدليل قوله في الحديث: "وإن شاء طلقها قبل أن يمس". والثالث: طلاق مكروه، وهو طلاق المرأة المرضية الصالحة. والرابع: طلاق مستحب، وهو أن تكون [معيَّة] (١) الزوج والزوجة غير مستقيمة ولا التئام بينهما؛ فيستحب لهما الفراق.

стр. 2119

والمراد في هذا الحديث الطلاق الثاني، وهو المحظور. والطلاق على اختلاف أنواعه متى أضيف إلى الزوج وقع، سواء كان محظورًا أو واجبًا أو مكروها أو مستحبًا، وإلى ذلك ذهب عامة الفقهاء، وقد حكينا ما ذهبت إليه الشيعة من أن الطلاق في الحيض لا يقع؛ أخذًا بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) والعدة لا يعتد بها في زمان الحيض. قال الشافعي: في أمر النبي ﷺ ابن عمر أن يراجع امرأته دليل على أنه لا يقال له: راجع إلا من قد وقع عليه طلاقه لقوله تعالى في المطلقات: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ (٢) ولم يقل هذا في ذوات الأزواج، وأن معروفًا في اللسان بأنه إنما يقال للرجل: راجع امرأتك. إذا افترق هو وامرأته، قال: وفي حديث أبي الزبير شبيه به، ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به. قال: وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت في الحديث، فقيل له: "أحسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول ﷺ تطليقة؟ قال: فمه وإن عجز" يعني أنها حسبت، وقد اتفق العلماء على انقسام الطلاق إلى سني وبدعي، فالبدعي هو الطلاق المحرم إنشائه وإن صح وقوعه، والسني لا تحريم فيه، ثم البدعي إنما يتعلق تحريمه بالمدخول بها فأما غير المدخول بها فلا، وكذلك إذا لم تسأل المرأة الطلاق، فأما مع سؤالها فليس ببدعة. وأما طلاق السنة فهو أن يطلقها وهي طاهر. قال الشافعي: فَبَيِّنٌ -والله أعلم- في كتاب الله جل ثناؤه بدلالة سنة رسول الله ﷺ أن السنة في المرأة المدخول بها التي تحيض دون من سواها من المطلقات أن تطلق لقبل عدتها، وذلك أن حكم الله أن العدة على المدخول بها،

стр. 2120

وأن رسول الله ﷺ إنما يأمر بطلاق طاهر من حيضها التي يكون لها حيض وطهر. قال: وطلاق السنة فيها أن يطلقها طاهرًا من غير جماع في الطهر الذي خرجت من حيضه. وأما قوله: "مره فليراجعها" فإن هذا أمر مستحب ولا يجب عليه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: يلزمه أن يراجعها. والمستحب أن يطلقها واحدة ليأمن الندم على الطلاق الثلاث، ولا بينة عند الشافعي في تفريق الطلاق، بل سواء طلقها واحدة أو ثلاثًا، لكن بشرط أن تكون في حال طهر، لكن الأولى أن يفرق الطلاق، وروي ذلك عن عبد الرحمن بن عوف والحسن بن علي والشعبي وابن سيرين وإسحاق وأبي ثور وهي إحدى الرواتيين عن أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: جمع الثلاث بدعة محرم إلا أن أبا حنيفة يجوز عنده أن يطلقها واحدة ويراجعها، ثم يطلقها أخرى ثم يراجعها، ثم يطلقها الثالثة. وقال أهل الظاهر والشيعة: الثلاث محرمة، فإذا أوقعها لم يقع منها شيء، ومنهم من قال: يقع منها واحدة والله أعلم. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج: "أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم". هكذا روى الشافعي هذا الأثر في كتاب "اختلاف الحديث" عقيب الحديث الذي قبله، وهو صريح في صحة وقوع الطلاق على الحائض، ونافع أخبر بحال ابن عمر من غيره، وإذا اعتبرت روايات حديث طلاق ابن عمر وجدت الجماعة قد أخرجوه، وذكروا الاعتداد بالطلقة عليه وأنها حسبت من طلاق زوجته، كذا في سياق روايات الحديث على اختلاف ألفاظهم.

стр. 2121

الْفصْل الثانِي: فِي ألْفاظِ الطَّلاق وَفِيه فَرْعانِ الفرع الأول: في الصَّريح وَالكِنايةِ أخبرنا الشافعي، أخبرنا محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد: "أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: إني طلقت امرأتي البتة، والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله ﷺ : والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردها إليه". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي ابن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد: "أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى رسول ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى طلقت امرأتي سهيمة البتة، ووالله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله ﷺ لركانة: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردها إليه رسول الله ﷺ ، فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان". هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي. أما أبو داود فأخرجه (١) عن ابن السرح وإبراهيم بن خالد الكلبي -في آخرين- عن محمد بن إدريس الشافعي بإسناده ولفظه. وعن سليمان بن داود (٢)، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده ...

стр. 2122

قال أبو داود: هذا أصح من حديث ابن جريج: "أن ركانة طلق زوجته ثلاثًا" لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأما الترمذي فأخرجه (١) عن هناد، عن قبيصة، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده قال: "أتيت النبي ﷺ فقلت: [يا] (٢) رسول الله، إني طلقت امرأتي البتة. فقال: ما أردت بها؟ قلت: واحدة. قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: فهو ما أردت". قال الترمذي: هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه. "البتة" من البت: القطع، تقول: بَتَّهُ يَبِتُّه ويَبُتُّه، وإذا فعل ذلك بته، ولا أفعله البتة تقال لكل أمر لا رجعة فيه، وهو منصوب على المصدر. وقوله في رواية الترمذي: "آلله؟ فقلت: آلله" أي بالله ما أردت إلا واحدة؟ فقال: بالله ما أردت إلا واحدة. وحرف القسم قد يحذف من الاسم المتسم به، وفيه مذهبان: النصب بإيصال الفعل [المضمر] (٣) إليه، تقول: آللهَ لأفعلن. والجر بالحرف المحذوف، تقول: آللهِ لأفعلن، وهمزة الله في الحالين مفتوحة مقطوعة، وقد عوضوا من حرف القَسَم في اسم الله خاصة همزة الاستفهام، فقالوا: آلله لأفعلن، بالمد. هذا الحديث يتضمن دلالتين: إحداهما: جواز وقوع الطلاق الثلاث دفعة واحدة.

стр. 2123

والثانية: أن كنايات الطلاق يرجع فيها إلى الحالف. أما الأولى فإن الرجل إذا طلق زوجته بصريح اللفظ أو بكنايته مع النية ثلاثًا وقع طلاقه ثلاثاً، كما صرّح أو كما نوى، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأهل الرأي. وقال أحمد: إذا نوى بصريح اللفظ الطلاق أكثر من واحدة لا يقع إلا واحدة. وقال الثوري وأصحاب الرأي أيضًا: يجوز إرادة الثلاث بالكناية، ولو أراد بها اثنتين لم يقع إلا واحدة بائنة. ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن النبي ﷺ لما استحلف ركانة على ما نوى، ولو لم تكن الثلاث تقع لما استحلفه وديَّنه. وفيه دليل على أن الطلاق الثلاث مباح وليس ببدعة؛ لأن النبي ﷺ سأله عن نيته ولم ينكر فعله. وأما حكم كنايات الطلاق فإن ألفاظها كثيرة، وهي كل لفظة محتملة، إما جلية كقولك: خلية وبرية وبتة. وإما خفية ولا يتم إلا بتقدير استعارة وإضمار، فكقولك: الحقي بأهلك وحبلك على غاربك، وكقوله: اعتدي، واستبرئي و [غير ذلك] (١) من ألفاظ الكنايات، والمقصود بالذكر ها هنا هو قوله: "البتة" وهي من جملة ألفاظ كنايات الطلاق، والكناية لا يقع بها الطلاق مطلقًا إلا إذا نوى الطلاق، وهذا الحالف لما قال: إني طلقت امْرأتي البتة ولم أرد إلا واحدة دَيَّنَهُ النبي ﷺ ، وليس الحلف شرطًا في ذلك وإنما فعله استظهارًا وتأكيدًا، فلما حلف "ما أردت إلا واحدة" قبل منه وأوقع عليه طلقة رجعية، وردها إليه.

стр. 2124

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، سمع محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب بن حنطب: "أنه طلق امرأته البتة، ثم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: قلت: قد فعلت. قال: فقرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (١) ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلت. قال: أمسك عليك امرأتك، فإن الواحدة تبت". قول عمر: "ما حملك على ذلك؟ " كأنه تقريع وتوبيخ له على فعله وتطليقه، هذا هو ظاهر اللفظ، ألا ترى أن الإنسان إذا أقدم على فعل فأخطأ فيه يقال له توبيخًا وتقريعًا: ما حملك على ذلك. وفيه استعلام عن الحامل له على ذلك والباعث على الإقدام على فعله. قال الشافعي: معنى مسألة عمرُ المطلبَ "ما حملك على ذلك" يرددها [يعني] (٢) والله أعلم: ما أردت بذلك؟ وقول المطلب: "قد فعلت" يعني والله أعلم: أي خرج مني بلا نِيَّة [زيادة] (٢)، وفي حديث الليث بن سعد: ما يُبَينِّ أن معنى قول عمر ما وصفت. قال الشافعي: فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة على عدد الطلاق ألزمه [واحدة] (٣) لأنه يديَّن في قوله. قال الشافعي: وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (١) لو طلق فلم يذكر البتة كان خيرًا له؛ إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق، تحتمل صفة جعلها للطلاق وزيادة في عدده، فنهاه عن المشكل من القول ولم ينه عن الطلاق، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو أراد

стр. 2125

أكثر من واحدة ألزمه ذلك. وقول عمر: "أمسك عليك امرأتك" أي راجعها ولا تفارقها فإن ذلك لك. وقوله: "فإن الواحدة تبت" يريد أن الواحدة يجوز أن تطلق عليها البتة. قال الشافعي ﵁ ذكر الله تعالى الطلاق في كتابه بثلاثة أسماء: الطلاق، والفراق، والسراح، فمن خاطب امرأته فأفرد لها اسمًا من هذه الأسماء لزمه الطلاق. وما تكلم به مما يشبه الطلاق سوى هؤلاء الكلمات فليس بطلاق حتى يقول: كان مخرج كلامي به على أني نويت به طلاقًا، وهو ما أراد من عدد الطلاق والله أعلم. أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار، أن عمر بن الخطاب قال للتوأمة مثل قوله للمطلب. هذا الحديث أخرجه الشافعي تاليًا للحديث الذي قبله في كتاب "أحكام القرآن" تأكيدًا لما ذهب إليه من الحكم بأن "البتة" من كنايات الطلاق، وأنها تحتاج إلى نية حتى يقع بها الطلاق، كما شرحناه فيما سبق. وقد أخرج الشافعي، عن الثقة، عن الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار: "أن رجلاً من بني زريق طلق امرأته البتة، فقال عمر: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟! فأحلفه فحلف". قال الشافعي: أراه فردّها عليه. وهذا هو حديث الليث الذي أشار إليه الشافعي في حديث المطلب بن حنطب قبله. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه قال في الخلية والبرية: إنها ثلاث تطليقات كل واحدة منهما".

стр. 2126

"الخلية" فعلية بمعنى مفعولة، من خليت الشيء من يدي، أخليته: إذا تركته، والأصل فيه: الناقة إذا أطلقت من عقالها يقال لها: الخلية؛ لأنه خلى عنها، ويجوز أن يكون من قولهم: أنا منك خلاء، أي: براء. وأما "البرية" فإنه من البراء، وهي الخلاص من الشيء، تقول: أنا بري، وهي برية. وأخرج الشافعي هذا الحديث في خلاف مالك إلزامًا له في خلاف ابن عمر، فإنه يفرق بين المدخول وغير المدخول بها، ومالك يفرق بينهما في التي لم يدخل بها. والذي ذهب إليه الشافعي: أن هذين اللفظين من ألفاظ كنايات الطلاق التي لا تقع إلا بالنية، والعدد ما أراده ونواه؛ إن واحدة فواحدة وإن اثنتين فاثنتين، وإن ثلاثًا فثلاثًا. وقال مالك: الكنايات الظاهرة كقوله: أنت برية، وبائنة، وبتة، وحرام، يقع بها الثلاث، سواء نوى الثلاث أو لم ينوه، إلا أن تكون غير مدخول بها فيقبل قوله فيما نوى. وقال أبو حنيفة: الكنايات بوائن إلا قوله: اختاري. إن نوى بها واحدة كانت واحدة، وإن نوى ثلاثًا كان ثلاثًا، وإن نوى ثنتين وقع واحدة ولا يقع بها طلقتان. وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن إبراهيم: "أن عليًّا -كرم الله وجهه- قال في الخلية والبرية والحرام: ثلاثًا، ثلاثًا". وفيما بلغه عن محمد بن يزيد ومحمد بن عبيد وغيرهما، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن رياش بن عدي الطائي قال: "أشهد أن عليًّا جعل البتة

стр. 2127

[ثلاثًا] (١) ". قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي -كرم الله وجهه-. وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا مالك: "أنه بلغه أنه كُتِبَ إلى عمر بن الخطاب من العراق: أن رجلاً قال لامرأته: حبلك على غاربك. فكتب عمر إلى عامله: أَنْ مُره أن يوافيني في الموسم، فبينما عمر بن الخطاب يطوف بالبيت؛ إذ لقيه رجل فسلم عليه، فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي أَمَرْتَ أن يُجلب عليك. قال: أنشدك برب هذا البيت هل أردت بقولك: حبلك على غاربك الطلاق؟ فقال الرجل: لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صَدَقْتُكَ، أردت الفراق. قال عمر: هو ما أردت". قال الشافعي: وبهذا نقول، وفيه دلالة على أن كل كلام أشبه الطلاق لم يحكم به طلاقًا حتى يسأل قائله، إن كان أراد طلاقًا فهو طلاق، وإن لم يرد لم يكن طلاقًا. وقال الشافعي: وذكر ابن جريج، عن عطاء: "أن عمر بن الخطاب رُفع إليه رجل قال لامرأته: حبلك على غاربك. فقال لعلي -كرم الله وجهه-: انظر بينهما، فقال له علي: ما أردت؟ فجحد أن يكون أراد الطلاق، فأراد أن يستحلفه بين الركن والمقام، فأقر أنه أراد الطلاق، فأمضاه عليه ثلاثًا". قال: وذكر عن الحسن، عن علي مثله. وأخرج الشافعي فيما حكى عن العراقيين، عن أبي يوسف، عن أشعث بن سوار، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود: "أنه قال في الحرام:

стр. 2128

إن نوى يمينًا فيمين، وإن نوى طلاقًا فطلاق وهو ما نوى من ذلك". قال الشافعي: إذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام. فإن نوى طلاقًا فهو طلاق، وهو ما أراد من عدده، وإن لم يرد طلاقًا فليس بطلاق، ويكفر كفارة اليمين؛ قياسًا على الذي يحرم أمته فيكون عليه فيها الكفارة. وقال في كتاب "الرجعة": فإن أراد طلاقًا ولم يرد عددًا فهي واحدة يملك الرجعة، وإن قال: أردت تحريمها بلا طلاق لم تكن حرامًا، وكانت عليه كفارة يمين، والله أعلم.

стр. 2129

الْفرعُ الثَّانِي في التفْوِيضِ والتخْيِيِر أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "كان يقول إذا مَلَّك الرجل امرأته فالقضاء ما قضتْ، إلا أن يناكرها الرجل فيقول: لم أرد إلا تطليقة. فيحلف على ذلك؛ فيكون [أملك] (١) بها ما كانت في عدتها". هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) إسنادًا ولفظًا. قوله: "ملك امرأته" يريد فوض طلاقها إليها، فملكها ما لم يكن في ملكها. وقوله: "فالقضاء ما قضت" يريد أن حكم الطلاق مرجوع فيه إلى قولها، متى أوقعت الطلاق وقع، كما كان إلى الزوج. وقوله: "إلا أن يناكرها" يريد يخالفها فيما ملَّكها من عدد الطلقات وإيقاعه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن التفويض تمليك لها، وقيل: إنه توكيل كتوكيل الأجنبي، وينبني عليه أنها لو طلقت نفسها في مجلس آخر لا على الاتصال لم يجز إن جعلناه تمليكًا، وإن جعلناه توكيلًا جاز. وألفاظ التفويض منها صريح ولا يحتاج إلى نية، ومنها كناية يحتاج إلى النية، فإذا قال: طلقي نفسك. فقالت: طلقت نفسي. وقع الطلاق. وإذا قال: اختاري نفسك. فقالت: اخترتك. لم يقع عليها شيئًا، وبه قال

стр. 2130

ابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وعامة الفقهاء. وحكي عن علي وزيد -في إحدى الروايتين- أنه يقع بالإختيار طلقة رجعية، وإليه ذهب الحسن وربيعة. فأما إن اختارت نفسها ونويًا الطلاق وقع؛ لأنه كناية، وإن نوى أحدهما دون الآخر لم يقع، وإن نويا جميعًا عددًا وقع ما نوياه واتفقا عليه، فإن اختلفا في العدد وقع الأقل، وإن نويا واحدة كانت رجعية، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نية المرأة، فإذا نوى الزوج الطلاق وقع واحدة، وإن نوى ثلاثًا لم يقع إلا واحدة. وقال مالك: إذا نوى الطلاق وقع الثلاث إن كانت مدخولًا بها، وإن لم تكن مدخولًا بها قُبِلَ منها، أنها أرادت واحدة أو اثنتين. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن خارجة بن زيد، أنه أخبره: "أنه كان جالسًا عند زيد بن ثابت، فأتاه محمد بن أبي عتيق وعيناه تدمعان، فقال له زيد بن ثابت: ما شأنك؟ فقال: ملكت امرأتي أمرها ففارقتني. فقال له زيد: ما حملك على ذلك؟! فقال له: القدر. فقال له زيد: ارتجعها إن شئت، فإنما هي واحدة وأما أملك بها". هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (١) إسنادًا ولفظًا، وأخرج الشافعي هذا الحديث والذي قبله في كتاب "اختلاف مالك" وهو مؤكد للحديث الذي قبله. وأخرج الشافعي -فيما بلغه- عن أبي معاوية ويعلى عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق: "أن امرأة قالت لزوجها: لو أن الأمر الذي بيدك بيدي لطلقتك. فقال: قد جعلت الأمر إليك. فطلقت نفسها ثلاثًا، فسأل عمرُ عبدَ الله عن ذلك، فقال: هي واحدة، وهو أحق بها. فقال عمر: فإني أري

стр. 2131

ذلك". قال الشافعي: بهذا نقول؛ إذا جعل الأمر إليها، ثم قال: لم أرد إلا واحدة. فالقول قوله وهي تطليقة يملك الرجعة، وهم يخالفون فيها فيجعلونها واحدة بائنة. وقال الشافعي -فيما بلغه- عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي ومغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، في الخيار: "إن اختارت نفسها فواحدة، وهو أحق بها". قال: وهكذا نقول، وهم يخالفونه ويرون الطلاق فيه بائنًا. وقال -فيما بلغه- عن شريك، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله قال: "إذا قال الرجل لامرأته: استلحقي أهلك، أو وهبها لأهلها فقبلوها، فهي تطليقة وهو أحق بها". وبهذا نقول إذا أراد الطلاق، وهم يخالفون ويزعمون أنها تطليقة بائنة. وقال الشافعي -فيما بلغه- عن عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "لا يكون طلاق بائن إلا خلع أو إيلاء". قال الشافعي: وهم يخالفونه في عامة الطلاق فيجعلونه بائنًا، وأما نحن فنجعل الطلاق كله يملك فيه الرجعة إلا طلاق الخلع. وقال الشافعي: عن ابن علية، عن جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم الأسدي، عن زاذان، عن علي قال في الخيار: "إن اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها". فلسنا ولا إياهم نقول بهذا القول. أما نحن فنقول: إن اختارت زوجها فلا شيء، ويروى عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "خَيَّرَنَا رسول الله ﷺ ؛ فاخترناه، فلم يعد ذلك طلاقًا.

стр. 2132

الفصْل الثَّالِثُ فِي الطَّلاقِ قَبل الدُّخُول أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن بكير قال: "طلق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس فقالا: [لا] (١) نرى أن ينكحها حتى تزوج زوجًا غيرك. فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة. فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك ... بالإسناد وذكر الحديث إلى آخره. وأخبرنا الشافعي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن معاوية [بن] (٢) أبي عياش الأنصاري: أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها. قال عبد الله بن الزبير: إن هذا الخبر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة فَسَلْهُما ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما، فقال أبو هريرة: الواحدة تُبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك". أخرج الرواية الأولى في كتاب "الطلاق" والروايتين الأخرتين في كتاب "أحكام القرآن"، وقد أخرج مالك الثلاث في الموطأ (٣). وأخرج أبو داود (٤)، عن أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، عن عبد الرزاق،

стр. 2133

عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس: "أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سُئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره". قال أبو داود: ورواه مالك، عن يحيى بن سعيد ... وذكر إسناد مالك ونحو لفظه. قوله: "أرسلت من يدك ما كان لك من فضل" يريد أن له ثلاث تطليقات، فإذا طلقها جميعها لم يبق له شيء يملكه، وإذا طلق واحدة أو ثنتين بقي له تمام الثلاث. وقوله: "الواحدة تبينها" أي تفرق بينها وبين الزوج بوقوعها عليها؛ فإن غير المدخول بها تبينها الواحدة، والإبانة في الطلاق هو أن لا يبقى للزوج إلى المرأة رجعة إلا بنكاح جديد؛ وإن لم يكن الطلاق ثلاثًا. وقد بانت المرأة منه، تبين: إذا انفصلت عنه، فإن الطلاق ينقسم إلى رجعي وبائن، فالرجعي يجوز له أن يعيدها إلى نكاحه بغير تجديد عقد، والبائن لا يصح إلا بعقد جديد. وقوله: "والثلاث تحرمها" يريد أنه لا يمكنه إعادتها برجعة ولا تجديد عقد، وأن نكاحها عليه حرام حتى تنكح زوْجًا غيره، ثم يطلقها الثاني طلاقًا تبين به منه أو يموت عنها، ثم يجدد عليها الأول العقد، وهذا هو المذهب، وسواء فيه المدخول بها وغير المدخول بها عند الشافعي. قال الشافعي: قال الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ

стр. 2134

زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). فالقرآن -والله أعلم- يدل على أن من طلق زوجة له -دخل بها أو لم يدخل بها- ثلاثًا؛ لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره والله أعلم. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نعمان بن أبي عياش الزرقي، عن عطاء بن يسار قال: "جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاص، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره". هكذا أخرجه في كتاب "الطلاق" وعاد أخرجه في كتاب "أحكام القرآن" بالإسناد واللفظ. هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) بالإسناد واللفظ، وقد خالف مالكًا فيه يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبدة بن سليمان، فرووه عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن عبد الله، عن عطاء بن يسار. دون ذكر النعمان بن أبي عياش في إسناده. وقال مسلم بن الحجاج: إدخال مالكٌ النعمانَ في هذا الإسناد وهم منه، قال: والنعمان أقدم سنًّا من عطاء بن يسار. قوله: "إنما طلاق البكر واحدة" يريد بالبكر: غير المدخول بها، فإن البكر والثيب في هذا الحكم سواء، وإنما الاعتبار بالدخول وعدمه لا بالبكر والثيب. وقوله: "إنما أنت قاص" أي لا علم لك بالفتوى إنما تقص أحاديث، وهذا الحديث مؤكدًا لما قبله.

стр. 2135

وقد أخرج الشافعي، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن قسيط، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: "أنه قال في رجل قال لامرأته -ولم يدخل بها-: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق. فقال أبو بكر: أتطلق امرأة على ظهر الطريق؟! قد بانت من حين طلقتها التطليقة الأولى". وحكى الشافعي عن بعض العراقيين أنه قال: "بُلِّغْنا عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت بذلك" والله أعلم.

стр. 2136

الْفصّلُ الرابعُ: فِي طَلاقِ الثَّلاَث أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "إنما كانت الثلاث على عهد رسول الله ﷺ تجعل واحدة وأبي بكر وثلاث من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم". هذا حديث حسن صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. أما مسلم فأخرجه (١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج. وعن محمد بن رافع (١)، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج بالإسناد، وقال: "أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاث من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم". وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج. وعن محمد بن عبد الملك بن مروان (٣)، عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاوس: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال: ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته [ثلاثًا] (٤) قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة

стр. 2137

على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما أن رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم". وأما النسائي فأخرجه (١) عن سليمان بن يوسف، عن أبي عاصم، عن ابن جريج ... بالإسناد قال: "ألم تعلم أن الثلاث ... " وذكر الحديث وقال فيه: "ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم". "إنما" كلمة مركبة من "إن" التي للتحقيق والتأكيد و"ما" الكافة، ويحصل من مجموعهما حصرَ الحكم على الشيء والشيء على الحكم؛ تقول: إنما القائم زيد، وإنما زيد القائم، فحصرت القيام على زيد، وزيدًا على القيام، وها هنا قد حصر الثلاث على الواحدة، وإذا كانت الألف التي في "أنما" لامها الأصلية وحدها كانت الجملة إخبارًا، تقديرها: أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ كذا وكذا, وليس الغرض من قول أبي الصبهاء الإخبار، إنما غرضه الاستفهام بمعنى التقرير والتثبيت ونزل على ذلك أمران: أحدهما: قوله في آخر الحديث: "فقال ابن عباس: نعم" ونعم لا تكون جواب إخبار؛ لأن الخبر لا يحتاج إلى جواب وإنما يحتاج الاستفهام؛ قال مسلم: "أتعلم" وقال أبو داود: "أما علمت"، وقال النسائي: "ألم تعلم" فدل على [أن] (٢) الغرض الاستفهام، فتكون الهمزة التي في أول "أنما" همزة ممدودة، فالهمزة هي الأصلية، والمد عوض عن همزة الاستفهام، فإن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة أصلية يجوز فيها تحقيق الهمزتين والتليين والمد، فيكون التقدير أأنما. و"الثلاث" يريد بها الطلقات الثلاث.

стр. 2138

وقوله: "تجعل واحدة" يريد أنها لا تقع منها إلا واحدة وتلغي الثنتان. وفي رواية الشافعي ومسلم والنسائي وإحدى روايتي أبي داود لم يتعرضوا لذكر المدخول بها ولا غيرها إنما أطلقا، وقد خصصها أبو داود في روايته الثانية وهي المراد؛ لأن المدخول بها لا اختلاف أن هذا الحكم لا تعلق له بها، وإنما جاز حذف هذا التخصيص؛ لأن المعنى مفهوم عندهم [فإذا] (١) أطلقوا اللفظ صرفه السامع إلى ما عنده من الغرض المفهوم، والفرق بين قول مسلم: "أتعلم" وقول أبي داود: "أما علمت" وقول النسائي: "ألم تعلم" أن قول مسلم: "أتعلم" أكثر ما يطلق هذا اللفظ في استفهام من لا يكون المُسْتَفْهِم قد علم أن المُسْتَفْهَم عالم بما سأله عنه، فيكون متوقفًا في أمر فيسأله ليعلم حقيقة الأمر عنده هل يعلمه أم لا؟ ويجوز أن يكون المستفهِم عالمًا أن المستفهَم عالم بذلك وإنما يريد بسؤاله تقريره، أو أن يظهر للسامع حقيقة حال المسؤل من علم أو جهل. وأما قوله: "أما علمت" و"ألم تعلم" فإنما هو استفهام تقرير وتثبيت محض مع علم المستفهِم أن المستفهَم عالم بما سأله عنه. و"صدر" كل شيء أوله، يريد بها أوائل إمارة عمر بن الخطاب، وفي رواية الشافعي: "وثلاثٍ" بالجرِّ عطفًا على ظاهر اللفظ، وفي رواية مسلم: "وثلثًا" وفي رواية أبي داود والنسائي: "وصدرًا" بالنصب عطفًا على الموضع. و"التتايع" بتائين معجمتين بنقطتين من فوق، وياء تحتها نقطتان من بعد الألف، بمعنى التساقط والوقوع في الشيء، إلا أنه لا يكون إلا في الشر. وقوله: "أجيزوهن عليهم" أي أمضوهن وأنفذوا الثلاث وأوقعوهن.

стр. 2139

وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فقال قوم: كان هذا الحكم في الصدر الأول ثم نسخ. وهذا لا وجه له؛ لأن النسخ إنما يكون في زمان النبي ﷺ فأما في زمان عمر فلا وجه للنسخ؛ فإن الأحكام استقرت وانقطع الوحي، وإنما هو زمان الاجتهاد والرأي فيما بلغهم عن النبي ﷺ فيه نصٌ وتوقيف، كيف وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أنه قال لرجل طلق امرأته ثلاثًا: حرمت عليك". فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ ثم يفتي بخلافه، وأن عمر بن الخطاب يكون قد علم أن الحكم كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر شيئًا ثم يفعل بخلافه؛ ألا ترى أن البخاري لم يخرج هذا الحديث في صحيحه مع صدق رجاله؛ لما فيه من الاختلاف على سائر الروايات عن ابن عباس. والله أعلم. قالوا: ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفًا إلى طلاق البتة، وذلك أنه قد روي عن النبي ﷺ في حديث ركانة أنه جعل البتة واحدة وكان عمر يراها واحدة ثم تتايع الناس في ذلك فألزمهم الثلاث، وإليه ذهب غير واحد من الصحابة وغيرهم منهم: علي وابن عمر وسعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز والزهري، وبه قال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد. وهذا كصنيعه في حد شارب الخمر، فإنه كان في زمن النبي ﷺ وأبي بكر أربعين، ثم أن عمر لما رأى الناس تتايعوا في الخمر واستخفوا العقوبة عليها قال: "أرى أن تبلغ بها حد المفتري" يعني القاذف فجعلها ثمانين، وذلك بمحضر من ملأ من الصحابة فلا يبعد أن يكون الأمر في طلاق البتة مثله. وقال أبو العباس بن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من طلاق الثلاث؛ وهو أن يفرق بين اللفظ كأنه يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكان في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر، والناس على

стр. 2140

صدقهم وسلامتهم لم يكن ظهر فيهم الخب والخداع، وكانوا يُصَدَّقون أنهم أرادوا به التوكيد ولم يريدوا التكرار، فلما رأى عمر في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيرت؛ منع من حمل اللفظ على التوكيد وألزمهم الثلاث. وقال قوم: إنما هذا الحكم حكم خاص في غير المدخول بها، وإليه ذهب سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار قالوا: من طلق البكر ثلاثًا فهي واحدة. وعامة أهل العلم على خلافه، وقال ربيعة وابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك فيمن تابع بين كلامه فقال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق: لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، إلا أن مالكًا قال: إذا لم تكن له نية. وقال الشافعي وأصحاب الرأي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق: تَبين بالأولى ولا حكم لما بعدها. وقال الشافعي: فإن [كان] (١) معنى قول ابن عباس: "أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله ﷺ واحدة" يعني أنه بأمر النبي ﷺ ، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئًا [فنسخ] (٢) فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي ﷺ فيه خلافه. فإن قيل: فلعل هذا بشيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر. قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينار، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبي
следующие страницы →