← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الفصل الثاني من الباب الثاني في الإحداد أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك [عن] (١) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قال: قالت زينب: "دخلت على أم حبيبة -زوج النبي ﷺ حين توفي أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة -خلوق أو غيره- فدهنت منه جارية ثم مسحت بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله ابن جحش، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة وعشرًا". قالت زينب: وسمعت أمي -أم سلمة- تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ابنتي توفي عنها [زوجها] وقد اشتكت عينها. أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا" -مرتين أو ثلاثًا- كل ذلك يقول: "لا" ثم قال: "إنما [هي] (٢) أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".

стр. 2242

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة: حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. قال الشافعي: الحفش: البيت الصغير الذليل من الشعر والبناء وغيره. والقبض (١): تأخذ من الدابة موضعًا بأطراف أصابعها، والقبض تأخذ بالكف كلها. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك (٢): فأخرجه في الموطأ إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف، عن مالك وعن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن حميد. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن ابن المثنى عن غندر. وعن أبي بكر والناقد، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن حميد. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن الأنصاري، عن معن، عن مالك ولم يذكر سؤال حميد لزينب.

стр. 2243

وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. الخلوق: ضرب من الطيب مجموع من أخلاط زعفران وقصب الذريرة وقرنفل كذا يقوله الأطباء، وقيل غير ذلك. والإحداد: حزن المرأة على زوجها وترك الزينة ولبس ثياب الحزن وفيه لغتان: أحدت تحد فهي محد وحدت تحد فهي حاد ويرى أنه من الحد المنع لأنها منعت من الزينة. والحفش: قد جاء تفسيره في الحديث، وسمي حفشًا لضيقه. وقيل: الحفش الدرج فشبه به لصغره. وقد جاء في بعض الروايات عن مالك أن الحفش: الخص. وقوله: "فتفتض به" قد فسره الشافعي في الحديث أنه بالصاد المهملة وبالضاد المعجمة وبالقاف والباء الموحدة، والمروي في الحديث إنما هو: تفتض بالفاء والتاء المعجمة بنقطتين من فوق. قال الأزهري: قال القتيبي: سألت الحجازين عن الافتضاض؟ فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تنتف عن وجهها شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض بطائر فتمسح به قبلها وتلبده فلا يكاد يعيش. قال: وهو من فضضت الشيء إذا كسرته، كأنها في عدة من زوجها فتكسر ما كانت فيه وتخرج منه الدابة. قال الأزهري: وقد روى الشافعي هذا الحديث غير أنه روى هذا الحرف بعينه

стр. 2244

بالقاف والصاد وقد شرحه في آخر الحديث. وقال الأخفش: فتقتص به من القصة أي فتطهر به، شبه ذلك بالفضة لصفائها. وقوله: "ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره" أي تعاود الذي كانت أو امتنعت منه لأجل العدة. وإنما قال لها النبي ﷺ ذلك: لأن هذا كان من عادة العرب أن يفعلوه فجاء الإِسلام بالتخفيف والرخصة، وجعل العدة أربعة أشهر وعشرًا ولم يحرم عليها ما كانت محرمة على نفسها، ومع هذا جاءته تريد أن تكحل ابنتها، فقال لها ذلك إنكارًا عليها وتوبيخًا وتقريعًا وإلزامًا لها بالحجة واتباع السنة. والذي ذهب إليه الشافعي أن إحداد المعتدات على ثلاثة أقسام: الأول: معتدة يجب عليها الإحداد وهي المتوفى عنها زوجها. وحكي عن الحسن البصري: أنه لا إحداد عليها. والثاني: معتدة لا يجب الإحداد عليها قولًا واحداً وهي الرجعية وأم الولد. والثالث: معتدة مختلف في إحدادها وهي المطلقة البائن. وقال في القديم: عليها الإحداد. وهو قول ابن المسيب وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال في الجديد: لا إحداد عليها. وبه قال ربيعة ومالك والرواية الأخرى عن أحمد. والإحداد يتعلق بالبدن، وهو أن تجتنب كل ما يجلب الأبصار إليها ويدعو إلى مباشرتها، من تحسين وتطيب ودهن مُطيب وكحل أسود وغير ذلك وجميع أنواع الزينة.

стр. 2245

وأما المسكن: فلا يتعلق بالاحداد فلها أن تسكن مسكنًا حسنًا وغير حسن، ولا يحرم عليها تقليم الأظفار وأخذ العانة. وأما الثياب: فالتي لم تغير بصبغ: يجوز لبسها وإن كانت رفيعة، سواء كانت من قطن أو كتان أو إبريسم. وإن كانت مغيرة بصبغ للزينة: كالأحمر والأصفر ونحوهما لم يجز لبسها، وإن لم يكن للزينة: كالكحل وما يقصد به احتمال الوسخ أو إظهار الحزن فيجوز، وإن كان صبغ غزله ثم نسج فالمذهب أنه لا يجوز نص عليه في الأم. وحكى عن أبي إسحاق أنه قال: يجوز. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة وحفصة -أو عائشة أو حفصة- أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". هذا حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ ومسلم والنسائي. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد وقال: عن عائشة وحفصة معًا. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة وابن جريج، عن الليث، عن نافع، عن صفية مثل الشافعي. وفي أخرى له: عن حفصة وحدها. وفي أخرى: عن بعض أزواج النبي ﷺ . وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن عبد الوهاب، عن نافع،

стр. 2246

عن صفية، عن حفصة. وفي أخرى له: عن بعض أزواج النبي ﷺ ولم يسمها. وفي أخرى قال: وهي أم سلمة. وهذا الحديث مؤكد لما سبق يبين الإحداد الواجب عن المتوفى عنها زوجها ومن عدا الزوج من الأقارب لا يحل لها الإحداد عليه كالأب والأخ والولد وغيرهم. وأخرج الشافعي قال: أخبرنا مالك أنه بلغه أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ " فقالت: يا رسول الله، إنما هو صبر، فقال رسول الله ﷺ : "اجعليه بالليل وامتسحيه بالنهار". قال الشافعي: الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب، فأذن لها أن تجعله بالليل حيث لا يرى وتمسحه بالنهار. وقد روي هذا الحديث موصولا عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن المغيرة بن الضحاك، عن أم حكيم بنت أسيد، عن أمها: أنها أرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فذكرت لها ذلك عن رسول الله ﷺ . ***

стр. 2247

كتاب الرضاع وفيه فصلان الفصل الأول فيمن يحرم بالرضاع أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة -زوج النبي ﷺ كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول الله: "أراه فلانا" لعم حفصة من الرضاعة، فقلت: يا رسول الله! لو كان فلان حيًا -لعمها من الرضاعة- يدخل علي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرج الرواية معًا إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرج الأولى عن إسماعيل. وأما أبو داود (٣): فأخرج الثانية عن القعنبي. وأما الترمذي (٤): فأخرج الثانية عن إسحاق بن موسى، عن معن. وأما النسائي (٥): فأخرج الأولى عن هارون بن عبد الله عن معن.

стр. 2248

وأخرج الثانية (١): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى. هؤلاء كلهم عن مالك. وأخرج الثانية أيضًا عن محمد بن عبيد، عن علي بن هاشم، عن عبيد الله ابن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة. وقال في أخرى له: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". الرَضاع -بفتح الراء-: مصدر رضع يرضع رضاعًا ورضاعة. وهذا أخي من الرضاعة، وهو رضيعي. ومعنى قوله: "يحرم من هذا ما يحرم من هذا" استواؤهما في معنى التحريم يريد كلما حرم من جانب الولادة كالأم والبنت والأخت فإنه يحرم ما كان مثله من الرضاعة، كالمرضعة ومن رضع على لبنه ابنًا كان أو بنتًا وأختهما وكذلك هو في جانب الولادة مثله في جانب الرضاعة ولهذا قال في رواية النسائي: "ما يحرم من النسب" مكان الولادة لأن لفظ النسب أعم من لفظ الولادة وأوضح. قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢) فاحتمل إذ ذكر الله تحريم الأم والأخت من الرضاعة فأقامهما في التحريم مقام الأم والأخت والنسب؛ أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب فما حرم بالنسب حرم بالرضاعة مثله، وبهذا نقول بدلالة [سنة] (٣) رسول الله ﷺ والقياس على القرءان. والله أعلم.

стр. 2249

أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاء عمي أفلح وذكر الحديث. قال الربيع: زعم الشافعي قال: ما أحد أشد خلافًا لأهل المدينة من مالك. هكذا أخرج هذا الطرف في كتاب اختلافه مع مالك، وقد أخرجه البيهقي عن الشافعي بالإسناد المذكور، فإما قال: جاء عمي -أظنه قال: من الرضاعة- ابن أبي القعيس يستأذن علي بعد ما ضرب الحجاب فلم آذن له، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته، فقال: "إنه عمك فليلج عليك". والحديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرجه عن ابن شهاب بالإسناد: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها -وهو عمها من الرضاعة- بعد أن نزل الحجاب. وذكر باقي الحديث. وفي أخرى له عن هشام، عن أبيه نحوه، وقالت في آخره: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان، وزاد فيه قالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن محمد بن كثير العبدي، عن سفيان، عن

стр. 2250

هشام بالإسناد وذكر نحوه. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن الحسن بن علي، عن ابن نمير، عن هشام. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن هارون بن عبد الله، عن معن، عن مالك وعن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان. والذي ذهب إليه الشافعي: أن لبن الفحل يحرم كما تحرم ولادة الأب، وذلك أن المرأة إذا أرضعت صبية فإن زوجها يحرم على الصبية لأنه أبوها وأولاده أخوتها، لأن اللبن مشترك بن الزوج والزوجة إذ هو لولدها المخلوق من مائهما. وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وبه قال عطاء، وطاوس، والحسن، وسليمان بن يسار، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن عمر وابن الزبير: لا يحرم لبن الفحل والصبية المرتضعة مباحة لزوج المرضعة. وبه قال داود، وابن علية لأن اللبن عندهم للمرأة دون الرجل. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت ابن جدعان قال: سمعت ابن المسيب يحدث عن علي بن أبي طالب أنه قال لرسول الله ﷺ : هل لك في بنت عمك حمزة فإنها أجمل فتاة في قريش؟ فقال: "أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم والنسائي. أما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ومحمد ابن العلاء جميعًا عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، وعن عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير.

стр. 2251

وعن ابن نمير عن أبيه، وعن أبي بكر المقدمي، عن ابن مهدي، عن سفيان كلهم عن الأعمش. وأما النسائي (١): فأخرجه عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش بإسناد مسلم وهذا لفظهما قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تتوق (٢) في قريش وتدعنا؟ قال: "وعندك أحد"؟ قلتُ: نعم؛ بنت حمزة. قال رسول الله ﷺ : "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة". قوله: "هل لك" أي هل لك فيها رأي ورغبة، يقال: هل لك في هذا الأمر، وهل لك إلى هذا الأمر، وفي كتاب الله : ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ (٣). وهذا اللفظ وإن كان استفهامًا فإنه عرض. والفتاة من النساء: الشابة. فقال له: "أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة" فذكر هذا اللفظ جوابًا لقوله، وعرضه عليه ابنة حمزة، ثم ذكره في موضع الاستفهام وهو تقرير وتثبيت للحال المذكور في نفس المخاطب، وإثبات للشيء من أوجه طرقه, لأن الجواب إذا كان السائل عالمًا به ومقرًا بصحته كان أثبت وآكد، ثم لم يكفه في الجواب هذا المعنى الذي هو في معنى التقرير والتثبيت، وأنه أورده على سبيل التعليل للمنع من نكاحها بأخوة الرضاعة حتى علل الجواب وصرح بالسبب الذي لا يجوز مع وجوده نكاحها وهو الرضاع، فقال: "وإن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب" فأفصح ذكر التحريم للسبب الرضاعي الذي لا يجوز مع وجوده النكاح، وهاتان الجملتان مقدمتان: جزئية وكلية:- فالجزئية: قوله: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".

стр. 2252

والكلية: قوله: "إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب". فيحصل من مجموعهما أنها لا تحل لي. قوله: "تتوق" بتائين معجمتين بنقطتين من فوق والواو مشددة من: تاق إلى الشيء يتوق: إذا مال إليه ورغب فيه: يريد ما لك تميل إلى نساء قريش وترغب في نكاحهن وتدعنا معشر أهلك. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ في ابنة حمزة مثل حديث سفيان. هذا الحديث هكذا جاء في المسند ولم يذكر متنه وإنما قال: مثل حديث سفيان، يعني حديث علي بن أبي طالب المذكور قبل هذا. وقد أخرج البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) عن ابن عباس حديث ابنة حمزة بمعناه. وأخرج مسلم (٤) حديث ابنة حمزة عن أم سلمة بمعناه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عمرو بن الشريد أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا وأرضعت الأخرى جارية، فقيل له: هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٥) إسنادًا ولفظًا. وأخرجه الترمذي (٦): عن الأنصاري، عن معن، عن مالك وفيه: عن رجل له جاريتان.

стр. 2253

وهذا الحديث يعد في أفراد مالك وقد رواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج ومالك، عن الزهري. اللقاح: ماء الفحل ها هنا. وقوله: اللقاح واحد: فيه أن ماء الفحل الذي حملت منه واحد، واللبان الذي أرضعت به كل واحدة منهما كان أصله ماء الفحل يعني زوجها أو سيدها. ويحتمل أن يكون اللقاح في هذا الحديث يعني الإلقاح، يقال: ألقح يلقح إلقاحًا ولقاحًا كما يقال: أعطى يعطي إعطاء وعطاء. وأصل اللقاح في الإبل ثم استعير للنساء، والذي أراد ابن عباس: أن الغلام والجارية أخوان من الأب لأن زوج المرضعين واحد. وقوله: لا. قد كان كافيًا في الجواب ولكنه ذكر علة النفي وعدم الجواز، وهي قوله: اللقاح واحد لتكون فتواه مقبولة لسماع مستندها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: "يا رسول الله! هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال رسول الله ﷺ : "فاعل ماذا"؟ قلت: تنكحها. قال: "أختك" قالت: نعم. قال: "أو تحبين ذلك"؟ قالت: نعم، لست بمخلية لك وأحب من شركني في خير أختي، قال: "فإنها لا تحل لي" قالت: فقلت: والله لقد أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة قال: "بنت أم سلمة"؟ قالت: نعم. قال: "فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن".

стр. 2254

هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة. [و] (٢) عن ابن يوسف وابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، [و] (٢) عن الحميدي، عن سفيان، عن هشام. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام. وعن سويد بن سعيد، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. وعن الناقد، عن الأسود بن عامر، عن زهير كلاهما عن هشام. وأما أبو دواد (٤): فأخرجه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير، عن هشام. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن عمران بن بكار، عن أبي اليمان مثل البخاري. قوله: "فاعل ماذا" أي ما أنا فاعل بها، ففاعل خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنا فاعل ماذا. وقوله: "فلست لك بمخلية" أي لست بمنفردة ولا متروكة لدوام الخلوة بك، وهذا البناء إنما يكون من أخليت، تقول: أخلت المرأة فهي مخلية، فأما من خلوت فلا وقد جاء أخليت بمعنى خلوت وشركته في هذا الأمر بالكسر أشركه بالفتح إذا كنت له شريكًا فيه. والربيب والربيبة: ولد زوجة الرجل من غيره، فعيل بمعنى مفعول أي:

стр. 2255

مربوب ومربوبة، وكان الزوج هو الذي ربهما. والحجر: حجر الإنسان من الثوب وغيره، وفائدة ذكر الحجر أنهن في حضن الزوج أو بصدد احتضانه وفي حكم التقلب في حجره. وقوله: "أرضعتني وأباها ثويبة" يعني أبا سلمة، فثويبة مولاة رسول الله ﷺ . وهذا الحديث يتضمن أحكامًا منها: الجمع بين الأختين والربائب وبنات الأخت من الرضاعة. أما تحريم الجمع بين الأختين: فقد سبق في كتاب النكاح. وأما الربيبة: فإذا تزوج امرأة ولم يدخل بها حرم عليه نكاح بنتها تحريم جمع، فإذا دخل بالأم حرمت الربيبة على التأبيد، وسواء في ذلك بنت امرأته لبطنها أو بنت بنتها أو بنت ابنها سفلتا. وقال داود: إنما تحرم عليه إذا كانت في حجره وكفالته، فإن لم تكن في حجره فلا تحرم عليه ولو دخل بأمها. وبه قال علي -كرم الله وجهه-. وقال زيد: يحرم عليه إذا دخل بأمها أو مات. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمه زينب بنت أبي سلمة أرضعتها أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير بن العوام، فقالت زينب بنت أبي سلمة وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي فيقول: اقبلي عليَّ فتحدثيني أراه أنه أبي وما ولد فهم إخوتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل قبل الحرة، فخطب إليَّ أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير، وكان حمزة للكلبية، فقالت لرسوله: وهل تحل له؟ إنما هي ابنة أخيه! فأرسل إليَّ عبد الله: إنما أردت بهذا المنع لما قبلك ليس لك بأخ أبا، وما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان من ولد الزبير

стр. 2256

من غير أسماء فليسوا لك بإخوة فأرسلي فاسألي عن هذا؟ فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون وأمهات المؤمنين؟ فقالوا لها: إن الرضاعة [قبل الرجل] (١) لا تحرم شيئًا، فأنكحتها أباه فلم تزل عنده حتى هلك. القرن من قرون الرأس: يريد ضفير من ضفائر الشعر أو خصلة من خصله. وقوله: أقبلي علي أي اجعلي وجهك مما يلي وجهي، هذا هو الأصل ثم استعمل فيمن يجعل همته وذهنه مصروفًا إلى من يخاطبه. وقوله: إنما أردت بهذا المنع لما قبلك يريد امتناعها من إجابته إلى تزويج ابنتها بأخيه. والمتوافرون: الكثيرون من الشيء الوافر. وهذا الحديث حجة لما حكيناه من مذهب عبد الله بن الزبير أن لبن الفحل لا يحرم. وقد أخرج الشافعي فيه آثارًا وإن كان مذهبه ومذهب الأئمة المجتهدين على خلاف ذلك، فمن تلك الأحاديث:- أخرج عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه كان يقول: كان يدخل على عائشة من أرضعه بنات أبي بكر، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء بني أبي بكر. وأخرج عن عبد العزيز بن محمد، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن ابن عباس كان لا يرى الرضاعة من قبل الرجل تحرم شيئًا. قال عبد العزيز: وذلك كان رأي ربيعة، وأنكر حديث عمرو بن الشريد، عن ابن عباس في اللقاح واحد، قال: حديث رجل من أهل الطائف وما رأيت

стр. 2257

من فقهاء المدينة أحدًا يشك في هذا إلا أنه روي عن الزهري خلافهم فما التفتوا إليه وهؤلاء أكثر وأعلم. قال الشافعي: فقلت له -يعني بعض أصحاب مالك: أتجد بالمدينة من علم الخاصة شيئًا؛ أولى أن يكون عامًا ظاهرًا عند أكثرهم من ترك تحريم لبن الفحل، وقد تركناه وتركته ومن يحتج بقوله إذ كنا نجد في الخبر عن رسول الله ﷺ كالدلالة على ما نقول، وهذا إنما أورده على طريق الإلزام في تركهم في بعض المواضع الخبر الواحد، بقول بعض أهل المدينة وتركهم ما قال الأكثر من المدنيين: أن لبن الفحل لا يحرم بما ثبت عن النبي ﷺ أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. قال الشافعي: وإنما لم يختلف بنعمة الله قول في أنه لا يذهب إذا ثبت عن النبي ﷺ شيء إلى أن أدعه أكثر ولا أقل.

стр. 2258

الفصل الثاني فيما يحرم من الرضاع أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة -أم المؤمنين- أنها قالت: كان فيما أنزل الله من القرءان عشر رضعات معلومات يُحرِّمن، ثم نسخن بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنَّ مما يقرأ من القرءان. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تقول: نزل القرءان بعشر رضعات معلومات يحرمن، ثم صرن إلى خمس يحرمن. فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات. أخرج الأولى في كتاب "اختلافه مع مالك"، والثانية في كتاب "الرضاع" (١). هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة إلا البخاري. فأما مالك (٢): فأخرج الأولى إسنادًا ولفظًا. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى. وأما أبو داود (٤): فعن القعنبي. وأما الترمذي (٥): فعن إسحاق بن موسى، عن معن. وأما النسائي (٦): فعن هارون بن عبد الله، عن معن كلهم عن مالك.

стр. 2259

قولها: "كان فيما أنزل الله من القرءان عشر رضعات معلومات يحرمن" يجوز أن يكون بهذا لفظ القرءان وأن يكون الملفظ لها حكت به معنى لفظ القرءان. ومعنى قولها: فتوفي رسول الله ﷺ وهو مما يقرأ من القرءان تريد به قرب عهد النسخ من وفاة النبي ﷺ حتى صار بعض من لم يبلغه النسخ يقرأه على الرسم الأول، وفيه دليل على جواز نسخ التلاوة وبقاء الحكم مثل: آية الرجم نسخ لفظها وبقي حكمها. إلا أن القرءان لا يثبت بخبر الواحد فلم يجز أن يكتب ذلك في المصحف، والأحكام تثبت بخبر الواحد فجاز أن يقع العمل به، فآية الرجم نسخ لفظها وبقي حكمها كما قلنا. وأما آية الرضاع: فنسخ لفظها من التلاوة ونسخ حكمها من عشر رضعات إلى خمس. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الرضاع الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات. وروى ذلك عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير، وبه قال عطاء وطاوس وإسحاق وأحمد في أصح الروايات عنه. وقال علي وابن عباس وابن عمر: يحرم القليل والكثير. وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث. وقال دواد وأبو ثور وابن المنذر: يحرم الثلاث. وحكى عن قوم: أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات. وهو قول شاذ لا اعتبار به، ولا يحرم الخمس إلا أن تكون متفرقة في الحولين، فإن مدة الرضاع المحرم إنما هي الحولان وبه قال عمر، وابن عمر، وابن

стр. 2260

مسعود، وابن عباس. وإليه ذهب الشافعي وابن شبرمة والأوزاعي ومالك في إحدى الروايات عنه، وروى عنه إن شهرًا جاز، وروى شهرين. وبه قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: حرم الرضاع في ثلاثين شهرًا. وروى عن عائشة أنها قالت: يحرم أبدًا. وبه قال داود أخذًا بحديث سهلة بنت سهيل. والجماعة يجعلون إرضاع سالم حكمًا خالصًا له. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع أن سالم بن عبد الله أخبره أن عائشة -زوج النبي ﷺ أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تكمل لي عشر رضعات. هذا الحديث أخرجه مالك (١) في الموطأ بالإسناد. قوله: "فلم أكن أدخل" بعد قوله: "أرسلت به" فجاء في الأول بضمير الغائب ثم عاد إلى ضمير المتكلم، فعل ذلك على عادة تفنن العرب في كلامها يخرج تارة من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن المتكلم إلى الغائب، ومن الغائب إلى المتكلم، وهذا فاش في العربية وكثير ما جاء في كلام الله العزيز، وهو باب من أبواب العربية لطيف محبوب عندهم، لما فيه من إيقاظ السامع وتنبيه الغافل بالخروج من لفظ إلى لفظ؛ والانتقال من معنى إلى معنى. قد جاء في هذا الحديث أن سالمًا قال: لم تكمل لي عشر رضعات. والشافعي إنما اشترط خمسًا، فإن كانوا عائشة قد أمرت به أن يرضع عشرًا فذلك من باب الاحتياط؛ أن يأتي بأكثر من القدر الواجب عملًا بما كان قبل النسخ.

стр. 2261

قال الشافعي: أمرت به عائشة يرضع عشرًا لأنها أكثر الرضاع فلم يتم له خمس فلم يدخل عليها, ولعل سالمًا يكون ذهب عليه قول عائشة في العشر رضعات فنسخن [بخمس] (١) معلومات، فحدث عنها بما علم من أنه أرضع ثلاثاً فلم يكن يدخل عليها، وإنما أخذنا بخمس رضعات عن النبي ﷺ بحكاية عائشة أنهن يحرمن وأنهن من القرءان. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد أنها أخبرته أن حفصة -أم المؤمنين- أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها وهو صغير يرضع، ففعلت فكان يدخل عليها. هذا الحديث أخرجه مالك (٢) في الموطأ هكذا. والقول في حكم العشر ما قاله الشافعي في حديث سالم بن عبد الله؛ من أن عائشة صرحت بنسخ العشر إلى الخمس ولا يجوز العمل بغير ذلك. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن هشام، عن أبية، عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الرضعة ولا الرضعتان". هذا حديث صحيح أخرجه النسائي (٣) عن شعيب بن يوسف، عن يحيى، عن هشام.

стр. 2262

وأخرجه في رواية أخرى: عن زياد بن أيوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم المصة ولا المصتان". فجعله في هذه الرواية من مسند عائشة، وحديث عائشة هذا قد أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي. فأما مسلم (١): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن إسماعيل. وعن سويد بن سعيد، عن معتمر بن سليمان كلاهما عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير، عن عائشة. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن إسماعيل، عن أيوب بإسناد مسلم. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن [عبد الأعلى] (٤) الصنعاني، عن معتمر بن سليمان، عن أيوب. واتفاق هؤلاء الأئمة على رفع الحديث عن عبد الله بن الزبير إلى عائشة، يدل على أن رواية الشافعي، ورواية النسائي الأولى مرسلة (٥). قال الربيع: فقلت للشافعي: أسمع ابن الزبير من النبي ﷺ ؟ فقال: نعم. وحفظ عنه، وكان يوم توفي النبي ﷺ ابن تسع سنين. المصة: المرة الواحدة من المص، تقول: مصصت الشيء -بالكسر- أمصه -بالفتح- مصا، وامتصصته مثله.

стр. 2263

وقد جاء في بعض الروايات: المصة والمصتان، وفي بعضها: ولا المصتان. وإثبات "لا" آكد في النفي من حذفها لأنه مع الحذف يوهم اللفظ أن يكون المراد به ثلاث مصات، أي لا حرم الجمع بين ثلاث مصات وإن كان في هذا الإبهام بعد. فأما مع إثباتا "لا" فلا يتصور هذا الوهم، ألا ترى أن أبا عبيد، وأبا ثور، وداود، وابن المنذر قالوا: إنما يحرم ثلاث رضعات أخذًا بدليل الخطاب من قوله: "لا تحرم المصة والمصتان"، فكان ما زاد على المصتين هو الثلاث بخلاف حكم ما دونها. وصريح خطاب هذا الحديث يأبى ذلك فإنه صريح في النفي. قال الشافعي: فدل ما حكت عائشة في الكتاب وما قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان". على أن الرضاع لا يحرم به على أقل اسم الرضاع، ولم يكن أحد مع رسول الله ﷺ حجة. وقد قال بعض من مضى بما حكت عائشة في الكتاب ثم في السنة والكفاية بما حكت في الكتاب ثم في السنة. أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج ابن الحجاج -أظنه- عن أبي هريرة قال: لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء. هكذا جاء في الحديث في المسند موقوفًا عليه، ورواه محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن عقبة قال: كان عروة بن الزبير يحدث عن الحجاج بن الحجاج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحرم من الرضاعة المصة ولا المصتان، ولا يحرم إلا ما فتق الأمعاء من اللبن". قوله: "إلا ما فتق الأمعاء" يريد أوسعها أي ما كان من الرضاع في الصغر،

стр. 2264

فإن اللبن غذاء جسم الصغير وعليه ينمى لحمه وعظمه, لأنه في سن النماء والزيادة. وهذا ذهاب منه إلى أن الرضاع لا يحرم إلا ما كان في الصغر. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة: "أن رسول الله ﷺ أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالمًا خمس رضعات يحرم بلبنها، ففعلت فكانت تراه ابنا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد كان شهد بدرًا، وكان قد تبنى سالمًا الذي يقال له: سالم مولى أبي حذيفة كما تبني رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة سالمًا وهو يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي يومئذ من المهاجرات الأول وهي يومئذ من أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله في زيد بن حارثة ما أنزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ﴾ (١) رد كل واحد من أولئك تبنى إلى أبيه، فإن لم يعلم أباه رده إلى الموالي. فجاءت سهلة بنت سهيل -وهي امرأة أبي حذيفة وهي من بني عامر بن لؤي- إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالمًا ولدا وكان يدخل علي وأنا فُضل وليس لنا إلا بيت واحد، فما ترى في شأنه؟ فقال النبي ﷺ : "أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها" ففعلت فكأنه تراه ابنًا من الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكأنه تأمر أم كلثوم وبنات أختها يرضعن من أحببت أن يدخل عليها من الرجال والنساء، وأبى سائر أزواج رسول الله ﷺ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس وقلن: ما نرى الذي أمر به رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل إلا رخصة في

стр. 2265

سالم وحده من رسول الله ﷺ ، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد. فعلى هذا من الخبر كان أزواج النبي ﷺ في رضاعة الكبير. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا خمس رضعات فيحرم بهن. أخرج الروايتين الأولتين في كتاب الرضاع (١)، وأخرج الرواية الثالثة في كتاب خلافه مع مالك، والحديث في نفسه حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد وذكر الرواية الطولى هكذا مرسلاً. وأما البخاري (٣): فأخرجه في كتاب الغزوات في غزوة بدر، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أبا حذيفة كان ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ ذكر نحوه إلى قوله: فجاءت سهلة إلى النبي ﷺ ثم قال: فذكر الحديث ولم يذكر لفظه. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن عمرو الناقد وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم فقال: "أرضعيه" فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "قد علمت أنه رجل كبير". وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة وأم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة وذكر نحو الرواية الطولى وقال في آخرها: وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ الحديث.

стр. 2266

وأما النسائي (١): فأخرجه عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان بإسناد مسلم مثله. وأخرج عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس ومالك، عن ابن شهاب، عن عروة قال: أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضعة أحدًا. وذكر الرواية الطولى نحوها. قوله: تبنى سالما: أي اتخذه ابنا. وأيامى: جمع أيم، وهي المرأة التي لا زوج لها، وقد تقدم ذلك مستقصىً وقوله: "هو أقسط عند الله" أي أعدل، تقول: أقسط الرجل: إذا عدل، والقسط الاسم وقسط إذا جار. وامرأة فضل: إذا كان عليها ثوب واحد، وهو الذي تلبسه في بيتها وذلك الثوب مفضل. وقوله: فيحرم بلبنها: إن كانت اللفظة بياء تحتها نقطتان وحاء ساكنة وراء مضمومة على أنه فعل مضارع من يوم يحرم فهو من الحرمة: أي يحرم عليه نكاحها، والمعنى فيه ظاهر وهو أشبه بالحديث، وإن كانت اللفظة كما قيل: بتاء معجمة من فوق وحاء مفتوحة وراء مشددة على أنه فعل ماض فالمعنى صار له منها حرمة كحرمة الأهل، تقول: تحرم الرجل بصحبة فلان وتحرم بزادة، ومنه قولهم: فلان ذو محرم من فلانة إذا لم تحل له نكاحها والأول أشبه. قال الشافعي في سياق هذا الحديث: وهذا -والله أعلم- في سالم -مولى أبي حذيفة- خاصة، فإن قال قائل: ما دل على ما وصفت؟ فذكرت حديث سالم -مولى أبي حذيفة- عن أم سلمة عن النبي ﷺ [أمر] (٢) امرأة أبي حذيفة أن ترضعه خمس رضعات يحرم بهن، وقالت أم سلمة في الحديث:

стр. 2267

وكان ذلك في سالم خاصة. وهذا حديث أم سلمة لم يجئ في المسند ولا في رواية الربيع، وإنما ذكر المزني في المختصر الكبير: أن الشافعي حين عورض بهذا قال: ما جعلناه خاصًا بهذا الخبر ولكن أخبرني الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن أبي عبيدة بن عبد الله -يعني ابن زمعة- عن زينب بنت أم سلمة عن أمها أم سلمة أنها ذكرت حديث سالم عن النبي ﷺ وقالت في الحديث: كان رخصة لسالم خاصة، قال الشافعي: فأخذنا بهذا يقينًا لا ظنًا. وإنما قال الشافعي هذا لأن حديث مالك مرسل، وقد أسنده غيره إلى عائشة وفيه حكايه عروة، عن أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ لا أنه لم يقطع بالرخصة أنها لسالم خاصة في الحكاية عنهن، وإنما قال: وقلن لعائشة: والله ما نرى لعلها رخصة لسالم من رسول الله ﷺ دون الناس. وهو في الرواية التي رواها عن أم سلمة مقطوع بأنها له خاصة. قال الشافعي: وإذا كان هذا لسالم خاصة فالخاص لا يكون إلا مخرجًا من الحكم العام، فلا يجوز إلا أن يكون رضاع الكبير لا يحرم. وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار قال: جاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن رضاعة الكبير؟ فقال ابن عمر: جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب فقال: كانت لي وليدة وكنت أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت: دونك فقد والله أرضعتها. فقال عمر: أوجعها وائت جاريتك فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. وأخرج أيضًا عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: لا رضاع إلا لمن أرضع في الصغر. وأخرج عن مالك، عن يحيى بن سعيد أن أبا موسى قال في رضاعة الكبير: ما أراها إلا تحرم. فقال ابن مسعود: انظر ما تفتي به الرجل؟ فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين. فقال أبو

стр. 2268

موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم. هذا الحديث أخرجه مالك (١) في الموطأ واختصره أبو داود (٢). وقد أخرج الشافعي عن عبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن عقبة بن الحارث أخبره أنه نكح أم يحيى بنت أبي إهاب فقالت أمة سوداء: قد أرضعتكما. قال: فجئت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فأعرض، فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: "وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦). قال الشافعي: إعراضه ﷺ عنه يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها، وقد قيل إنها أخته من الرضاعة. وهذا معنى ما قلنا من أن يتركها ورعًا لا حكمًا. والله أعلم. ...

стр. 2269

كتاب النفقات وفيه ثلاث فصول الفصل الأول في نفقة الزوجية أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن هندًا بنت عتبة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس لي منه إلا ما يُدخِل عليَّ، فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها حدثته أن هندًا أم معاوية جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وأنه ما يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرًا وهو لا يعلم، فهل عليَّ في ذلك من شيء؟ فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن عروة. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن هشام.

стр. 2270

وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن هشام. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن هشام بن عروة. الشح: أشد البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، شح يشح -بالكسر- شحًا فهو شحيح والاسم الشح. وقيل فيه أيضًا: شح يشح -بالفتح- والأول القياس. وقوله: إلا ما [يدخل] (٣) علي: أي ما يحضره إلى بيتي مما يمكنني من التصرف فيه، ويأذن لي في إنفاقه. وقوله: "بالمعروف" يريد: من غير تقتير ولا إسراف بل بالعدل وقدر الكفاية. والولد: يقع على الواحد والجمع. والباء في "المعروف" يجوز أن تتعلق "بخذي"، وأن تتعلق "بيكفيك". وقد جاء في رواية البخاري "مسيك" بدل "شحيح" بمعنى بخيل وهو بفتح الميم والتخفيف بوزن شحيح، وكثيرًا ما يدور بين أهل الحديث، وقراءة هذه اللفظة فيروونها بكسر الميم وتشديد السين بوزن سكين، والذي في كتب اللغة الأول. وقد جمع هذا الحديث فوائد من الفقه والأدب: منها وجوب نفقة النساء على أزواجهن، ووجوب نفقة الأولاد على الآباء دون الأمهات، وأن للمرأة أن تخرج من بيتها لحاجة، وأن تستفتى العلماء فيما يعرض لها من إلمام، وأن

стр. 2271

صوتها ليس بعورة لأن النبي ﷺ سمع كلامها وأجابها، وأن النفقة إنما تجب بقدر الكفاية، وأن للإنسان أن يذكر ما في غيرها من عيب عند الحاجة؛ فإنها ذكرت أبا سفيان بالشح ولم ينكر النبي ﷺ , وأن للحاكم أن يحكم بعلمه فإنه لم يطالبها بالبينة فيما ادعته من ذلك إذا كان قد علم رسول الله ﷺ ما بينهما من الزوجية، وأن بخل أبي سفيان قد كان بينهم كالظاهر، وأنه يجوز القضاء على الغائب وإن كان في البلد، وأن للمرأة أن تلي نفقة ولدها، وأن من له حق وغيره يمنعه منه يجوز له أن يأخذه بغير علمه، وأنه يجوز أن يكون من جنس حقه ومن غير جنسه؛ لأن النبي ﷺ لم يفصل ذلك عليها؛ ولأنه معلوم أن منزل الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق التي تلزمه لهم؛ ثم أطلق إذنها في أخذ كفاية أولادها من ماله. وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "أحكام القرءان" (١)، وقال: قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٢)، قال: وقول الله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ يدل -والله أعلم- على أن على الزوج نفقة امرأته، وقوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي لا يكثر من تعولون إذا اقتصر المرء على واحدة وإن أباح له أكثر منها. وهذا التفسير الذي ذكره الشافعي قد رواه الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي [هلال] (٣) وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهذه اللفظة مما اعتدها حَسَدَةُ الشافعي ﵁ وأخذوها عليه. قالوا: لأن من كثر عياله إنما يقال فيه: أعال يعول، قالوا: ومعنى الآية: ذلك أدنى أن لا تعولوا، أي اختيار المرأة الواحدة والتسري أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم: عال الميزان

стр. 2272

عولًا إذا مال، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وقال بعضهم: هو من عول الفريضة إذا كثرت سهامها فقصرت عن الوفاء بحقوق ذوي الميراث، فيكون المعنى في قوله: ذلك أدنى أن لا تعولوا، أي لا يلزمكم من النفقة فتقصر عن الوفاء بجميع حقوق نسائكم. والذي أخذ على الشافعي فيما ذهب إليه وجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولك: مانهم يمونهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم وفي ذلك ما يبعث على المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. وكلام مثل الشافعي -وهو من أعلام العلم، وأئمة الشرع ورؤس المجتهدين- حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، وكفى بشهرته دليل على رسوخه في علم كلام العرب، فإنه أعلى قدرًا من أن يخفى عليه مثل هذا, ولكن للعلماء طرق وأساليب فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات، وقد قوى يعيلوا وهو مما يشيد تفسير الشافعي من حيث المعنى الذي قصده. قال بعض الأئمة: سألت أبا عمر -غلام ثعلب الذي لم تر عيناي مثله- عن حروف أخذت على الشافعي ﵀ مثل: ماء مالح، وذلك أدنى أن لا تعولوا، وقوله: أينفى أن يكون كذا وكذا. فقال لي: كلام الشافعي صحيح، سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: يأخذون على الشافغي وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه، وقد أخذ عنه اللغة جماعة من العلماء منهم الأصمعي. قال الأزهري: وروى أحمد بن يحيى، عن سلمة، عن الفراء أن الكسائي قال: أعال الرجل إذا كثر عياله، وقال: ومن العرب الفصحاء من يقول: قال:

стр. 2273

يعول إذا كثر عياله، وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه. قال الأزهري: وقول الشافعي نفسه حجة لأنه عربي اللسان فصيح اللهجة، وقد اعترض عليه بعض المتحذلقين فخطأه وقد عجل ولم يتثبت فيها. قال: ولا يجوز للحضري أن يعجل إلى إنكار ما لا يعرفه من كلام العرب. أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: "أنفقه على نفسك" قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على ولدك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على أهلك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على خادمك" فقال: عندي آخر؟ قال: "أنت أعلم". ثم قال سعيد: ثم يقول أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث: يقول ولدك: أنفق عليّ إلى من تكلني؟ تقول زوجتك: أنفق علي أو طلقني، يقول خادمك: أنفق علي أو بعني. هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان بالإسناد قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة فقال رجل: عندي دينار وذكر الحديث وفيه: "على زوجتك أو زوجك"، وفيه: "أنت أبصر" وفيه: "تصدق" بدل: "أنفق" في المواضع كلها ولم يذكر كلام أبي هريرة. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عمرو بن علي، ومحمد بن مثنى، عن يحيى عن ابن عجلان مثل أبي داود.

стр. 2274

قوله: "عندي دينار" تفسير ما جاء في رواية أبي داود وهو: أن النبي ﷺ أمر بالصدقة فقال رجل: عندي دينار أي أتصدق بدينار؟ فقال: "أنفقه على نفسك" لأن نفقته على نفسه أهم ما يجب عليه أن يقدمه بقوله ﷺ في أحاديث عدة: "بدأ بنفسك ثم بمن تعول"، فلما قال له: عندي آخر؟ أمره أن ينفقه على ولده، والآخر على زوجته، والآخر على خادمه, لأن هؤلاء تجب نفقتهم عليه، ولما كان الولد أهم عنده من الزوجة والخادم قدمه في الذكر، ولأن الإنسان ميله إلى ولده أكثر من غيره، ولأن الولد إنما تحب نفقته على أبيه إذا كان طفلًا وغير بالغ؛ أو هو عاجز عن الكسب بزمانة أو جنون، وعن ما يقوته وإذا ضيعه ولم ينفق عليه هلك لعدم من ينفق عليه، فالرحمة له أكثر والشفقة عليه أوفر، بخلاف الزوجة والخادم فإنهما أقدر من الولد الصغير والعاجز، ولأن نفقة الولد إذا فأتت سقطت بخلاف الزوجة فإنها لا تسقط ولها المطالبة بها, ولأنها إذا لم ينفق عليها وفرق بينهما كان لها من ينفق عليها من ذي رحم أو زوج تستجده. وأما الخادم: فإنه بعرضة الكسب والقدرة على الطلب، فلذلك قدم الزوجة عليه وأخره، ولأنها عاجزة بتعلقها بزوجها ومنعه إياها, ولأنه يبايع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون نفقته على من يبتاعه. وقوله: "أنت أعلم، وأنت أبصر" أي أعلم وأبصر بشأنك وبإخراج مالك في أبواب البر فإن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت. وكلام أبي هريرة في آخر الحديث فيه بيان لما ذكرناه من معنى الترتيب. والذي ذهب إليه الشافعي: أن النفقة تستحق بثلاثة أسباب:- بالزوجية، والقرابة، وملك اليمين، هذه الثلاثة مذكورة في هذا الحديث، ثم بين الأئمة اختلاف في فرع هذه الأصول الثلاثة مع اجتماعهم على وجوبها لهم.

стр. 2275

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟ قال: يفرق بينهما، قال أبو الزناد: قلت: سنة؟ قال سعيد: سُنَّة. قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد: سنة أن يكون سنه رسول الله ﷺ . قوله: "يفرق بينهما" يريد إذا طلبت المرأة فسخ النكاح بإعسار النفقة، فأما إذا لم تطلب فلا. وقوله: "قلت: سنة" يريد أن أبا الزناد استفهم ابن المسيب عن هذا الحكم؛ هل هو سنة عن النبي ﷺ ؟ فلذلك قال له سعيد في الجواب: سنة. وفي هذا السؤال وجوابه مبتدآن محذوفان التقدير: هل هذا سنة قال: هو سنة. أي نعم هو سنة، سنة رسول الله ﷺ , لأن السنة لا تطلق إلا على ما سنه رسول الله ﷺ أو قيس عليه. وقد استدل الشافعي في هذا الحكم بقول أبي هريرة والذي قبل هذا. قال الشافعي: قال أبو هريرة: إن النبي ﷺ أمر الزوج بالنفقة على أهله، قال أبو هريرة: تقول امرأتك: أنفق عليَّ أو طلقني، ويقول خادمك: أنفق علي أو بعني. قال البيهقي: وقد روى ابن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل قول ابن المسيب، والذي ذهب إليه الشافعي هذا لفظه قال: لما كان فرض الله على الزوج نفقة المرأة ومضت بذلك سنة رسول الله ﷺ والآثار والاستدلال بالسنة؛ لم يكن له -والله أعلم- حبسها على نفسه يستمتع بها -و [منعها] (١) عن غيره تستغني به- وهو مانع لها فرضًا عليه عاجزًا عن تأديته؛ وكان حبس النفقة والكسوة يأتي على نفسها فتموت جوعًا وعطشًا وعريًا فتلزمه الفرقة بينهما.

стр. 2276

وقد اختلف في نقل مذهبه، والذي جاء في كتاب "الشامل" لابن الصباغ، و"المهذب" لأبي إسحاق، و"المستظهري" للشاشي ﵏: أن لها الفسخ قولاً واحدًا. وروي عن عمر وعلي وأبي هريرة. وبه قال ابن المسيب، والحسن وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق. والذي جاء في كتاب الغزالي، وفي كتاب أبي محمد الجويني، و"التهذيب" للبغوي أن في المسألة قولين:- أحدهما: لها الفسخ وهو الأظهر. والثاني: لا يثبت لها الفسخ. وبه قال الزهري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر [أن عمر] (١) بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا. هذا الحديث استدل به الشافعي على ما ذهب إليه من ثبوت الفسخ بالإعسار وطلب نفقة ما انقضى من الزمان الذي لم تأخذ فيه نفقته, لأن عمر ألزمهم بذلك، فالشافعي جعل فقد النفقة أشد من فقد الجماع بالعنّة، لأن لها مطالبته بالنفقة وليس لها مطالبته بالجماع، فإذا عجز عن إصابة امرأته أُجِّل سنة ثم يفرق بينهما إن شاءت. قال الشافعي: إن كانت الحجة في العنة الرواية عن عمر أنه قضى بذلك، فالرواية عنه بالتفريق بالإعسار أثبت, لأن خبر العنين عن عمر منقطع وخبر

стр. 2277

الفرقة عنه موصول، فكيف رددت هذا ولم يخالفه فيه أحد علمته من أصحاب رسول الله ﷺ وقبلت قضاءه في العنين، وأنت تزعم أن عليًّا -كرم الله وجهه- يخالفه؟!. وقوله: "أن يأخذوهم بأن ينفقوا" أي يلزمهم بالنفقة تقول: أخذته بهذا الأمر أي ألزمته به كأنك قد أخذته إليك وصار في يدك وأن أخذك إياه كان بسبب هذا الأمر، أي ألزمته به كأنك قد أخذته إليك وصار في يدك. وقوله: "بأن ينفقوا أو يطلقوا" كلام جازم جامع، فإما أن ينفق عليها، وإما أن يطلقها لا ثالث لهما، اللهم إلا أن يقال: إن الطلاق إنما يكون مع طلب الفسخ. وكذلك قوله: "فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا عن أزواجهم" لما كان عندهم في المسألة حكمان لم يسعه الاقتصار على الأول لأنه كان يكون ذلك داعيًا إلى إسقاط نفقة الأيام الفائتة فجمع في كتابه بين الحكمين عدلاً منه -والله أعلم.

стр. 2278

الفصل الثاني في نفقة الأقارب أخبرنا الشافعي: اْخبرنا سفيان، عن محمد بن المنكدر أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن لي مالاً وعيالاً، وإن لأبي مالًا وعيالاً، وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله؟ فقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك". هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد جاء هذا المعنى عند أبي داود (١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وذكر نحوه. قوله: "أنت ومالك لأبيك" يريد أن الأب تجب له النفقة على الابن في ماله، فإن لم يكن للولد مال وكان له كسب لزمه أن يكسب وينفق عليه. وقد اختلف في صفة الأب الذي تجب له النفقة فقال الشافعي: إنما تجب للأب الفقير الزَّمِن العاجز عن الكسب، فإن كان له مال أو كان صحيح البدن فلا نفقة له. وقال الفقهاء: نفقة الوالدين واجبة على الولد. قال الخطابي: ولا أعلم أحدًا منهم اشترط فيها الزمانة كما اشترطها الشافعي. وقد استدل الشافعي بحديث هند المقدم ذكره على وجوب نفقة الولد على أبيه دون أمه، وبقول الله : ﴿وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٣).

стр. 2279

الفصل الثالث في نفقة المماليك أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان أبي محمد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١) عن أبي الطاهر، [عن ابن وهب] (٢) عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج. وأخرجه مالك في الموطأ (٣) قال: بلغني أن أبا هريرة قال: وذكر الحديث. قوله: "للملوك" بلام الملك دليل على وجوب النفقة له واستحقاقه لها، والجار والمجرور في موضع الخبر، والمبتدأ طعامه وكسوته عطف عليه، التقدير: طعام المملوك وكسوته يملكها. وإنما قدم الخبر لأنه آكد في المعنى، ولأنه في هذا المقام بصدد تمليك المملوك الطعام والكسوة واستحقاقه؛ فقدم ما هو أعنى به وعنده أهم. وقوله: "بالمعروف" يريد لا إسراف فيه ولا تقتير بل وسطًا من الحال. وقوله: "ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" قال الشافعي: يعني -والله أعلم- إلا ما يطيق الدوام عليه ليس ما يطيقه يومًا أو يومين أو ثلاثة أو نحو ذلك ثم يعجز عنه فيما بقي. والمذهب: أن نفقة المماليك واجبة، فإن كان العبد صغيرًا أو غير مكتسب

стр. 2280

لكبره أو زمانته كانوا النفقة في مال سيده، وإن كان مكتسبًا: فإن شاء السيد أنفق عليه من ماله وأخذ جميع كسبه، وإن شاء جعل نفقته في كسبه لأن كسبه مال لسيده، وإن عجز كسبه عن نفقته تمم سيده نفقته من ماله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن عتبة بن أبي لهب أنه سمع ابن عباس يقول في المملوكين: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون". وهذا الحديث مؤكد لحديث أبي هريرة وفيه زيادة فإن ذلك قال له طعامه وكسوته بالمعروف، وهذا زادهم تخصيصًا وإكرامًا فقال: أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وذلك على سبيل الاستحباب لا الواجب، فإن الواجب هو طعامه وكسوته بالمعروف من قوت أهل البلد وغالب كسوتهم. قال الشافعي: وكان حال الناس فيما مضى ضيقًا وكان كثيرًا من اتسعت حاله مقتصدًا، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقاربًا، فلما من لم يكن حاله هكذا وخالف معاش السلف والعرب؛ فأكل رقيق الطعام ولبس جيد الثياب فلو آسى رقيقه كان أكرم وأحسن وإن لم يفعل فله مال، قال النبي ﷺ نفقته وكسوته بالمعروف والمعروف عندنا المعروف لمثله في بلده الذي يكون به. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه وليجلسه، وإن أبى فليروغ له لقمة فيناوله إياها أو يعطه إياها" أو كلمة هذا معناها. هذا الحديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. فأما البخاري (١): فأخرجه عن حجاج وحفص بن عمر، عن شعبة، عن
следующие страницы →