من أمر المتلاعنين، قال: فقال لي النبي ﷺ : "قد قضى فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا وأنا شاهد، ثم فارقها عند النبي ﷺ ، وكانت سنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملاً فأنكرها، فكان ابنها يدعى إلى أمه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه سمعت سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن النبي ﷺ قال: "إن جاءت به أشقر سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أديعج فهو للذي يتهمه" قال: فجاءت به أديعج.
أخرج الشافعي هذه الروايات جميعًا في كتاب اللعان، وعاد أخرج الروايتين الأخريين في كتاب اختلاف الحديث، إلا أنه قال: إن جاءت به أشعر سبطًا، وإن جاءت به أديعج جعدًا.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الأولى بالإسناد.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن يحيى، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سهل. وذكر الرواية الثالثة.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق برواية البخاري ولم يذكر في روايته الصفات.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن محمد بن جعفر الوركاني، عن إبراهيم بن سعد بالإسناد.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن محمد بن معمر، عن أبي داود، عن
стр. 2172
عبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سهل، عن عاصم. ولم يذكر الصفات.
وكلهم أخرج الحديث عن سهل أن عاصم بن عدي، فجعلوه من مسند سهل، إلا النسائي فإنه جعله من مسند عاصم (١).
الأسحم: الأسود.
والدعج في العين: هو شدة سوادها مع سعتها، وقيل: هو شدة سواد سوادها وشدة بياض بياضها، يقال: رجل أدعج، وعين دعجاء، وامرأة دعجاء.
وقيل: الدعج والدعجة: سواد في كل شيء ولا يخص العين, يقال: رجل أدعج إذا كان أسود.
وقال الأصمعي: الدعج والدعجة: شدة السواد.
قال الأزهري: هذا هو الصواب، والأول لم يقله إلا الليث وهو خطأ يقول النبي ﷺ : "أدعج العينين" يريد أسود العينين.
وقوله: "عظيم الأليتين" يريد كثيرهما سمينهما، والأليتان جانبا الإست الناتئان، شبههما بألية الكبش.
والوحَرة -بفتح الحاء- دويبة صغيرة حمراء كالعظاءة تلصق بالأرض، وأراد بها المبالغة في قصره.
والأعين: الواسع العين.
والأميغر: تصغير الأمغر، وهو الأحمر على لون المغرة: وهي الطين الذي يصبغ به.
стр. 2173
والسبط: الشعر خلاف الجعد.
والأديعج: تصغير الأدعج.
وقد جاء في الرواية الثالثة: "فإن جاءت به أسحم، أعين، ذو أليتين" بالرفع وهو خطأ، وإنما الصواب "ذا أليتين"، وكذا جاء في كتاب البيهقي بالنصب.
وقوله: "انظروا، إن جاءت به أدعج كذا كذا" فيه دليل على اعتراض الشبهة والرِّيب في القضية من جهة الظن، وتطريق الشبهية وإن كانت لا تؤثر في الظاهر؛ فإن الحكم بالظاهر انتفاء الولد عنه باللعان وإلحاقه بالأم.
وأما الباطن: فإن الشبهة تثير في الباطن أمرًا ما, ولو كان للشبهة ها هنا حكم لوجب عليها الحد؛ إذ جاءت به على النعت المكروه.
ويريد بالنعت المكروه: شبهه الولد بمن رميت به فإن ذلك مكروه.
وقوله في الصدق: "فلا أراه إلا قد صدق"، وفي الكذب: "فلا أراه إلا كاذبا" فجعل في الصدق "قد" وفي الكذب اسم الفاعل، وكلا اللفظين دالان على معنى واحد؛ وإنما جاء بقد والفعل في الصدق وبالاسم في الكذب لأن حالة تصديقه حالة مكروهة تنفر منها الطباع؛ لما فيها من إظهار الفاحشة، وإعلان هذه الحالة القبيحة، ولذلك ندب الشرع إلى ستر أمثال هذه المعاصي وإخفائها، حتى قال النبي ﷺ لهزال: "هلا سترته بثوبك يا هزال"، وقال: "إذا أتى أحدكم سيئًا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" وقال في هذا الحديث إنه يكره المسائل، وكان يعرض عن الماعز كلما أقر عنده بالزنا؛ حتى أتاه عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وبين يديه، كل ذلك سترًا للمعصية، وأعظم ما في ذلك قوله تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) وإذا كان الأمر كذلك
стр. 2174
عدل في ذكرها والإخبار عنها إلى الفعل، فقال: "فلا أراه إلا قد صدق"، ولم يقل: "فلا أراه إلا صادقاً", لأن دلالة الاسم في هذا المقام أوضح من دلالة الفعل، وذلك أن الأصل في المفعولات والحال الاسم، وأما الجملة الاسمية والفعلية فإنهما فرع في الوضع عليه، فكانت دلالة الأصل أوضح من دلالة الفرع، فلم تكن الهمة في الإخبار عن صدقه قوية؛ ولا النفوس إلى تحقيق صدقه منبعثة، نظرًا إلى الأدب الشرعي في إخفاء المعاصي. فلما جاء إلى حالة التكذيب وكانت الهمة في إظهارها قوية، والنفس في تحقيقها منبعثة؛ عدل في الإخبار عنها إلى اللفظ الموضوع الأصلي، فقال: "فلا أراه إلا كاذبا".
وقوله: "قد صدق" حرف وفعل، والحرف هو للقليل الأفعال والتقريب إلى الحال، يقول قائل: كان كذا وكذا، فتقول في الجواب: قد كان ذلك. أي أنه قليل الكون قريبه.
ويقول العامل: قد يكون كيت وكيت، فتقول: قد يكون ذلك أي: أنه قليل الوقوع وقريب من الوقوع.
فأما قوله: "فلا أراه إلا كاذبًا" فإن اللفظ يقتضي اتصافه بالكذب وأن ذلك حالة لا دلالة فيها على تقريب الحال ولا تقليل، وإنما لما علقه بالشرط صار معلقًا عليه، فكانت الدلالة فيه أقوى نظرًا إلى الأصل في الأدب الشرعي في إظهار الأوصاف الجميلة والخلال الحميدة.
قال الشافعي: وفي حديث ابن أبي ذئب دليل على أن سهل بن سعد قال: فكانت سنة المتلاعنين، وفي حديث مالك وإبراهيم بن سعد كأنه قول ابن شهاب، وقد يكون هذا غير مختلف بقوله مرة ابن [شهاب] (١) ولا يذكر سهلاً، وبقوله أخرى ويذكر سهلا، ووافق ابن أبي ذئب إبراهيم بن سعد فيما زاد في آخر الحديث على حديث مالك.
стр. 2175
قال الشافعي: يحتمل طلاقه ثلاثًا أن يكون بما وجد في نفسه، لعلمه بصدقه وكذبها وجرأتها على اليمين؛ طلقها ثلاثًا جاهلاً بأن اللعان فرقة، فكان كمن طلق من طلق عليه بغير طلاقه، وكمن شرط العهدة في البيع والضمان في السلف وهو يلزمه شرط أو لم يشترط.
قال: وزاد ابن عمر أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين.
وتفريق النبي عند فرقة الزوج إنما هو تفريق حكم.
قال الشافعي: ففي حكم اللعان في كتاب الله ثم سنة رسول الله ﷺ دلائل واضحة منها: أن عويمرًا سأل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلاً، فكره المسائل، وذلك أن عويمرًا لم يخبره أن هذه المسألة كانت.
قال: وقد أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يكن؛ فحرم من أجل مسألته".
قال: وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، [عن] (١) عامر بمثل معناه.
ومنها: الدلالة على أن ما حرم النبي ﷺ حرام بأمر الله إلى يوم القيامة.
ومنها: الدلالة على أن رسول الله ﷺ حين وردت عليه هذه المسألة، وكانت حكمًا وقف عن جوابها حتى أتاه من الله الحكم فيها، فقال لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" فلاعن بينهما كما أمر الله في اللعان، ثم فرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة ونفاه عن الأب، وقال: "لا سبيل لك عليها"، ولم يرد الصداق على الزوج فكانت هذه أحكاما وجبت [باللعان] (٢).
وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن هشام بن عروة وجاء رسول الله ﷺ
стр. 2176
العجلاني -وهو أحيمر سبط نضو الخلق- فقال: يا رسول الله! أرأيت شريك ابن السحماء -يعني ابن عمه، وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين خال الخلق- يصيب فلانة -يعني امرأته- وهي حبلى وما قربتها منذ كذا، فدعى رسول الله ﷺ شريكًا فجحد، ودعى المرأة فجحدت، فلاعن بينها وبين زوجها وهي حبلى، ثم قال: "انظروها، فإن جاءت به أدعج، عظيم الأليتين فلا أراه إلا [قد] (١) صدق عليها وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب". فجاءت به أدعج عظيم الأليتين، وقال رسول الله ﷺ : "إن أمره لبينِّ لولا ما قضى الله" يعني أنه لِمَنْ زنا لولا ما قضى الله من أن لا يحكم على أحد إلا بإقرار واعتراف على نفسه، لا يحل بدلالة غير واحد منهما وإن كانت بينة، فقال: "لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاء غيره" ولم يعرض لشريك ولا للمرأة -والله أعلم- وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب، ثم علم بعد أن الزوج هو الصادق.
هذا الحديث جاء في المسند في كتاب "إبطال الاستحسان" مبتورًا كما تراه، وقد أبان عنه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد البيهقي وأوضحه فقال (٢) ﵀: قد ذكر الشافعي ﵀ في كتاب "إبطال الاستحسان" فصلا في أن الأحكام في الدنيا إنما هي على ما أظهر العباد، وأن الله يدين بالسرائر هو احتج بأمر المنافقين وبحديث أبي هريرة قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا [إله إلا] (٣) الله" ثم قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة. وإنما أراد حديث هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ" الحديث لكنه انقطع إما بترك وقع في نسخه، وإما بترك الشافعي الحديث ليرجع إلى الأصل فيثبته، وكأنه كره إثباته من الحفظ ثم كتب بلا إسناد: وجاء العجلاني إلى
стр. 2177
رسول الله ﷺ وهو أحيمر سبط نضو الخلق وذكر الحديث إلى آخره، قال فيه بعد قوله: لا يحكم على أحد إلا بإقراره.
قال البيهقي: الصواب "إلا بشهود".
وقال بعد قوله: "وإن كانت بينة -يعني ظاهرة".
قال البيهقي بعد فراغ الحديث: فظن أبو عمرو بن مطر -رحمنا الله وإياه، أو من خرَّج المسند من المبسوط- أن قوله: "وجاء العجلاني" من قول هشام بن عروة فخرجه في المسند مركبًا على إسناد حديث مالك بن هشام، وهذا وهم فاحش والشافعي يبرأ إلى الله تعالى من هذه الرواية، وقد وهم أبو عمرو أو من خرج المسند هكذا في غير حديث مما خرجه في المسند، وقد ذكرته في هذا الكتاب -يعني كتاب "السنن والآثار"- وبينته وبالله التوفيق.
قال البيهقي: وهذا الحديث فيما قرأته على أبي سعيد بن أبي عمرو -في كتاب إبطال الاستحسان- عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي، عن مالك، عن هشام لكنه في أصل عتيق فصل بينه وبين ما بعده بدائرة، ثم: كتب وجاء العجلاني [ومن يفكر في قوله عن هشام بن عروة وجاء العجلاني] (١) علم أنه ابتداء كلام معطوف على ما قبله، وليس لهذا الحديث أصل من حديث مالك، عن هشام بن عروة، وقد أعاد الشافعي هذه المسألة في مواضع من كتبه، واحتج فيها بحديث هشام عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة بحديث العجلاني. وأنا مستغن عن هذا الشرح، لكن لبعد أفهام أكثر الناس احتاج في مثل هذا الوهم الفاحش منذ مائة سنة إلى بيان، وبالله التوفيق.
انتهى كلام البيهقي ﵀.
ولقد بالغ وأحسن الصنع في بيان هذا الوهم، الذي يجل قدر الشافعي.
стр. 2178
-رحمة الله عليه- عنه وهو كما قال وشرح ولا مطعن فيه لطاعن ولا مغمز لغامز، ولقد بلغني عن بعض الأئمة- أظنه الحافظ أبا نعيم الأصفهاني ﵀ أنه قال للشافعي: على كل أحد مِنَّة إلا البيهقي فإن منته على الشافعي.
يريد بها [ما] (١) صنع في كتبه؛ من تشييد مذهبه وبيان صحة أحاديث أحكامه.
وقال البيهقي (٢) ﵀: قال الشافعي ﵁ في كتاب أحكام القرآن: ورمى العجلاني امرأته برجل بعينه فالتعن، ولم يحضر رسول الله ﷺ المرمي بالمرأة، فاستدل على أن الزوج إذا التعن لم يكن للرجل الذي رماه بامرأته عليه حد.
وقد ذكرنا حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني، وليس فيه احضار المرمى بالمرأة كما قال الشافعي ها هنا، وقد قال في الإملاء: وقد قذف العجلاني امرأته بابن عمه وابن عمه شريك بن السحماء، وسماه لرسول الله ﷺ وذكر أنه رآه عليها، وسأل رسول الله ﷺ شريكًا فأنكر فلم يحلفه، فكذلك لا يجلد أحدًا ادُّعي عليه الزنا، والتعن العجلاني فلم يحد النبي ﷺ شريكًا بالتعانه، فكذلك لا يحد من رُمي بالزنا بالتعان غيره، ولم يحد العجلاني القاذف فكذلك لا يحد من قذف رجل بعينه.
قال البيهقي: وذكر الشافعي ﵀ في الإملاء أن النبي ﷺ سأل شريكًا فأنكر فلم يحلفه، وكان الشافعي أخذه من تفسير مقاتل بن حيان فإنه كذلك ذكره مقاتل في تفسيره، وقد حكى الشافعي عن تفسيره في غير موضع إلا أنه سمى القاذف بشريك بن السحماء هلال بن أمية، وكذلك هو في رواية
стр. 2179
عكرمة، عن ابن عباس، وفي رواية أنس بن مالك، والشافعي سماه العجلاني، والعجلاني هو عويمر المذكور في حديث سهل بن سعد، وليس في حديث سعد أنه رماها بشريك بن سحماء ولا بغيره مسمى بعينه، إلا أن قول النبي ﷺ إن جاءت به كذا وكذا "فلا أحسبه إلا قد صدق عليها، دليل على أنه رماها برجل بعينه وإن لم يسم في حديثه، وقال: وعندي أن الشافعي ذهب في هذه الأحاديث إلى أنها خبر عن قصة واحدة، ومن تفكر فيها وجد ما يدله على صحة ذلك، ثم إنه اعتمد على حديث سهل بن سعد في تسمية القاذف بعويمر العجلاني لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره، ولأن ابن عمر قال في حديثه: فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني عجلان، وفيه إشارة إلى من سماه سهل بن سعد، فكان ذلك عنده أولى من رواية عكرمة، عن ابن عباس، ورواية هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس في تسمية القاذف بهلال بن أمية، ثم وجدهما أسميا المرمي بالمرأة ولم يسمه سهل، فذهب في تسمية المرمى بالمرأة إلى روايتهما، وفي تسمية الرامي إلى رواية سهل وابن عمر، وعلى ذلك خرج قوله في الأملاء -والله أعلم.
ولنذكر الآن ما في الحديث من ألفاظ تحتاج إلى بيان.
الأحيمر: تصغير الأحمر، يريد أنه أبيض أشقر وليس بأسمر ولا أسود.
والنضو: الضعيف الرقيق، وهو في الأصل البعير المهزول وجمعه أنضاء، فاستعير لما أشبهه من غيره.
والسحماء: السوداء تأنيث الأسحم.
وقوله: "خال الخلق" لم أثبت هذه اللفظة هل هي بالجيم أو الحاء أو الخاء، وأشبه الثلاثة أن يكون بالخاء المعجمة من قولهم: خل لحمه يخل خلولًا فهو خال أي: قل ونحف، والخل أيضًا: الرجل النحيف، واختل جسمه أي هزل.
стр. 2180
قد ذكرنا أن هذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "إبطال الاستحسان"، وحيث ذكرنا توجيه الحديث وأشرنا إلى الوهم الواقع لأبي العباس الأصم في تخريجه، فلنذكر طرفًا مما ذهب إليه الشافعي وغيره من العلماء في الاستحسان.
أما الشافعي فقد ذهب إلى إبطاله حتى أنه قال: من استحسن فقد شرع في الدين.
ويبطل الاستحسان إذا لم يترتب على قاعدة من قواعد الأدلة.
واشتهر عن أبي حنيفة القول بالاستحسان، ثم اختلف أصحابه فجاهر بعضهم بالخلاف فقال: هو ترك القياس والعمل بغير دليل شرعي إنما هو استحسان عقلا, وليس على المستحسن إقامة دليل تتوجه عليه القوادح، إنما هو تلويح يعن في العقل.
وقال بعضهم: الاستحسان إمالة فرع إلى أصل هو أدعى له.
ومعنى ذلك: أنه تخصيص العلة بمعنى يقتضيه بناء على قولهم بجواز تخصيص العلل.
وقال بعضهم: الاستحسان يراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد، لا تساعده العبارة عنه، ولا يقدر على إبرازه وإظهاره. وهذا من أعجب الأقوال وأغربها.
وقال الكرخي -من متأخريهم- وغيره من أصحابهم ممن عجز عن نصرة الاستحسان المشتهر عن أبي حنيفة، قالوا: الاستحسان ليس هو من عبارة عن قول بغير دليل، بل هو بدليل وأخال أن يكون المستحسن غير مطالب بدليل، وليس في هذا خلاف ولا نقص ولا كلام مع من ذهب إليه، إنما الكلام مع من قال: لا يلزم في الاستحسان إقامة دليل. وذلك هو المنكر ألا ترى أن أبا حنيفة قال: إذا شهد أربعة بزنا على شخص لكن عينَّ كل واحد منهم زاوية من زوايا بيت، وقال: زنا فيها، فالقياس أن لا حد عليه، لكنا نستحسن حده، فيقال:
стр. 2181
لم نستحسن سفك دم مسلم من غير حجة؛ إذ لم يجتمع شهادة الأربعة على زنا واحد، وغايته أن يقول: تكذيب المسلمين قبيح، وتصديقهم وهم عدول حسن فنصدقهم، ونقدر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا. والكلام على هذا وأحكامه وبسط القول فيه، أمر متعلق بكتب أصول الفقه وفروعه، وإنما اعترض القول فذكرنا ما قدره الله تعالى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن القاسم بن محمد قال: شهدت ابن عباس يحدث بحديث المتلاعنين، فقال له ابن شداد، أهي التي قال النبي ﷺ : "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها" فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت قد أعلنت.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي طويلًا ومختصرًا هكذا.
أما البخاري (١): فأخرجه عن ابن المديني، عن سفيان بالإسناد.
وعن ابن عفير وابن يوسف، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه.
وعن إسماعيل، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن الناقد وابن أبي عمر، عن سفيان.
وعن أحمد بن يوسف الأزدي [عن إسماعيل بن أبي أويس] (٣)، عن سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، وفي بعض طرقها قال: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن عيسى بن حميد، عن الليث، عن يحيى بن سعيد.
стр. 2182
وعن يحيى بن محمد بن السكن، عن محمد بن جهضم، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن سعيد.
قد تقدم في حديث سهل من شرح حديث الملاعنة وحكمه ما فيه كفاية.
وقوله في هذا الحديث: شهدت ابن عباس يحدث بحديث المتلاعنين.
يريد حديث العجلاني وزوجته المذكور وفي حديث سهل.
وقوله: "قد أعلنت" الإعلان: الإظهار، والمراد أنها أعلنت الفاحشة وأظهرتها، وقد بينه في الرواية الأخرى التي يقول فيها: كانت تظهر في الإسلام السوء.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج أن يحيى بن سعيد حدثه، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، والله ما لي عهد بأهلي منذ عفار النخل، قال: وعفارها إذا كانت تؤبر تعفر أربعين يومًا لا تسقى بعد الإبار -فوجدت مع امرأتي رجلاً- قال: وكان زوجها مصفرًا حمش الساقين سبط الشعر، والذي رميت به خدلًا إلى السواد جعدًا قططا مستهًا- فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بينّ" فلاعن بينهما، فجاءت برجل يشبه الذي رميت به.
قوله: "ما لي عهد بأهلي" يريد أنه لم يطأ منذ كذا وكذا.
وعَفَار النخل -بفتح العن المهملة، وتخفيف الفاء-: تلقيح النخل وإصلاحها، فيقال: قد عفروا نخلهم يعفرون، قاله الأصمعي.
وقال ابن الأعرابي: العفار أن يترك النخل بعد التلقيح أربعين يومًا لا تسقى، والعفار: لقاح النخل.
قال الجوهري: ويقال: العقار -بالقاف والفاء أشهر، وتأبير النخل تلقيحها.
стр. 2183
وحمش الساقين: دقيقهما.
وشعر سبِط وسبْط -بسكون الباء وكسرها-: إذا كان مسترسلًا ولم يكن جعدًا.
والخدل: السمين الساقين والذراعين الممتلئيهما، رجل خدل وامرأة خدلاء بينة الخدل.
وقوله: "إلى السواد" أي مائلًا إلى السواد في لونه.
والقطط: المبالغ في الجعودة، رجل قط الشعر، وقطط الشعر بمعنى، وقد قطط شعره -بالكسر- وهو أحد ما جاء على الأصل بأظهار الضعيف.
وقوله: "مستهًا" يريد عظيم الإست، تقول: سته الرجل يسته فهو أسته بينّ السته: إذا كان كثير العجز وامرأة ستهاء.
قال الأزهري: وفي حديث الملاعنة "إن جاءت به مستها جعدًا فهو لفلان" أراد بالمسته: الضخم الأليتين كأنه يقال استه فهو مسته، كما يقال: أسمن فهو مسمن، ورأيت رجلاً ضخم الأرداف كأن يقال له: أبو الأسته.
والذي ذهب إليه الشافعي في ذكر هذا الحديث: هو الاستدلال به على أن للزوج ملاعنة زوجته على الحمل.
ووجه الاستدلال: أن زوجها قال للنبي ﷺ : ما لي عهد منذ عفار النخل، وإنما قال ذلك: لأنه رآها حاملاً، ورأى عندها رجلاً وهو بعيد العهد بها.
وتفصيل المذهب: أنه إذا قذف زوجته كان له لعانها ونفي الولد، وإن لم يكن صرح بالزنا بل نفى الولد ولاعن لنفي الولد. وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: ليس له أن يلاعن لنفي النسب، ولا يصح نفيه في حال الحمل، فإن صرح بالقذف كان له أن يلاعن إلا عند أبي حنيفة إذا لاعنها
стр. 2184
للقذف وهي حامل يلزمه الولد.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ حين لاعن بين المتلاعنين، أمر رجلاً أن يضع يده على فيه عند الخامسة، وقال: "إنها موجبة".
أخرج النسائي (١) هذا الطرف، وقد جاء في جملة حديث طويل أخرجه البخاري (٢) وأبو داود (٣) والنسائي، إلا أن رواية النسائي لهذا الطرف هي عن علي بن ميمون، عن سفيان، عن عاصم.
والهاء في "فيه" راجعة إلى الرجل الملاعن، وإنما أفردها وإن كان لم ينفرد الرجل بالذكر لأنه قال: المتلاعنين. فعرف أنه يريد أحدهما, ولما ذكر الضمير رده إلى الرجل.
والموجبة: هي اللعنة التي توجب أحكام اللعان، فإن اللعان إنما يتم باللعنة الخامسة فهي تمامه.
والسنة في اللعان: أنه عند الخامسة يقفه الحاكم ويقول له: أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله تعالى، اتق الله فإنها موجبة، وإن عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة، ويأمر رجلاً أن يضع يده على فيه حتى لا يبدر بالخامسة.
وقد جاء هذا المعنى في رواية البخاري وأبي داود.
وأخبرنا الشافعي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أخبرني عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" قال: يا رسول الله، ما لي، قال: " [لا] (٤) مال لك، إن كنت قد صدقت عليها فهو بما
стр. 2185
استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها أو منه".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول: فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال: "هكذا بإصبعيه -المسبحة والوسطى- فقرنهما -الوسطى والتي تليها يعني المسبحة- وقال "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته في زمان النبي ﷺ انتفى عن ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة.
أخرج هذه الأحاديث في كتاب اللعان (١)، وأخرج في كتاب اختلاف الحديث عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ فرق بين المتلاعنين وألحق الولد بالمرأة.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة طويلاً ومختصرًا.
أما مالك (٢): فأخرج الرواية الثالثة في الموطأ بالإسناد.
وأما البخاري (٣): فأخرج الرواية الأولى عن علي بن عبد الله وقتيبة، عن سفيان.
وأخرج الثانية: عمرو بن زرارة، عن إسماعيل، عن أيوب، عن سعيد بن جبير.
وأخرج الثالثة: عن يحيى بن بكير، عن مالك.
وأما مسلم (٤): فأخرج الأولى عن يحيى بن يحيى وأبي بكر وزهير، عن سفيان.
стр. 2186
وأخرج الثانية: عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب.
وعن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن أيوب.
وأخرج الثالثة: عن سعيد بن منصور وقتيبة ويحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (١): فأخرج الأولى عن أحمد بن حنبل، عن سفيان.
وأخرج الثانية: عن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل، عن أيوب.
وأخرج الثالثة: عن القعنبي، عن مالك.
وأما النسائي (٢): فأخرج الأولى عن محمد بن منصور، عن سفيان.
وأخرج الثانية: عن زياد بن أيوب، عن ابن علية، عن أيوب.
وأخرج الثالثة: عن قتيبة، عن مالك.
وأما الترمذي (٣): فأخرج الحديث بطوله عن هناد، عن عبدة بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير.
وأخرج الثالثة: عن قتيبة، عن مالك.
والرواية التامة لحديث ابن عمر قد أخرجها مسلم والترمذي، ونحن نذكرها ليعرف أصل الحديث.
قال سعيد بن جبير: سئلتُ عن المتلاعنين في امرأة مصعب بن الزبير، أيفرق بينهما؟ فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلت للغلام، استأذن لي، قال: إنه قائل، فسمع صوتي فقال: ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل، فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة، فدخلت فإذا هو مفترش
стр. 2187
برذعة له، متوسد وسادة حشوها ليف، قلت: أبا عبد الرحمن! المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، قال: يا رسول الله! أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت عن مثل ذلك. قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، [قال: لا والذي بعثك بالحق، ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها، وذكَّرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة] (١). قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما.
قوله: "لا سبيل لك عليها" فيه بيان وقوع الفرقة بينهما باللعان، بخلاف من قال: اللعان لا يوجب الفرقة.
وفيه دلالة على أن الفرقة باللعان تأبيدة، ولو كان له عليها سبيل إذا أكذب نفسه لاستثناه، فقال إلا أن تكذب نفسك فيكون لك عليها حينئذ سبيل، فلما أطلق الكلام دل على تأييد الفرقة.
وفيه بيان أن زوج الملاعنة لا يرجع عليها بالمهر، وإن أقرت المرأة بالزنا أو قامت عليها البيَّنة بذلك، هذا في المدخول بها ألا تراه قال: "فهو بما استحللت من فرجها".
فأما غير المدخول بها فقد اختلف الناس فيها:-
стр. 2188
[قال] (١) الحسين وقتادة وسعيد بين جبير: تلاعنه ولها نصف الصداق.
وقال الحكم وحماد: لها الصداق كاملًا.
وقال الزهري: يتلاعنان فلا صداق لها.
والضمير في قوله: "منها" راجع إلى المرأة، وفي "منه" راجع إلى المال.
وقوله: "أحدكما كاذب، فهل منكما تائب" في هذا اللفظ من الأدب الحسن ما لا يخفى على السامعين، وذلك أنه لم يواجه أحدًا منهما بالكذب ولا خصه به, لأنه أولاً: علم غيب ولعل الله -تعالى- لم يكن أعلمه الكاذب منهما, ولأن العلم الحقيقي أن أحد المختلفين -الذين يدعى كل واحد منهما خلاف الآخر- كاذب والآخر صادق، وقد سوى رسول الله ﷺ الحكم بين الكاذب والصادق منهما، فحكم حكمًا واحدًا لأنه لم يتعين الصادق من الكاذب، وكلاهما يتجاذبان النقيضين فاستوى حكمهما لذلك، ولذا سوى رسول الله ﷺ في قوله: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لفلان، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لفلان" فحكم بينهما بالظاهر دون الباطن، وسوى الحكم بينهما بمقتضى اللعان, لأن ما علمه من باطن الأمر وقرائن الأحوال التي قال لأجلها: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لفلان"، ولذلك قال النبي ﷺ في رواية ابن عباس لما جاءت به على النعت المكروه: "لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن".
والذي ذهب إليه الشافعي: أن أحكام اللعان: وقوع الفرقة، وتأبد الحرمة، وسقوط حد القذف، وانتفاء النسب، ووجوب حد الزنا عليهما إن لم تلتعن، فإذا التعنت سقط الحد عنها ولحقها الولد.
وقال أبو حنيفة: الفرقة تتعلق بلعانها وحكم الحاكم. وهو أحد الروايتين عن
стр. 2189
أحمد.
وقال ربيعة ومالك وداود: تتعلق الفرقة باللعانين معًا. وهي الرواية الثانية عن أحمد.
وقد استدل أبو حنيفة ومن قال بقوله بهذا الحديث، حيث أضاف التفريق إلى النبي ﷺ .
وأما الشافعي فإنه قال: لما جرى التلاعن بحضرة رسول الله ﷺ ، أضيف التفريق إليه ونسب إلى فعله، كما تقوم البينة إما بشهادة، وإما بإقرار المدعى عليه، فثبت الحق بهما عليه ثم يضاف الأمر في ذلك إلى قضاء القاضي.
قال: ولو وجب أن لا تكون التفرقة إلا بأمر الحاكم، لوجب أن لا ينفى الولد عن الزوج إلا بحكم الحاكم، لأنه قد سبق عليه في الذكر، فقال: "فرق بين المتلاعنين وألحق الولد بالأم"، فإذا جاز أن يلحق الولد بالأم ويقطع نسبه عن الأب من غير صنع الحاكم فيه؛ جاز أن تقع التفرقة بينهما من غير صنع له فيه.
وأما تأبيد الحرمة: فإليه ذهب عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر. وبه قال النخعي، والبصري، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وعطاء بن أبي رباح، ومالك، وإحدى الروايتين عن أحمد لأنه فسخ لا طلاق.
قال أبو حنيفة ومحمد: إنه طلاق لا فسخ، فلذلك لا تتأبد عنده الحرمة، ويظهر الأثر فيما إذا كذَّب نفسه فإنه يجوز ردها إلى نكاحه عندهما.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: شهدت المتلاعنين عند رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة.
قال الشافعي: ثم ساق الحديث فلم يتقنه إتقان هؤلاء.
هذا طرف من حديث اللعان الذي رواه سهل، وقد تقدم ذكره في أول كتاب اللعان.
стр. 2190
وهذا الطرف قد استدل به الشافعي على أن اللعان لا يكون إلا بمحضر من طائفة من المؤمنين، لأنه قال: ولما حكى سهل بن سعد شهود المتلاعنين، مع حداثته وحكاه ابن عمر، استدللنا أن اللعان لا يكون إلا بمحضر من طائفة من المؤمنين، لا ما يحضره الصغار والكبار أولى به، ولأنه أردع للمتلاعنين عن الكذب.
وقوله: "فلم يتقنه إتقان هؤلاء" يريد ما مضى من روايات مالك وغيره، وإنما أشار إليهم لأنهم قد تقدم ذكرهم في كلامه قبل ذكره لهذا الحديث، ففي رواية مالك وغيره: "وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ وفي رواية ابن جريج: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد"، وفي رواية الأوزاعي: "فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله في كتابه"، وفي رواية نافع عن ابن عمر: "فتلاعنا كما قال الله ".
والإتقان: الإحكام والمراد به أنه لم يحكم حفظه كما حفظه غيره من الرواة.
ومذهب الشافعي: أن اللعان لا يصح إلا بحضرة الحاكم، وأن يكون في أشرف الأماكن، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وقيل عليه، وإن كان بالقدس فعند الصخرة، وإن كان بغيره من البلاد فبالجامع، وأن يكون بعد العصر، وأن يكون بمجمع من الناس وأقلهم أربعة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا، من سأل عن شيء لم يكن -يعني محرمًا- فحرم من أجل مسألته".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
стр. 2191
فأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد الله بن يزيد المقري، عن سعيد عن عقيل، عن الزهري، وقال: "عن شيء لم يحرم فحرم".
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن إبراهيم بن سعد.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان، عن الزهري، وقال: "عن أمر لم يحرم".
تقول: جرم الرجل وأجرم جرمًا وإجراما: إذا أذنب.
والجارم: الجاني، والجرم: الذنب.
وقوله: "في المسلمين جرمًا" أي أن ذنبه مختص يختص بهم ولهم, لأن التحريم راجع إليهم ولهذا قال: "أعظمهم ذنبا فيهم" فجعلهم محلا لجرمه.
وقوله: "فحرم من أجل مسألته" تعليل من لبيان الجرم وأنه كان بسبب سؤاله، وهذا الحكم من تعظيم أمر السؤال إنما هو فيمن يسأل تعنتًا وتكلفا فيما لا حاجة له فيه، لا فيمن سأل سؤال حاجة وضرورة، مثل: مسألة بني إسرائيل في شأن البقرة، وذلك أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلو استعرضوا البقر وأخذوا منها بقرة فذبحوها لأجزأتهم، فما زالوا يسألون ويتعنتون حتى غلظت عليهم. وأمروا بذبح بقرة مخصوصة، فعظمت عليهم المؤنة ولحقتهم المشقة في طلبها حتى وجدوها فاشتروها بالمال العظيم، فذبحوها وما كادوا يفعلون. ولذلك قال: أن بني إسرائيل شددوا فشدد عليهم.
فأما من كان سؤاله استبانة لحكم واجب، واستفادة لعلم قد خفي عليه؛ فإنه لا يدخل في هذا الوعيد، كيف وقد قال الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
стр. 2192
وقد احتج بهذا الحديث من ذهب إلى أن أصل الأشياء، قبل ورود الشرع على الإباحة إلى أن يقوم دليل الحظر.
وقد استدل الشافعي بهذا الحديث في كتاب اللعان، لقول عاصم بن عدي لعويمر العجلاني: سل لي رسول الله ﷺ ، وقوله: إن رسول الله ﷺ قد كره المسائل.
قال الشافعي (١): ففي حكم اللعان في كتاب الله ثم سنة رسول الله ( ﷺ )، دلائل واضحة منها: أن عويمرًا سأل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلاً فكره المسائل، وذلك أن عويمرًا لم يخبره أن هذه المسألة كانت، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال: وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢) الآية، فكانت المسائل فيما لم ينزل إذ كان الوحي ينزل مكروهة، لما ذكرنا من قول الله ثم قول رسول الله وغيره مما في معناه.
ومعنى كراهية ذلك: أن تسألوا عما لم يحرم، فإن حرمه الله تعالى في كتابه أو على لسان نبيه حرم أبدًا؛ إلا أن ينسخ الله تحريمه في كتابه؛ أو ينسخ على رسوله سنة بسنة.
وفيه دلالة: على أن ما حرم رسول الله ﷺ حرام بأمر الله إلى يوم القيامة.
وفيه دلالة: على أن رسول الله حين وردت عليه هذه المسأله وكانت حكما، وقف عن جوابها حتى أتاه من الله الحكم فيها، فقال لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك"، فلاعن بينهما كما أمر الله في اللعان، ثم فرق بينهما وألحق الولد بالمرأة ونفاه عن الأب، وقال: "لا سبيل لك عليها" ولم يرد الصداق على الزوج، فكانت هذه أحكامًا وجبت باللعان والله أعلم.
стр. 2193
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود؟ فقال له النبي ﷺ "هل لك من إبل"؟ فقال: نعم، قال: "مما ألوانها"؟ قال: حمر قال: "وهل فيها من أورق"؟ قال: نعم، قال: "أنى ترى ذلك"؟ قال: عرقًا نزعه، فقال النبي ﷺ : "فلعل هذا نزعه عرق".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن أعرابيًا من بني فزارة -فذكر الحديث وقال فيه: إن فيها لوُرقا، قال: "فأنى أتاها ذلك"؟ قال: لعله نزعه عرق.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما البخاري (١): فأخرجه عن يحيى بن قزعة وإسماعيل بن أبي أويس، عن مالك.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن ابن أبي خلف (٣)، عن سفيان.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن عبد الجبار بن العلاء وسعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان، عن ابن شهاب. وفي رواياتهم وهو يعرض بالاستنفاء منه.
الأورق من الإبل: الذي فيه لون بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحمًا وليس بمجهود عندهم في عمله وسيره، قاله الأصمعي.
стр. 2194
وقال أبو زيد: هو الذي يضرب لونه إلى الخضرة، والجمع: وُرْق.
والمراد من الحديث -على كلا التفسيرين-: أن في إبله بعيرًا يخالف ألوانها.
وقوله: "أنى ترى ذلك"؟ أي من أين جاءها هذا اللون المخالف لألوانها؟!
ونزع فلان إلى أبيه: إذا أشبه أي لعله نزعه عرق في أصله رجع إليه ومال نحوه، فشبه النبي ﷺ الأورق من إبله بولده الذي جاء أسود، وإن كان الأب والأم ليسا بأسودين.
وفي قول النبي ﷺ : "هل فيهما من أورق" وإدخاله لفظة "من" في الاستفهام زيادة في تحقيق القول والتشبيه، لأن لفظة "من" تزيد في الاستفهام استغراقًا أي: ولو أنه أورق واحد، ولذلك قال في الجواب: نعم، إن فيها لورقًا وهذا القول من الأب تعريض بأن زوجته قد زنت؛ وأنه يريد أن ينفي ولدها فحكم النبي ﷺ بهذا السؤال والتشبيه بالإبل أن الولد للفراش، ولم يجعل اختلاف اللون دلالة يجب الحكم بها.
وفي هذا دليل على إثبات القياس، وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث اشتبها واحد.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في التعريض بالقذف، قال: فلما كان قول الفزاري تهمة الأغلب منها -عند من سمعها- أنه أراد قذفها، فسمعه النبي ﷺ فلم يره قذفًا، لذا كان لقوله وجه يحتمل أن لا يكون أراد به القذف من التعجب والمسألة عن ذلك، استدللنا على أنه لا حد في التعريض.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن التعريض بالقذف لا يكون قذفًا إلا بعد أن يعرف أنه أراد به القذف. وبه قال أبو حنيفة وقال مالك وأحمد في أشهر
стр. 2195
الروايتين عنه -أنه يكون قذفًا في حال الغضب.
فأما إذا كان الأب والأم أبيضين وجاء الولد أسود وبالعكس ففي جواز نفي الولد وجهان.
وقال المزني في الجامع الكبير (١) سمعت الشافعي يقول: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن عمر ﵁ كان يجلد الحد في التعريض.
قال المزني: وقوله بدلائل الكتاب والسنة أولى من هذا.
يريد استدلال الشافعي بما ذكرنا من السنة، وبأن الله -تعالى- أباح التعريض بالخطبة في عدة المتوفى عنها فكان خلافًا للتصريح.
...
стр. 2196
الفصل الثاني
في الولد للفراش
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب -أو أبي سلمة- عن أبي هريرة -والشك من سفيان- أن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
أما البخاري (١): فأخرجه عن آدم، عن شعبة.
وعن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن سعيد بن منصور (٣)، وزهير وعبد الأعلى بن حماد والناقد، عن سفيان.
وأما ابن منصور فقال: عن سعيد، عن أبي هريرة.
وأما زهير فقال: عن سعيد أو عن أبي سلمة -أحدهما أو كلاهما- عن أبي هريرة.
وقال الناقد: حدثنا سفيان مرة، عن الزهري، عن أبي سلمة. ومرة عن سعيد، ومرة عن سعيد أو أبي سلمة.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد.
стр. 2197
قال: وقد رواه الزهري عن سعيد وأبي سلمة.
وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة.
وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعائشة، وأبي أمامة، وعمرو بن خارجة، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم.
الولد: يقع على الذكر والأنثى والواحدة والجمع، تقول: هذا ولدك، وهذه ولدك، وهؤلاء ولدك.
واللام في "للفراش" لام الملك.
والفراش أراد بها: النكاح, لأن الزوجة فراش الرجل.
وقيل: أراد صاحب الفراش، يريد بالفراش الذي ينامان فيه.
وقد صرح بذلك البخاري في رواية أخرى له: أن النبي ﷺ قال: "الولد لصاحب الفراش".
والعاهر: الزاني، والعاهرة: الزانية، عهر فهو عاهر.
والعُهْر -بالسكون- الزنا، ويروى بالفتح والاسم: العهر.
ومعنى قوله: "وللعاهر الحجر" قد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد به الرجم, لأن حد الزاني رجم بالحجارة.
وليس الأمر كذلك، لأن ليس كل زان يرجم، وإنما يرجم المحصن منهم.
قالوا: وإنما المعنى به ها هنا الحرمان والخيبة، كقولك: إذا أيَّسْت الطالب وخيبته من الشيء ما لك غير التراب وما في يدك غير الحجر، ونحو ذلك من الكلام، يريد أن العاهر قد خاب من لحوق الولد وأيس منه، وهذا
стр. 2198
كقوله ﷺ : "إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كله ترابًا" يريد أن الكلب لا ثمن له، فضرب المثل بالتراب الذي لا قيمة له.
وقد أجرى بعضهم حديث ثمن الكلب على ظاهره، وقال: تملأ كله ترابًا كمن قال في العاهر أنه أراد بالحجر الرجم، وإثبات، النسب وإلحاقه بالفراش المستند إلى عقد صحيح أو ملك يمين، مذهب جميع الفقهاء لم يختلف فيه أحد من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المجتهدين وغيرهم، ولا يثبت الولد بوطء الزنا.
وأول من استلحق في الإسلام ولد الزنا معاوية بن أبي سفيان، في استلحاقه زياد بن أبيه، والقصة مشهورة (١) وذلك بخلاف الإجماع من المسلمين، ثم لا يفيد الاستلحاق شيئًا من الأحكام الشرعية إذا كان عن زنا.
قال الشافعي: وليس يخالف حديث نفي الولد عمن ولد على فراشه؛ قول النبي ﷺ "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
وقوله: "الولد للفراش" له معنيان:-
أحدهما -وهو أعمهما وأولاهما-: أن الولد للفراش ما لم ينفه رب الفراش باللعان الذي نفاه به عند رسول الله ﷺ ، فإذا نفاه باللعان فهو منفي عنه وغير لاحق بمن ادعاه بزنا وإن أشبهه.
والمعنى الثاني: إذا تنازع الولد رب الفراش والعاهر، فالولد لرب الفراش.
والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن
стр. 2199
عبد بن زمعة [وسعدًا اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة] (١) فقال سعد: يا رسول الله! أوصاني أخي إذا دخلت مكة أن انظر إلى ابن أمة زمعة فاقبضه فإنه ابني، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن أمة أبي، فرأى شبهًا بيِّنا بعتبة فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة".
هكذا أخرج هذا الحديث في كتاب اختلاف الحديث (٢).
وقد أخرجه المزني عنه (٣): عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص، أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص، وقال: ابن أخي كان عهد إليَّ فيه، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال رسول الله ﷺ : "هو لك يا عبد بن زمعة" وقال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ثم قال رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة -زوج النبي ﷺ : "احتجبي عنه" لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله .
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (٤): فأخرجه عن ابن شهاب وذكر رواية المزني.
وأما البخاري (٥): فأخرجه عن عبد الله بن محمد، عن سفيان.
وعن عبد الله بن يوسف وإسماعيل ويحيى بن قزعة والقعنبي، عن مالك.
وأما مسلم (٦): فأخرجه عن سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة والناقد، عن سفيان.
стр. 2200
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن سعيد بن منصور ومسدد، عن سفيان.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان.
كانت العرب في الجاهلية تكون لهم إماء عليهن ضرائب لمواليهن وهن البغايا يذهبن ويؤدين ضرائبهن، وكانت الأمة منهن إذا جاءت بولد وادعاه أحد الزناة الذين زنوا بها، استحق به وصار ولده كما يكون في النكاح الصحيح.
وكان لزمعة بن قيس بن عامر بن لؤي، وهو أبو سودة زوج النبي ﷺ أمة زانية، إلا أنه كان يلم بها فزنا بها عتبة بن أبي وقاص في الجاهلية وحملت منه، فلما حضرته الوفاة قال لأخيه سعد بن أبي وقاص: إن حمل أمة زمعة مني، فلما فتحت مكة نظر سعد إلى ابن أمة زمعة، فطلبه ليأخذه وأبي عليه عبد بن زمعة أن يعطيه، هو (٣) أخي وولد على فراش أبي من أمته، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فلما رآه النبي ﷺ رأى فيه شبهًا ظاهرًا بعتبة، إلا أنه حكم بظاهر حكم الإسلام في كون الولد للفراش ولم يعتبر بالشبه الذي رآه فيه، فتحكم به لعبد ولم يحكم به لسعد، ثم إنه للشبه الذي رأى فيه بعتبة قال لسودة زوجته: "احتجبي منه"، وإن كان حكم الإسلام قد جعله أخاها، إلا أن الشبه الذي فيه اقتضى الاستحباب لها بالاحتجاب منه والاستظهار بالتنزه عن الشبه. وإليه ذهب الشافعي، ومالك، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد: إنما هذا على سبيل الواجب وهو حرام, لأن من أصلهم أن من زَنَا بامرأة حرمت على أولاده، وهذه القضية لما رأى النبي ﷺ الشبه لعتبة علم أنه من مائه، فأجراه على التحريم مجرى النسب فأمرها بالاحتجاب منه.
стр. 2201
وقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" هذه اللام لام الملك والتخصيص، وهي بالتخصيص أشبه، يريد ملكك ثابت لك بموجب دعواك أو مختص بما دون خصمك، ثم علل إثبات الحكم لعبد بقوله: "الولد للفراش" ثم إنه جاء عاريًا بالتعليل عاريًا من حرف العلة -وذلك أن- أحسن في مواقع الخطاب, لأنه يكون الكلام كأنه جملة واحدة، وأن هذه العلة جزء من الكلام وبعض من أبعاضه، وإذا جاء حرف العلة صار الكلام منقسمًا إلى علة ومعلول، ألا ترى أنه لو قال: هو لك يا عبد لأن الولد للفراش، لم يكن لهذه الطلاوة والحسن والامتزاج الحاصل بقوله: لك يا عبد، الولد للفراش.
وبيان ذلك: أن ظهور حرف العلة يفيد معناها ولا يتوقف فهم السامع على تدبر الكلام، وإذا أسقطه صار الكلام محتاجًا إلى حرف التعليل، فيتوفر الفهم على الإصغاء إلى اللفظ والاستماع إليه وتدبر معناه، ولأن الشيء إنما يحذف في موضع لا يخل صرفه بالمعنى حتى يصير كأنه مستغني عنه.
قال الشافعي: فقد قضى رسول الله ﷺ بابن وليدة زمعة بدعوة أخيه ونسبه إلى أبيه، وقال: "الولد للفراش" واعلم أن الأمة تكون فراشا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من بني زهرة، كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان، فقال عمر -يعني: ابن الخطاب-: "صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفرايق".
وقد رواه المزني عن الشافعي (١) بالإسناد قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من بني زهرة من أهل دارنا، فذهبت مع الشيخ إلى عمر وهو في الحجر،
стр. 2202
فسأله عن ولاد الجاهلية، قال: وكانت المرأة في الجاهلية إذا طلقها زوجها أو مات عنها نكحت بغير عدة، فقال الرجل: أما النطفة فمني وأما الولد فهو على فراش فلان، فقال عمر: صدقت، ولكن قضى رسول الله ﷺ بالولد للفراش.
هذا طرف من حديث قد تقدم ذكره في كتاب الحج، وذكرنا هناك شرحه ونذكر ها هنا منه ما يريده بيانا.
الولاد: مصدر ولدت المرأة تلد ولادًا وولادة، وأولدت حان ولادها.
والنطفة: القليل من الماء ولهذا سمي به ماء الرجل.
وقوله: "أما الفراش فلفلان" يريد به الزوجة أو الأمة وكلاهما يسمى فراشًا.
وقوله: "وأما النطفة فلفلان" فيريد به أن الولد مخلوق من مائه وإن كانت أم الولد فراشًا لغيره، وكذلك لأنه يكون قد رأى منه شبهًا به فألحقه للشبه، وإن كانت الفراش لا تلحقه.
ولذلك قال له عمر: صدقت، ولكن قضى رسول الله ﷺ بالفراش وأبطل حكم الشبه.
والذي أراد بقوله: "ولاد الجاهلية" أن الجاهلية كان لهم نكاح يسمونه نكاح "الاستبضاع" كان الرجل يقول لامرأته -إذا طهرتْ من طمثها-: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يبين حملها من الذي تستبضع منه ثم يصيبها زوجها ولا يعتزلها بعد ذلك، وإنما يفعل هذا -زعموا- رغبة في نجابة الولد، وإنما سموه نكاح الاستبضاع لأن المرأة بذلت فرجها لذلك الرجل، والبضع النكاح.
والذي جاء في رواية المزني: من نكاح الزوجة بغير عدة لا ينافي هذا، فإن ذلك من ولاد الجاهلية وهذا من ولادها أيضًا فلا يكون مناقضًا والله أعلم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الفراش بالوطء لملك اليمين وبالعقد للزوجة،
стр. 2203
والأمة لا تصير فراشًا بالملك لأن الملك قد يقصد به غير النكاح؛ بخلاف العقد فإن صارت فراشًا ولحقه ولدها. وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا تصير فراشًا حتى يقر بولدها، فإذا أقر به صارت فراشًا ولحقه ولدها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن يونس أنه سمع المقبري يحدث القرظي قال المقبري: حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول -أما نزلت آية الملاعنة- قال: فقال النبي ﷺ : "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه وفضحه به على رؤس الخلائق في الأولين والآخرين".
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي.
أما أبو داود (١): فعن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن الهاد.
وأما النسائي (٢): فعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد.
قوله: "أيما امراة أدخلت على قوم من ليس منهم" يريد ولد الزنا، وذلك أن المرأة إذا حملت من الزنا وجعلت الحمل من زوجها، فقد أدخلت على زوجها وقومه ولدًا ليس من زوجها.
وقوله: "فليست من الله في شيء" أي لا علاقة بينها وبين الله، ولا عندها من حكم الله وأمره ودينه شيء كما تقول: لست من شأنك في شيء،
стр. 2204
أي ليس عندي من أمرك وما أنت عليه شيء ولا أنا متعلق منك بسبب، وذلك براءة من الله تعالى فكأنه قال: فهي بريئة من الله في كل أمرها وشأنها, ولذلك جاء بلفظة "شيء" منكرة، أي أنها بريئة منه في كل أمورها وأحوالها، وإنما أردف هذا اللفظ المشتمل على الذم العام المتضمن جميع أقسامه بقوله: ولم يدخلها الله جنته لأمرين:-
أحدهما: أن الأول حكم عام كما قلنا، إلا أنه مع عمومه لا يكاد النساء يقعن علي حقيقة المراد منه لعمومه، فأعقبه بذكر أحد أنواعه التي يعمها كل سامع فقال: "ولم يدخلها الله جنته"، وذكر دخول الجنة دون غيره من أنواع الوعيد, لأن الأنفس تميل إلى النعيم، وحصول الراحة، ودخول الجنة من أقوى أسباب حصول النعيم، فإن كل ما أعد الله من أسباب النعيم موجود فيها ومن حرمها فقد حرم الخير كله.
والأمر الثاني: أن قوله: "ولم يدخلها جنته" تعريض لخلود النار لأنه ليس في الآخرة إلا جنة أو نار، فمن لم يدخل الجنة فهو في النار، وإذا كان في النار ولم يدخل الجنة فقد خلد فيها، فجمع في هذه اللفظة بين نوعين من التغليظ على الزانية:-
أحدهما: التصريح بالمنع من دخول الجنة.
والآخر: التعريض بدخول النار.
وقوله: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم" يشمل التغليظ والوعيد لأن فيه إدخال الولد والزنا معًا، لأن من جاءت بولد زنا فإنها زانية حيث أن الزنا قبل الولادة، ولكنه أراد أن ينهى عن الأمرين ويوعد على الحالتين، جاء باللفظ الشامل لهما وهو إدخال الولد على غير أهله.
وأما قوله: "وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه" فإنه تغليظ على من يقذف زوجته ويقتات عليها نفيًا لولده منها وهو كاذب عليها، فجاء بلفظ
стр. 2205
جحود الولد لأنه بدل عن القذف والنفي معًا.
وقوله: "وهو ينظر إليه" وهو يريد يراه أنه منه ويعلم أنه ولده لم ينكره.
وقوله: "احتجب الله منه" من أعظم أسباب الوعيد والتغليظ، لأن لا غاية في النعيم أعظم من النظر إلى الله تعالى في الدار الآخرة، وهي النهاية القصوى من الخير، فإذا احتجب الله تعالى عن إنسان فويل له ويل له.
وقوله: "وفضحه به" يريد بجحوده ولده وإظهار كذبه على زوجته وافترائه عليها، وهذا من أقوى أسباب الوعيد، ولا سيما عند العرب الذين هم أولو الأنفة والحمية، وإنما قدم ذكر المرأة على الرجل في هذا المقام: لأن المرأة هي التي باشرت الزنا , ولولا إرادتها وإجابتها لم يقع -اللهم إلا كرهًا- وهي كانت السبب في إلحاق الولد به، والرجل إنما يقف على أمرها بعد وقوع الفعل منها، وعلى نحو من هذا جاء قول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فقدم المرأة على الرجل في الذكر. والله أعلم.
стр. 2206
كتاب العدة وفيه بابان
الباب الأول في تبيين العدة ومقدارها
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في عدة المطلقة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن -هو ابن أبي بكر الصديق- حتى دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال ابن شهاب: فذكرت له لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة وقد جادلها في كتاب الله ناس فقالوا: إن الله يقول: ﴿ثَلَاثةُ قُرُوء﴾ (١)، فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه.
هذا حديث صحيح، أخرج مالك (٢) في الموطأ الرواية الأولى.
قوله: "انتقلت حفصة" أي نقلتها إليها من البيت الذي كانت فيه معتدة.
стр. 2207
والأقراء: جمع قرء -بالفتح- وهي عند الشافعي: الأطهار، وعند أبي حنيفة الحيض.
وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في أول كتاب الرجعة، في حديث علي بن أبي طالب.
وقد استدل الشاقعي على أنها الأطهار، بقول رسول الله ﷺ في طلاق ابن عمر: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
ومعنى اللام في "لها" معنى "في" أي هي العدة التي تطلق النساء فيها، كما يقال: كتبت لخمس خلون من الشهر، أي في وقت خلا فيه من الشهر خمس ليال، وإذا كان وقت الطلاق الطهر ثبت أنه وقت العدة.
وقال الشافعي بإسناده: في حديث طلاق ابن عمر وتلا النبي ﷺ : "فطلقوهن لقُبل عدتهن أو في قُبل عدتهن".
قال الشافعي: فأخبر رسول الله ﷺ عن الله -جل ثناؤه- الطهر دون الحيض، وقوله: فطلقوهن لقبل عدتهن وهو أن يطلق طاهرًا لأنها حينئذ تستقبل عدتها, ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلا عدتها إلا بعد الحيض.
وقال الشافعي: القرء في اللغة: اسم وضع لمعنى فلما كان الحيض دمًا يرخيه الرحم فيخرج، والطهر دمًا يحتبس فلا يخرج، وكان معروفاً من لسان العرب أن القرء: الحبس، تقول العرب: هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه، وهو يقري الطعام في شدقه أي يحبسه فيه.
وقال عمر بن الخطاب: العرب تقري في صحافها أن تحبس فيها.
قال الأزهري: قال أبو عبيد: الأقراء: الحيض، والأقراء: الأطهار، وأصله
стр. 2208
من دنو وقت الشيء.
وقال الأزهري: قد قال الشافعي: القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت جاز أن يكون الأقراء حيضًا أو طهرًا، وإنما السنة دلت على تخصيصه بالطهر، وذكر ما حكيناه من كلام الشافعي.
قال الزجاج: قال يونس: إن الأقراء عنده تصلح للحيض والطهر.
وقال أبو عمرو: إن القرء الوقت وهو يصلح للحيض والطهر.
قال أبو الهيثم: يقال: قرأت المرأة إذا طهرت، وقرأت إذا حاضت.
وقال الكسائي والفراء: أقرأت المرأة إذا حاضت.
قال الزجاج: والذي عندي في هذا أن القرء في اللغة: الجمع، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض وإن كان قد ألزم الباء فهو جمعت، وقرأت القرءان لفظه مجموعًا، وإنما القرء: اجتماع الدم في الرحم، وإنما يكون في الطاهر.
والظاهر من كلام هؤلاء العلماء: أن القرء من الأضداد يجوز إطلاقه على الحيض والطهر، وإنما الاشتقاق والسنة دلا على تخصيصه بالطهر، كما ذهب إليه الشافعي وقاله. والله أعلم.
وقوله: "إذا طعنت المطلقة" يريد إذا دخلت في الدم وتمكنت منه وكأنه تشبيه بدخول الرمح في الطعنة.
وقوله: "فقد برئت منه" أي تخلصت من الزوج وانفصل ما بينهما من وصلة النكاح، لأنها قد انقضت عدتها باستكمالها ثلاثة قروء، على أن الأقراء: الأطهار.
وقد ذكرنا اختلاف المذهب في عدة المطلقة المدخول بها، في حديث علي المذكور في كتاب الرجعة.
стр. 2209
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسار أن الأحوص -هو ابن حكيم- هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة وقد كان طلقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت [يسأله عن ذلك] (١)، فكتب إليه زيد: أنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها, ولا ترثه ولا يرثها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري قال: حدثني سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: "إذا طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه.
هذا الحديث أخرج منه مالك في الموطأ (٢) الرواية الأولى، مؤكدًا لما سبق من حديث عائشة، وحكى مثله عن عثمان بن عفان، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب أنهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلقة المدخول بها في الدم من الحيضة الثالثة، فقد بانت منه ولا ميراث بينهما ولا رجعة له عليها.
قال مالك: وذلك الأمر الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، برئت منه وبرئ منها لا ترثه ولا يرثها".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٣) هكذًا مؤكدا لما تقدم من الأحاديث، على أن الأقراء: هي الأطهار.
قال الشافعي: فيما بلغه عن هشيم وأبي معاوية ومحمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن شريح "أن رجلاً طلق امرأته فذكرت أنها قد
стр. 2210
حاضت، في شهر ثلاث حيض، فقال علي ﵁ لشريح: قل فيها، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها يشهدون صُدِّقت، فقال له: قالون" -وقالون بالرومية أصبت-.
وقد رواه ابن شهاب، عن إسماعيل وفيه: فجاءت بعد شهر (١) فقالت: قد انقضت عدتي.
وفي رواية أخرى: أن شريحًا رفعت إليه امرأة طلقها زوجها فحاضت ثلاث حيض في خمس وثلاثين ليلة، فلم يدر ما يقول فيها، فرفع إلى علي ﵁ فقال: سلوا عنها جاليتها -أو قال: جارتها- فإن كان حيضها كان كذا، وإلا فأشهر ثلاثة.
قال الشافعي: وهم لا يأخذون بهذا، أما بعضهم فيقول: لا تنقضي العدة في أقل من أربعة وخمسين يومًا.
وقال بعضهم: أقل ما تنقضي به تسعة وثلاثين قومًا.
وأما نحن فنقول بما روي عن علي, لأنه موافق لما روي عن النبي ﷺ أنه لم يجعل للحيض وقتًا، ثم ذكر حديث مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ في شأن فاطمة بنت أبي حبيش: "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي".
قال الشافعي: فلم يوقت لها وقتًا في الحيضة ليقول كذا وكذا يومًا ولكنه قال: "إذا أقبلت وإذا أدبرت".
قال الشافعي: لا تنقضي العدة في أقل من ثلاثة وثلاثين والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان أنه كان عند جده هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم