الْفصّلُ الرابعُ:
فِي طَلاقِ الثَّلاَث
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "إنما كانت الثلاث على عهد رسول الله ﷺ تجعل واحدة وأبي بكر وثلاث من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم".
هذا حديث حسن صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
أما مسلم فأخرجه (١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج.
وعن محمد بن رافع (١)، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج بالإسناد، وقال: "أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاث من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم".
وأما أبو داود فأخرجه (٢) عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج.
وعن محمد بن عبد الملك بن مروان (٣)، عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاوس: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال: ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته [ثلاثًا] (٤) قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة
стр. 2137
على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما أن رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم".
وأما النسائي فأخرجه (١) عن سليمان بن يوسف، عن أبي عاصم، عن ابن جريج ... بالإسناد قال: "ألم تعلم أن الثلاث ... " وذكر الحديث وقال فيه: "ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم".
"إنما" كلمة مركبة من "إن" التي للتحقيق والتأكيد و"ما" الكافة، ويحصل من مجموعهما حصرَ الحكم على الشيء والشيء على الحكم؛ تقول: إنما القائم زيد، وإنما زيد القائم، فحصرت القيام على زيد، وزيدًا على القيام، وها هنا قد حصر الثلاث على الواحدة، وإذا كانت الألف التي في "أنما" لامها الأصلية وحدها كانت الجملة إخبارًا، تقديرها: أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ كذا وكذا, وليس الغرض من قول أبي الصبهاء الإخبار، إنما غرضه الاستفهام بمعنى التقرير والتثبيت ونزل على ذلك أمران:
أحدهما: قوله في آخر الحديث: "فقال ابن عباس: نعم" ونعم لا تكون جواب إخبار؛ لأن الخبر لا يحتاج إلى جواب وإنما يحتاج الاستفهام؛ قال مسلم: "أتعلم" وقال أبو داود: "أما علمت"، وقال النسائي: "ألم تعلم" فدل على [أن] (٢) الغرض الاستفهام، فتكون الهمزة التي في أول "أنما" همزة ممدودة، فالهمزة هي الأصلية، والمد عوض عن همزة الاستفهام، فإن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة أصلية يجوز فيها تحقيق الهمزتين والتليين والمد، فيكون التقدير
أأنما.
و"الثلاث" يريد بها الطلقات الثلاث.
стр. 2138
وقوله: "تجعل واحدة" يريد أنها لا تقع منها إلا واحدة وتلغي الثنتان.
وفي رواية الشافعي ومسلم والنسائي وإحدى روايتي أبي داود لم يتعرضوا لذكر المدخول بها ولا غيرها إنما أطلقا، وقد خصصها أبو داود في روايته الثانية وهي المراد؛ لأن المدخول بها لا اختلاف أن هذا الحكم لا تعلق له بها، وإنما جاز حذف هذا التخصيص؛ لأن المعنى مفهوم عندهم [فإذا] (١) أطلقوا اللفظ صرفه السامع إلى ما عنده من الغرض المفهوم، والفرق بين قول مسلم: "أتعلم" وقول أبي داود: "أما علمت" وقول النسائي: "ألم تعلم" أن قول مسلم: "أتعلم" أكثر ما يطلق هذا اللفظ في استفهام من لا يكون المُسْتَفْهِم قد علم أن المُسْتَفْهَم عالم بما سأله عنه، فيكون متوقفًا في أمر فيسأله ليعلم حقيقة الأمر عنده هل يعلمه أم لا؟ ويجوز أن يكون المستفهِم عالمًا أن المستفهَم عالم بذلك وإنما يريد بسؤاله تقريره، أو أن يظهر للسامع حقيقة حال المسؤل من علم أو جهل.
وأما قوله: "أما علمت" و"ألم تعلم" فإنما هو استفهام تقرير وتثبيت محض مع علم المستفهِم أن المستفهَم عالم بما سأله عنه.
و"صدر" كل شيء أوله، يريد بها أوائل إمارة عمر بن الخطاب، وفي رواية الشافعي: "وثلاثٍ" بالجرِّ عطفًا على ظاهر اللفظ، وفي رواية مسلم: "وثلثًا" وفي رواية أبي داود والنسائي: "وصدرًا" بالنصب عطفًا على الموضع.
و"التتايع" بتائين معجمتين بنقطتين من فوق، وياء تحتها نقطتان من بعد الألف، بمعنى التساقط والوقوع في الشيء، إلا أنه لا يكون إلا في الشر.
وقوله: "أجيزوهن عليهم" أي أمضوهن وأنفذوا الثلاث وأوقعوهن.
стр. 2139
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فقال قوم: كان هذا الحكم في الصدر الأول ثم نسخ. وهذا لا وجه له؛ لأن النسخ إنما يكون في زمان النبي ﷺ فأما في زمان عمر فلا وجه للنسخ؛ فإن الأحكام استقرت وانقطع الوحي، وإنما هو زمان الاجتهاد والرأي فيما بلغهم عن النبي ﷺ فيه نصٌ وتوقيف، كيف وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أنه قال لرجل طلق امرأته ثلاثًا: حرمت عليك".
فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ ثم يفتي بخلافه، وأن عمر بن الخطاب يكون قد علم أن الحكم كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر شيئًا ثم يفعل بخلافه؛ ألا ترى أن البخاري لم يخرج هذا الحديث في صحيحه مع صدق رجاله؛ لما فيه من الاختلاف على سائر الروايات عن ابن عباس. والله أعلم.
قالوا: ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفًا إلى طلاق البتة، وذلك أنه قد روي عن النبي ﷺ في حديث ركانة أنه جعل البتة واحدة وكان عمر يراها واحدة ثم تتايع الناس في ذلك فألزمهم الثلاث، وإليه ذهب غير واحد من الصحابة وغيرهم منهم: علي وابن عمر وسعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز والزهري، وبه قال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد.
وهذا كصنيعه في حد شارب الخمر، فإنه كان في زمن النبي ﷺ وأبي بكر أربعين، ثم أن عمر لما رأى الناس تتايعوا في الخمر واستخفوا العقوبة عليها قال: "أرى أن تبلغ بها حد المفتري" يعني القاذف فجعلها ثمانين، وذلك بمحضر من ملأ من الصحابة فلا يبعد أن يكون الأمر في طلاق البتة مثله.
وقال أبو العباس بن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من طلاق الثلاث؛ وهو أن يفرق بين اللفظ كأنه يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكان في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر، والناس على
стр. 2140
صدقهم وسلامتهم لم يكن ظهر فيهم الخب والخداع، وكانوا يُصَدَّقون أنهم أرادوا به التوكيد ولم يريدوا التكرار، فلما رأى عمر في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيرت؛ منع من حمل اللفظ على التوكيد وألزمهم الثلاث.
وقال قوم: إنما هذا الحكم حكم خاص في غير المدخول بها، وإليه ذهب سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار قالوا: من طلق البكر ثلاثًا فهي واحدة.
وعامة أهل العلم على خلافه، وقال ربيعة وابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك فيمن تابع بين كلامه فقال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق: لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، إلا أن مالكًا قال: إذا لم تكن له نية.
وقال الشافعي وأصحاب الرأي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق: تَبين بالأولى ولا حكم لما بعدها.
وقال الشافعي: فإن [كان] (١) معنى قول ابن عباس: "أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله ﷺ واحدة" يعني أنه بأمر النبي ﷺ ، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئًا [فنسخ] (٢) فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي ﷺ فيه خلافه.
فإن قيل: فلعل هذا بشيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر.
قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينار، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبي
стр. 2141
- ﷺ فيه خلافه؟!
فإن قيل: هل من دليل تقوم به الحجة في ترك أن تُحسب الثلاث واحدة في كتاب أو سنة أو مما ذكرت؟
قال: نعم، وذكر حديث عروة وهو:
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها، ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها وقال: والله لا أؤويك ولا تحلين أبدًا؛ فأنزل الله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذ، من كان منهم طلق أو لم يطلق".
هكذا أخرجه في كتاب "العدة".
هذا حديث صحيح مرسل أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) والترمذي هكذا مرسلاً.
أما الترمذي فأخرجه (٣) عن أبي كريب، عن عبد الله بن إدريس، عن هشام، عن أبيه.
وأخرجه الترمذي أيضًا (٣)، عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ... وذكر نحوه ثم قال: حديث مالك أصح من حديث يعلى ابن شبيب.
قال الشافعي: فلعل ابن عباس أجاب عن الثلاث والواحدة سواء، وإذا جعل الله عدد الطلاق على الزوج وأن يطلق متى شاء فسواء الثلاث والواحدة
стр. 2142
وأكثر من الثلاث في أن يقضي بطلاقه.
"ارتجع" مضارع أَرْجَعَ، تقول: رجعت، أَرْجَع، راجعت الرجل أرجعه، ويتعدى ولا يتعدى، وهذيل تقول: أرجعت الرجل، فيعدونه بالهمزة، ومنه الرَّجعة في النكاح، بفتح الراء وكسرها والفتح أفصح.
و"شارفت" الشيء إذا وصلت إليه وقاربته، كأنك تشرف عليه وتنظر إليه.
و"أويت" فلانًا إلي فأنا أؤويه إذا ضممته إليك. والأصل فيه أنك أخذته إلى مأواك وهو منزلك.
وقوله: "لا تحلين أبدًا" يريد: لغيره من الأزواج؛ لأنها إذا لم تبن منه لا تحل لغيره، ومعنى قوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع، ولم يرد بالمرتين الثلاثة وإنما أراد التكرار، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (٢) أي كرة بعد كرة، ثم خيرهم -بعد أن علمهم كيف يُطَلِّقون- بين أن يمسكوا بمعروف أو ليسرحوا بإحسان، أي أمسكوهن بالمراجعة أو سرحوهن بترك المراجعة حتى تنقضي العدة، وقيل: معنى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان أي طلقتان، فعلى المطلق إمساك من غير إضرار، أو ترك من غير تعرض.
وقوله: "فاستقبل الناس الطلاق جديدًا" يريد أنهم بنوا أمرهم في طلاق نسائهم من وقت نزول هذه الآية بناءًا جديدًا، كأنهم اليوم ملكوا نكاحهن ولم يعتدوا بما كان تقدم من طلاق من طلق منهم ومن لم يطلق.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره: "أن رجلاً جاء إلى ابن عباس
стр. 2143
فقال: طلقت امرأة لي مائة. قال: تأخذ ثلاثًا وتدع سبعة وتسعين".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي مائة. قال: تأخذ ثلاثًا وتدع سبعة وتسعين".
هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (١) قال: "بلغه أن رجلاً قال لعبد الله بن عباس: إني طلقت امرأتي مائة تطليقة، فماذا ترى عَليّ؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوًا".
وقد أخرج البيهقي (٢) الروايتين معًا، إلا أنه قال في الرواية الأولى عوض "المائة": "ألف"، وقال: "تدع تسع مائة وسبعًا وتسعين".
قوله في الرواية الأولى: "امرأة لي" هذا اللفظ يقتضي أن له أكثر من امرأة، وجائز أن تكون له امرأة واحدة إلا أن اللفظ بالمعنى الأول أخص، وفي الرواية الثانية: "طلقت امرأتي" يدل على الأمرين إلا أنه بالمعنى الثاني أخص.
وقوله "تأخذ ثلاثًا" يعني تكتفي في طلاقها بثلاث تطليقات، وتدع الباقي من المائة لا حكم له.
وقوله: "اتخذت بها آيات الله هزوًا" يريد أنك لعبت في قولك ذلك، و"آيات الله" يريد بها أن الطلاق الذي أمر الله به منتهاه إلى الثلاث، وما جاء بعده فإنما هو لعب وهزوٌ ولا أصل له، فكأنه استهزأ بحكم الله تعالى في حصره الطلاق في الثلاث، قيل: إن الواجب عليك أن تجد في العمل بآيات الله وأوامره لا أن تستهزأ.
وهذا الحديث ذكره الشافعي بعد حديث ابن عباس؛ يشير إلى أنه قد صح عنه أنه أجاز الثلاث، وأنه لما استفتاه هذا السائل عن المائة أوقع عليه الثلاث
стр. 2144
جملة، ولم يفته بالواحدة كما تضمنه الحديث الأول، وقد روى ذلك عنه: سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري.
وروي مثله عن عُمر وعلي والحسن وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو.
***
стр. 2145
الفَصْل الخامِس
فِي طلاَق العَبْدِ
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، قال: حدثني نافع، أن ابن عمر كان يقول: "من أذن لعبده أن ينكح فالطلاق بيد العبد، ليس بيد غيره من طلاقه شيء".
هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (١) وزاد في آخره: "فأما أن يأخذ الرجل أمة غلامه أو أمة وليدته فلا جناح عليه".
وقد أخرج الشافعي في القديم هذا الحديث بالزيادة المذكورة.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، قال: حدثني عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: "أن نفيعًا -مكاتبًا لأم سلمة- استفتى زيد بن ثابت، فقال: طلقت امرأة لي حرة تطليقتين، فقال زيد بن ثابت: حرمت عليك".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، قال: حدثني ابن شهاب، عن ابن المسيب: "أن نفيعًا -مكاتبًا لأم سلمة زوج النبي ﷺ طلق امرأته حرة تطليقتين، فاستفتى عثمان بن عفان، فقال عثمان: حرمت عليك".
هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) إسنادًا ولفظًا.
قال الشافعي: طلاق العبد اثنتان، فيملك من رجعتها بعد واحدة ما يملك الحر من رجعة امرأته بعد اثنتين.
وقال في "الإملاء": جعل الله الطلاق بالرجال وإليهم، وجعل العدة على
стр. 2146
النساء، فيطلق الحر الأمة ثلاثاً وتعتد حيضتين، ويطلق العبد الحرة ثنتين، وتعتد ثلاث حيض.
وتفصيل المذهب: أن طلاق الحر ثلاثًا تحته حرة أو أمة، وطلاق العبد ثنتان سواء كان تحته حرة أو أمة، وروي مثل ذلك عن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة والثوري: الطلاق معتبر بالنساء، فإذا كانت حرة كان لزوجها ثلاث تطليقات حرًّا كان أو عبدًا، وإذا كانت أمة كان لزوجها طلقتان حرًّا كان أو عبدًا، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 2147
الفصْل السَّادِس:
في أحْكَامٍ مُتفرقَةٍ
أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار، أنهم سمعوا أبا هريرة يقول:
[سألت] (١) عمر بن الخطاب ﵁ عن رجل من أهل البحر طلق امرأته تطليقتين ثم انقضت عدتها، فتزوجها رجل غيره، ثم طلقها أو مات عنها ثم تزوجها زوجها الأول، قال: هي عنده على ما بقي".
هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" (٢) عن الزهري، عن حميد وعبيد الله وسليمان وابن المسيب ... وذكر نحوه.
ورواه الحكم بن عتيبة، عن مزيدة بن جابر، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب.
وعن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب.
ورواه ابن سيرين، عن عمران بن حصين.
قوله: "هي عنده على ما بقي له من الثلاث" إن كان طلقها واحدة فهي ثنتين وإن كان طلقها ثنيتن فهي على واحدة.
قال الشافعي: يهدم الزوج المصيبها بعده الثلاث ولا يهدم الواحدة والثنتين، قال: وقولنا هذا قول عمر بن الخطاب وعدد من كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد خَالَفَنَا في هذا بعض الناس واحتج يقول ابن عمر وابن عباس.
стр. 2148
وبقول الشافعي قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن المسيب، وعبيدة السلماني البصري، وأحمد، ومحمد بن الحسن، وزفر، وروي ذلك عن عمر وعلي وزيد ومعاذ وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يهدم الزوج الثاني ما بقي من الطلاق وتعود إلى الأول بالثلاث، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس.
قال الشافعي: لما كانت الطلقة الثالثة توجب التحريم، كانت إصابة زوج غيره يوجب التحليل، ولما لم يكن في الطلقة والطلقتين ما يوجب التحريم، لم يكن لإصابة زوج غيره معنى يوجب التحليل.
ومعنى هذا الكلام: أن الزوج إذا طلق ثلاثًا قبل الدخول أو بعده؛ فإن المطلقة لا يحل له أن يعقد عليها حتى تتزوج بعده ويصيبها الزوج ويطلقها وتعتد منه، ثم يجوز للأول أن يتزوجها، وإذا كان الطلاق واحدة أوْ اثنتين وبانت منه بذلك، كان للذي طلقها وأبانها أن يتزوج بها من غير أن تتزوج بزوج غيره، فإن تزوجها زوج آخر وأصابها ثم طلقها واعتدت، ثم تزوجها الأول، عادت إليه بما بقي من طلاقها.
وأخرج الشافعي في كتاب "حرملة": حدثنا سفيان، عن مسعر، عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم".
استدل الشافعي بهذا الحديث على أنه إذا طلق في نفسه ولم يحرك به لسانه لم يكن طلاقًا، وهو من حديث النفس الموضوع عن بني آدم.
وأخرج الشافعي في كتاب "المكره" ويروى عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن عليًّا ﵁ قال: "لا طلاق لمكره".
أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي، والذي روي عن عمر بن الخطاب
стр. 2149
-﵁[أن رجلاً] (١) تدلى يشتار عسلًا فجاءته امرأته فوقعت على الحبل، فحلفت لتقطعنه أو لتطلقني ثلاثًا، فذكَّرَهَا الله تعالى والإسلام، فأبت إلا ذلك، فطلقها ثلاثًا، فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب ﵁ فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق".
تم كتاب الطلاق والحمد للهِ رب الْعَالمين.
ويتلوه كتاب الرجعة في المجلد الخامس إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وكان الفراغ منه ليوم الخميس خامس وعشرون من ذي القعدة سَنةَ أَرْبع وَثَلاَثِينَ وَسَبْعمائةَ.
والحمد لله وحده
...
الشَّافِي
فيْ شَرح مُسْنَد الشَّافِعي
لابْنِ الأثيْر
مَجْد الدِّيْن أبي السَّعادَاتْ: المباركْ بْن محمَّد بْن عَبْد الكريم الجزْريْ
стр. 2153
جميْع الحقوقْ محفوظة
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥مـ
مَكتَبةَ الرُّشْدِ
نَاشِرُونْ
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١
Email:alrushd@alrushdryh.com
Website:www.rushd.com
* فرع طريق الملك فهد: الرياض - هاتف ٢٠٥١٥٠٠ فاكس ٢٠٥٢٣٠١.
* فرع مكة المكرمة: هاتف ٥٥٨٥٤٠١ فاكس ٥٥٨٣٥٠٦.
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ فاكس ٨٣٨٣٤٢٧.
* فرع جدة: ميدان الطائرة - هاتف ٦٧٧٦٣٣١ فاكس ٦٧٧٦٣٥٤.
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - هاتف ٣٢٤٢٢١٤ فاكس ٣٢٤١٣٥٨.
* فرع أبها: شارع الملك فيصل - تلفاكس ٢٣١٧٣٠٧.
* فرع الدمام: شارع الخزان - هاتف ٨١٥٠٥٦٦ فاكس ٨٤١٨٤٧٣.
وكلاؤنا في الخارج
القاهرة: مكتبة الرشد - ت ٢٧٤٤٦٠٥.
بيروت: دار ابن حزم هاتف ٧٠١٩٧٤.
المغرب: الدار البيضاء - وراقة التوفيق - هاتف ٣٠٣١٦٢ فاكس ٣٠٣١٦٧.
اليمن: صنعاء - دار الآثار - هاتف ٦٠٣٧٥٦.
الأردن: عمان - الدار الأثرية ٦٥٨٤٠٩٢.
البحرين: مكتبة الغرباء - هاتف ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣.
الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع هاتف ٤٣٣٣٩٩٩٨ فاكس ٤٣٣٣٧٨٠٠.
سوريا: دار البشائر ٢٣١٦٦٦٨.
قطر: مكتبة ابن القيم - هاتف ٤٨٦٣٥٣٣.
стр. 2154
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما.
الحمد لله كما يليق بكمال وجهه وعز جلاله، لا إله إلا الله عدة للغلبة.
كتاب الرجعة
وفيه فصلان:
الفصل الأول في أحكام الرجعة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: إذا طلق الرجل امرأته؛ فهو أحق أن يراجعها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، في الواحدة والاثنتين.
قوله: "إذا طلق الرجل امرأته" يريد الطلاق أولاً.
"فهو أحق أن يراجعها": أي يردها إلى نكاحه من غير تجديد عقد.
وقوله: "حتي تغتسل من الحيضة الثالثة" لأنها إذا حاضت بعد الطلاق ثلاث حيضات ثم طهرت؛ فإنها تكون قضت عدتها من ذلك الطلاق؛ وحينئذ لا يجوز له أن يراجعها إلا بعقد جديد، وذلك في الطلقة الأولى والثانية، فأما في الثالثة فإنها تحتاج أن تنكح زوجًا غيره.
هذا معنى هذا الحديث.
والشافعي ذكر هذا الحديث في حكايته عن مذهب غيره، بعد أن حكى ما
стр. 2155
ذهب إليه هو ومن قال بقوله، فإنه يقول: إن عدة المطلقة المدخول بها بالأقراء، والأقراء عنده: الأطهار، فمتى طلقها وهي طاهر ثم حاضت، ثم طهرت ثم حاضت، ثم طهرت ثم دخلت في الحيضة الثالثة، فقد استكملت الأقراء الثلاثة وبانت من زوجها.
وروي مثل ذلك عن: زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الفقهاء السبعة -فقهاء المدينة- والزهري، وابن أبي ذئب، وربيعة، ومالك، وأبو ثور، وأحمد في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة: الأقراء: الحيض. وروي ذلك عن عمر وابن مسعود، وأبي موسى، وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأحمد في الرواية الأخرى، وكذلك قال الشافعي.
وقال عمر، وعلي، وابن مسعود: لا تحل المرأة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.
قال: فقيل للعراقيين -يعني الذين ذهبوا إلى هذا القول-: لم لا تقولون يقول من احتججتم بقوله ورويتم عنه، ولا قول أحد من السلف علمناه؟ فإن قال قائل: أين خالفناهم؟ قلنا: قالوا: حتى تغتسل وتحل لها الصلاة، فلم قلتم: إن فرطت في الغسل حتى يذهب وقت الصلاة فقد حلت وهي لم تغتسل، ولم تحل لها الصلاة؟.
ثم قال: ولا تعدوا أن تكون الأقراء إلا أطهار، كما قالت عائشة، والنساء بهذا أعلم لأنه فيهن نزل لا في الرجال. أو تكون الحيض فإذا جاءت بثلاث حيض حلت، ولا نجد في كتاب الله تعالى للغسل معنى يدل عليه، ولستم تقولون بواحد من القولين والله أعلم.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك قال: حدثني أبو الزناد، عن سليمان بن يسار
стр. 2156
أن نفيعا- مكاتبًا لأم سلمة زوج النبي ﷺ أو عبدًا كانت تحته امرأة حرة، فطلقها اثنتين ثم أراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي ﷺ أن يأتي عثمان بن عفان فيسأله عن ذلك، فذهب إليه فلقيه عند الدَّرَج آخذًا بيد زيد بن ثابت فسألهما، فابتدراه جميعًا فقالا: حرمت عليك، حرمت عليك.
قد تقدم في كتاب الطلاق روايتان مختصرتان، وهذه الرواية أخرجها في كتاب الرجعة (١)، وقد أخرجها مالك في الموطأ (٢) هكذا، وقد جاء في المسند: "أن مكاتبا لأم سلمة له عبد" وهو غلط، إنما هو"أن نفيعا مكاتبا لام سلمة أو عبد"، كذا جاء في الموطأ وفي كتاب السنن للبيهقي (٣) وهو الصحيح -إن شاء الله تعالى- وقد ذكرنا في كتاب الصداق عند ذكر الروايتين حكم طلاق العبد ورجعته وعدة زوجته.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي في مسكن حفصة، وكان طريقه إلى المسجد، فكان يسلك الطريق الآخر من أدبار البيوت، كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها.
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٤) إسنادًا ولفظًا.
وأدبار البيوت -بفتح الهمزة-: أي أنه لم يكن يجيء من جهة أبوابها كي لا يستأذن على حفصة فيدخل عليها فيراها عندها.
وكراهية: منصوب لأنه مفعول له، أي: كان يسلك الطريق من ظهره لأجل كراهية الاستئذان عليها.
قال الشافعي: عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج أنه قال لعطاء: ما يحل
стр. 2157
للرجل من المرأة يطلقها؟ قال: لا يحل له منها شيء ما لم يراجعها.
وهذا كما قال عطاء -إن شاء الله .
أخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن سعيد بن جبير، عن علي بن أبي طالب في الرجل يطلق امرأته ثم يشهد على رجعتها ولم تعلم بذلك؟ قال: هي امرأة الأول دخل بها الآخر أو لم يدخل.
قوله: "يشهد على رجعتها" أي يشهد عليها أنه قد ردها إلى نكاحه ولم تعلم المرأة بذلك.
في الحديث كلام محذوف تقديره: "ثم تزوجها رجل آخر" ثم يتصل الكلام بقوله: قال: هي امرأة الأول، ويدل عليه.
قال الشافعي: إن الله -تعالى- جعل للزوج المطلق الرجعة في العدة، ولا يبطل ما جعل الله له منها بباطل من نكاح غيره، ولا بدخول لم يكن محل الابتداء لو عرفاه كانا عليه محدودين، وفي مثل معنى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ : إذا نكح الوليان فالأول أحق.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المرأة إذا لم تعلم صحة المراجعة حيث لا يفتقر فيها إلى علمها ولا رضاها، ثم انقضت عدتها زُوِّجت بآخر، وادعى أنه كان راجعها، فمن أين تنقضي عدتها؟ وثبت ذلك فنكاح الثاني مفسوخ، سواء دخل بها أو لم يدخل. وإليه ذهب أكثر الفقهاء.
وقال مالك: إن كان الثاني قد دخل فهو أحق, وإن لم يكن دخل بها ففيه روايتان. وروى ذلك عن عمر.
فأما إذا لم تثبت رجعية الأول فالقول قول الثاني مع يمينه.
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن حماد، عن قتادة، عن خلاس: أن رجلاً
стр. 2158
طلق امرأته وأشهد على طلاقها، وراجعها وأشهد على رجعتها، واستكتم الشاهدين حتى انقضت عدتها، فرفع إلى علي -كرم الله وجهه- ففرق بينهما ولم يجعل له عليها رجعة وعزَّر الشاهدين.
قال الشافعي: وهم يخالفون هذا ويجعلون الرجعة بائنة.
أورده فيما ألزم العراقيين، في خلافٍ على روايات خلاس عن علي يضعفها أهل العلم بالحديث (١).
...
стр. 2159
الفصل الثاني
في نكاح المطلقة ثلاثا
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنه سمعها تقول: جاءت امرأة رفاعة -يعني القرظي- إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هُدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ فقال: "أتريدين [أن ترجعي] (١) إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عُسيلتك وتذوقى عُسيلته". وأبو بكر عند النبي ﷺ ، وخالد بن سعيد بن العاص [بالباب] (١) ينتظر أن يؤذن له، فنادى يا أبا بكر، ألا تسمع ما تجهر به هذه عند رسول الله ﷺ !
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بالإسناد المذكور، وذكر الحديث إلى قوله: "ويذوق عسيلتك".
وأخبرنا الشافعي بالإسناد وذكر الحديث بطوله.
أخرج الرواية الأولى في كتاب "اختلاف الحديث" (٢)، والثانية في كتاب "الرسالة"، والثالثة في كتاب "الرجعة" (٣).
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا وأبا داود.
فأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد الله بن محمد، عن سفيان.
وأما مسلم (٥): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، والناقد، عن سفيان.
стр. 2160
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن ابن أبي عمر وإسحاق بن منصور، عن سفيان إلى قوله: "عسيلتك".
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري الحديث.
بَتَّ الطلاق: أي قطعه، تقول: بت الشيء يبت وأبته بتته لغة قريبة.
وهدبة الثوب: طرفه مما يلي رأسه كالطرة، ويجمع على الهدب تريد: أن ذكره رخو لا يشتد.
والعسيلة: كناية عن النكاح, لأنه مستحلى عند الرجل والمرأة، قالوا لكل ما استحلوه: عسل ومعسول.
وقيل: العسيلة: ماء الرجل، والنطفة تسمى عسيلة.
قال الأزهري: والأول أولى, لأن العسيلة في الحديث كناية عن حلاوة الجماع، الذي يكون بتغييب الحشفة في فرج المرأة، ولا يكون ذواق العسيلتين معًا إلا بالتغييب وإن لم ينزلا, ولذلك اشترط عسيلتهما، فأنث العسيلة لأنه شبهها بقطعة من العسل، والعرب تؤنث العسل وتذكره، فشبه بما يجده الرجل والمرأة من حلاوة الجماع بالذوق، والذوق لا يكون إلا بالفم، وإنما شبهه به تفهيما للمخاطب، وإيرادًا للمعنى في صورة تقربه من المعرفة، فكأنه شيء مدرك بحاسة الذوق حيث أعطاه معنى الذوق والعسيلة؛ فاستعار له ذكر الذوق.
قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) واحتمل قول الله : ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أن يتزوجها زوج غيره، فكأن هذا لأن اسم النكاح يقع بالإصابة
стр. 2161
ويقع بالعقد، فأما المعنى الذي سبق إلى من خوطب به واحتمل حتى يصيبها زوج غيره قال رسول الله ﷺ لامرأة طلقها زوجها ثلاثًا ونكحها بعده رجل: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". يعني: يصيبك زوج غيره، بيَّن أن إحلال الله إياها للزوج المطلق ثلاثًا بعد زوج بالنكاح، إذا كان منع النكاح إصابة من الزوج.
وفي هذا الحديث من الفقه:-
أن المرأة إذا لم يقدر زوجها على وطئها، فلها أن تشكوه إلى الحاكم وتطلب فسخ الحاكم (١).
وأن المبتوتة لا تحل للزوج الأول حتى تنكح زوجًا غيره، إذا أريد بالبت الثلاث.
وفيه: أن ذكر مثل هذا الأمر الذي يُستحيى منه عند الحاكم جائزًا، ألا ترى أن خالد بن سعيد لما أنكر عليها ما جهرت به من هذا القول، لم ينكره رسول الله ﷺ عليه إنما تبسم من قولها، وقال لها مجيبًا بألطف وأوثق عبارة: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة طلق امرأته -تميمة بنت وهب في عهد رسول الله ﷺ ثلاثا، فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها فأراد رفاعة أن ينكحها -وهو زوجها الأول الذي كان طلقها- فذكر للنبي ﷺ فنهاه أن يتزوجها وقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة".
هكذا أخرجه في كتاب الرجعة (٢)، وكذا أخرجه مالك (٣) في الموطأ بالإسناد
стр. 2162
واللفظ، ورواه عنه ابن وهب (١) فقال: عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه.
قوله: "فاعترض عنها" كناية عن عجزه عن وطئها، كأن شيئًا اعترضه دونها ومنعه منها.
والمس: الجماع.
والعسيلة: قد شرحناها في حديث عائشة.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المطلقة لا يحل لمطلقها أن يعود ينكحها حتى تنكح زوجًا غيره ويصيبها، فإذا طلقها وقضت العدة منه حل للأول أن يتزوج بها، وسواء وقعت الثلاث دفعة واحدة أو متفرقة، وسواء كانت قبل الدخول أو بعده بهذا قالت الجماعة، وروي ذلك عن: علي، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، إلا ما حكي عن ابن المسيب أنه قال: لا يحتاج إلى وطء الزوج ويكفي العقد.
وذكر العسيلة يبطل ذلك لأنه أراد تشبيه لذة الجماع بالعسل والقدر المبيح من هو تغييب الحشفة في الفرج فما زاد, لأن كل حكم يتعلق بالوطء يحصل بتغييب الحشفة، كالمهر والحد والإحصان وسائر الأحكام، ولا يحصل الإحلال بالوطئ في نكاح صحيح على الجديد. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد.
وقال في القديم: يحصل الإحلال بالوطء في نكاح فاسد. والله أعلم.
стр. 2163
كتاب الإيلاء
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يوقف المُوْلِي.
أخرجه في كتاب اليمين مع الشاهد، وعاد أخرجه بالإسناد واللفظ في كتاب الإيلاء (١).
هذا حديث صحيح.
البضع -بكسر الباء وقد تفتح-: ما بين الثلاثة إلى التسعة، تقول: عندي بضعة رجال، وبضع نسوة، وبضعة عشر رجلاً، وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت العشرة لم تقل: بضع وعشرون. قاله الجوهري.
وقال الأزهري (٢): قال أبو زيد: يقال: بضعة وعشرون رجلاً، وبضع وعشرون امرأة.
قال: وقال أبو عبيدة: [البضع] (٣) ما لم يبلغ العقد ولا نصفه. يريد ما بين الواحد إلى أربعة.
والمولى: اسم فاعل من آلى يولي إيلًاء فهو مول، إذا حلف وأقسم.
والإيلاء: الحلف، وتقول: تألى، متولي فهو متأل، والألية اليمين. هذا هو الأصل في اللغة، ثم استعمله الشرع استعمالًا خاصًا فيمن يحلف أنه لا يطأ زوجته، وفيه خلاف بين العلماء سنذكره، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٤). الآية، وكان الإيلاء طلاق
стр. 2164
الجاهلية، وكان ضررًا بالمرأة إذا لم يردها زوجها إلى أن لا يقربها أبدًا، فلا تتزوج بغيره ولا هو يقربها، وفعل ذلك في الإسلام أيضًا، وإنما عُدي "بمن" ومن شأنه أن يعدى "بعلى" لأنه ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد؛ فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين أي: مقسمين.
وقوله: "يوقف المُوْلِى" هو فعل مستقبل من أوقف، ولم يجئ في العربية أوقف وإنما جاء وقف، وهو يتعدى ولا يتعدى تقول: وقف الرجل ووقفته أنا.
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لو مررت برجل واقف فقلت له: ما أوقفك ها هنا لرأيته حسنًا.
وحكى ابن السكيت عن الكسائي مثله. وإنما اللغة الفصحى وقفته أقفه، قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (١) فكان ينبغي أن يقول: كلهم يقف المولى، أي يحبسه ويلزمه بما يجب عليه من الرجوع إلى الوطء أو الطلاق ولا شك أن هذا من تحريف النساخ أو الرواة، فإن الشافعي يجل قدره عن جهل مثل هذا من اللغة، وهو من فصحاء العرب وعلمائهم، ويدل على ذلك أنه حيث استعمل هذه اللفظة -أي في كتبه- لم يذكرها إلا بغير ألف.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإيلاء عبارة عمَّن حلف على ترك زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليًا. وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا حلف على ترك وطئها أربعة أشهر فما زاد، كان موليا إِيلاءً شرعيًا.
وقال النخعي، وابن أبي ليلى، وقتادة، والحسن، وحماد، وإسحاق: إذا حلف لا يطأها يومًا أو يومين أو أقل أو أكثر كان موليًا.
стр. 2165
وروى عن ابن عباس أنه قال: لا يكون موليًا حتى يحلف على ترك الوطء أبدًا أو مطلقًا، فإذا انقضت مدة الأربعة أشهر ولم يطأها؛ كان لها أن تطالبه بالرجوع إلى الوطء أو الطلاق. وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: أن المولى إذا لم يطأ في مدة الإيلاء، وقع بمضي المرأة طلقة وبانت منه. وحكى ذلك عن ابن مسعود.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة قال: شهدت عليًا ﵁ أوقف المولى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان بن الحكم أن عليًا أوقف المولى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عليا (كرم الله وجهه) كان يوقف المولى.
أخرج مالك (١) في الموطأ الرواية الثالثة، وأخرج الشافعي الروايات الثلاث في كتاب الإيلاء (٢)، مؤكدًا لحديث سليمان بن يسار في وقف المولى.
وقال الشافعي -فيما بلغه عن هشيم، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليًا -كرم الله وجهه- وقف المولي. وقال: هكذا نقول وهو موافق لما روينا عن عمر وابن عمر، وعائشة، وعن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وعن بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ أنهم وقفوا المُوْلى، وهم يخالفونه ويقولون: لا يُوقف إلا إذا مضت أربعة أشهر بانت منه.
стр. 2166
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس: أن عثمان كان يوقف المولي.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي (١) مؤكدًا لما سبق من وقف المولى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة إذا ذكر لها الرجل يحلف أن لا يأتي امرأته فيدعها خمسة أشهر، لا ترى ذلك شيئًا حتى يوقف، وتقول: كيف قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢).
وهذا الحديث أخرجه الشافعي مؤكدًا لما سبق، وأن المولى إذا حلف مطلقا وتركها أكثر من أربعة أشهر، ولم يعتد بذلك حتى يوقف ويلزم بالرجوع أو الطلاق. وسيرد بيان ذلك في حديث ابن عمر التالي لهذا الحديث.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لا يقع عليها طلاق، وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء.
هذا حديث صحيح أخرجه مالك في الموطأ، والبخاري.
أما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد نحوه.
وأما البخاري (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله: لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق كما أمر الله.
وقال لي إسماعيل: حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: إذا مضت أربعة
стр. 2167
أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق.
قال البخاري: ويذكر ذلك عن عثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة، واثنى عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ .
وفاء يفيء: إذا رجع، يريد الرجوع إلى الوطء الذي امتنع منه وآلى على تركه، فإن كان قادرًا على الوطء فيباشره، وإن كان عاجزًا فيقول بلسانه: إذا قدرت على الوطء وطئت.
وهذا الحديث والذي قبله أوردهما الشافعي حجة لما ذهب إليه؛ من أنه لا يقع بالإيلاء طلاق، وأنه يلزم بعد انقضاء الأجل بالرجوع إلى الوطء أو بالطلاق، وهو حجة على من قال: أنه يقع بامتناعه من الوطء طلقة بائنة.
ويؤيد قول الشافعي أن الله تعالى أمر أن يتربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر فما دونها فلا معنى للتربص, لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك أو مع انقضاء المدة، ويكون بعد ذلك ممتنعًا من الوطء بغير يمين فلا يكون موليًا، كما لو امتنع من الوطء ابتداءً بغير يمين.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي يحيى، عن ابن عباس أنه قال: المولى الذي يحلف لا يقرب امرأته أبدًا.
المولى: في موضع رفع بالابتداء، وخبره قوله: الذي يحلف وليس بصفة، لأنا لو جعلناه صفة لاحتاج إلى خبر، وإنما الغرض أن المولى: هو الحالف أن لا يقرب امرأته أبدًا.
وإنما خرج الشافعي هذا الحديث في سياق كلام ذكره مع من خاطبه في الإيلاء، وهو أنه قال: قال بعض العراقيين لكنا اتبعنا فيه -يعني في الإيلاء ومدته- قول ابن عباس وعبد الله بن مسعود.
قلنا: أما ابن عباس فأنت تخالفه في الإيلاء. قال: ومن أين؟ فذكر هذا
стр. 2168
الحديث، ثم قال: وأنت تقول: المولي من حلف على أربعة أشهر فصاعدًا، قال الشافعي: وأما ما رويت فيه عن ابن مسعود فمرسل، وحديث علي بن بذيمة لا يسنده غيره فيما علمته -يريد بالمرسل: رواية إبراهيم، عن عبد الله فيمن آلى من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يجامعها قال: بانت منه. ويريد بالمسند: رواية علي بن بذيمة عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.
قال الشافعي: ولو كان هذا ثابتا عنه فكنت إنما بقوله اعتللت أكان بضعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ أولى أن يؤخذ بقولهم أو واحد أو اثنان وأقل بضعة عشر أن يكونوا ثلاثة عشر.
وأخرج الشافعي فيما بلغه عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن أبي عطية الأسدي أنه تزوج امرأة أخيه وهي ترضع ابن أخيه، فقال: والله لا أقربها حتى تفطمه، فسأل عليًا -كرم الله وجهه- عن ذلك.
فقال علي: إن كنت إنما أردت الإصلاح لك ولابن أخيك فلا إيلاء عليك، إنما الإيلاء ما كان في الغضب.
ورواه الشافعي في القديم (١) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن علي بن أبي طالب في معناه.
ثم قال: وسعد ثقة وإن كنت لا أدري عمن رواه.
стр. 2169
كتاب اللعَان
وفيه فصلان:
الفصل الأول في سنة اللعان وكيفيته وأحكامه
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت يا عاصم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك. فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال: يا عاصم! ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسائل التي سألته عنها: فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها". فقال سهل بن سعد: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغنا من تلاعنهما قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها وطلقتها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد أخبره قال: جاء عويمر العجلاني إلى عاصم بن عدي، فقال: يا عاصم بن عدي، سل لي رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلاً فقتله، أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟، فسأل عاصم النبي ﷺ ، فعاب النبي ﷺ المسائل، فلقيه
стр. 2170
عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: صنعت أنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله ﷺ فعاب المسائل. قال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما، فدعاهما فلاعن بينهما، فقال عويمر: لئن انطلقت بها لقد كذبت عليها ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : "انظروها، فإن جاءت به أسحم أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا" فجاءت به على النعت المكروه.
قال ابن شهاب: فصارت سنة المتلاعنين.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب عن سهل بن سعد: أن عويمرًا جاء إلى عاصم، فقال: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله، أتقتلونه؟ سل لي يا عاصم رسول الله، فسأل رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، فرجع عاصم إلى عويمر، فأخبره أن النبي ﷺ كره المسائل وعابها، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ ، فجاء وقد نزل القرآن خلاف عاصم، فسأل رسول الله ﷺ فقال: "قد نزل فيكما القرآن" فتقدما فتلاعنا، ثم قال: كذبت عليها إن أمسكتها، ففارقها وما أمره النبي ﷺ ، فمضت سنة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ : "انظروها، فإن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة فلا أحسبه إلا قد كذب عليها، وإن جاءت به أسحم أعين ذو أليتين فلا أحسبه إلا قد صدق عليها"، فجاءت به على النعت المكروه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد -أخي بني ساعدة- أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يصنع؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن
стр. 2171
من أمر المتلاعنين، قال: فقال لي النبي ﷺ : "قد قضى فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا وأنا شاهد، ثم فارقها عند النبي ﷺ ، وكانت سنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملاً فأنكرها، فكان ابنها يدعى إلى أمه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه سمعت سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن النبي ﷺ قال: "إن جاءت به أشقر سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أديعج فهو للذي يتهمه" قال: فجاءت به أديعج.
أخرج الشافعي هذه الروايات جميعًا في كتاب اللعان، وعاد أخرج الروايتين الأخريين في كتاب اختلاف الحديث، إلا أنه قال: إن جاءت به أشعر سبطًا، وإن جاءت به أديعج جعدًا.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الأولى بالإسناد.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن يحيى، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سهل. وذكر الرواية الثالثة.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق برواية البخاري ولم يذكر في روايته الصفات.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن محمد بن جعفر الوركاني، عن إبراهيم بن سعد بالإسناد.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن محمد بن معمر، عن أبي داود، عن
стр. 2172
عبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سهل، عن عاصم. ولم يذكر الصفات.
وكلهم أخرج الحديث عن سهل أن عاصم بن عدي، فجعلوه من مسند سهل، إلا النسائي فإنه جعله من مسند عاصم (١).
الأسحم: الأسود.
والدعج في العين: هو شدة سوادها مع سعتها، وقيل: هو شدة سواد سوادها وشدة بياض بياضها، يقال: رجل أدعج، وعين دعجاء، وامرأة دعجاء.
وقيل: الدعج والدعجة: سواد في كل شيء ولا يخص العين, يقال: رجل أدعج إذا كان أسود.
وقال الأصمعي: الدعج والدعجة: شدة السواد.
قال الأزهري: هذا هو الصواب، والأول لم يقله إلا الليث وهو خطأ يقول النبي ﷺ : "أدعج العينين" يريد أسود العينين.
وقوله: "عظيم الأليتين" يريد كثيرهما سمينهما، والأليتان جانبا الإست الناتئان، شبههما بألية الكبش.
والوحَرة -بفتح الحاء- دويبة صغيرة حمراء كالعظاءة تلصق بالأرض، وأراد بها المبالغة في قصره.
والأعين: الواسع العين.
والأميغر: تصغير الأمغر، وهو الأحمر على لون المغرة: وهي الطين الذي يصبغ به.
стр. 2173
والسبط: الشعر خلاف الجعد.
والأديعج: تصغير الأدعج.
وقد جاء في الرواية الثالثة: "فإن جاءت به أسحم، أعين، ذو أليتين" بالرفع وهو خطأ، وإنما الصواب "ذا أليتين"، وكذا جاء في كتاب البيهقي بالنصب.
وقوله: "انظروا، إن جاءت به أدعج كذا كذا" فيه دليل على اعتراض الشبهة والرِّيب في القضية من جهة الظن، وتطريق الشبهية وإن كانت لا تؤثر في الظاهر؛ فإن الحكم بالظاهر انتفاء الولد عنه باللعان وإلحاقه بالأم.
وأما الباطن: فإن الشبهة تثير في الباطن أمرًا ما, ولو كان للشبهة ها هنا حكم لوجب عليها الحد؛ إذ جاءت به على النعت المكروه.
ويريد بالنعت المكروه: شبهه الولد بمن رميت به فإن ذلك مكروه.
وقوله في الصدق: "فلا أراه إلا قد صدق"، وفي الكذب: "فلا أراه إلا كاذبا" فجعل في الصدق "قد" وفي الكذب اسم الفاعل، وكلا اللفظين دالان على معنى واحد؛ وإنما جاء بقد والفعل في الصدق وبالاسم في الكذب لأن حالة تصديقه حالة مكروهة تنفر منها الطباع؛ لما فيها من إظهار الفاحشة، وإعلان هذه الحالة القبيحة، ولذلك ندب الشرع إلى ستر أمثال هذه المعاصي وإخفائها، حتى قال النبي ﷺ لهزال: "هلا سترته بثوبك يا هزال"، وقال: "إذا أتى أحدكم سيئًا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" وقال في هذا الحديث إنه يكره المسائل، وكان يعرض عن الماعز كلما أقر عنده بالزنا؛ حتى أتاه عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وبين يديه، كل ذلك سترًا للمعصية، وأعظم ما في ذلك قوله تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) وإذا كان الأمر كذلك
стр. 2174
عدل في ذكرها والإخبار عنها إلى الفعل، فقال: "فلا أراه إلا قد صدق"، ولم يقل: "فلا أراه إلا صادقاً", لأن دلالة الاسم في هذا المقام أوضح من دلالة الفعل، وذلك أن الأصل في المفعولات والحال الاسم، وأما الجملة الاسمية والفعلية فإنهما فرع في الوضع عليه، فكانت دلالة الأصل أوضح من دلالة الفرع، فلم تكن الهمة في الإخبار عن صدقه قوية؛ ولا النفوس إلى تحقيق صدقه منبعثة، نظرًا إلى الأدب الشرعي في إخفاء المعاصي. فلما جاء إلى حالة التكذيب وكانت الهمة في إظهارها قوية، والنفس في تحقيقها منبعثة؛ عدل في الإخبار عنها إلى اللفظ الموضوع الأصلي، فقال: "فلا أراه إلا كاذبا".
وقوله: "قد صدق" حرف وفعل، والحرف هو للقليل الأفعال والتقريب إلى الحال، يقول قائل: كان كذا وكذا، فتقول في الجواب: قد كان ذلك. أي أنه قليل الكون قريبه.
ويقول العامل: قد يكون كيت وكيت، فتقول: قد يكون ذلك أي: أنه قليل الوقوع وقريب من الوقوع.
فأما قوله: "فلا أراه إلا كاذبًا" فإن اللفظ يقتضي اتصافه بالكذب وأن ذلك حالة لا دلالة فيها على تقريب الحال ولا تقليل، وإنما لما علقه بالشرط صار معلقًا عليه، فكانت الدلالة فيه أقوى نظرًا إلى الأصل في الأدب الشرعي في إظهار الأوصاف الجميلة والخلال الحميدة.
قال الشافعي: وفي حديث ابن أبي ذئب دليل على أن سهل بن سعد قال: فكانت سنة المتلاعنين، وفي حديث مالك وإبراهيم بن سعد كأنه قول ابن شهاب، وقد يكون هذا غير مختلف بقوله مرة ابن [شهاب] (١) ولا يذكر سهلاً، وبقوله أخرى ويذكر سهلا، ووافق ابن أبي ذئب إبراهيم بن سعد فيما زاد في آخر الحديث على حديث مالك.
стр. 2175
قال الشافعي: يحتمل طلاقه ثلاثًا أن يكون بما وجد في نفسه، لعلمه بصدقه وكذبها وجرأتها على اليمين؛ طلقها ثلاثًا جاهلاً بأن اللعان فرقة، فكان كمن طلق من طلق عليه بغير طلاقه، وكمن شرط العهدة في البيع والضمان في السلف وهو يلزمه شرط أو لم يشترط.
قال: وزاد ابن عمر أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين.
وتفريق النبي عند فرقة الزوج إنما هو تفريق حكم.
قال الشافعي: ففي حكم اللعان في كتاب الله ثم سنة رسول الله ﷺ دلائل واضحة منها: أن عويمرًا سأل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلاً، فكره المسائل، وذلك أن عويمرًا لم يخبره أن هذه المسألة كانت.
قال: وقد أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يكن؛ فحرم من أجل مسألته".
قال: وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، [عن] (١) عامر بمثل معناه.
ومنها: الدلالة على أن ما حرم النبي ﷺ حرام بأمر الله إلى يوم القيامة.
ومنها: الدلالة على أن رسول الله ﷺ حين وردت عليه هذه المسألة، وكانت حكمًا وقف عن جوابها حتى أتاه من الله الحكم فيها، فقال لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" فلاعن بينهما كما أمر الله في اللعان، ثم فرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة ونفاه عن الأب، وقال: "لا سبيل لك عليها"، ولم يرد الصداق على الزوج فكانت هذه أحكاما وجبت [باللعان] (٢).
وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن هشام بن عروة وجاء رسول الله ﷺ