← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال في القديم: إذا مس حلقة دبره لا ينتقض وضوؤه. وبه قال من الصحابة: عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبو هريرة، وابن عباس. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، وأبو العالية، ومجاهد. وبه قال: مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني. وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه لا وضوء عليه. وروي ذلك: عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، وابن عباس، وعن حذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وعن سعد بن أبي وقاص. وبه قال: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. وروي: عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: أن مس ذكر الصغير لا ينقض. وقد احتج من لم ير الوضوء منه [بحديث] (١) قيس بن طلق، عن أبيه أنه لا وضوء عليه. قال الشافعي: قد سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته وثبت. قال ابن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن [طلق] (٢)؛ وأنه لا يصح بحديثه (٣).

стр. 247

وقال أبو حاتم؛ وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، وَوَهَّناهُ ولم يُثْبِتَاه. وحديث قيس -كما لم يخرجه البخاري، ومسلم في كتابيهما- لم يَحْتَجَّا بشيء من رواياته ولا روايات أكثر حديثه؛ في غير هذا الحديث. وحديث بسرة: وإن لم يخرجاه في كتابيهما لاختلافٍ في سماع عروة منها؛ فقد احتجا بسائر رواة حديثهما. وإذا ثبت سؤال عروة بسرة عن هذا الحديث، وكان الحديث صحيحًا على شرط البخاري ومسلم، ويكفي في ترجيح حديثهما من طريق الإسناد. واحتج البخاري ومسلم بأحاديثها دون أحاديث قيس بن طلق. وأما ما احتجوا به من أقاويل الصحابة فقد قال الشافعي: قول من لم يوجب منه إنما قاله بالرأي، والذي أوجب الوضوء منه أوجبه بالحديث الثابت عن رسول اللَّه ﷺ ؛ وما وجب بالحديث لم يكن في قول أحد خالفه حجة على قوله -واللَّه أعلم. وقال الشافعي: وخالفنا بعض الناس في هذا القول؛ وعاب علينا الرواية عن بسرة، والذي يعيب علينا الرواية عن بسرة؛ يروي عن عائشة بنت عجرد، وأم خداش، وعدة من النساء غير معروفات في العامة، ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقتها وقديم هجرتها وصحبتها النبي ﷺ وقد حَدَّثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون؛ فلم يدفعه منهم أحد بل عَلِمْنا بعضَهم صار إليه عن روايتها منهم: عروة بن الزبير، وقد دفع وأنكر الوضوء من مس الذكر قبل أن يسمع الخبر، فلما علم أن بسرة روته قال به، وترك قوله، وسمعها ابن عمر تُحَدِّث به فلم يزل يتوضأ من مس الذكر حتى مات، وهذه طريق أهل الفقه والعلم.

стр. 248

أخبرنا الشافعي، أخبرنا سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد اللَّه، عن [يزيد] (١) بن عبد الملك الهاشمي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، وليس بينه وبينها شيء فليتوضأ". هكذا رواه الشافعي في كتاب الطهارة في المسند. ورواه في سنن حرملة: عن عبد اللَّه بن نافع، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي موسى الخياط، عن سعيد بن أبي سعيد. وقال الشافعي: روى حديث يزيد بن عبد الملك عدد منهم: سليمان بن عمرة، ومحمد بن عبد اللَّه بن دينار، عن يزيد بن عبد الملك، عن سعيد المقبري (٢). والإفضاء ذكرناه في الحديث الذي قبله، وقد جاء في كتب اللغة: أنه لمس الشيء بباطن كفه، وهذا مما يعضد ما ذهب إليه الشافعي من تحديد اللمس بباطن الكف دون ظاهرها.

стр. 249

وقوله: "ليس بينه وبينها حائل": يعني تحول بين الكف وبين الذكر كائنًا ما كان، كثيفه ورقيقه، وخفيفه وصفيقه؛ فإن ذلك كله حائل. "والحائل": الشيء الذي يحجب بين الشيئين ويمنع الملامسة بينهما. فأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد اللَّه بن نافع، وابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن [عن] (١) ابن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ" وزاد ابن نافع فقال: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر عن النبي ﷺ مثله. وقال الشافعي: سمعت [غير] (٢) واحد من الحفاظ يرويه؛ لا يذكرون فيه جابرًا. وهذا الحديث: قد رواه دحيم الدمشقي، عن عبد اللَّه بن نافع كذلك موصولًا، وهو مما يعضد ما ذهب إليه الشافعي: من إيجاب الوضوء من مس الذكر. وقوله: سمعت غير واحد: أي أكثر من واحد، فهو يتناول الاثنين فصاعدًا، وإنما يذكر ذلك في معرض الكثير. و"الحفاظ": جمع حافظ، وهو في الأصل من يحفظ الشيء من الضياع والذهاب، وقد أطلقه العلماء بعد ذلك على من أتقن علم الحديث وضبطه عن الاختلال؛ رواية ولفظا في عرفه (٣) وحفظًا.

стр. 250

وفي الرواية الأولى: أخرجه عن محمد بن عبد الرحمن فجعله مرسلًا. وفي الثانية: عنه، عن جابر ثم قال: وسمعت غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكرون فيه جابرًا. فكأن المرسل عنده كان أكثر رواة من المسند (١). والمرسل مختلف فيه وفي [العمل] (٢) به:- فذهب الشافعي: إلى ترك العمل به، وبه قال أحمد، وابن المسيب، والزهري، والأوزاعي، وفقهاء الحجاز، وأصحاب الحديث قاطبة أو معظمهم؛ فإن المراسيل عندهم واهية غير محتج بها. ومن هؤلاء الذين قالوا برد المرسل، من قبل مرسل الصحابي، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين، ومنهم من خصص كبار التابعين كابن المسيب، ويُحْكى أنه قول الشافعي وأنه قال: مراسيل ابن المسيب وحده، واحتج له بأنه وجدها مسندة.

стр. 251

والمختار على قياس رد المرسل: أن التابعي والصحابي إذا عُرِفَ تصريح خبره، أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قُبِلَ مُرْسَلُهُ؛ وإن لم يُعْرَفْ ذلك فلا يُقْبَلُ. وأما أبو حنيفة، ومالك، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ومن بعدهم من أئمة الكوفة فذهبوا إلى: أن المراسيل مقبولة محتج بها عندهم، حتى إن منهم من قال: إنها أصح من المسند، فإن التابعي إذا أسند الحديث أجاز الرواية على من رواه عنه؛ وإذا قال، قال رسول اللَّه ﷺ فإنه لا يقول إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته. وإنما عمل الشافعي بهذا الحديث لأمرين:- أحدهما:- أنه قد رواه من طريق مسندًا عن جابر. والآخر:- أن هذا المعنى قد رُوي عن جماعة من الصحابة مسندًا، فقد ذكر الشافعي من طرقه طريقين:- أحدهما:- عن بسرة، والآخر:- عن أبي هريرة. فخرج بهذين الأمرين عن حكم المرسل من الحديث، هو أن يروي الراوي حديثًا عمن لم يعاصره. وله أوضاع واصطلاح وأنواع من أهل الحديث، إلا أنهم أكثر ما يطلقون المرسل إذا رواه الشافعي، عن النبي ﷺ فيخصون أمثال هذه الرواية بالمرسل، وإن كان غيرها مما هو في معناها مرسلًا أيضًا، مثل: أن يروي التابعي عن الصحابي ونحو ذلك، وقد خصوا هذا باسم آخر فقالوا: هو منقطع، ولهذا شرح وبيان قد استقصيناه في كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول". أخبرنا الشافعي، أخبرنا القاسم بن عبد اللَّه، أظنه عن [عبيد] (١) اللَّه بن

стр. 252

عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة [قالت] (١): إذا مست المرأة فرجها توضأت. تابعه عبد العزيز بن محمد، عن عبيد [اللَّه بن] (٢) عمر. وهذا الحديث مما يعضد إيجاب الوضوء من مس الفرج، وقدم تقدم شرح أقوال الأئمة فيه، وحكم فرج المرأة حكم فرج الرجل، وينطلق فرجها على القبل والدبر. وقوله في إسناد الحديث "أظنه عن عبيد اللَّه بن عمر" من الألفاظ التي تُنْزِلُ الحديث عن الطبقة العالية في الإسناد، فإن المسند الصحيح: هو أن يروي الحديث واحد عن واحد، رآه سمع منه أو عليه، قراءة، أو إجازة، أو مناولة، رواية متصلة إلى من رأى النبي ﷺ وسمع منه. وله عند المحدثين أوضاع أو اصطلاح وشرائط فمن شرائطه:- أن لا يكون في الإسناد: أُخْبِرْتُ عن فلان؛ ولا حُدِّثْتُ؛ ولا بَلَغَني؛ ولا رفعه فلان؛ ولا أظنه مرفوعًا؛ اسما يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه ليس يحتمله، وكذلك سماع شيخه من شيخه؛ إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول اللَّه ﷺ . وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج؛ عن عبد الواحد بن قيس؛ عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ". وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب قال: سمع ابن عمر بُسْرة بحديثها عن النبي ﷺ في مس الذكر فلم يدع الوضوء منه حتى مات.

стр. 253

وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن يحيى ابن أبي كثير، عن رجال من الأنصار، أن النبي ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، وسعيد، عن ابن جريج، عن فلان، أن عمر بن الخطاب بينا هو يؤم الناس -أحسبه قال: صلى ركعة أو أكثر- إذ زلت يده على ذكره، فأشار إلى الناس أن امكثوا؛ ثم خرج فتوضأ ثم رجع فأتم بهم ما بقي من الصلاة. وقال الشافعي: حدثنا مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: إذا مس الرجل ذكره فقد وجب عليه الوضوء. وقال الشافعي: وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه أنه قال: رأيت ابن عمر يغتسل ثم يتوضأ؛ فقلت له: يا أبه ما يجزئك الغسل من الوضوء؟ قال بلى، ولكني أحيانًا أمس ذكرى فأتوضأ. وقال الشافعي: وحدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يقول: من مس ذكره فقد وجب عليه الوضوء. هذه الآثار كلها رواها الشافعي في كتاب القديم؛ عن مالك وغيره ممن ذكرنا اسمه، وجميعها مُؤَكِّدَةٌ لما ذهب إليه؛ من إيجاب الوضوء على من مس فرجه (١).

стр. 254

الفرع السادس في أكل ما مسَّته النار أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن رجلين أحدهما جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه "أن رسول اللَّه ﷺ أكل كتف شاة؛ ثم صلى ولم يتوضأ". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣). فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى بن [بُكَيْر] (٤)، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن جعفر بن عمرو بن أمية، أن أباه أخبره "أنه رأى النبي ﷺ يَجْتَزُّ من كتف شاة؛ فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ. وفي أخرى: فألقاها والسكين التي يَجْتَزُّ بها. وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن الصباح، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن جعفر، مثل البخاري. وفي أخرى: عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، وقال فيه: وطرح السكين. وأما الترمذي: فأخرجه عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، نحو البخاري. وفي الباب: عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود،

стр. 255

وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي رافع، وجابر، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وعبد اللَّه بن الحارث بن جزء، وسويد بن النعمان، وأم سلمة، وميمونة، وزينب بنت أبي سلمة، وأم الحكم، وأم عاصم. "الكتف": معروف، وفيه لغتان: بفتح الكاف وكسر التاء، وبكسر الكاف وسكون التاء. "والجز": القطع، واجتز افتعل منه. "والسكين": اسم عربي يذكر ويؤنث، والغالب عليه التذكير. وفي هذا الحديث من الفقه: جواز جز اللحم بالسكن، وإن كان قد روي في حديث آخر النهي عنه (١)؛ ويشبه أن يكون النهي ورد في من يفعله فِعْلَ الأعاجم، ويتزيا بزي المتكبرين والمترفين؛ الذين يجلون أنفسهم عن قطع اللحم باليد ونهسه بالأسنان.

стр. 256

فأما من فعله لتعذر قطعه باليد إما لقلة نضجه، أو لكبر القطعة أو لحرارتها، أو نحو ذلك فلا. ومع ذلك فالنهي يكون من باب الكراهة لا التحريم بالإجماع (١). والذي ذهب إليه الشافعي: أن كل ما مسته النار لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الأكثر من الصحابة والتابعين والفقهاء. وحكي أن عمر بن عبد العزيز، وأبا قلابة، وأبا مجلز، والزهري، والحسن البصري كانوا يتوضئون منه، تمسكًا بما روى أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "توضأ مما مسته النار، ومما غيرت النار" (٢).

стр. 257

وليس ذلك بحجة، لأن العلماء مجمعون على أنه منسوخ (١). وروي عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (٢). ويستحب غسل يده منه إن كان يغير رائحتها. وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث: إلى أن أكل

стр. 258

لحم الجزور خاصة يوجب الوضوء خاصة، وحكى أنه قول قديم للشافعي؛ تمسكًا بما رواه البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضأ منها"، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا يُتَوَضَّأُ منها" (١). وهذا محمول عند الجمهور: على غسل اليد والفم منها لشدة رائحتها، وكثرة دهنها وزهومتها. وحكي عن الشافعي أنه قال في بعض كتبه: إن صح الحديث من الوضوء من لحوم الإبل قلت به (٢).

стр. 259

وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم: عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه بن عباس: "أن رسول ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ". وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣) والنسائي (٤). وأخرج الشافعي: أيضًا في كتاب القديم: عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن بُشيْر بن يسار مولى بني حارثة، أن سويد بن النعمان أخبره "أنه خرج مع رسول اللَّه ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- فنزل للعصر؛ ثم دعى بالأزاود فلم يؤت إلا بالسويق؛ فأمر به فثري ثم صلى ولم يتوضأ". قوله "فَثُرِّىَ": أي بُلَّ بالماء. وهذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٥)، والموطأ (٦)، والنسائي (٧). وفيه: "فثري وأكل وأكلنا، ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب فمضمض ومضمضنا, ولم يتوضأ". وهذا يدل على أن الوضوء إن أطلق في أكل ما مست النار؛ فإنما يراد به غسل الفم واليد.

стр. 260

وأخرج الشافعي في سنن حرملة، عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه مختصرًا من حديث [جابر] (١). وقد أخرجه: أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤) أنه قال: "ذهب رسول اللَّه ﷺ إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية، قال: فأكل فأكلنا، ثم حانت الظهر فتوضأ ثم صلى؛ ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم كانت العصر فصلى ولم يتوضأ". رواه الشافعي مختصرًا ثم قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر. وهذا الذي ذكره الشافعي محتمل، وذلك لأن صاحِبَي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة محمد بن المنكدر، عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده من شرطهما, ولأن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل قد رواه أيضًا عن جابر، ورواه عنه جماعة إلا أنه قد روي عن حجاج بن محمد، عن عبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه فذكر هذا الحديث. فإن لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ السَّمَاعِ فيه وَهْمًا من ابن جريج؛ فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح، واللَّه أعلم. قال الشافعي: قد روى عن النبي ﷺ الوضوء مما مست النار، وإنما قلنا: لا يتوضأ منه لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد اللَّه بن عباس إنما صحبه بعد الفتح، يروي عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يترضأ؛ وهذا عندنا

стр. 261

من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، أو أن أمره بالوضوء منه للتنظيف، والثابت عن رسول اللَّه ﷺ أنه لم يتوضأ منه، ثم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبي طلحة، كل هؤلاء لم يتوضئوا منه. ***

стр. 262

الفرع السّابع في الضحك في الصلاة أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن ابن شهاب. أن رسول اللَّه ﷺ "أمر رَجُلًا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة". قال الشافعي: فلم يُقْبَلْ هذا لأنه مرسل. قال: وأخبرنا الثقة، عن معمر، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، عن النبي ﷺ بهذا الحديث. هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي؛ في كتاب الرسالة (٢) مرسلاً عن الزهري، وعن الحسن، في معرض ترك العمل بالمراسيل وما فيها من العوار، فإن الزهري، يروي بعد الصحابة عن خيار التابعين، ثم يرسل عن مثل سليمان بن أرقم، وهو -فيما بين أهل العلم بالحديث -ضعيف، فلذلك قال يحيى بن معين وغيره: مراسيل الزهري ليس بشيء. قال الشافعي: لمَّا أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان بن أرقم؛ لم يؤمن مثل هذا على غيره. والحديث على خلاف طرقه؛ لم يُرْوَ إلا مُرْسلًا؛ ولم يسند رسالة إرسال لا يعتد به (٣).

стр. 263

وقد رواه جماعة عن جماعة مرسلًا؛ كأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومعبد الجهني. وقال ابن سيرين: لا يؤخذ بمراسيل الحسن وأبي العالية؛ فإنهما لا يباليان عمن أخذا. وقد رواه أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن معبد الجهني. ومعبد هو أول من تكلم في القدر بالبصرة. قال الشافعي: وقال بعض الناس: عليه الوضوء ويستأنف -يعني الصلاة- ولو ثبت عندنا الحديث بما يقول لقلنا به، والذي زعم أن عليه الوضوء زعم أن القياس لا ينتقض؛ ولكنه يتبع (غير) (١) الآثار ولو كان يتبع منها الصحيح المأثور المعروف؛ كان بذلك عندنا حميدًا, ولكنه يرد منها الصحيح الموصول المعروف، ويقبل الضعيف المنقطع (٢). والذي ذهب إليه الشافعي: [أن] (٣) القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء وبه قال: جابر بن عبد اللَّه، وأبو موسى، والقاسم بن محمد، وعروة، وعطاء، والزهري، ومكحول، وأبو ثور، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: يجب الوضوء بها في الصلاة، وروي ذلك عن الحسن والنخعي، وبه قال الثوري. وعن الأوزاعي روايتان. فأما حكمها في الصلاة: فإنها تبطلها وحكمها حكم الكلام. وأما التبسم: فإنه لا يبطلها وذلك ما لم يكن له صوت.

стр. 264

الفرع الثامن في القيء والدم لم يرد في هذا المعنى في المسند حديث، إنما قد أخرج الشافعي في كتبه أحاديث تتعلق بهذا المعنى. قال الشافعي في كتاب القديم: قد بَينَّ اللَّه ما يكون منه الوضوء، وسنة النبي ﷺ ، فلما لم ينزل في الدم كتاب ولم تأت فيه سنة، قلنا كأنه من العفو مع ما اعتمدنا فيه على الآثار القوية. ثم قال: أخبرنا رجل عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد اللَّه قال: "رأيت ابن عمر عصر بثرة بوجهه فخرج منها الدم، فدلكه بين أصابعه، ثم قام إلى الصلاة ولم يغسل يده". قال: وأخبرنا بعض أصحابنا، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان إذا احتجم غسل أثر المحاجم". قال: وأخبرنا رجل، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "اغسل أثر المحاجم عنك وحَسْبُكَ". قال: وأخبرنا رجل، عن يحيى بن شعيب، عن القاسم بن محمد قال: "ليس على المحتجم وضوءه". قال: وأخبرنا بعض أصحابنا عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم قال: رأيت سعيد بن المسيب رعف فمسح أنفه بصوفة ثم صلى قال: وأنبأ مالك، عن عبد الرحمن بن المجَّبر "أنه رأى سالم بن عبد اللَّه يخرج من أنفه الدم فيمسحه بأصابعه، ثم يفتله ثم يصلي ولا يتوضأ". قال الشافعي: قد روينا عن ابن عمر، وابن المسيب: أنهما لم يكونا يريان

стр. 265

في الدم وضوءًا، وإنما معنى وضوئهما عندنا؛ غسل الدم وما أصاب من الجسد، لا وضوء الصلاة. وقد روي عن ابن مسعود "أنه غسل يديه من طعام؛ ثم مسح [ببلل] (١) يديه وجهه وقال: هذا وضوء من لم يحدث" وهذا معروف في كلام العرب يسمى غسل بعض الأعضاء وضوءًا (٢). ومذهب الشافعي: أن كل ما يخرج من غير السبيلين كالقيء، والدم والبصاق، وغير ذلك لا ينقض الوضوء. وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وابن أبي أَوْفَي، وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد اللَّه، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وطاوس، وسالم بن عبد اللَّه، ومكحول، وهو مذهب ربيعة، ومالك، وأبي ثور، وداود. وقال أبو حنيفة: كل نجس خارج من البدن؛ يوجب الوضوء إذا سال. وقال في القيء: إذا كان ملاء الفم أوجب الوضوء. وبه قال الأوزاعي، والثوري، وأحمد وإسحاق. وقد تقدم بيان ذلك قبل هذا الموضع.

стр. 266

الفصل الرابع من الباب الخامس في المسح على الخفين أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، أن عروة بن المغيرة، أخبره أن المغيرة (١) [...]. يديه فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أن يخرج ذراعيه؛ وعليه جبة من صوف من جباب الروم؛ ضيقة الكمين، فضاقت فادّرعها ادّراعًا ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال: "دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" فمسح عليهما، قال الشعبي: شهد لي عروة على أبيه، وشهد أبوه على رسول اللَّه ﷺ . وأما الترمذي: فأخرجه عن أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن [رجاء] (٢) بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة أن

стр. 267

النبي ﷺ "مسح أعلى الخف وأسفله". وفي أخرى: عن علي بن حجر، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ مسح على الخُفَّيْن على ظاهرهما". قال الترمذي: لا نعلم أحدًا يذكر عن عروة، عن المغيرة: "على ظاهرهما" غير أبي الزناد. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، بإسناد البخاري الأول ولفظه. وفي أخرى: عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن إسماعيل، عن محمد ابن سعد، عن حمزة بن المغيرة، عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، وذلك الحديث نحو ما سبق، وله روايات كثيرة طويلة ومختصرة. وفي الباب: عن علي، وابن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وجرير، وعمرو بن أمية الضمري، وبريدة، وأنس، وأوس بن أوس الثقفي، وخزيمة بن ثابت، وصفوان بن عَسَّال المرادي، وابن عمارة. "الغزو": مصدر غزا يغزو، والاسم الغزاة، ورجل غازٍ والجمع: غزاة، وغزَّاء وغزًّى فكأنه من مغزى الكلام أي مقصده. "وتبوك" بفتح التاء: تفعل من البوك، وهو من قولهم: باك الحمار الأتان تَبَوَّكَهَا بَوْكَا، إذا نزل عليها. وإنما سميت غزوة تبوك: لأن النبي ﷺ رأى قومًا من أصحابه يبوكون حِسْيَ، أي يدخلون فيه القدح، وهو السهم ويحركونه ليخرج الماء، فقال: "مازلتم تبوكونها بَوْكًا"، فسميت تلك الغزوة "تبوك"، قاله الجوهري (١).

стр. 268

"والتبرز": الخروج لقضاء الحاجة، وهو تفعل من البَراز بفتح الباء وهو الفضاء الواسع الذي ليس فيه ساتر. وأما البِزار -بكسر الباء- فهو كناية عن الغائط نفسه. "وقِبَلُ الشيء": بكسر القاف وفتح الباء جهته وهو ظرف مكان. والإداوة: -بكسر الهمزة- السطيحة فقد تقدم ذكرها. "والفجر": في آخر الليل كالشفق في أوله، من الانفجار والانشقاق "وأَرَقْتُ": الماء وهرقته وأهرقته قلبته، وقد تقدم بيانه. "وحسرت الشيء عن الشيء": إذا أزلته عنه وكشفته. "الذراع": الساعد. وقوله "فأقبلت معه حتى يجد الناس" حكايته حال حاضرة، ولذلك جاء بلفظ الفعل الحاضر، فقال: "حتى يجد" ولم يقل: "وجدنا". وقوله "قد قدّموا عبد الرحمن": يعني جعلوه إمامًا لهم. وقوله "قد صلى بهم" هذه الجملة مبدلة من الجملة التي قبلها, ولذلك جاء بها بغير واو، وقد جاءت في بعض النسخ بواو. وقوله: "وصلى مع الناس الركعة الآخرة": يريد الركعة التي أدرك معهم منها، لأن الصلاة كانت صلاة الفجر، وهي ركعتان فاتته الركعة الأولى وأدرك معهم الثانية. وقوله: "فأفزغ ذلك المسلمين"، للفزع سببان:- أحدهما: أنهم لما سلموا ورأو النبي ﷺ يصلي معهم، فزعوا كيف تقدموا عليه في الصلاة، وسبقوه إلى وقتها. والثانية: كيف صلى وراءهم مقتديًا بهم. "والتسبيح" في اللغة: التنزيه، وهو مصدر يسبح تسبيحًا، وهو قولك: سبحان اللَّه.

стр. 269

"وسبحان" نصب على المصدر كأنه قال: أُبَرِّئُ اللَّه من السوء براءة وأنزهه تنزيهًا، والمراد بإظهارهم التسبيح، التنبيه على ما عرض لهم من الفزع والانزعاج. وقوله: "أحسنتم" أي فعلتم حسنًا، والحَسَنُ ضد القبيح. "والإصابة": من الصواب ضد الخطأ. وقوله: "يُغَبّطهم" -بضم الياء، وفتح الغين، وتشديد الباء وكسرها- من الغِبْطَة وهي: أن تتمنى مثل حال المغبوط، من غير أن تريد زوالها عنه. تقول منه: غبطته، أغبطه، غَبْطًا، وغِبْطَةً، والاسم: الغبطة، وغبّطت الإنسان -بالتشديد- أي حسنت له ما فعل، كأنك جعلته يغتبط. وحقيقته: أنه جعل بعضهم يغبط بعضًا بالحال التي كانوا عليها، وهي مسابقتهم إلى أول وقت الصلاة، وفوزهم بفضيلته. ولو روى يَغْبِطُهُم بالتخفيف لكان جائزًا، كأن النبي ﷺ غبطهم حيث سبقوه إلى إحراز فضيلة الوقت، فتمنى أن يكون له مثل حالهم التي فاتته. وقوله: "أن صلوا"، في موضع جر تقديره لأن صلوا، أي لصلاتهم في أول وقتها. وقوله: "فأتبعه"، فيه لغتان:- تبعت فلانًا أتبعه، واتبعته أتبعه وقيل: اتبعت القوم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم. واتبعت أيضًا غيري يتعدى ولا يتعدى. "وأهويت إلى الشيء": مددت يدي إليه. والضمير في "أدخلتها": راجع إلى الرجلين، وهما غير مذكورين، لدلالة اللفظ والحال عليهما. وقوله: "جبَّة شامية": قد جاء في بعض طرق الحديث أنها كانت من صوف، وإنما نسبها إلى الشام: إما لأنها كانت من عمل الشام، أو من لبوس

стр. 270

أهل الشام. يريد أنها كانت ضيقة الأكمام، وهي التي يسميها الناس "جاودك" وفي بعض الطرق: فصب عليه حتى فرغ من حاجته. وفي بعضها: حين فرغ. والفرق بينهما: أنها مع حتى يريد بالحاجة الوضوء، المعنى حتى فرغ من وضوئه. ومع حين يريد بالحاجة البراز، المعنى: صب عليه الماء في وضوئه حين فرغ من البراز. "والركبة": بفتح الراء وفتح الكاف أقل من الركب، وهم أصحاب الإبل في السفر، دون باقي الدواب؛ وهم العشرة فما فوقها. وقوله: "من جباب الروم"، أراد من جباب الشام كما سبق، لأن الشام كان يومئذ ساكنة الروم، ليصح الجمع بين الروايتين. وفي رواية أبي داود: فادّرعهما ادراعًا أي: نزع ذراعيه من الكُمَّيِنْ، وأخرجهما من قِبَلِ الذيل، ووزنه افتعل من ذرع أي مد ذراعيه، كما يقال: اذَّكَرَ من ذكر. وحقيقته: من الذراع وهو الساعد، فإذا بَنَيْتَ افتعل من الذرع قلت: اذترع يذترع اذتراعًا، فلما اجتمع الذال والتاء، والنطق بهما ثقيل، أراد أن يدغموا ليخف النطق، فقلبوا التاء دالًا -غير معجمة- لأنها من مخرجها, ولأن الدال أخت الذال فاجتمع قال وذال، ولهم حينئذ فيما كان من هذا النوع مذهبان:- فمنهم: من يقلب الدال -المهملة- ذالًا -معجمة- ويدغم، فيقول: مذّرع بذال معجمة مشددة: مذَّكر. ومنهم: من يقلب الذال المعجمة دالًا مهملة ويدغم، فيقول: مدّرع بدال

стр. 271

مهملة مشددة. فإن كان الحديث في رواية أبي داود بالذال المعجمة، فيكون المراد به ما سبق ذكره من الذراع، وإن كان بالدال المهملة على التقدير الذي ذكرناه، فيكون المراد به: المعنى المطلوب من الادِّراع -بالدال المهملة- مع الإبدال والإدغام الذي أشرنا إليه، وإلا فالادراع -بالدال المهملة- على غير هذا التقدير؛ إنما هو افتعال من الدرع -بالدال المهملة- وهو لبس الدرع والدراعة، وذلك بخلاف المطلوب من الحديث؛ لأنه إنما أراد أنه أخرج يديه لا أدخلهما. وقال الأزهري: إن النبي ﷺ ادرع ذراعه من أسفل الجبة ادِّراعًا. قال النضر: ادَّرَعَ ذراعيه أي أخرجهما، وكذا قال الهروي. فإن كانت الرواية هكذا فقد زال ذلك التعسف، والذي قاله الخطابي في معالم السنن: أنه اذّرعهما بالتشديد والذال المعجمة، فالحديث رواه أبو داود، والخطابي إنما شرح روايته -واللَّه أعلم- والذي ذهب إليه الشافعي: جواز المسح على الخفين، وأنه رخصة للمسافر والمقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. وقد قال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفين؛ وإليه ذهب عامة الفقهاء. وروي عن الخوارج والشيعة إنكاره (١)، وحكي ذلك عن أبي بكر بن داود. ثم اختلف في أحكام.

стр. 272

فقال بتوقيت المسح للمسافر والمقيم: الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: المسافر لا توقيت له، وروى عنه في المقيم روايتان:- أحدهما:- أنه يمسح بلا توقيت، والثاني: أنه لا يمسح. وحكى الزعفراني عن الشافعي أنه كان يقول: يمسح بلا توقيت إلا أن يجب عليه غسل جنابة، ثم رجع عن ذلك قبل أن يخرج إلى مصر. فقال الليث بن سعد، وربيعة: يمسح على الخفين إلى أن ينزعهما, ولم يفرقا بين المسافر والحاضر. وروى ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي. وقال داود:- يمسح خمس صلوات. وأما ابتداء مدة المسح. فعند الشافعي: من وقت الحدث. وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: أولها من وقت المسح. وأما الجورب فلا يجوز المسح عليه إلا أن يكون صفيقًا وله نعل، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والثوري. وقال أحمد: يجوز المسح عليه وإن لم يكن له نعل، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وداود. وأما الجرموق: فذهب مالك إلى أنه لا يجوز المسح عليه، في إحدى الروايتين. وقال الشافعي: إن كان الجرموق قويًّا والخف ضعيفا جاز المسح عليه، وإن

стр. 273

كان ضَعِيفًا والخف قويًا لم يجز، وان كانا قويين لم يجز على الجرموق في القول الجديد، وفي القديم يجوز، وبه قال المزني. وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز، والجورب والجرموق متقاربان. وهو الذي يلبس فوق الخف، وهو خف قصير، وهو أيضًا الذي يلبسه الصوفية، وبالجملة فكل ما لبسه الإنسان في رجله، مما يقصر عن الخف ولا يسد مسده في تتابع المشي عليه؛ فهو عند الفقهاء جورب. وهو معرب والجمع الجواربة، والهاء المعجمة مثل: الموازجة، والكيالجة ويقال: الجوارب أيضًا. والفرق بين الجرموق والجورب: إنما هو من تخصيص الجرموق باللبس فوق الخف، والجورب قد يلبس فوق الخف ويلبس منفردًا. أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، وعبد اللَّه بن دينار أنهما أخبراه أن عبد اللَّه بن عمر قدم الكوفة على ابن أبي وقاص -وهو أميرها- فرآه يمسح على الخفين فأنكر ذلك عليه عبد اللَّه، فقال له سعد: سل أباك؟ فسأله, فقال له عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهران (١) فامسح عليهما؛ قال ابن عمر: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال: وإن جاء أحدكم من الغائط. هذا حديث صحيح، أخرجه الموطأ (٢) بالإسناد أتم من هذا، وأخرجه البخاري (٣) والنسائي (٤).

стр. 274

فأما البخاري: فأخرجه عن أصبغ [عن] (١) ابن وهب، عن عمرو بن الحارث المخزومي، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ مسح على الخفين" وأن عبد اللَّه بن عمر سأل عمر عن ذلك؟ فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي ﷺ شيئًا فلا تسأل عنه غيره. وأما النسائي: فأخرجه عن سليمان بن داود والحارث بن مسكين، عن ابن وهب، بإسناد البخاري: "أن النبي ﷺ مسح على الحفين". لم يزد على هذا القدر. وهذا الحديث مؤكد لجواز المسح على الخفين. ويشبه إنكار ابن عمر على سعد؛ إنما هو لأنه رآه يمسح وهو مقيم أمير على الكوفة، فاستغرب المسح للمقيم، وإلا فابن عمر، ما كان يغيب عنه جواز المسح للمسافر، وهو من أعيان الصحابة وفقهائهم، وقد صحب رسول اللَّه ﷺ في أسفاره؛ وصحب أباه وغيره من الصحابة فما كان يجهل هذا القدر. وأما مسح المقيم فجائز أن يغيب عنه ولا يعلمه، لأن المقيم قد يتوضأ في بيته في غالب الأمر؛ ولا يراه إلا من هو عنده من أهله وخاصته، فلذلك يكون قد خفي عليه فأنكره -واللَّه أعلم- وأما جواب عمر لابنه، فمن أبلغ الأجوبة وأكملها, لأنه لما رأى وقد خفي عليه جواز المسح؛ علم أنه يخفى عليه ما هو أخفى منه من حكم جواز المسح فقال له: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما. فعرفه بذلك جواز المسح، والحال التي يجوز المسح عليها. وكذلك ما أحسن أدبه ﵁ لما رأى ابنه وصغيره؛ وقد أنكر

стр. 275

على سعد وهو الشيخ الكبير السابق إلى الإسلام [............] (١). الأول فيكون ست عشرة صلاة؛ فإن جمع في اليوم الرابع الظهر مع العصر؛ وصلاهما معًا في وقت الظهر كملت سبع عشرة صلاة. وأما المقيم فأكثر ما يمكن أن يصلي سبع صلوات بشرط: أن يكون في اليوم الثاني قد صلى الظهر مع العصر؛ بنية الجمع بسبب المطر، فإذا انقضت مدة المسح وهو على طهارة؛ فلا يجوز له أن يصلي بذلك المسح؛ وعليه أن ينزع الخفين، ثم يغسل رجليه ويصلي أو يستأنف الوضوء. قال الحسن البصري: لا يبطل المسح بل يصلي إلى أن يُحْدِث. وقال داود: يجب عليه النزع لكن يصلي إلى أن يحدث. حيث انتهى بنا الكلام في هذا الحديث؛ رأينا أن نورد رواية الترمذي (٢) الطويلة، بلفظها وبذكر ما فيها من معنى، فإنه حديث حسن نافع. قال زر بن حبيش: أتيت صفوان بن عَسَّال؛ أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يازر؟ قلت: ابتغاء العلم، قال: إن الملائكة تضع أجنحتها (٣) رضي بما يطلب، قلت: إنه حاك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول؛ وأنت امرؤ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فجئتك أسألك، هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، "كان يأمرنا إذا كنا في سفر أو مسافرين؛ أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم"، قال: فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت جَهُوري: يا محمد، فأجابه رسول اللَّه ﷺ بنحو من صوته "هاؤم"، فقلنا له:

стр. 276

ويحك أغضض من صوتك فإنك عند النبي ﷺ وقد نهيتَ عن هذا، فقال: واللَّه لا اغضض! قال الأعرابي: المرء يُحبُّ القوم ولما يلحق بهم؟ قال النبي ﷺ : "المرء مع من أحب يوم القيامة" قال زر: فما زال يحدثني حتى ذكر بابًا من قِبَلِ المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أوسبعين عامًا، قال سفيان: قِبَلَ [الشام] (١) خلقه اللَّه يوم خلق السموات والأرض مفتوحًا يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. زاد في رواية, وذلك قول اللَّه ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٢). "الهوى": مقصورًا هوى النفس وميلها إلى الشيء وحبها له، وهذا الشيء أَهْوى إِليَّ من كذا أي: أَحَبُّ، تقول: هَوِىَ بالكسر يَهْوَى بالفتح -إذا أحبه. "وبَيْنا" مثل: بينما وأصلها "بين" فَأُشْبِعَتْ الفتحةُ فصارت أَلِفًا، "وبينما" زيدت عليها "ما" تقول: بينما منتظره أتانا، أي أتانا بين أوقات انتظارنا إياه، فحذفت المضاف الذي هو أوقات، وولى الظرف: الذي هو "بين" الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها، وكذلك بَيْنا ولا يجاب إلا بالفعل. وكثير من الناس يتلقاها بـ "إذ"، يقولون: بينا زيد جالس إذ دخل عمرو. "والأعرابي": منسوب إلى الأعراب -بفتح الهمزة- وهم سكان البادية من العرب خاصة، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وليس جمع عرب، وإنما العرب اسم جنس، وإنما جاء النسب إليه على لفظ الجمع؛ لأنه لما لم يكن له واحد من لفظه صار كأنه واحد، فنسب إليه على حالته. "والصوت الجَهُوري": هو القوي العالي، جهر بالقول وجهور رفع به صوته، وهو رجل جَهُوري الصوت، وجهير الصوت.

стр. 277

وقوله: "هاؤم": بمعنى تعالوا، وهو صوت يصوّت به فيفهم منه معنى "خذ". وقوله "فأجابه بنحوٍ من صوته": يشبه أن تكون تعلية النبي ﷺ رفع صوته، حتى كان مثل صوته أو نحوه، لفرط رأفته وشفقته على أمته. وفي ذلك: دليل على استحباب احتمال دالَّةِ (١) التلامذة؛ والصبر على أذاهم لما يرجى لهم من حميد العاقبة والإصلاح. "وويح": كلمة تقال لمن يُشْفَقُ عليه أو يرحم، بخلاف "ويل" فإنها تقال لمن ينكر عليه ويغضب، تقول: ويح لزيد، وويل لزيد، فترفعها على الابتداء، وتقول: ويحًا لزيد، وويلًا لزيد، فتنصبها بإضمار فعل، كأنك قلت: أَلْزَمَهُ اللَّه ويحًا وويلًا ونحو ذلك، ولك أن تقول: ويحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بالإضافة فتنصبهما أيضًا بإضمار فعل. "وغض الصوت": إخفاؤه، تقول: غَضَّ صَوْتَهُ ومن صوته أي خفضه، وكل شيء كفْته فقد غضضته، والأمر منه في لغة الحجاز اُغْضُضْ، وفي لغة نجد غُضَّ. وفي قوله "المرء مع من أحب": دليل على أنه أقام المحبة؛ والمشايعة في الخير والطاعة مقام العمل بها، في اشتراك المحب والمحبوب معًا في الثواب والعقاب في يوم (٢). "ولمَّا": هنا حرف جزم مثل: "لم" تقول: لم يَقُمْ زيد، ولما يَقُمْ بكر. وقوله "لما يلحق بهم": يريد أنه لم يلحقهم في الطاعة والعبادة والخير،

стр. 278

وتقول: بيني وبينك مَسِيرُ شهرٍ ومسيرة شهرٍ بمعنىً، وإنما أتت اللفظة لأنه أراد به المرة الواحدة من السير. "وعرض الشيء" خلاف طوله، وإنما خَصَّ العرض بالذِّكْر؛ لأنه إذا كان صفة عرضه الذي هو أبدًا دون الطول في الغالب؛ فما ظنك بالطول الذي هو أكثر منه، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (١). وليس في ذوات الأقدار ما عرضه أكثر من طوله، إلا ما جاء في الاصطلاح والوضع الخارج من الوضع اللغوي؛ فمن ذلك بروج السماء الاثني عشر عرضها أكثر من طولها، وذلك أن الفلك مقسوم اثنى عشر قسما من جهة الشرق إلى جهة الغرب مارًّا إلى أن يعود إلى جهة الشرق، وهذه الأقسام أيضًا قاطعة من جهة الجنوب إلى جهة الشمال مارة إلى أن ترجع إلى حيث ابتدأت من جهة الجنوب مجتازة على النقطتين الجنوبي والشمالي، فيحصل من هذه القسمة اثنى عشر قسمًا، هي أشبه الأشكال بقسمة أضلاع البطيخة المضلعة، فما كان من هذه الأقسام من جهة أحد النقطتين إلى الآخر فهو عرض البرج، وما كان منها من جهة الشرق إلى الغرب فهو طول البرج، فيكون مقدار العرض مائة وثمانين درجة، لأنه نصف الفلك، ويكون مقدار الطول ثلاثين درجة, لأنه واحد من اثنى عشر قسمًا من الفلك. وسبب هذا الاصطلاح هو من مسير الشمس في البرج، فإنها تبتدئ من أول البرج وتقطعه في الدرج المقدر لها وهي ثلاثون؛ ومسيرها فيه إنما هو فيما بين المشرق والمغرب؛ لا ما بين الجنوب والشمال، فلذلك سموا ما تقطعه الشمس من البرج طولًا.

стр. 279

"والسموات": جمع سماء، وهو كل ما علاك فأظلك، وهي تذكر وتؤنث والتأنيث أكثر. "والأرض": مؤنثة وهي اسم جنس، وقد جمعوها في أَرَضَات بتحريك الراء، أرَضين أيضًا بالتحريك، وقيل: إنهم قالوا فيها: أراض بالمد، ولم ترد في التنزيل إلا مفردة. "والتوبة": الرجوع عن الذنب، وتاب إلى اللَّه توبة ومتابًا وتاب اللَّه عليه: وفقه للتوبة، وحقيقة التوبة المعتبرة شرعًا: هو أن ينوي بقلبه الإقلاع عن الذنب مع الندم على ما كان من مباشرته؛ وترك العمل به والرجوع إليه، نِيَّةً جازمة وتركًا مبتوتًا غير متعلق بزمن ولا متناه إلى أمد. "والآيات": جمع آية، وهي العلامة، والمراد بها: أشراط الساعة التي تتقدم عليها وتجيء أمامها، فمن أولها طلوع الشمس من مغربها. وقوله: "لا ينفع نفسًا إيمانها": المعنى أن اشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات مضطرة ذهب أوان التكليف عندها، فلا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا. هذا ما عنّ لنا ذكره من معنى رواية الترمذي-واللَّه أعلم- وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثني المهاجر أبو مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه عن رسول اللَّه ﷺ : "أنه أرخص للمسافر أن يمسح على الحفين ثلاثة أيام ولياليهن؛ والمقيم يومًا وليلة". قال البيهقي في كتابه (١) في آخر هذا الحديث: قال الشافعي: إذا تطهر فلبس

стр. 280

خفيه أن يمسح عليهما. قال: ورواه بندار وغيره، عن الثقفي بإسناده نحوه وقال فيه: إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما, ولم يقل في أوله: "أن يمسح على الخفين". ثم قال البيهقي: هذه الزيادة غلط من الربيع جعلها من قول الشافعي؛ وزاد في أول الحديث: "أن يمسح على الخفين". قال: وقد رواه حرملة، والمزني عن الشافعي وجعلا هذه الزيادة موصولة بالحديث, وليست من قول الشافعي. ولذلك رواه جميع من رواه ولم يذكره في أول الحديث: "أن يمسح على الخفين" وهذا حديث صحيح (١). قال الشافعي في سنن حرملة: وإنما أخذنا في التوقيت بحديث المهاجر وكان إسنادًا صحيحًا. وشد المسافر حديث صفوان بن عسال فقال الترمذي (٢): سألت محمدًا -يعني البخاري- قلت أي حديث أصح عندك؛ في التوقيت في المسح على الخفين؟ فقال: حديث صفوان بن عسال، وحديث أبي بكرة حسن. "الرُّخْصَة": ضد العزيمة، وكأنها من الرخص ضد الغلاء، والرَّخْص الناعِمُ، رَخُصَ الشيء: فهو رخيص وأرخصه غيره. "وأن يمسح": في موضع نصب, لأنه مفعول "أرخص" أي أرخص له المسح.

стр. 281

"واللام" في "للمسافر": لام الملك أي أن الرخصة له لا لغيره، مثل قولك: الثوب لزيد، ويجوز أن تكون اللام لام أجل، أي أرخص المسح لأجل المسافر؛ وفي جعلها لام أجل زيادة معنى؛ وذلك أنه يكون قد يعرض لذكر العلة الداعية إلى الرخصة وهو السفر؛ بخلاف الأول. فأما اللام التي في "المقيم" فلا يحسن إلا أن تكون لام الملك، لأن سبب الرخصة في حقه منتفٍ وهو السفر، ومع ذلك فقد رخص له، فجعل اللامين معنى لمعنىً واحد أولى من جعلها لمعنيين مختلفين. "واليوم": الزمان الذي تكون الشمس فيه ظاهرة على وجه الأرض وهو والنهار بمعنىً، هذا هو الأصل. وقد جعل الشرع أول النهار منذ طلوع الفجر الثاني إلى أن تغيب الشمس هذا هو النهار عنده. "والليل" خلاف "النهار" وهو: الزمان الذي تكون الشمس فيه غائبة عن وجه الأرض. وقوله في النهار والليل وجه الأرض: إنما هو بالنسبة إلينا وجهها، وإلا فكل سطح الأرض وجهها، وإنما يخص كل قطر منها قومًا هم ساكنوه، فما كان عندهم فهو وجه الأرض، وما كان في مقابل جهتهم فهو ظهرها، وهذا اسم إضافي. وإنما قال: "لياليهن" ولم يقل لياليها, لأن نون التأنيث تَخُصُّ جَمْع القِلَّة، وحيث كان الأيام ثلاثة جاء بما يقتضي العدد القليل. "والليالي" جمع ليلة على غير قياس، لأنهم زادوا فيه ياء ولا ياء في الأصل، كما قالوا في أهل أَهلل، وقيل: إن الأصل فيه ليلات فحذفت. وأما "ليلة": فهو واحدة وجمعها ليل، مثل: تمرة وتمر، وهذا وإن كان

стр. 282

جمعًا فإن المحققين من النحويين لا يسمونه جمعًا، ويقولون: هو جنس ولهذا يقع على القليل والكثير، وجمعها الحقيقي ليلات. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: رأيت أنس بن مالك أتى قباء، فبال، وتوضأ، ومسح على الخفين، وصلى. هذا الحديث: أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك، وقد أخرجه مالك في الموطأ بالإسناد قال: إنه أتى قباء فبال؛ ثم أتي بوضوء فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ومسح على الخفين؛ ثم جاء المسجد فصلى. وقد أخرجه من رواية المزني، عن سفيان، عن رباح بن محمد العجلاني، عن أبيه قال: (رأيت) (١) أنس بن مالك بقباء فبال؛ ثم مسح ذكره بالجدار وتوضأ ومسح على خفيه، ثم دخل مسجد قباء. مسجد مشهور (٢) وهو الذي أسس على التقوى في قول. وقباء يعرف ولا يصرف، فإن ذهب ذاهب إلى أنه قد روى (عن بعض) (٢) أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنه قال: سبق الكتاب المسح على الخفين. فالمائدة نزلت قبل المسح المثبت بالحديث في غزوة تبوك. فإن زعم: أنه كان فرض الوضوء قبل الوضوء الذي مسح رسول اللَّه ﷺ بعده أو فرض وضوءه بعده فنسخ المسح، فليأتنا بفرض وضوءين في القرآن، فإنا لا نعلم فرض الوضوء إلا واحدًا. أو إن زعم: أنه مسح قبل أن يفرض عليه الوضوء، فقد زعم أن الصلاة بلا وضوء، ولا نعلمها كانت قط إلا بوضوء، فأي كتاب سبق المسح على الخفين؟ قلت: هذا الصحابي الذي ذكر الشافعي أنه روى عنه هذا الكلام، هو:

стр. 283

علي ابن أبي طالب ﵁ ولم يرو هذا الكلام عنه بإسناد موصول صحيح تقوم به الحجة (١)، وقد روى عنه من وجه صحيح تقوم به الحجة خلاف [....] (٢):. الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر. وقال الأزهري: أراد بالجلاب هنا ماء الورد، وهو فارسي معرب, لأن الورد كل والماء أب، فلما عربوه أبدلوا الكاف جيمًا لقرب المخرجين. قال الأزهري: وذهب بعض أصحاب المعاني؛ إلى أنه الحلاب -بالحاء- وهو تحلب فيه الغنم. يعني أنه كان يغتسل في ذلك الحلاب، فصحف في هذا الحديث. في كتاب صحيح البخاري، إشكال ربما ظن الظان أنه قد تأوله على الطيب لأنه ترجم الباب فقال: من بدأ بالحلاب والطيب عند الغسل (٣)، وفي بعض النسخ أو الطيب، ولم يذكر في هذا الباب غير هذا الحديث (٤). وهذا يدل منه على أنه يجوز أن يكون أراد الجلاب -بالجيم- ويعضده ما فسره الأزهري في كتاب التهذيب وإنكاره على من ذهب إلى أنه بالحاء. وأما باقي الأئمة الذين أخرجوه، فإن مسلمًا (٥) لم يترجم عليه بابًا يخصه، إنما جمع أحاديث الغسل في باب واحد، وذلك من فعله يدل على أنه أراد الآنية لا الطيب. وأما أبو داود (٦) فأخرجه في باب الغسل من الجنابة، وذكره مع غيره من الأحاديث، فلا تعلق له بذكر الطيب. وأما النسائي (٧): فأخرجه في باب استبراء البشرة في الغسل من الجنابة، وذكره مع غيره من الأحاديث، ولم يعرض لذكر الطيب.

стр. 284

إلا أن الحاء أشبه من الجيم وأولى، فإن العادة لمن أراد أن يستعمل الطيب؛ إما أن يستعمله بعد الغسل ليبقى أثره وفائدته حاصلة بعد الغسل؛ ومتى قَدَّمَ الطِّيبَ على الغسل؛ ذهبت فائدته بالغسل بعده لأنه يزيله. ويعضد ذلك: ما ذكره الخطابي في معالم السنن (١)، فإن الحلاب إناء يسع قدر حَلْبَةِ ناقةٍ، قال: وذكره محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، قال: وأحسبه توهم أنه أراد المحلب الذي يستعمله الناس في غسل الأيدي، وليس هذا من الطيب في شيء، وإنما هو على ما فسرته لك. انتهى كلام الخطابي. وقوله: "ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه" أي أفاض بهما الماء على رأسه. فأجرى قال: مجرى فعل و "وسط الشيء" -بفتح السين وسكونها- ما كان بعده من جميع أطرافه سواء؛ إلا أنه بالفتح مخصوص بما لايتبين أجزاؤه بعضها من بعض؛ كالحلقة من الناس والعقد والسبحة، تقول: جلست وَسَطَ الدار والسفينة فتفتح، وجلست وَسْطَ الحلقة، والدُّرَّة وسط العقد فتسكن. وقيل: بالسكون هو طرف الشيء فلا يختص حينئذ بشيء، ويجرى في المتصل الأجزاء والمنفصل. وبالفتح: هو اسم لما بين طرفي كل شيء، قالوا: وكل شيء صلح فيه بين هو ساكن السين، ولم يصلح فيه بين فهو بالفتح، وربما سكن وليس بالوجه. "وأروى": أفعل من الرِّيِّ خلاف العطش، تقول: رَوِيتُ من الماء -بالكسر- أَرْوَي -بالفتح- رِيًّا وَريَّا ورِوىً وأرويتُه أنا. "والبشرة والبشر": ظاهر جلد الإنسان. ويريد بقوله: "أروى البشرة"، أنه أوصل الماء إلى جميع جلده؛ إلا وقد

стр. 285

وصل الماء إلى ما عليه من الشعر. "وأَنْ" في قوله: "حتى إذا ظن أَنْ قد أروى"، هي المخففة من الثقيلة، التقدير: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته. "والظن" هنا يجوز أن يكون بمعنى العلم، وبمعنى الظن، فإنه من الأضداد؛ فإن كان بمعنى "العلم": فقد استيقن الطهارة، وإن كان بمعنى "الظن": فقد أتى بما يجب عليه شرعًا؛ فإنه لا يكلف زيادة على ذلك. "وسائر الشيء": باقيه وهو من "السؤر": البقية، وبعض من لا علم عنده يضعها موضع الجميع وليس بصحيح، وإن كان قد كثر استعمال ذلك في الألسنة قال الشنفري:- إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري. أي جسدي، وهو الباقي منه بعد الرأس. "والاستبراء": استفعال من البرء، وهو طلب براءة الشيء وخَلَاصُهُ مما يتهم به ويظن فيه، ومنه "استبرأت الجارية" إذا طلبت براء رحمها من الحمل، فالمعنى حتى إذا رأى أنه قد أزال ما كان [....] (١). وللتطهر به صورة تخصه والتراب به وله صورة تخصه وهذه كذلك للتطهر بها صورة تخصها؛ وهي التمسح بها وتتبع بها أثر الدم. وقوله "توضئي بها": يريد تطهري، فإن الوضوء طهارة. "والسِّدْرُ": وَرَقُ النبق، وهو غسُولٌ معروف. وقوله: "فتطهر" الأصل فتتطهر: فأدغم إحدى التائين في الأخرى. وقوله: "تَطَهَّرين وتَتَبِّعينَ" الأصل فيهما تَتَطَهَّرين وتَتَتَبَّعِين فأدغم طلبًا للخفة، ويجوز أن يكون بتخفيف الطاء من تطهرين، والتاء الثانية من تتبعين
следующие страницы →