كتاب العدة وفيه بابان
الباب الأول في تبيين العدة ومقدارها
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في عدة المطلقة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن -هو ابن أبي بكر الصديق- حتى دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال ابن شهاب: فذكرت له لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة وقد جادلها في كتاب الله ناس فقالوا: إن الله يقول: ﴿ثَلَاثةُ قُرُوء﴾ (١)، فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه.
هذا حديث صحيح، أخرج مالك (٢) في الموطأ الرواية الأولى.
قوله: "انتقلت حفصة" أي نقلتها إليها من البيت الذي كانت فيه معتدة.
стр. 2207
والأقراء: جمع قرء -بالفتح- وهي عند الشافعي: الأطهار، وعند أبي حنيفة الحيض.
وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في أول كتاب الرجعة، في حديث علي بن أبي طالب.
وقد استدل الشاقعي على أنها الأطهار، بقول رسول الله ﷺ في طلاق ابن عمر: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
ومعنى اللام في "لها" معنى "في" أي هي العدة التي تطلق النساء فيها، كما يقال: كتبت لخمس خلون من الشهر، أي في وقت خلا فيه من الشهر خمس ليال، وإذا كان وقت الطلاق الطهر ثبت أنه وقت العدة.
وقال الشافعي بإسناده: في حديث طلاق ابن عمر وتلا النبي ﷺ : "فطلقوهن لقُبل عدتهن أو في قُبل عدتهن".
قال الشافعي: فأخبر رسول الله ﷺ عن الله -جل ثناؤه- الطهر دون الحيض، وقوله: فطلقوهن لقبل عدتهن وهو أن يطلق طاهرًا لأنها حينئذ تستقبل عدتها, ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلا عدتها إلا بعد الحيض.
وقال الشافعي: القرء في اللغة: اسم وضع لمعنى فلما كان الحيض دمًا يرخيه الرحم فيخرج، والطهر دمًا يحتبس فلا يخرج، وكان معروفاً من لسان العرب أن القرء: الحبس، تقول العرب: هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه، وهو يقري الطعام في شدقه أي يحبسه فيه.
وقال عمر بن الخطاب: العرب تقري في صحافها أن تحبس فيها.
قال الأزهري: قال أبو عبيد: الأقراء: الحيض، والأقراء: الأطهار، وأصله
стр. 2208
من دنو وقت الشيء.
وقال الأزهري: قد قال الشافعي: القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت جاز أن يكون الأقراء حيضًا أو طهرًا، وإنما السنة دلت على تخصيصه بالطهر، وذكر ما حكيناه من كلام الشافعي.
قال الزجاج: قال يونس: إن الأقراء عنده تصلح للحيض والطهر.
وقال أبو عمرو: إن القرء الوقت وهو يصلح للحيض والطهر.
قال أبو الهيثم: يقال: قرأت المرأة إذا طهرت، وقرأت إذا حاضت.
وقال الكسائي والفراء: أقرأت المرأة إذا حاضت.
قال الزجاج: والذي عندي في هذا أن القرء في اللغة: الجمع، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض وإن كان قد ألزم الباء فهو جمعت، وقرأت القرءان لفظه مجموعًا، وإنما القرء: اجتماع الدم في الرحم، وإنما يكون في الطاهر.
والظاهر من كلام هؤلاء العلماء: أن القرء من الأضداد يجوز إطلاقه على الحيض والطهر، وإنما الاشتقاق والسنة دلا على تخصيصه بالطهر، كما ذهب إليه الشافعي وقاله. والله أعلم.
وقوله: "إذا طعنت المطلقة" يريد إذا دخلت في الدم وتمكنت منه وكأنه تشبيه بدخول الرمح في الطعنة.
وقوله: "فقد برئت منه" أي تخلصت من الزوج وانفصل ما بينهما من وصلة النكاح، لأنها قد انقضت عدتها باستكمالها ثلاثة قروء، على أن الأقراء: الأطهار.
وقد ذكرنا اختلاف المذهب في عدة المطلقة المدخول بها، في حديث علي المذكور في كتاب الرجعة.
стр. 2209
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسار أن الأحوص -هو ابن حكيم- هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة وقد كان طلقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت [يسأله عن ذلك] (١)، فكتب إليه زيد: أنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها, ولا ترثه ولا يرثها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري قال: حدثني سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: "إذا طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه.
هذا الحديث أخرج منه مالك في الموطأ (٢) الرواية الأولى، مؤكدًا لما سبق من حديث عائشة، وحكى مثله عن عثمان بن عفان، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب أنهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلقة المدخول بها في الدم من الحيضة الثالثة، فقد بانت منه ولا ميراث بينهما ولا رجعة له عليها.
قال مالك: وذلك الأمر الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، برئت منه وبرئ منها لا ترثه ولا يرثها".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٣) هكذًا مؤكدا لما تقدم من الأحاديث، على أن الأقراء: هي الأطهار.
قال الشافعي: فيما بلغه عن هشيم وأبي معاوية ومحمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن شريح "أن رجلاً طلق امرأته فذكرت أنها قد
стр. 2210
حاضت، في شهر ثلاث حيض، فقال علي ﵁ لشريح: قل فيها، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها يشهدون صُدِّقت، فقال له: قالون" -وقالون بالرومية أصبت-.
وقد رواه ابن شهاب، عن إسماعيل وفيه: فجاءت بعد شهر (١) فقالت: قد انقضت عدتي.
وفي رواية أخرى: أن شريحًا رفعت إليه امرأة طلقها زوجها فحاضت ثلاث حيض في خمس وثلاثين ليلة، فلم يدر ما يقول فيها، فرفع إلى علي ﵁ فقال: سلوا عنها جاليتها -أو قال: جارتها- فإن كان حيضها كان كذا، وإلا فأشهر ثلاثة.
قال الشافعي: وهم لا يأخذون بهذا، أما بعضهم فيقول: لا تنقضي العدة في أقل من أربعة وخمسين يومًا.
وقال بعضهم: أقل ما تنقضي به تسعة وثلاثين قومًا.
وأما نحن فنقول بما روي عن علي, لأنه موافق لما روي عن النبي ﷺ أنه لم يجعل للحيض وقتًا، ثم ذكر حديث مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ في شأن فاطمة بنت أبي حبيش: "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي".
قال الشافعي: فلم يوقت لها وقتًا في الحيضة ليقول كذا وكذا يومًا ولكنه قال: "إذا أقبلت وإذا أدبرت".
قال الشافعي: لا تنقضي العدة في أقل من ثلاثة وثلاثين والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان أنه كان عند جده هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم
стр. 2211
هلك ولم تحض فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى للأنصارية بالميراث فلامت الهاشمية عثمان، فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا -يعني علي بن أبي طالب ﵁.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي بكر أخبره "أن رجلاً من الأنصار يقال: حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته، فمكثت سبعة عشر شهرًا لا تحيض يمنعها الرضاع أن تحيض، ثم مرض حبان بعد أن طلقها بسبعة أشهر أو ثمانية، فقلت له: إن امرأتك تريد أن ترث، فقال لأهله: احملوني إلى عثمان، فحملوه إليه فذكر له شأن امرأته وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، فقال لهما عثمان: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللاتي يئسن من المحيض، وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن المحيض، ثم هي على عدة حيضها ما كان قليل أو كثير.
فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم حاضت حيضة أخرى، ثم توفي حبان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثته".
وأخرج مالك (١) في الموطأ الرواية الأولى، إلا أنه أخرجها عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان.
والذي جاء في المسند: مالك، عن محمد بن يحيى. ومالك يروي عنهما ويحيى بن سعيد يروي عن محمد بن يحيى أيضًا.
قوله: "فمرت بها سنة" أي انقضت عليها في مدة طلاقها سنة فجعل المرور للسنة، وذلك لأنها كانت مقيمة في بيتها والأيام تنقضي بها إلى تمام السنة.
стр. 2212
والقواعد: جمع قاعدة: وهي المرأة التي قد كبرت وأسنت فقعدت عن الولد من الكبر، ولا تطمع في التزويج وأيست من الحيض لذلك.
والقاعد -بلا هاء التأنيث- على النسب، تقول: امرأة قاعد أي ذات قعود من الكبر، وإنما حذفت الهاء منها فرقا بينها وبين قاعدة بمعنى الحالة.
ومعنى قوله: "وليست من الأبكار" لم يرد به اللاتي لم يفتضضن إنما يرد بها الصغائر من النساء، يدل عليه قوله: "اللاتي لم يبلغن المحيض"، وإنما قال الأبكار: لأن الغالب على الصغائر أن يكن أبكارًا.
وقوله: "ثم هي على عدة حيضها" أي منتظرة بعدتها أن تحيض ثلاث حيض وهي عدة المطلقة.
وقوله: "ما كانت من قليل أو كثير" أي زمان قليل أو كثير، فالاعتبار بعدد الحيضات لا بالزمان الذي تحيض فيه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا طلق زوجته التي دخل بها فإن عليها العدة، فإن كانت لم تر الدم اعتدت ثلاثة أشهر، سواء كانت دون سن المحيض أو جاوزت ذلك. وبه قال أبو حنيفة، وإن كانت رأت الدم ثم تباعد حيضها: فإن كان تباعده خلاف عادتها اعتدت به، وإن طالت عدتها سنين -وإن كان تباعده خلاف عادتها وكان ذلك لعارض من مرض، أو رضاع، أو نفاس- انتظرت زوال العارض وعود الدم وإن طال، لحديث حبان المذكور، وإن تباعد لغير عارض فقد اختلف قول الشافعي فيه:-
فقال في القديم: تمكث حتى تعلم براءة رحمها ثم تعتد بالشهور وبه قال مالك وأحمد، وعلم براءة رحمها مختلف فيه.
وقال في الجديد: تنتظر حتى تبلغ سن اليأس. وبه قال أبو حنيفة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد ويزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁:
стр. 2213
أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضة، فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت.
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) إلا أنه قال: ثم رفعتها حيضتها.
ومعنى قوله: "رفعتها حيضة" يريد انقطاع الدم وارتفاعه بعد الحيضة أو الحيضتين. وهذا الحكم هو ما ذهب إليه الشافعي في القديم، وقد ذكرناه في حديث محمد بن يحيى بن حبان.
والتفريع عليه أنا إذا قلنا: تمكث حتى تعلم براءة الرحم ففي قدره قولان:-
أحدهما: تسعة أشهر وتعتد بعدها بثلائة أشهر، فتلك سنة. وبه قال مالك وأحمد عملاً بحديث عمر بن الخطاب هذا ووجه ذلك: أن هذه في مدة الحمل في الغالب، فإذا لم يبن فيها الحمل فقد علم براءة الرحم في الظاهر.
والقول الثاني في مدة البراءة: أنها تنتظر أربع سنين، فإذا انقضت اعتدت بثلاثة أشهر.
ووجه ذلك: أن هذه المدة هي التي يتيقن فيها براءة الرحم لأن أكثر الحمل أربع سنين.
والشافعي ﵀ لما رجع في قوله الجديد إلى أنها تنتظر من اليأس فإنما أخذ بقول ابن مسعود، هذه المطلقة بالحيض وإن طالت. وحكى ذلك عن عطاء، وعمرو بن دينار، وابن الشعثاء، وابن شهاب، واعتذر عن قول عمر بن الخطاب بأن قال: وقد يحتمل قول عمر أن يكون في المرأة قد بلغت السن الذي من بلغها من نسائها ييئسن من المحيض، فلا يكون مخالفا لقول ابن مسعود.
قال: وذلك وجهه عندنا.
стр. 2214
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن -مولى آل طلحة- عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرًا ونصفًا.
قال سفيان: وكان ثقة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس الثقفي، عن رجل من ثقيف أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفًا، وقال رجل: فاجعلها شهرًا ونصفًا، فسكت عمر.
قوله: "ينكح العبد" يعني لا يجوز له أن يجمع أن أكثر من امرأتين لأنه على نصف الحر، والحر يجمع بين أربع. وروى ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وبه قال عطاء، والحسن البصري، وهو قول عامة الفقهاء، إلا ما حكى عن ربيعة، والزهري، ومالك، وداود، وأبي ثور أنهم قالوا: يحل له أربعة.
وكذلك طلاقه لا يملك إلا طلقتين, لأن طلاق الحرة ثلاث فيكون الطلاق طلقة ونصف طلقة، والطلقة لا تنتصف فيكمل له تمام الثانية ضرورة.
وكذلك قوله في الأمة: "تعتد حيضتين" لأن عدة الحر ثلاث حيض، فلما الأمة فتحيضتان حملًا على الطلاق.
وبه قالت الجماعة إلا داود فإنه قال: تعتد بثلاثة أقراء.
فإن لم تكن الأمة تحيض فهي من ذوات الأشهر، وفيه للشافعي ثلاثة أقوال:
أحدهما: شهر ونصف. وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: شهران.
стр. 2215
والثالث: ثلاثة أشهر.
وعن أحمد ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة.
فمن قال: شهران، حملها على عدة الأقراء.
ومن قال: ثلاثة أشهر حملها على عدة الحرة، لأن الغرض أن يعلم براءة الرحم ولا تحصل تلك إلا بمضي ثلاثة أشهر.
ومن قال: شهر ونصف حمل الأمة على نصف الحرة، وهو القياس والأولى.
قال الشافعي: اجتمع لعمر بن العزيز أنه لا يبين الحمل في أقل من ثلاثة أشهر. وحكاه في القديم عن بعض أصحابه، وقال: قال غيره: شهر ونصف على النصف من عدة الحرة.
ثم قال: وهذا أقيس والأول أحوط. والله أعلم.
стр. 2216
الفصل الثاني
في عدة الوفاة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سئل ابن عباس وأبو هريرة عن المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ فقال ابن عباس: آخر الأجلين، وقال أبو هريرة: إذا ولدت فقد حلَّت، فدخل أبو سلمة على أم سلمة -زوج النبي ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فخطبها رجلان: أحدهما شاب، والآخر كهل، فخطبت إلى الشاب، فقال لها الكهل: لم تحلل، وكان أهلها غيبي ورجى إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها، فجاءت رسول الله ﷺ فقال: "قد حللت فانكحي من شئت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن ابن عباس وأبا سلمة اختلفا في المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال، فقال ابن عباس: آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: إذا نُفِست فقد حلت، قال: فجاء أبو هريرة فقال: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا -مولى ابن عباس- إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فجاءهم فخبرهم أنها قالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها: "قد حللت فانكحي".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا أبا داود.
أما مالك (١): فأخرج الروايتين بالإسنادين في الموطأ.
وأما البخاري (٢): فأخرج الرواية الثانية عن سعد بن حفص، عن شيبان، عن
стр. 2217
يحيى، عن أبي سلمة.
وأخرج عن: يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة. وذكر المتن وحده.
وأما مسلم (١): فأخرجه عن ابن المثنى، عن عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار.
وفي أخرى: عن محمد بن رمح، عن الليث، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن عبد ربه، عن أبي سلمة. وذكر نحو الأولى.
وفي أخرى: عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك وذكر الثانية.
قوله: "آخر الأجلين" أي المتأخر منهما: إما الوضع والأشهر، أيهما كان متأخرًا عن الآخر كان هو العدة وهو الأجل.
والغيب: جمع غائب مثل: خادم وخدم.
ونفست المرأة -بضم النون وفتحها-: تنفِس وتنفُس إذا ولدت.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن عدة الوفاة إذا لم تكن المرأة حاملاً: أربعة أشهر وعشرا بنص القرآن، فلما إذا كانت المرأة حاملًا فإن عدتها وضع حملها،
стр. 2218
سواء كان قبل انقضاء الأشهر أو بعدها. وروى مثل ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وهو قول عامة الفقهاء.
وحكى عن علي، وابن مسعود: أنها تعتد بآخر الأجلين وقال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى عن علي أنه قال: الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بآخر الأجلين.
أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي، وإنما رغب عنه لما مضى من سنة رسول الله ﷺ التي هي حجة على الخلق.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه "أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: قد تصنعت للأزواج، إنها أربعة أشهر وعشرًا، فذكرت ذلك سبيعة لرسول الله ﷺ فقال: "كذب أبو السنابل -أو ليس كما قال أبو السنابل- قد حللت فتزوجي".
هكذا أخرجه الشافعي في كتاب الرسالة منقطعًا، وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، موصولاً إلى سبيعة.
أما البخاري (١): فأخرجه عن يحيى بن بكير، عن يزيد وعن يونس معًا، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمر بن عبد الله الأرقم، عن سبيعة.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري مثل البخاري.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، عن
стр. 2219
يونس، عن الزهري مثل البخاري.
وأما النسائي (١): فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري مثل البخاري.
وكلهم أخرجوه أطول من هذا، وقد جاء من طرق كثيرة عن سبيعة عن أم سلمة.
قوله: "قد تصنعت للأزواج" يريد: تحسنت وسويت هيأتك وبرئت, لأنه رآها وقد فارقت هيئة المعتدات، ثم علل قوله وإنكاره عليها بقوله: إنها أربعة أشهر وعشرًا يريد: أن المدة التي تجب عليك أن تعتدي بها هي عدة الوفاة.
وقوله: "كذب أبو السنابل" يريد بالكذب الخطأ, لأنه لم يقل لها ذلك نقلاً ولا حكمًا سمعه من رسول الله ﷺ إنما قال لها ذلك برأيه واجتهاده وظنًا منه أن الأمر كذلك، وما كان هذا سبيله فلا يتطرق إليه الكذب, لأن الكذب يتعلق بالأخبار لا بالاجتهاد، فسمي الخطأ كذبًا اتساعا ومجازًا، وذلك سائغ لقرب ما بينهما, ولذلك قال: "أو ليس كما قال أبو السنابل" وهذا ظاهر في المعنى لا يحتاج إلى تأويل، فإنه لفظ يحتمل الخطأ والكذب فكان صرفه إلى الخطأ أولى موافقة للقول الأول.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور ابن مخرمة "أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت رسول الله ﷺ فاستأذنته في أن تنكح فأذن لها".
هذا حديث صحيح: أخرجه البخاري والنسائي.
وأخرجه مالك (٢) في الموطأ بالإسناد.
стр. 2220
فأما البخاري (١): فأخرجه عن يحيى بن قزعة، عن مالك.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
وهو مؤكد لما سبق من الأحاديث الدالة على أن عدة المتوفى عنها زوجها الحامل بالوضع.
قال الشافعي: ودلت السنة على أن الأشهر لغير الحوامل، فإن الطلاق والوفاة في الحوامل المعتدات سواء، وأن أجلهن كلهن أن يضعن حملهن.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه سئل عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل، فقال ابن عمر: إذا وضعت حملها فقد حلت.
فأخبره رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٣) هكذا.
وقوله: "على سريره" يريد النعش الذي يحمل عليه الميت.
وهذا القول من عمر ﵁ مبالغة في الحكم بأن العدة تنقضي بالوضع، فإنها تحل للأزواج ولو كان الوضع قبل أن يدفن زوجها -والله أعلم.
...
стр. 2221
فرع
في أقل الحمل وأكثره
روي عن أبي الأسود الدؤلي (١) أن عمر رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر وأمر برجمها، وأُتِيَ عليْ ﵁ في ذلك فقال: لا رجم عليها لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) ستة أشهر حمله، وحولين كاملين تمام رضاعه لا رجم عليها، فخلى عمر عنها.
وروي عن ابن عباس ما دل أن أقل الحمل ستة أشهر. وبه قال الشافعي وغيره من الفقهاء.
وروي عن الوليد بن مسلم أنه قال: قلت لمالك بن أنس حديث عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله! من يقول هذا هذه جارتنا [امرأة] (٤) محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين وإلى هذا ذهب الشافعي.
وقول عمر بن الخطاب في امراًة المفقود: تتربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل هذه المدة.
قال الشافعي: وأعجب ما سمعت من النساء يحضن، نساء تهامة يحضن لتسع سنين.
قال البيهقي: روينا عن عباد بن عباد المهلبي أنه قال: أدركت فينا امرأة
стр. 2222
صارت جدة وهي ابنة ثماني عشرة سنة ولدت لتسع سنين ابنة، فولدت ابنتها لتسع سنين.
وعن عبد الله بن صالح: أن امرأة في جوارهم حملت وهي ابنة تسع سنين.
وقيل: هي ابنة عشر سنين.
***
стр. 2223
الفصل الثالث
اجتماع العدتين
قد تقدم في كتاب النكاح في نكاح المعتدة، حديث رشيد الثقفي وزوجته طليحة، وحديث زاذان عن علي ﵁ وذكرنا من المذاهب هناك ما يغني عن إعادته ها هنا، لكن قد أخرج الشافعي: عن عبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء "أن رجلاً طلق امرأته فاعتدت منه، حتى إذا بقي شيء من عدتها نكحها رجل في آخر عدتها، جهلاً ذلك وبنى بها، فأتى علي ابن أبي طالب في ذلك ففرق بينهما وأمرها أن تعتد ما بقي من عدتها الأولى، ثم تعتد من هذا عدة مستقبلة، فإذا انقضت عدتها فهي بالخيار إن شاءت نكحت وإن شاءت فلا".
وقال الشافعي فيما بلغه عن صالح بن مسلم، عن الشعبي أن عليًا قال في التي تتزوج في عدتها: تتم ما بقي من عدتها من الأول، وتستأنف من الآخر عدة جديدة.
قال الشافعي: وكذلك نقول وهو موافق لما روينا عن عمر وهم يقولون: عليها عدة واحدة، ويخالفون ما روي عن علي.
وقال في القديم (١): فقيل: هذا قضاء عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم كما قلنا، فعمَّن أخذت قولك؟ قال: عن إبراهيم. قلنا: أو ما زعمت أن إبراهيم وحده لا يكون حجة فكيف يكون حجة على من زعمت أن ليس لأحد من الأمة خلافه لأن ذلك قولك وقولنا في الواحد من أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 2224
الفصل الرابع
في امرأة المفقود
أخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن أبي عوانة، عن منصور بن المعتمر، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي ﵁ "أنه قال في امرأة المفقود: أنها لا تتزوج".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن هشيم بن بشير، عن سيار ابن الحكم، عن علي "في امرأة المفقود إذا قدم وقد تزوجت امرأته: إن شاء طلق وإن شاء أمسك ولا تخير".
قد روى هذا الحديث أبو عبيد، عن هشيم، عن سيار، عن الشعبي، عن علي.
ورواه سماك بن حرب، عن حنش، عن علي.
ورواه سعيد بن جبير، عن علي ﵁.
قوله: "ولا تخير" إشارة إلى الزوج الأول، فإن بعضهم يقول: يخير بين المرأة والصداق وروى ذلك عمر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الزوج إذا غاب عن امرأته وكانت غيبته منقطعة لا يسمع له خبر ولا يعلم له موضع، ففيه قولان:-
قال في الجديد: ليس للزوجة أن تتزوج بحال، وإنما تصبر حتى تتيقن موته أو طلاقه.
وروي ذلك عن علي أنه قال: هذه امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها يقين موته.
وإليه ذهب ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة.
стр. 2225
وقال في القديم: أنها تصبر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تحل للأزواج.
وروى ذلك عن عمر، وبه قال مالك.
وأما بيان حكم الزوجية:-
فعلى الجديد: أنها ترد إليه، فإن كان الثاني ما دخل بها فلا شيء عليه، وإن كان قد دخل بها؛ فرق بينهما وأعيدت ولا نفقة لها على واحد منهما، فإذا قضت العدة حلت للأول. وعلى القديم: لا سبيل للأول عليها سواء تزوجت أو لم تتزوج وبه قال مالك.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرًا".
قال الشافعي: الحديث الثابت عن عمر وعثمان في امرأة المفقود مثل ما روي عن مالك وزيادة "فإذا تزوجت فقدم زوجها المفقود قبل أن يدخل بها زوجها الآخر كان أحق بها، وإن دخل بها زوجها الآخر فالأول المفقود بالخيار بين امرأته والمهر".
قال ابن شهاب: وقضى بذلك عثمان بعد عمر.
стр. 2226
الفصل الخامس
في الأستبراء
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال "في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال: تعتد بحيضة".
هذا الحديث أخرجه مالك (١) في الموطأ إسنادًا ولفظًا.
وقد روي عن القاسم بن محمد وغيره من فقهاء التابعين من أهل المدينة مثل ذلك.
قال الشافعي: أصل الاستبراء أن رسول الله ﷺ نهى عام سبي أوطاس، أن توطأ حامل حتى تضع أو توطأ حائل حتى تحيض.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن أم الولد إذا مات عنها سيدها أو أعتقها تعتد بحيضة. وروى ذلك عن عمر، وعائشة، وهو مذهب الشعبي ومالك وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد.
وقال أبو حنيفة: تعتد ثلاثة أقراء.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إذا مات عنها سيدها اعتدت أربعة أشهر وعشرًا. وروى هذا عن أحمد.
فعلى مذهب الشافعي هل القرء الذي تعتد به طهر أو حيض؟ فيه خلاف:-
قيل: إنه طهر لأن الأقراء: الأطهار في حق الحرة فكذلك الأمة.
وقيل: إنه حيض لحديث سبي أوطاس، وخالف الحرة لأن الحيض تكرر في عدتها الأطهار، وها هنا لا يتكرر فاعتمد على الحيض.
стр. 2227
الباب الثاني
في أحكام المعتدات
وفيه فصلان:
الفصل الأول في السكنى والنفقة
وفيه فرعان:
الفرع إلأول في المطلقة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن يزيد -مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة -وهو غائب بالشام- فبعث إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة".
وأخبرنا الشافعي بالإسناد: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام- فذكرت الحديث وقال فيه: "فجاءت رسول الله فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك".
أخرج الرواية الأولى في كتاب "أحكام القرءان"، والثانية في كتاب "العدة" (١)، وهو طرف من حديث طويل صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري فقد أكثروا طرقه، وقد أخرج منه الشافعي طرفًا في كتاب اختلاف الحديث، لبيان جواز الخطبة على خطبة الغير، وقد ذكرنا طرق الأئمة لهذا الحديث في خطبة النكاح فلم نعدها هنا.
стр. 2228
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المطلقة المعتدة: إما أن تكون رجعية أو بائنا: فأما الرجعية: فلها النفقة والسكنى.
وأما البائن: فلا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً ولها السكنى.
وروي مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الفقهاء السبعة، ومالك، والأوزاعي، والليث بن سعد وروي عن ابن عباس.
وجائز أنهما قالا: لا نفقة لها ولا سكنى. وإليه ذهب أحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والثوري: لها النفقة والسكنى.
قال الشافعي: قال لنا بعض من خالفنا في هذه المسألة: فإنكم تركتم حديث فاطمة هي قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "لا سكنى لك ولا نفقة".
فقلت له: ما تركنا من حديث فاطمة حرفًا، قال: إنا حدثنا عنها أنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "لا سكنى لك ولا نفقة"، فقلنا: لكنا لم نحدث هذا عنها, ولو كان ما حدثتم عنها كما حدثتم كان على ما قلنا وعلى خلاف ما قلتم. قال: وكيف؟ قلت: أما حديثنا فصحيح على وجهه أن النبي ﷺ قال: "لا نفقة لك عليه"، وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم ولو كان في حديثها إحلاله لها أن تعتد حيث شاءت، لم يحظر عليها أن تعتد حيث شاءت، فكيف أخرجها من بيت زوجها وأمرها أن تعتد في بيت غيره؟ قلت: لعلة لم تذكرها فاطمة كأنها استحيت من ذكرها وقد ذكرها غيرها. قال: وما هي؟ قلت: كان في لسانها ذرب فاستطالت على أحمائها فأمرها النبي ﷺ أن تعتد في بيت [ابن] (١) أم مكتوم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن
стр. 2229
عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن ابن عباس في قول الله : ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: أن تبذو على أهل زوجها، فإذا بذت فقد حل إخراجها.
قد اختلف المفسرون في المراد بالفاحشة ها هنا:
فقال قوم: المراد بها: الزنا، وقد تكرر ورود الفاحشة في القرءان العزيز وأريد بها الزنا، فيكون اخراجهن لإقامة الحد.
وقيل: الفاحشة ها هنا: النشوز.
وقال الشافعي في كتاب أحكام القرءان (١) في هذه الآية:
فالفاحشة: أن تبدو على أهل زوجها فيأتي من ذلك ما يخاف الشقاق بينها وبينهم، فإذا فعلت حد لهم إخراجها وكان عليهم أن ينزلوها منزلاً غيره.
وإنما ذهب الشافعي في هذا أخذًا بتأويل ابن عباس المذكور في الحديث.
والبذاء -بالمد-: الفحش في الكلام، بذا يبذ فهو بذيء والمرأة بذئة، ويقال فيه: أبذاء.
والمراد به في الحديث: الشتم وطول اللسان على أهل الزوج، فحينئذ يخرجونها إلى غير ذلك المنزل من أقرب المنازل إليه.
ويريد بأهل الزوج: أقاربه وألزامه، هذا إذا كانوا معها في دار واحدة.
وقوله: "مبينة" من البيان الظهور، وقد اختلف القراء فيها:-
فقرأها قوم: بكسر الياء أي أنها هي التي بينت أمرها وأظهرته.
وقرأها قوم: بفتح الياء أي أنها مظهرة موضحة. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم وسليمان ابن يسار أنه سمعها تذكر أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن ابن الحكم البتة فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة إلى مروان بن
стр. 2230
الحكم وهو أمير المدينة فقالت: اتق الله يا مروان، واردد المرأة إلى بيتها. فقال مروان -في حديث سليمان-: إن عبد الرحمن غلبني، وقال مروان -في حديث القاسم-: وما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، فقالت عائشة: لا عليك ألا تذكر شأن فاطمة، فقال: إن كان إنما بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأخرجه مالك في الموطأ.
أما البخاري (١): فأخرجه عن إسماعيل، عن مالك وزاد: ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه فقال: عابت عائشة ذلك أشد العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فأرخص لها رسول الله ﷺ .
وأما مسلم (٢): فأخرج منه أطرافًا منها: إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه.
ومنها: عن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أن بيه.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
قوله: البتة: يريد طلاقًا بائنًا.
قوله: "فانتقلها" يريد نقلها من بيت زوجها قبل انقضاء عدتها.
وقوله: "واردد المرأة إلى بيتها" وإنما هو بيت زوجها، وإنما جاز ذلك لأنه مختص بها إلى أن تقضي عدتها, ولأنه كان بيتها الذي تسكنه قبل الطلاق، فاستصحبت الحال في تسميته بيتها مجازًا.
وقوله: "غلبني عليها" يعني أن أباها عبد الرحمن أخرجها ولم أقدر أن
стр. 2231
أمنعه. وهذا اعتراف من مروان بأن الحكم ما قالت عائشة، وإنما الغلبة منعته من إقراره الحق مقره.
وقوله: "أو ما بلغك شأن فاطمة" يريد أن النبي ﷺ أمرها أن تنتقل من بيت زوجها وهي في عدتها.
وهذا القول من مروان اعتراض على ما ذهبت إليه عائشة، ولذلك قالت له في الجواب: "لا عليك أن لا يذكر شأن فاطمة" يعني أن حديثها ليس حجة في هذا الباب، لأنها رخص لها الخروج لعذر. وقد ذكرنا ذلك قبل هذا الحديث.
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرني عبد العزيز بن محمد بن عمرو، عن محمد ابن إبراهيم أن عائشة كانت تقول: "اتق الله يا فاطمة فقد علمت في أي شيء كان ذلك".
لما روت فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، فكانت عائشة تنكر ذلك عليها وتقول لها: "اتق الله" أي خافيه واخشيه فيما تروينه وتحدثين به عن رسول الله ﷺ ، فإن الناس يأخذون به وقد علمت لأي سبب أمرك أن تعتدي في بيت ابن أم مكتوم، وذلك السبب: طول لسانها فلا تمسكه عن أحد.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه قال: "قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب فسألته عن المبتوتة؟ فقال: "تعتد في بيت زوجها". فقلت: فأين حديث فاطمة بنت قيس؟ فقال: هاه ووصف أنه تغيظ وقال: فتنت فاطمة الناس، وكان للسانها ذرابة فاستطالت على أحمائها، فأمرها رسول الله ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم".
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) مختصرًا بمعناه.
стр. 2232
قوله: "فدفعت إلى سعيد بن المسيب" أي رددت إليه ودللت عليه.
والمبتوتة: يريد به المطلقة الثلاث.
وقوله: "فأين حديث فاطمة! " يريد حديث انتقالها إلى بيت ابن أم مكتوم.
وقوله: "هاه" كلمة يقولها الحزين والمتأوه والمغتاظ والمتأسف، وها هنا أراد المغتاظ القوله: إنه تغيظ، وتغيظ واغتاظ بمعنىً.
وقوله: "فتنت الناس" أي جعلتهم مختلفين واوقعتهم في فتنة بقولها لإن منهم من أخذ به، ومنهم من لم يأخذ به.
والذرابة في اللسان: الحدة وسرعة الكلام والجواب والمراد: أنها كانت لا تمسك لسانها عن شيء تقوله فيتأذى به غيرها، ولذلك قال: فاستطالت على أحمائها أي أهل زوجها وأهل الزوج كلهم أحماء والأحماء جمع الحم، والاستطالة في القول مجاوزة الحد والسُّبة في الخطاب.
وقد ذكرنا أن المعتدة إذا تأذى بها زوجها قولاً أو فعلاً، جاز أن تنتقل عن مسكنها وتُحَوَّل إلى غيره.
قال الشافعي: فعائشة ومروان وابن المسيب يعرفون أن حديث فاطمة في أن النبي ﷺ أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم كما حدثت، ويذهبون إلى أن ذلك إنما كان للشر، ويريد ابن المسيب تبيين استطالتها على أحمائها، ويكره لها ابن المسيب وغيره أنها كتمت في حديثها السبب خوفاً أن يسمع ذلك سامع، فيرى أن للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت.
قال: وسنته ﷺ في فاطمة تدل على أن ما تأول ابن عباس في قول الله : ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) هو البذاء على أهل زوجها كما تأول إن شاء الله، ولم يقل لها النبي ﷺ اعتدى حيث شئت ولكنه حصنها
стр. 2233
حيث رضي إذا كان زوجها غائبًا ولم يكن له وكيل بتحصينها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع أن بنت سعيد بن زيد كانت عند عبد الله فطلقها البتة، فخرجت فأنكر ذلك عليها ابن عمر.
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) وقال: وكانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو المذكور في حديث الشافعي ومن لا يعرف هذا يظن أن عبد الله المذكور في الحديث هو عبد الله بن عمر لأجل ذكر نافع وليس هو إنما هو عبد الله بن عمرو بن عثمان.
وهذا الحديث مؤكدًا لما تقدم ذكره من الحديث في لزوم المعتدة مسكنها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: نفقة المطلقة ما لم تحرم، فإذا حرمت فمتاع بالمعروف.
قوله: "ما لم تحرم" أي ما لم تحرم على الزوج وهي: إما التي لا تملك رجعتها أو المطلقة ثلاثًا، فإن المطلقة ثلاثًا تحرم عليه نكاحها إلا أن تنكح زوجًا غيره، والتي لا تملك رجعتها تحرم عليه إلا بعقد جديد.
والمعنى في الحديث: أن النفقة إنما تجب للمطلقة التي تملك رجعتها.
وأما البائن والمبتوتة: فلا نفقة لها.
وقوله: فمتاع بالمعروف" يريد به المتعة، وقد تقدم في كتاب الصداق القول في المتعة، ولمن هي، ومقدارها، والتقدير في الكلام فإذا حرمت فلها متاع بالمعروف أي من غير تقتير ولا إسراف.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال عطاء:
стр. 2234
"ليست الحبلى المبتوتة منه في شيء، إلا أنه ينفق عليها من أجل الحبل، فإذا كانت غير حبلى فلا نفقة لها.
قد تقدم فيما سبق أن المطلقة البائن إذا كانت حائلًا فلا نفقة لها وإنما هي السكنى، وإذا كانت حاملًا فلها النفقة، وهل النفقة للحمل أو للحامل؟ فيه قولان:-
أحدهما: للحمل, لأنها لو كانت حائلًا لم تجب لها نفقة، فإذا رضعت سقطت نفقتها.
الثاني: أنها للحامل لأنها تجب مع اليسار والإعسار.
وقوله: "ليست الحبلى المبتوتة منه في شيء" أي ليست من الإنفاق في شيء إلا أن ينفق عليها من أجل الحبل، وهذا يعضد ما تقدم ذكره في حديث جابر، إلا أنه موجه على القولين، فجائز أن تكون النفقة للحمل، وأن تكون للحامل لأنه قال: إلا أن ينفق عليها من أجل الحبل، فجعل الحبل علة في الإنفاق عليها, ولم يصرح أن النفقة للحمل أو للحامل، فجاز صرفه إلى الجهتين.
***
стр. 2235
الفرع الثاني
في المتوفى عنها زوجها
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك بن سنان أخبرتها: "أنها جاءت إلى النبي ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة -أو في المسجد- دعاني -أو أمرني- فدعيت له، فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان عثمان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك الحديث فأخبرته فأتبعه وقضى به.
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ (١)، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
فأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٣):
عن (٤) محمد بن العلاء، عن ابن [إدريس و] (٥) شعبة وابن جريج ويحيى بن سعيد ومحمد بن إسحاق، عن سعد بن إسحاق.
стр. 2236
وفي أخرى: عن قتيبة، عن حماد، عن سعد بن إسحاق.
أعبد: جمع قلة لعبد.
وطرف القدوم -بتخفيف الدال- تلة جبل بالحجاز قرب المدينة.
وقولها: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي. هو رجوع من الغيبة إلى ضمير المتكلم، لأنه قال في الأول: "جاءت تسأله أن ترجع إلى أهلها، فكان إخبار من الراوي عنها ثم عدل عن الإخبار فجعل كأن المخبر هي.
وقوله: "حتى يبلغ الكتاب أجله" يريد مدة العدة التي فرضها الله تعالى وقدرها وهي أربعة أشهر وعشرًا, ولم يرد بالكتاب كتاب الله العزيز، إنما أراد ما كتبه الله أي فرضه على النساء من العدة.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "الرسالة" (١) مستدلًا به على قبول خبر الواحد، ولذلك قال الشافعي في عقبه: وعثمان في علمه وإمامته يقبل خبر امرأة عن رسول الله ﷺ ، ويصير إلى اتباعه ولم يتهمها ويقضي به بين المهاجرين والأنصار.
قال الشافعي. قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٢). الآية. فكان فرض الزوجة أن يوصي لها الزوج بمتاع إلى الحول، ولم أحفظ عن أحد خلافًا في أن المتاع: النفقة والكسوة والسكنى إلى الحول، وثبت لها السكنى فقال: "غير إخراج" ثم قال: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ في مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ فدل القرءان على أنهن إن خرجن فلا جناح على الأزواج لأنهن تركن ما فرض لهن، ودل الكتاب إذا كانت السكنى لها فرضا فتركت حقها؛ ولم يجعل الله على الزوج حرجًا من ترك حقه غير ممنوع لم
стр. 2237
يخرج من الحق عليه، ثم حفظت عن من أرضى من أهل العلم أن النفقة للمتوفى عنها وكسوتها حولًا منسوخة بآية الميراث، قال الله : ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (٢)، قال: ولم أعلم مخالفًا فيما وصفت من نسخ نفقة المتوفى عنها وكسوتها سنة وأقل من سنة، ثم احتمل سكناها إذا كان مذكورًا مع نفقتها أنه يقع عليه اسم المتاع أن يكون منسوخًا في السنة وأقل منها، كما كانت النفقة والكسوة منسوخين في السنة وأقل، واحتمل أن يكون نسخت في السنة وأثبتت في عدة المتوفى عنها حتى تنقضي، وأن تكون داخلة في جملة المعتدات فإن الله تعالى يقول في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٣) فلما فرض من المعتدة من الطلاق السكنى فكانت المعقدة للمتوفى عنها في معناها؛ احتملت أن يجعل السكنى لأنها في معنى المعتدات؛ فإن كان هكذا فالسكنى لها في الكتاب منصوص أو في معنى من نص لها السكنى، وإن لم يكن هكذا ففرض السكنى لها في السنة.
وقال في القول الثاني في كتاب "العدد": الاختيار لورثته أن يسكنوها فقد ملكوا كان دونه، وقول النبي ﷺ : "امكثي في بيتك" يحتمل ما لم تخرجي منه إن كان لغيرك لأنها قد وضعت أن المنزل ليس لزوجها.
وتفصيل المذهب: أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها في عدتها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، وروي عن قوم من الصحابة أن لها النفقة.
وأما السكنى: فإنها واجبة لها في إحدى القولين، وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأم سلمة. وبه قال مالك.
والقول الثاني: لا سكنى لها، وروي عن علي، وابن عباس، وعائشة، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 2238
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: "ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة، حسبها الميراث.
هذا الحديث محقق ما سبق ذكره من أن المتوفى عنها لا نفقة وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس.
وقوله: حسبها الميراث: أي كافيها وقانعها، تقول: حسبي وحسبك درهم. والله أعلم.
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن هشيم بإسناده عن علي بن أبي طالب قال: "الحامل المتوفى لها النفقة من جميع المال".
وقال فيما بلغه عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي, عن عبد الله في الحامل المتوفى عنها لها النفقة من جميع لمال.
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا.
أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي وعبد الله.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه أنه قال "في المرأة بالبادية يتوفى عنها زوجها أنها: تنتوى حيث ينتوى أهلها".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن هشام، عن أبيه وعن عبيد الله بن عبد الله مثله أو مثل معناه لا يخالفه.
البادية: اسم فاعله من بدت تبدو فهي بادية إذا أتت البادية، وهي البرية والصحراء ولم تتم في المدن والقرى، فاسم الفاعل والاسم سواء في اللفظ، والبدو: خلاف الحضر، وقد جاء في كتاب "السنن" (١) المرأة البدوية منسوبة إلى البدو.
стр. 2239
والانتواء: الانتقال والتحول من دار إلى غيرها حكمًا، كما تنتوى الأعراب في باديتها من أرض إلى أرض.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن البدوية التي توفي عنها زوجها تعتد في بيتها الذي كانت فيه ومسكنها الذي كانت تسكنه, لأنه موضع إقامتها كمنزل الحضرية، وإنما يفترقان في أن منازل أهل البادية تنتقل دون منازل أهل الحضر، فإن انتقلوا قبل انقضاء العدة جميعهم انتقلت معهم، فإن انتقل بعضهم وفي الباقين أهلها وعندهم منعة وقوة فلا تنتقل، وإن انتقل أهلها مع المتنقلين وبقي في الباقين قوة ومنعة فالخيار لها في الإقامة والانتقال.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله أنه كان يقول: "لا يصلح للمرأة أن تبيت ليلة واحدة إذا كانت في عدة وفاة أو طلاق إلا في بيتها".
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) عن نافع، عن ابن عمر كان يقول: لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة إلا في بيتها.
قوله: "لا يصلح" يريد لا يجوز: فإن ما ليس يصلح فهو فاسد.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المعتدة إن كانت عن وفاة وأرادت أن تخرج نهارًا لحاجة لها، جاز أن تخرج ثم تعود إلى بيتها ليلاً، وإن كانت مطقلة رجعية: فلا يجوز لها إلا بإذن زوجها لأنها في حكم الزوجات. وإن كانت بائنًا: ففيه قولان: قال في القديم: لا يجوز لها الخروج.
وقال في الجديد: يجوز لها ويستحب أن لا تخرج.
قال الشافعي: وقد ذهب بعض من ينسب إلى العلم في المطلقة: أنها لا تخرج ليلاً ولا نهارًا بحال إلا من عذر، ولو فعلت هذا كان أحب إلى، وإنما
стр. 2240
منعنا من إيجاب هذا عليها مع احتمال الآية، ما ذهبنا إليه أن عبد المجيد أخبرنا قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا أبو الزبير، عن جابر قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلا لها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: "بلى، فجدي نخلك فلعلك أن تصدقي أو تفعلي معروفا".
قال الشافعي: نخل الأنصار قريب من منازلهم، والجدار إنما يكون نهارًا.
وقال: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: حدثنا إسماعيل بن كثير، عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم وكن متجاورات في دار فجئن النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله! إنا نستوحش بالليل فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبددنا إلى بيوتنا، فقال النبي ﷺ : "تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتأت كل امرأة إلى بيتها".
***
стр. 2241
الفصل الثاني من الباب الثاني
في الإحداد
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك [عن] (١) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قال: قالت زينب: "دخلت على أم حبيبة -زوج النبي ﷺ حين توفي أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة -خلوق أو غيره- فدهنت منه جارية ثم مسحت بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا"
قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله ابن جحش، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة وعشرًا".
قالت زينب: وسمعت أمي -أم سلمة- تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ابنتي توفي عنها [زوجها] وقد اشتكت عينها. أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا" -مرتين أو ثلاثًا- كل ذلك يقول: "لا" ثم قال: "إنما [هي] (٢) أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
стр. 2242
قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟
فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة: حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره.
قال الشافعي: الحفش: البيت الصغير الذليل من الشعر والبناء وغيره.
والقبض (١): تأخذ من الدابة موضعًا بأطراف أصابعها، والقبض تأخذ بالكف كلها.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (٢): فأخرجه في الموطأ إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف، عن مالك وعن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن حميد.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن ابن المثنى عن غندر.
وعن أبي بكر والناقد، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن حميد.
وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن الأنصاري، عن معن، عن مالك ولم يذكر سؤال حميد لزينب.
стр. 2243
وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
الخلوق: ضرب من الطيب مجموع من أخلاط زعفران وقصب الذريرة وقرنفل كذا يقوله الأطباء، وقيل غير ذلك.
والإحداد: حزن المرأة على زوجها وترك الزينة ولبس ثياب الحزن وفيه لغتان: أحدت تحد فهي محد وحدت تحد فهي حاد ويرى أنه من الحد المنع لأنها منعت من الزينة.
والحفش: قد جاء تفسيره في الحديث، وسمي حفشًا لضيقه.
وقيل: الحفش الدرج فشبه به لصغره.
وقد جاء في بعض الروايات عن مالك أن الحفش: الخص.
وقوله: "فتفتض به" قد فسره الشافعي في الحديث أنه بالصاد المهملة وبالضاد المعجمة وبالقاف والباء الموحدة، والمروي في الحديث إنما هو: تفتض بالفاء والتاء المعجمة بنقطتين من فوق.
قال الأزهري: قال القتيبي: سألت الحجازين عن الافتضاض؟ فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تنتف عن وجهها شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض بطائر فتمسح به قبلها وتلبده فلا يكاد يعيش.
قال: وهو من فضضت الشيء إذا كسرته، كأنها في عدة من زوجها فتكسر ما كانت فيه وتخرج منه الدابة.
قال الأزهري: وقد روى الشافعي هذا الحديث غير أنه روى هذا الحرف بعينه
стр. 2244
بالقاف والصاد وقد شرحه في آخر الحديث.
وقال الأخفش: فتقتص به من القصة أي فتطهر به، شبه ذلك بالفضة لصفائها.
وقوله: "ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره" أي تعاود الذي كانت أو امتنعت منه لأجل العدة.
وإنما قال لها النبي ﷺ ذلك: لأن هذا كان من عادة العرب أن يفعلوه فجاء الإِسلام بالتخفيف والرخصة، وجعل العدة أربعة أشهر وعشرًا ولم يحرم عليها ما كانت محرمة على نفسها، ومع هذا جاءته تريد أن تكحل ابنتها، فقال لها ذلك إنكارًا عليها وتوبيخًا وتقريعًا وإلزامًا لها بالحجة واتباع السنة.
والذي ذهب إليه الشافعي أن إحداد المعتدات على ثلاثة أقسام:
الأول: معتدة يجب عليها الإحداد وهي المتوفى عنها زوجها.
وحكي عن الحسن البصري: أنه لا إحداد عليها.
والثاني: معتدة لا يجب الإحداد عليها قولًا واحداً وهي الرجعية وأم الولد.
والثالث: معتدة مختلف في إحدادها وهي المطلقة البائن.
وقال في القديم: عليها الإحداد. وهو قول ابن المسيب وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال في الجديد: لا إحداد عليها. وبه قال ربيعة ومالك والرواية الأخرى عن أحمد.
والإحداد يتعلق بالبدن، وهو أن تجتنب كل ما يجلب الأبصار إليها ويدعو إلى مباشرتها، من تحسين وتطيب ودهن مُطيب وكحل أسود وغير ذلك وجميع أنواع الزينة.
стр. 2245
وأما المسكن: فلا يتعلق بالاحداد فلها أن تسكن مسكنًا حسنًا وغير حسن، ولا يحرم عليها تقليم الأظفار وأخذ العانة.
وأما الثياب: فالتي لم تغير بصبغ: يجوز لبسها وإن كانت رفيعة، سواء كانت من قطن أو كتان أو إبريسم.
وإن كانت مغيرة بصبغ للزينة: كالأحمر والأصفر ونحوهما لم يجز لبسها، وإن لم يكن للزينة: كالكحل وما يقصد به احتمال الوسخ أو إظهار الحزن فيجوز، وإن كان صبغ غزله ثم نسج فالمذهب أنه لا يجوز نص عليه في الأم.
وحكى عن أبي إسحاق أنه قال: يجوز.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة وحفصة -أو عائشة أو حفصة- أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا".
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ ومسلم والنسائي.
فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد وقال: عن عائشة وحفصة معًا.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة وابن جريج، عن الليث، عن نافع، عن صفية مثل الشافعي.
وفي أخرى له: عن حفصة وحدها.
وفي أخرى: عن بعض أزواج النبي ﷺ .
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن عبد الوهاب، عن نافع،