وقد اختلف في نقل مذهبه، والذي جاء في كتاب "الشامل" لابن الصباغ، و"المهذب" لأبي إسحاق، و"المستظهري" للشاشي ﵏: أن لها الفسخ قولاً واحدًا.
وروي عن عمر وعلي وأبي هريرة. وبه قال ابن المسيب، والحسن وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
والذي جاء في كتاب الغزالي، وفي كتاب أبي محمد الجويني، و"التهذيب" للبغوي أن في المسألة قولين:-
أحدهما: لها الفسخ وهو الأظهر.
والثاني: لا يثبت لها الفسخ. وبه قال الزهري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر [أن عمر] (١) بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا.
هذا الحديث استدل به الشافعي على ما ذهب إليه من ثبوت الفسخ بالإعسار وطلب نفقة ما انقضى من الزمان الذي لم تأخذ فيه نفقته, لأن عمر ألزمهم بذلك، فالشافعي جعل فقد النفقة أشد من فقد الجماع بالعنّة، لأن لها مطالبته بالنفقة وليس لها مطالبته بالجماع، فإذا عجز عن إصابة امرأته أُجِّل سنة ثم يفرق بينهما إن شاءت.
قال الشافعي: إن كانت الحجة في العنة الرواية عن عمر أنه قضى بذلك، فالرواية عنه بالتفريق بالإعسار أثبت, لأن خبر العنين عن عمر منقطع وخبر
стр. 2277
الفرقة عنه موصول، فكيف رددت هذا ولم يخالفه فيه أحد علمته من أصحاب رسول الله ﷺ وقبلت قضاءه في العنين، وأنت تزعم أن عليًّا -كرم الله وجهه- يخالفه؟!.
وقوله: "أن يأخذوهم بأن ينفقوا" أي يلزمهم بالنفقة تقول: أخذته بهذا الأمر أي ألزمته به كأنك قد أخذته إليك وصار في يدك وأن أخذك إياه كان بسبب هذا الأمر، أي ألزمته به كأنك قد أخذته إليك وصار في يدك.
وقوله: "بأن ينفقوا أو يطلقوا" كلام جازم جامع، فإما أن ينفق عليها، وإما أن يطلقها لا ثالث لهما، اللهم إلا أن يقال: إن الطلاق إنما يكون مع طلب الفسخ.
وكذلك قوله: "فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا عن أزواجهم" لما كان عندهم في المسألة حكمان لم يسعه الاقتصار على الأول لأنه كان يكون ذلك داعيًا إلى إسقاط نفقة الأيام الفائتة فجمع في كتابه بين الحكمين عدلاً منه -والله أعلم.
стр. 2278
الفصل الثاني
في نفقة الأقارب
أخبرنا الشافعي: اْخبرنا سفيان، عن محمد بن المنكدر أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن لي مالاً وعيالاً، وإن لأبي مالًا وعيالاً، وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله؟ فقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك".
هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد جاء هذا المعنى عند أبي داود (١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وذكر نحوه.
قوله: "أنت ومالك لأبيك" يريد أن الأب تجب له النفقة على الابن في ماله، فإن لم يكن للولد مال وكان له كسب لزمه أن يكسب وينفق عليه. وقد اختلف في صفة الأب الذي تجب له النفقة فقال الشافعي: إنما تجب للأب الفقير الزَّمِن العاجز عن الكسب، فإن كان له مال أو كان صحيح البدن فلا نفقة له.
وقال الفقهاء: نفقة الوالدين واجبة على الولد.
قال الخطابي: ولا أعلم أحدًا منهم اشترط فيها الزمانة كما اشترطها الشافعي.
وقد استدل الشافعي بحديث هند المقدم ذكره على وجوب نفقة الولد على أبيه دون أمه، وبقول الله : ﴿وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٣).
стр. 2279
الفصل الثالث
في نفقة المماليك
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان أبي محمد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١) عن أبي الطاهر، [عن ابن وهب] (٢) عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج. وأخرجه مالك في الموطأ (٣) قال: بلغني أن أبا هريرة قال: وذكر الحديث.
قوله: "للملوك" بلام الملك دليل على وجوب النفقة له واستحقاقه لها، والجار والمجرور في موضع الخبر، والمبتدأ طعامه وكسوته عطف عليه، التقدير: طعام المملوك وكسوته يملكها.
وإنما قدم الخبر لأنه آكد في المعنى، ولأنه في هذا المقام بصدد تمليك المملوك الطعام والكسوة واستحقاقه؛ فقدم ما هو أعنى به وعنده أهم.
وقوله: "بالمعروف" يريد لا إسراف فيه ولا تقتير بل وسطًا من الحال.
وقوله: "ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" قال الشافعي: يعني -والله أعلم- إلا ما يطيق الدوام عليه ليس ما يطيقه يومًا أو يومين أو ثلاثة أو نحو ذلك ثم يعجز عنه فيما بقي.
والمذهب: أن نفقة المماليك واجبة، فإن كان العبد صغيرًا أو غير مكتسب
стр. 2280
لكبره أو زمانته كانوا النفقة في مال سيده، وإن كان مكتسبًا: فإن شاء السيد أنفق عليه من ماله وأخذ جميع كسبه، وإن شاء جعل نفقته في كسبه لأن كسبه مال لسيده، وإن عجز كسبه عن نفقته تمم سيده نفقته من ماله.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن عتبة بن أبي لهب أنه سمع ابن عباس يقول في المملوكين: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون".
وهذا الحديث مؤكد لحديث أبي هريرة وفيه زيادة فإن ذلك قال له طعامه وكسوته بالمعروف، وهذا زادهم تخصيصًا وإكرامًا فقال: أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وذلك على سبيل الاستحباب لا الواجب، فإن الواجب هو طعامه وكسوته بالمعروف من قوت أهل البلد وغالب كسوتهم.
قال الشافعي: وكان حال الناس فيما مضى ضيقًا وكان كثيرًا من اتسعت حاله مقتصدًا، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقاربًا، فلما من لم يكن حاله هكذا وخالف معاش السلف والعرب؛ فأكل رقيق الطعام ولبس جيد الثياب فلو آسى رقيقه كان أكرم وأحسن وإن لم يفعل فله مال، قال النبي ﷺ نفقته وكسوته بالمعروف والمعروف عندنا المعروف لمثله في بلده الذي يكون به.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه وليجلسه، وإن أبى فليروغ له لقمة فيناوله إياها أو يعطه إياها" أو كلمة هذا معناها.
هذا الحديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن حجاج وحفص بن عمر، عن شعبة، عن
стр. 2281
محمد بن زياد , عن أبي هريرة
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة وقال فيه: فإن كان الطعام مشفوها فليضع في يده منه أُكلة أو أُكلتين.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن نصر بن علي، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قوله: "إذا كفى أحدكم خادمه" من باب: ضرب زيدًا غلامه من تقديم المفعول على الفاعل ووصل ضمير المفعول بالفاعل وهذا جائز في العربية.
فأما تقديم الفاعل والضمير متصل به على المفعول في هذا المثال ونحوه فلا يجوز لا يقول: ضرب غلامُه زيدا.
و"طعامه" منصوب لأنه مفعول ثان لكفى.
و"حره ودخانه" منصوبان على البدل من طعامه بدل الاشتمال لأن إصلاح الطعام يشمل الحر والدخان.
وقوله: "فليروغ له لقمة" يقال: روغ طعامه ومرغه: إذا روَّاه دسما.
والمشفوه: الطعام القليل وأصله من الماء المشفوه وهو الذي كثرت عليه الشفاه فقل لكثرة الشاربين.
وقيل: هو من قولهم: رجل مشفوه إذا كثر الناس سؤاله حتى نفد ما عنده.
والأكلة -بالضم-: اللقمة، وبالفتح: المرة الواحدة من الأكل والأول المراد.
стр. 2282
قال الشافعي: وهذا يدل على ما وصفناه من تباين طعام المملوك وطعام سيده؛ إذا أراد سيده طيب الطعام لا أدنى ما يكفيه؛ والمملوك الذي يلي طعامه الرجل مخالف عندنا للملوك الذي لا يلي طعامه.
وقد اختلف أصحابه: فقال قوم: إجلاسه أفضل, لأن النبي ﷺ بدأ به، ولأنه يأكل كفايته بجلوسه، وكان ذلك تواضعًا من سيده.
وقال قوم: مخيرًا بين الإجلاس والإطعام والأول أولى.
ومن لم يل الطعام من المماليك: فيستحب له أيضًا أن يطعمه منه لكن الاستحباب في حق الذي يليه أشد -والله أعلم.
стр. 2283
كتاب الحضانة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، قال أبو محمد: -أظنه- عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه".
هذا أخرجه في المسند مختصرًا، وأخرجه في كتاب حرملة (١) قال: حدثنا سفيان، حدثنا زياد بن سعد سمعه عن هلال بن أبي ميمونة يحدثه عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة أنه أتى رجل فارسي وامرأة له يختصمان في ابن لهما، فقال الفارسي: يا أبا هريرة، هذا بِسَر (٢) قال أبو هريرة: لأقضين بما شهدت رسول الله ﷺ قضى به، يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك فاختر أيهما شئت.
ثم قال أبو هريرة: شهدت رسول الله ﷺ أتاه رجل وامرأة يختصمان في ابن لهما، فقال الرجل: يا رسول الله، ابني. وقالت المرأة: ابني يسقيني من بئر أبي عنبة فقال رسول الله ﷺ : "يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك فاختر أيهما شئت".
هذا حديث صحيح: أخرجه أبو داود والترمذي، والنسائي.
أما أبو داود (٣): فأخرج الرواية الثانية عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق وأبي عاصم، عن ابن جريج، عن زياد وزاد في آخره: فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
وأما الترمذي (٤): فأخرج الأولى عن نصر بن علي، عن سفيان.
وأما النسائي (٥): فأخرج نحو الثانية عن محمد بن الأعلى، عن خالد، عن
стр. 2284
ابن جريج, عن زياد
قوله: "خير غلامًا" أي جعل إليه أن يختار أحد أبويه أيهما مالت نفسه إليه تبعه.
والمذهب فيه: أن الأبوين إذا افترقا وتنازعا الولد: فإن كان لم يبلغ سبع سنين فإن الأم أحق به، إلى كان بالغا فالاختيار إليه مع أيهما أراد كان وإن شاء انفرد عنهما، وأما بين السبع إلى البلوغ: فإنه يخير أن أبويه وسواء كان الولد ذكرًا أو أنثى.
وقال أحمد: إن كان ذكرًا خير، وإن كان أنثى فالأم أحق.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز التخيير، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن كان ذكرًا: فحتى يستقل بنفسه يأكل بنفسه ويلبس بنفسه ثم الأب أحق به، وإن كان أنثى: فحتى تزوج أو تحيض.
ومالك يقول: إذا كان ذكرًا فالأم أحق به ما لم يثغير (١).
وروى عنه: إلى البلوغ، وإن كانوا أنثى: فالأم أحق بها ما لم تتزوج ويدخل بها الزوج.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن يونس بن عبد الله الجرمي، عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي ﵁ بين أمي وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني: وهذا أيضًا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته.
قال الشافعي: قال إبراهيم -يعني ابن محمد- عن يونس، عن عمارة، عن علي مثله وقال في الحديث: وكنت ابن سبع سنين أو ثماني سنين.
هذا الحديث مؤكد لما ذهب إليه الشافعي من التخيير، والحد الذي حده فيما شرحناه من مذهبه.
стр. 2285
وقوله للأخ الصغير: "وهذا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته" يريد لو بلغ سنه.
وفيه دليل على أنه لم يكن له سبع سنين فالأم أحق به ولا يخير.
وإدخال "قد" بعد "لو" يفيد تقليل الزمان وتقريبه من بلوغه حد السن التي كان الأخ الكبير قد بلغها.
وقد أخرج الشافعي في القديم (١): عن سفيان بن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله بن [أبي] (٢) المهاجر، عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر بن الخطاب خير غلامًا بين أبيه وأمه.
قال الشافعي: وقال بعض الناس: الأم أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويلبس وحده، ثم الأم أحق بالجارية حتى تحيض. قال: وقد رووا عن النبي ﷺ أنه خير غلامًا بين أبويه وأحدهما مشرك، ورووه عن علي وشريح بأحاديث يثبتونها ولم يخالفوها إلى قول أحد تقوم بقوله عندهم حجة -والله أعلم.
تم كتاب "النكاح" من كتاب "الشافي" في شرح مسند الشافعي ﵁ "وعن مؤلفه وعن جميع المسلمين" والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا
стр. 2286
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله
كتاب الجراح
وفيه خمسة أبواب:
الباب الأول في تحريم القتل
أخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة -وهو يحيى بن حسان- عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا من إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير [نفس] " (١).
هكذا أخرجه في كتاب اختلاف الحديث، وعاد أخرجه في كتاب "جراح العمد" بهذا الإسناد ولم يسم الثقة، وقال: ابن سهل بن حنيف وفيه: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث".
هذا حديث صحيح، قد أخرجه الترمذي والنسائي وذكر اعتذار عثمان ومناشدته أصحاب رسول الله ﷺ لما عزم مَنْ عَزَمَ على قتْلهِ وحَصَرَهُ في دارهِ.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أحمد [بن عبدة] (٣) الضبي، عن حماد بن زيد بالإسناد.
وقال: روى حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد هذا الحديث فرفعه.
ورواه القطان وغير واحد عن يحيى بن سعيد فوقفوه على عثمان.
قال: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عثمان عن النبي ﷺ .
стр. 2287
وأما النسائي (١): فأخرجه عن إبراهيم بن يعقوب، عن محمد بن عيسى، عن حماد بن زيد بالإسناد وزاد مع أبي أمامة: عبد الله بن عامر بن ربيعة.
وفي الباب عن: عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة.
ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣).
"من" في قوله: "من إحدى ثلاث" لابتداء الغاية، كأن الحل ابتدأ من إحدى هذه الثلاث.
وفي الرواية الأخرى: "بإحدى ثلاث" وهي بالتسبيب وهي أظهر في البيان من "من"، لأن التعدية بها أكثر وأعرف.
وإنما أنث الثلاث: ذهابًا إلى الخصال ثم فسرها بقوله: "كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس" فيجوز في كفر الجر على البدل من "ثلاث"، والرفع على الاستئناف. وكذلك قوله: "زنا", و"قتل نفس".
والإيمان والإسلام في هذا الحديث عبارة عن شيء واحد، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وذلك لأن الكفر يضادهما معا.
ولا أعتبار في إباحة دم المرتد بما ينعقد عليه الضمير؛ إنما هو مجرد الظاهر من قول: أو فعل، وسواء كان ضميره معتقدا عليه أو لا فإنه يكفر بذلك، فلهذا قلنا: إن قوله: "بعد إيمان" إنما يريد به كفر بعد إسلام.
والإحصان: من أحصن الرجل: إذا تزوج فهو محصن بفتح الصاد وهو
стр. 2288
أحد ما جاء على أفعل فهو مفعل، وأحصنت المرأة: عفت، وأحصنها زوجها فهي محصنًا ومحصنة.
وقيل: كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة فهي محصنة بالفتح لا غير.
وقرئ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ على ما لم يسم فاعله أي زوجن.
وقرئ: ﴿أُحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة أي حفظن فروجهن وتعففن من الزنا.
والمراد بالإحصان في الحديث والفقه: إنما هو التزوج.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يريد إلا أن يكون القتل قصاصًا.
والمراد بالكفر في هذا الحديث: الردة، والارتداد: الرجوع إلى وراء.
وهو في الشرع: من فارق الإسلام ورجع إلى الكفر.
وإنما سمي المسلم الذي يكفر -وإن لم يكن كافرًا في الأصل- مرتدًا: لأن الناس كانوا في الأصل قبل بعثة الرسول ﷺ كافرين وإليهم أرسل، فكأن كل من أسلم ثم رجع إلى الكفر سمي مرتدًا: لأنه ارتد إلى ما كان عليه. ثم كثير هذا في الاستعمال حتى صار يطلق على كل مسلم كفر وإن كان أصله مسلما؛ فظر إلى الأصل والاستعمال.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
هكذا أخرجه في كتاب "جراح العمد"، وعاد أخرجه بالإسناد المذكور في كتاب "الجزية" (١)، وفي كتاب "اختلاف الحديث" وسمى فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
стр. 2289
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله".
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي الطاهر وحرملة وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب مثل البخاري.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة وذكر لفظ الشافعي وقال: "منعوا" بدل: "عصموا".
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن هناد، عن أبي معاوية بإسناد أبي داود ولفظ الشافعي.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب بإسناد مسلم ولفظ البخاري.
لا إله إلا الله: كلمة التوحيد التي بعث بها رسول الله ﷺ وهي [التي] (٦) كُلُف الخلق بقولها، وهي العبارة الدالة على الإسلام، فكل من يتلفظ بها مع الإقرار برسالة النبي ﷺ كان مسلمًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
وقوله: "إلا بحقها"راجعة إلى أحد أمرين:-
стр. 2290
الأول: أن تكون راجعة إلى الدماء والأموال، يريد: أن دماءهم وأموالهم معصومة على من يريدها إلا عن حق يجب فيها، أما الدماء: فالقصاص، والردة، والحد ونحو ذلك.
وأما الأموال: فالزكاة، وحقوق آلآدميين ونحو ذلك.
وتكون الباء بمعنى "عن" أو بمعنى "من" أي: فقد عصموها إلا عن حقها أو من حقها.
والأمر الثاني: أن تكون راجعة إلى قوله: "لا إله إلا الله" أي: فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق كلمة التوحيد، وحقها هو ما يتبعها من الأقوال والأفعال الواجبة التي بها يتم الإسلام.
فأما القول: فهو قول: أن محمدًا رسول الله.
والألفاظ التي لا تتم الصلاة إلا بها: كالتكبير والقراءة وغير ذلك.
وأما الأفعال: فكالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج وهذه كلها وما يجري مجراها من فروض الإسلام هي من حق لا إله إلا الله، فالمتلفظ بلا إله إلا الله يحكم له بالإسلام إذا أتى بالإقرار برسالة محمد ﷺ ثم بعد ذلك يطالب بهذه الفروض المذكورة، ويدل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر -أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) - أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله". ألا ترى ... كيف صرح الصلاة والزكاة وبحق الإسلام.
стр. 2291
ومعنى قوله: "عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" أي: منعوني من استباحتها, لأن دماء المشركين وأموالهم مباحة إلى أن يسلموا، وهذا الخطاب متعلق بهم لأنهم كانوا يشركون مع الله غيره ولا يقولون: لا إله إلا الله بخلاف أهل الكتاب كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولذلك لا يمنع من المشركين بجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، والنصارى من أهل الكتاب وإن قالوا: لا إله إلا الله فإنهم يقولون بالابن وروح القدس وينقضون ما يقولونه بوجه من المشاركة إذا حوققوا فيها ظهر تهافتها وتلاشيها، وكذلك طائفة من اليهود وإن قالوا كلمة التوحيد فإنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله، وهم فيه أضعف حجة وأخسر قولًا وفعلًا.
"وحسابهم على الله" يريد: أتى بما بعثت وكلفت أداء الرسالة واستماع الإقرار بالشهادة وحقها، فإذا قالوا بألسنتهم وباشروا الأفعال بجوارحهم قنعت منهم بذلك، ولم أومر بالنقب عن قلوبهم، والتفتيش عن ضمائرهم، والاطلاع على عقائدهم هل قالوا أو فعلوا ذلك بانعقاد الناطق مع الظاهر أم لا؟ ولا في وسع البشر علم ذلك ومعرفته، فأنا أقنع بظواهرهم وأكل بواطنهم وسرائرهم إلى الله وهو يحاسبهم عليها ويجازيهم بمودعاتها.
وعصمة المال والدم بأمرين:-
أحدهما: لا إله إلا الله.
والثاني: حقها أو حق الدماء والأموال على كلا التقديرين.
والحكم إذا تعلق بوجود شرطين لا يقع دون استكمال وقوعهما.
وفي رواية الشافعي: "لا أزال أقاتل" وهذا اختيار منه بما هو منطو عليه من الامتساك بمقاتلتهم.
و"حتى" متعلقة بقوله: "لا أزال أقاتل" وهي بمعنى "إلى أن". وفي روايات
стр. 2292
الباقين: "أمرت أن أقاتل" ولكل واحد من القولين ترجيح.
أما رواية الشافعي: فإن فيها زيادة تخويف للمشركين الموعودين بالقتال, لأن إضافة المقاتلة إلى نفسه وإخباره بما هو عازم عليه وملتزم به، وأن الباعث عليها نفسي والداعي أمر ذاتي فيه من تخويف المخاطبين بهذه العزيمة ولزوم الأمر؛ ما ليس في إضافة المقاتلة إلى أنه مأمور محمول عليها لا سيما إذا لم يصرح بالأمر، فإن الباعث الخارج لا يقابل بالباعث الداخل، فالداعي التكليفي لا يقاوم الداعي الطبعي.
وفي قوله: "لا أزال" من العلم بالدوام والاستمرار ما ليس في قوله: "أمرت أن أقاتل"، وإن كان تعليق الحكم بحتى يقتضي الدوام والاستمرار إلى وقوع المعلق بها ولكن في زيادة لفظ "لا أزال" من التصريح بتحديد وقوع المقاتلة وتكرارها ما ليس في تلك.
وأما الرواية الأخرى: وهي "أمرت أن أقاتل حتى" فإن الفعل إذا كان مأمورًا به من جهة لا يمكن مخالفتها، وحتمًا من آمر لا يسع رد أمره -وهو في هذا المقام الله تعالى- فإنه يكون آكد من فعل هو مبتدأ من نفس الإنسان ومنشأ من ذاته, لأن الإنسان قد يعزم على الشيء ويريده ويختاره ويترجح فعله عنده وهو قادر عليه، ثم يدعه ولا يفعله لا سيما إذا لم يتجه عليه بتركه ملامة وليس كذلك فيما إذا كان واجبًا عليه لازمًا ويتوجه بتركه عليه الملامة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر ﵄ فيمن منع الصدقة-: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"؟! فقال أبو بكر: هذا من حقها. يعني: منعهم الصدقة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال
стр. 2293
لأبي بكر: أليس رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"؟! قال أبو بكر: هذا من حقها, لو منعوني عقالًا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر هذا القول أو معناه.
وأخرج الرواية الأولى في كتاب "اختلاف الحديث" وأخرج الثانية والثالثة في كتاب "الجزية" وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
أما البخاري (١): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عبيد الله قال: قال أبو هريرة: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب؛ فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله قالوا فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله"؟! فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق لمال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيية، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري بتمامه وقال فيه: عقالًا.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه بإسناد مسلم ولفظه قال: ورواه عنبسة، عن يونس، عن الزهري وقال: عناقًا.
وأما الترمذي (٤) والنسائي (٥): فأخرجاه بإسناد مسلم ولفظه.
стр. 2294
هذا حديث شريف كثير الفوائد، وهو أصل من أصول الإسلام. وقد ذكرنا في حديث أبي هريرة الذي قبله ما فيه كفاية من شرحه إلا أن حديثه لم يتعرض فيه إلى منع الزكاة وقتال مانعيها؛ وما جرى بين أبي بكر وما يتعلق به -وبالله التوفيق.
فنقول: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف الناس أبا بكر الصديق ﵁ وصار إمامًا واجب الطاعة مقبول القول، تعين عليه ما يلزم أولي الأمر من إلزام الناس بشرائط الإسلام والعمل بها، وكان من جملة ما يلزمه أخذ زكاة الأموال من أربابها؛ إذ الزكاة أحد مباني الإسلام، فلما كفر من كفر من العرب مثل: من اتبع مسيلمة والأسود العنسي وغير هؤلاء؛ ممن ركب هواه وعاد في حافرته ورجع إلى جاهليته وشقوا عصا الإسلام وأظهروا الكفر الصراح؛ وكان ممن خالف الجماعة منهم: طائفة منعوا الزكاة فإنهم أقروا بشرائع الإسلام وأحكامه وأنكروا الزكاة. ومنهم من أقر بالزكاة إلا أنه امتنع من أدائها إلى الإمام خليفة رسول الله ﷺ وهؤلاء فلا يخلوا أمرهم من إحدى حالين:-
إما أن يكونوا كفارًا لإنكارهم وجوب الزكاة بتكذبيهم نص القرءان والسنة.
وإما أهل بغي بامتناعهم من أدائها إلى الإمام، وإنما لم يسموا يومئذ أهل بغي: لأن اسم الردة جمعهم وغيرهم، فإن أكثر العرب بعد النبي ﷺ ارتدوا وكفروا وتركوا أحكام الإسلام رأسًا، حتى إنه لم يبق موضع يصلى فيه إلا ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ , ومسجد عبد القيس بالبحرين في قرية يقال لها جواثا. فلما شملت الردة وكانت هذه الطائفة مخالفة شاقة للعصا انتظمهم وإياهم اسم الردة، ومن هؤلاء الذين امتنعوا من أدائها إلى الإمام جماعة اتبعوا أمر مقدميهم ورؤسائهم في ذلك مثل: بني يربوع أرادوا أن يبعثوا بصدقاتهم إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف بين أبي بكر وعمر حتى قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ كذا وكذا. فقال له أبو بكر: فقد قال في سياق الحديث: "إلا
стр. 2295
بحقها" والزكاة من حق المال. فعمر نظر إلى أول الحديث فاستدل به ولم يعتبر آخره، وأبو بكر جمع بين أول الحديث وآخره ولذلك سلَّم إليه، وقال: فعرفت أنه الحق.
وقد ذكر العلماء وجوهًا من الاستدلالات والفوائد منها:-
وجوب الزكاة. فإنه لم يقرهم على منعها، فإنه روي عنهم أنهم قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا وإنما بخلنا بأموالنا.
ومنها: أن للإمام أن يقاتل الرعية على منعهم حقًا من الحقوق الشرعية.
ومنها: جواز المناظرة في الأحكام. فإن أبا بكر وعمر تناظرا وتحاجا في هذه المسألة.
ومنها: جواز القول بالعموم. فإن عمر احتج بالحديث وعمومه: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم".
ومنها: جواز القياس. فإن أبا بكر قال: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، وهذا قياس للزكاة على الصلاة.
ومنها: تخصيص العموم بالقياس فإنه قابله بذلك.
ومنها: أن الإمام إذا قال قولاً كان لغيره مناظرته عليه.
ومنها: أن خلاف الواحد للجماعة خلاف. فإن أبا بكر أقام على ذلك وخالفوه ثم رجعوا إلى قوله، ولذلك قال عمر: فعرفت أنه الحق.
ومنها: أن الصحابة إذا اختلقوا على قولين؛ ثم أجمعوا على أحدهما صار ذلك أجماعًا وسقط الخلاف الذي كان بينهم كأن لم يكن.
ومنها: ظهور فضل أبي بكر وشجاعته. فإنهم أشاروا عليه بترك قتالهم فأبى.
ومنها: أن الخطاب الوارد في القرءان العزيز مواجهة للنبي ﷺ تشاركه فيه
стр. 2296
أمته، لأن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) فطلب ذلك منهم أبو بكر.
ومنها: أن السخال تجب فيها الزكاة لأنه قال: لو منعوني عناقا، والعناق: الصغير من أولاد المعز خلافا لأبي حنيفة.
ومنها: أن الصغيرة تؤخذ من الصغار خلافا لمالك فإنه قال: يؤخذ منها كبير.
ومنها: أن حول النتاج حول الأمهات ولو كان يستأنف لها الحول لم يوجد السبيل إلى أخذ العناق.
ومنها: أن الزكاة الواجبة في مال المرتد لا تسقط عنه بالردة.
وأما العقال: فقد اختلف في تفسيره:
فقال أبو عبيد: العقال: صدقة عام.
وقال غيره: العقال: الحبل الصغير الذي يعقد به البعير وهو مأخوذ مع الفريضة, لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها.
وقال غيره: كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة تعمد إلى حبل فيفرق به بين بعيرين، أي يشده في أعناقهما لئلا يشردا فيسمى عند ذلك القرائن، وكل قرينين منها عقال.
وقال المبرد: إذا أخذ المصدق أعيان الإبل قيل: أخذ عقالاً، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقدًا.
وتأول بعض أهل العلم قوله: "لو منعوني عقالًا" على معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة فبلغ مع غيره منها قيمة نصاب.
стр. 2297
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد أنه أخبره أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيتُ رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعهما، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله [بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله" فقلت: يا رسول الله] (١) إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
أما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي عاصم، عن ابن جريج.
وعن عبدان، عن عبد الله، عن يونس.
وعن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي الزهري كلهم عن الزهري.
وقال في رواية: "فقال: لا إله إلا الله".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة وابن رمح، عن الليث.
وعن ابن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس كلهم عن الزهري.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري.
أرأيت: بمعنى أخبرني، هكذا تقال هذه الكلمة ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ
стр. 2298
إنْ أَتَاكُمْ﴾ (١) و ﴿أَرَأَيْتَ الَذِي يَنْهَى﴾ (٢)، وقد تزاد فيها الكاف فيقال: أرأيتك. والمعنى في ذلك كله أخبرني. وقد تقدم بيان هذا فيما مضى الكتاب.
ولاذ بالشيء يلوذ به: إذا التجأ إليه وامتنع به.
والإسلام: الانقياد والطاعة. هذا هو الأصل، ثم صار مطلقًا على من أقر بالشهادتن، وقد فسره في الرواية الأخرى بقوله: "ثم قال: لا إله إلا الله".
ومعنى قوله: "فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله" وباقي الكلام إلى آخر الحديث: يريد أنه بعد إسلامه صار بمنزلتك قبل أن تقتله، فإنك كنت قبل أن تقتله مسلمًا وهو بعد أن أسلم مسلم مثلك.
وقوله: "فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" يعني: أنك تصير مباح الدم, لأنه كان قبل أن يلفظ بكلمة الإسلام مباح الدم فلما أسلم صار معصوم الدم، وأنت أيضًا معصوم الدم، فإذا قتلته بعد إسلامه صرت مباح الدم، إلا أن بين الإباحتين فرقًا وذلك كأنه قبل الإسلام مباح الدم بالكفر؛ وهذا بعد قتله مباح الدم بالقصاص.
قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: معناه: أنه يصير مباح الدم لا أنه يصير مشركًا كما أنه كان مباح الدم قبل أن يقول شهادة لا إله إلا الله.
وقد تأول الخوارج -ومن قال بقولهم- معنى قوله: "وأنك بمنزلته قبل أن تقول كلمته التي قال على الكفر يعنون: إنه لما أسلم وعصم الإسلام دمه ثم قتله صار كافرًا؛ كما كان هذا قبل أن يقول كلمة الإسلام. حملًا منهم على ما قرروه من مذاهبهم وهو التكفير بالكبائر والله أعلم.
стр. 2299
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة".
هذا طرف من حديث طويل أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
أما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بملة غير الإِسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم". وفي رواية "من قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله".
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن معاوية بن سلام الدمشقي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن [أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة] (٤) وذكر الحديث بطوله.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن إسحاق بن يوسف عن الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة. الحديث بطوله.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن ابن أبي عدي، عن خالد، عن أبي قلابة.
وعن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد, عن خالد، عن أبي قلابة.
стр. 2300
أخرج الشافعي هذا الحديث في "جراح العمد"، وأورده البيهقي مع ما قبله من الأحاديث في تحريم القتل من كتاب "الجراح".
وقد أخرج الشافعي في المعنى أحاديث غير مسندة منها: أن رسول الله ﷺ قال: "قتل المؤمن يعدل عند الله زوال الدنيا".
ومنها: أن رسول الله ﷺ قال: "من أعان على قتل امرئ مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله".
وقد روى هذا الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب, عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
ومنها أن رسول الله ﷺ قال: "مر بقتيل فقال: [من به]، (١) فلم يذكر [له] (١) أحد فغضب ثم قال: "والذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء وأهل الأرض لكبهم الله في النار".
...
стр. 2301
الباب الثاني
في القصاص
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول في قتل العمد
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابٌ: "إن أعدى الناس على الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل على محمد".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة [عن محمد بن إسحاق] (١) قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيف رسول الله ﷺ . فقال: "لعن الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل الله على محمد".
عدا عليه يعدو عَدْوا وعُدْوا: إذا ظلمه.
والتعدي: مجاوزة الشيء إلى غيره، والعدوان: الظلم الصراح، تقول: عدا عليه وتعدى عليه واعتدى عليه كله بمعنى، وأعدى أفعل منه. وقد جاء في بعض النسخ: أعتا من العتو وهو تجاوز الحد في الكبر.
وقوله: "القاتل غير قاتله" إذا حمل اللفظ على ظاهره لا يصح، لأن المقتول كيف يقتل قاتله فإنه يكون قد مات فكيف يقتل؟.
ووجه الحديث: أنه يريد ولي المقتول إذا استقاد من قاتله من يستحق دمه، فإن الإنسان إذا قتل ولد إنسان آخر مثله جاز أن يسمى قاتلًا للولي فيضاف إليه،
стр. 2302
لأنه قتل من يرث دمه فكأنه قاتله.
فأما الضارب غير ضاربه: فيصح ظاهرًا لفعله لأن الإنسان قد يضرب ثم يضرب ضاربه.
وإنما جعله أعدى الناس على الله: لأن الله حكم أن لا يقتل إلا القاتل، ولا يضرب إلا الضارب على جهة القصاص، فإذا قتل غير القاتل، وضرب غير الضارب، كان قد تعدى على الله بفعله في مخالفته حكمه وأمره ومجاوزته حده ورسمه.
وقوله: "من تولى غير مواليه" الموالي: جمع المولى، ويرد في اللغة على جماعة كالمعتق، والمعتق، والسيد، والناصر، والصاحب، والحليف، وغير ذلك، إلا أنه في هذا الحديث إنما يريد به المعتق، وذلك إذا نسب نفسه إلى غير معتقه، وجعل نفسه مولى له وترك ولاء صاحبه.
وقوله: "فقد كفر بما أنزل الله على محمد" يريد به كفر النعمة وجحد البر والإحسان, لا الكفر الذي هو نقيض الإيمان فإن الإجماع على خلافه، وإن حملنا قوله: "بما أنزل الله على محمد" على العموم كان الكفر الذي هو ضد الإيمان وليس كذلك فتحمله على الخصوص، ويريد به: ما أنزل عليه من كون ولاء العبد لمعتقه لا لغيره، فإذا والى غير معتقه وجعل ولاءه لغيره كان جاحدًا لما أنزل الله من أمر الولاء على محمد ﷺ .
واللعن في أصل اللغة: الطرد والإبعاد من الخير، واللعنة الاسم.
قال الأزهري: واللعنة في القرءان: العذاب. وقيل: هو الإبعاد من رحمة الله وكرامته، ومن لم تلحقه رحمة الله خلده في عذابه.
وولي النعمة: صاحبها وربها والذي أولاها وأسداها إلى المنعم عليه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم -أو عن
стр. 2303
عيسى بن أبي ليلى، عن ابن أبي ليلى- قال: قال رسول الله ﷺ : "من اعتبط مؤمنًا بقتل فهو قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يُقْبَلُ منه صرف ولا عدل".
تقول: أعتبطت الناقة: إذا نحرتها من غير داء ولا كسر أعبطها عبطا وأعتبطتها، ومات فلان عبطة: أي شابًا صحيحًا، واعتبطه الموت، فالمراد بقوله: "من أعتبط مؤمنًا بقتل" أي: قتله بلا جناية توجب ذلك عليه.
وقد جاء في حديث عبادة بن الصامت مما أخرجه أبو داود في كتاب السنن (١) عن محمود بن الربيع أنه سمعه يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "من قتل مؤمنًا فاعتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً" وذكر قصة في أول الحديث وآخره وقال في آخره: قال خالد بن دهقان: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: اعتبط بقتله؟ فقال: الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله من ذلك.
وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة -بالغن المعجمة- وهي الفرح والسرور وحسن الحال، وذلك أن القاتل بقتله دخل في هذا الوعيد بخلاف ما إذا حزن لقتله وندم عليه.
وجاء في معالم السنن للخطابي في شرح حديث عبادة بن الصامت قال: "من قتل مؤمنًا فاعتبط قتله" ولم يذكر في سياق الحديث يحيى بن يحيى ثم قال: معنى قوله: "اعتبط قتله" أي: قتله ظلمًا لا عن قصاص. يقال: أعبطت الناقة واعتبطتها: إذا نحرتها من غير داء وآفة تكون بها. ومات فلان عبطة: إذا مات شابًا قبل أوان الشيب والهرم.
قال أمية بن الصلت:-
стр. 2304
من لم يمت عبطة يمت هرما ... للمرء كأس لا بد ذائقها
وهذا القول من الخطابي ﵀ يخالف ما فسره يحيى بن يحيى في سياق الحديث، إلا أن الذي جاء في مسند الشافعي -بالعين مهملة- لأنه لم يتعرض فيه لغير القود، ولو كان بالغين المعجمة لتعرض للوعيد الذي ذكره في حديث عبادة، وإنما تعرض إليه عند ذكر من حال دونه، ولأن القاتل ظلما سواء اغتبط أو ندم فإن القصاص واجب عليه.
والقود: القصاص. تقول: أقدت القاتل بالقتل أي: قتلته به.
وأقاده السلطان من أخيه: أي مكنه من قتل قاتل أخيه.
واستقدت الحاكم: أي سألته أن يقتل القاتل بالقتل.
والهاء في "يده" راجعة إلى القاتل، أي: فإن نفسه قود ما جنت يده من القتل إلا أن يرضى ولي المقتول أو وارثه فيهبه الدم فلا يقتل.
ومن حال دونه: أي منع من أخذ القصاص، تقول: حلت بين الشيئين: إذا حجزت بينهما.
الصرف: النافلة. وقيل: التوبة.
العدل: الفرض. وقيل: الفدية.
قال الشافعي: قال الله -جل ثناؤه-: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ في الْقَتْلِ﴾ (١) قال: لا يقتل غير قاتله. وهذا يشبه ما قيل والله أعلم.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾ (٢) فالقصاص إنما
стр. 2305
يكون ممن فعل ما فيه القصاص لا ممن لم يفعله.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن القتل كبيرة من الكبائر، فمن قتل مؤمنًا متعمدًا فقد فسق واستوجب النار إلا أن يتوب، وحكى عن ابن عباس أنه قال: لا تقبل له توبة وأنه يخلد في النار، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١) وهذا ينتقض بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٢) ولأن التوبة إذا صحت من الكفر فمن القتل أولى، وأما الآية فمحمولة على من لم يتب. وقد جاء في التفسير أنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٣). والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن سعيد بن أبجر، عن إياد ابن لقيط، عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على رسول ﷺ ، فرأى أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب. فقال: "أنت رفيق" وقال رسول الله ﷺ : "من هذا معك"؟ قال: ابني أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه".
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي.
أما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن عبيد الله بن إياد، عن إياد. وذكر الحديث بنحوه ولم يذكر المعالجة. وزاد في آخره: وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
стр. 2306
وأما النسائي: فأخرجه عن (١) وذكر نحو رواية أبي داود.
المعالجة ها هنا: المداواة وأصله من عالجت الشيء أعالجه معالجة وعلاجا إذا ناولته وحاولته.
والذي بظهره: أراد به خاتم النبوة فإنه كان مثل زر الحجلة نأتيًا في ظهره من أعلاه.
وقوله: "أنت رفيق" أي: يرفق بالمريض ويطلق به.
وأما الطبيب فإنه الله .
وقوله: "أشهد به" أي: أشهد أنه ابني وأعترف به.
وقوله: "لا يجني عليك ولا تجني عليه" قد فسره الآية التي قرأها في رواية أبي داود: ﴿تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: أن جنايتك التي تجنيها لا يلزم ابنك منها شيء، وجنايته التي يجنيها لا يلزمك منها شيء، بل كل منكما مؤاخذ بجنايته غير مطالب بجناية الآخر. وقد أخرج هذا المعنى بقوله: "لا تجني عليه ولا يجني عليك" مخرجًا بليغًا؛ لأنه أراد: لا يلتزم بجنايتك ولا تلتزم بجنايته، فظاهر لفظ الحديث لا يدل على ذلك، إنما مدلوله: أن الأب لا يجني على الابن ولا الابن على الأب، ولكن لما كان التقدير: أن الأب إذا جنى جناية طولب بها ابنه، وأن الابن إذا جنى جناية فطولب بها أبوه كان كل واحد منهما قد جنى على صاحبه الجناية التي جناها عليه غيره، فنفى الحكم من الأصل وجعل وقوع الجناية من أحدهما على الآخر منفية كأنها لا تقع وذلك أبلغ، فإن السبب إذا نفي من الأصل كان نفي المسبب آكد وأبلغ، فإنه يكون نفيًا للأصل وإذا انتفى الأصل انتفى الفرع.
стр. 2307
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان قال: أخذت هذا التفسير عن نفر حفظ معاذ منهم: مجاهد والضحاك والحسن، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى﴾ (١) الآية. قال: كان بدو ذلك في حيَّينَّ من العرب اقتتلوا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحد الحيين، فضل على الآخر، فأقسموا بالله ليقتل بالأنثى منهم الذكر، وبالعبد منهم الحر. فلما نزلت هذه الآية رضوا وسلموا.
قال الشافعي: وما أشبه ما قالوا من هذا بما قالوا، لأن الله -تعالى- إنما ألزم كل مذنب ذنبه ولم يجعل جرم أحد على غيره، فقال: الحر بالحر إذا كان -والله أعلم- قاتلًا له، والعبد بالعبد إذا كان قاتلًا له، والأنثى بالأنثى إذا كانت قاتلة لها. لا أن يقتل بأحد ممن لم يقتله لفضل المقتول على القاتل.
وقال الشافعي ﵀: من العلم العام الذي لا اختلاف فيه بين أحد لقيته فحدثني وبلغني عنه من علماء العرب: أنها كانت قبل نزول الوحي على رسول الله ﷺ تباين في الفضل ويكون بينهما ما يكون بين الجيران من قتل العمد والخطأ، فكان بعضها يعرف لبعض الفضل في الديات حتى تكون دية الرجل الشريف أضعاف دية الرجل دونه، فأخذ بذلك بعض من بين أظهرها من غيرها بأقصد مما كانت تأخذ به، فكانت دية النضيري ضعف دية القرظي وكان الشريف من العرب إذا قتل؛ تجاوزوا قاتله إلى من لم يقتله من أشراف القبيلة التي قتله أحدها، وإنما (٢) لم يرضوا إلا بعدد يقتلونهم فقتل بعض بني غني شأس بن زهير فجمع عليهم أبوه زهير بن جذيمة فقالوا له -أو بعض من ندب عنهم-:
стр. 2308
سل في قتل شأس؟ فقال: إحدى ثلاث لا يرضيني (١) غيرها. فقالوا: ما هي؟ قال: تحيون إليَّ شأسًا، أو تملئون ردائي من نجوم السماء، أو تدفعون إليَّ غنيا بأسرها فأقتلها. ثم لا أرى أني أخذت عوضًا وقتل كليب وائل فاقتتلوا دهراً طويلًا واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابنًا له يقال له: بجير فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي فبجير بكليب وكفوا عن الحرب. قالوا: بجير بشسع كليب فقاتلهم وكان معتزلًا.
فيقال إنه نزل في ذلك وغيره مما كانوا يحكمون به في الجاهلية، حكم الله بالعدل فسوى في الحكم بين عباده الشريف منهم والوضيع ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢).
فيقال: إن الإسلام نزل وبعض العرب يطلب بعضًا بدماء وجراح فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) الآية والآية التي بعدها. قال: ولم أعلم ممن لقيت من أهل العلم مخالفًا في أن الدمين متكافئان بالحرية والإسلام، فإذا قتل الرجل المرأة عمدًا قتل بها، وإذا قتلته قتلت به، ولا يؤخذ من المرأة ولا من أوليائها شيء للرجل إذا قتلت به ولا إذا قتل بها.
وقال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، يقولون: بينهم القصاص في النفس.
أورده فيما ألزم العراقيين من خلاف علي، وروى أيضًا عن الحسن وعلي وكلاهما منقطع.
وقال ابن المنذر: وروي عن علي والحسن خلاف ذلك.
стр. 2309
الفصل الثاني
في المسلم بالذمى
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: سألت عليًا ﵁ قال: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرءان؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر.
هكذا أخرجه في كتاب "جراح العمد" بهذا الإسناد واللفظ إلا أنه قال: "يؤتى" بدل "يعطى" و"القرءان" عن "كتابه" وقال: "ولا يقتل مؤمن بكافر".
وأخرج في القديم قال: وذكره يحيى بن سعيد، عن [ابن] (١) أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقتل مسلم بكافر".
هذا حديث صحيح، قد أخرجه البخاري والنسائي.
وقد أخرج ذكر الصحيفة وأنهم لم يكتبوا عن النبي ﷺ شيئاً غير القرءان.
مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤). وأضافوا إلى حديثهم ذكر المدينة وفضلها وتحريمها.
أما البخاري (٥): فأخرجه عن محمد بن سلام، عن وكيع، عن سفيان
стр. 2310
بالإسناد وذكر الحديث.
وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان بالإسناد.
الفلق: الشق.
والحَبه بفتح الحاء: من الحنطة والشعير ونحوهما. وبكسر الحاء الحبة من البزورات.
والنسمة: كل ذي روح، والنسمة: النفس، والنسمة: الروح، والنسمة: الإنسان. والمراد بها في هذا الحديث الأول: لأنه أعم.
والبرء -مهموز-: الخلق تقول: برأ الله الخلق أي: خلقهم إلا أن في لفظة البارئ مزيد معنى غير الخالق لأنه يختص بالمخترع الذي خلق لا عن مثال ولها أيضًا بالحيوان اختصاص لغيرها وقلما يستعمل في غير الحيوان فيقال: برأ الله النسمة وخلق السموات والأرض.
والاستثناء في قوله: "إلا أن يعطي مؤمن" من قوله: "لا والذي فلق الحبة" أي: ليس عندنا إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا.
وهذا استثناء منقطع لأن اللهم الذي يعطيه الله أحدًا من عبادة ليس مما كتبه رسول الله ﷺ عندهم.
وتنكير العبد للإبهام وإيذان أن بعض العباد يختص بهذه المنحة دون غيره، وأنها ليست عطية شاملة لكل العباد.
والكتاب: هو القرءان العزيز. وذلك أنه سأله: هل عندكم شيء سوى القرءان؟ فقال: لا. إلا الفهم الذي يرزقه الله أحدًا من خلقه في معرفة كتابه.
والصحيفة: الكتاب. والجمع صحف وصحائف، وفي رواية الشافعي: "وما
стр. 2311
في الصحيفة" فإن صحت الرواية بإسقاطها فتكون اللام في "الصحيفة" للعهد لأن حذف كلمة الإشارة يقتضي أن تكون الصحيفة معروفة عند المخاطب، يريد: ليس عندنا إلا ما في الصحيفة التي تعرفها.
فأما مع إثبات كلمة الإشارة فتكون اللام للجنس، ثم خصها من بين أمثالها بكلمة الإشارة.
وفكاك الأسير وفكه: إطلاقه وفك الرقبة: عتقها، وقيل: المعونة في ثمنها التعتق.
والعقل: الدية. وإنما سميت عقلاً: لأن الإبل المأخوذة في الديات كانت تعقل بفناء ولي المقتول لتسلمها، ثم كثر استعمالهم هذا الحرف حتى قالوا: عقلت القتيل: إذا أعطيت ديته دراهم أو دنانير.
والعاقلة: الذين يلتزمون الدية وتجب عليهم من أقارب القاتل.
تقول: عقلت القتيل أي: أعطيت ديته، وعقلت له دم فلان أي: تركت له القود والدية. وعقلت عن فلان أي: عزمت عنه الدية تلزمه. والعقل المصدر فسميت به الدية.
وقوله: "لا يقتل مسلم بكافر" قد حذف "أن" وهي مرادة.
التقدير: وأن لا يقتل مسلم بكافر لأن هذه الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يتجه العطف إلا مع وجودها، لأنه قال فيها: العقل، وفكاك الأسير -وهما اسمان- ثم قال: "لا يقتل مسلم بكافر" وهذه جملة فعلية. ومعناها: النهي أو النفي فكيف يعطف على اسم؟ فأما إذا دخلت "أن" صارت هي وما بعدها بمنزلة الاسم، لأن "أن" والفعل بمنزلة المصدر فحسن العطف، اللهم إلا أن يكون قد عطف جملة محكية فذكرها بلفظ المذكور في الصحيفة، كأنه قد كان فيها: "لا يقتل مسلم بكافر" فحكاها. ويعضد القول الأول: مجيء أن في
стр. 2312
رواية النسائي. وكلا القولين حسن.
وقد جاء في رواية: "مسلم" وفي أخرى: "مؤمن" وكلاهما في هذا الموضع واحدًا لا فرق بينهما. كقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
والكافر في هذا الحديث يدخل فيه كل من ليس بمسلم مشركا كان أو معاهدًا أو مستأمنًا أو كان كتابيا عند الشافعي، فلا يجوز عنده أن يقتل مسلم بكافر.
وروى ذلك عن عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت. وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: المسلم يقتل بالذمي خاصة. وإليه ذهب الشعبي والنخعي.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن أبي حسين، عن عطاء وطاوس -أحسبه قال: ومجاهد والحسن- أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "ولا يقتل مؤمن بكافر".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن أبي حسين، عن عطاء وطاووس ومجاهد والحسن أن النبي ﷺ قال في خطبته عام الفتح: "لا يقتل مسلم بكافر".
قال: مرسل؟ قلت: نعم.
أخرج الرواية الأولى في كتاب "اختلاف الحديث" والثانية في كتاب "الديات".
وقال الشافعي: وقد يصله غيره من أهل المغازى من حديث عمران بن
стр. 2313
حصين وعمرو بن شعيب وغيره.
قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل المغازى وبلغني عن عدد منهم أنه كان في خطبة رسول الله ﷺ يوم الفتح: "لا يقتل مؤمن بكافر".
قال: وبلغني عن عمران بن حصين أنه روى ذلك عن رسول الله ﷺ .
وهذا المعنى قد روي عن عائشة ومعقل بن يسار وعمرو بن شعيب والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "أنا أحق من أوفى بذمته" ثم أمر به فقتل.
هذا الحديث [أورده] (١) الشافعي في قتل المسلم بالكافر، والحديثين اللذين يذكرهما بعده أوردهما في معرض بيان سقوط الاحتجاج بهما.
قال الشافعي -بعد أن ذكر الاحتجاج بما احتج به على ما ذهب إليه-: قال قائل: فقد روينا من حديث ابن البيلماني أن النبي ﷺ "قتل مؤمنا بكافر".
قلنا: أفرأيت لو كنا نحن وأنت نثبت المنقطع بحسن الظن بمن روى؟
فروي حديثان: أحدهما: منقطع، والآخر: متصل بخلافه، أيهما كان أولى بنا أن نثبته؟ الذي ثبتناه متصلاً -وقد عرفنا من رواه بالصدق- أو الذي ثبتناه بالظن؟ قال: بل الذي ثبتناه متصلاً. قلنا: فحديثنا متصل وحديث ابن البيلماني خطأ، وإنما روى ابن البيلماني فيما بلغنا أن عمرو بن أمية قتل كافرًا وكان له عهد إلى مدة وكان المقتول رسولاً فقتله النبي ﷺ ، فلو كان ثابتا كنت أنت قد خالفت الحديثين حديثنا وحديث ابن البيلماني. قال: والذي قتله
стр. 2314
عمرو بن أمية قبل بني النضير وقبل الفتح بزمان، وخطبة النبي ﷺ "لا يقتل مسلم بكافر" عام الفتح، فلو كان كما يقول كان منسوخًا.
قال: فلم تقول به وتقول هو منسوخ؟ وقلت: هو خطأ: قلت: عاش عمرو ابن أمية بعد النبي ﷺ دهرًا وأنت إنما تأخذ العلم من بعد ليس لك مثل معرفة أصحابنا، وعمرو قتل اثنين وداهما النبي ﷺ ولم يزد عَمرًا على أن قال: قتلت رجلين لهما مني عهد لأديتهما (١) أهل الحيرة وكتب أن اقتلوه وقتل ولم يرجع عنه أفكان يكون في أحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ قال: لا. قلنا: فأحسن حالك أن تكون احتججت بغير حجة، أرأيت لو لم يكن فيه إلا ما قال عمرو أكان عمر يحكم بحكم ثم يرجع عنه إلا عن علم بلغه هو أولى من قوله؟ فهذا عليك وأن يرى أن الذي رجع إليه أولى به من الذي قال، فيكون قوله راجعًا أولى أن يصير إليه. قال: فلعله أراد أن يرضيه بالدية. قلنا: فلعله أراد أن يخيفه بالقتل ولا يقتله. قال: ليس هذا في الحديث. قلنا: وليس ما قلت به في الحديث. قال: فقد روينا فيه أن عثمان بن عفان أتي بمسلم قتل كافرًا فأمر بقتله فقام إليه ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فمنعوه فوداه بألف دينار ولم يقتله.
فقلت: هذا من حديث من يُجْهل. فإن كان غير ثابت فدع الاحتجاج به، وإن كان ثابتًا فعليك فيه حكم ولك فيه آخر فقل به، حتى نعلم أنك قد اتبعته على ضعفه. فقال: وما عليَّ منه؟. قلنا: زعمت أنه أراد قتله فمنعه ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فرجع لهم، فهذا عثمان وناس من أصحاب النبي ﷺ مجمعون ألا يقتل مسلم بكافر، فكيف خالفتهم؟ قال: فقد أراد قتله. قلنا: وقد رجع والرجوع أولى به.
انتهى كلام الشافعي. وابن البيلماني ضعيف لا يقوم بحديثه حجة، وقد
стр. 2315
ضعفه علي بن المديني، والدارقطني قال: هو ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله؟!
وقال أبو عبيد: هذا حديث ليس بمسند ولا يجعل مثله إماما يسفك به دماء المسلمين.
قال عبد الواحد بن زياد: قلت لزفر: إنكم تقولون بدرء الحدود بالشبهات وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها. قال: وما هو؟ قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا قيس بن الربيع الأسدي، عن أبان بن تغلب، عن الحسن بن ميمون [عن] (١) عبد الله -مولى بني هاشم- عن أبي الجنوب الأسدي قال: أتي علي بن أبي طالب ﵁ برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة. قال: فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت. قال: فلعلهم هدَّدوك أو فرقوك أو فزعوك قال: لا, ولكن قتله لا يرد علي أخي وعوَّضوني فرضيت. قال: أنت أعلم. من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا.
هذا الحديث ذكره الشافعي من الأحاديث التي رواها محمد بن الحسن ليجيب عنها في سقوط الاحتجاج بها. وقد ذكرنا في حديث ابن البيلماني من قول الشافعي ما فيه مقنع، والذي يخص هذا أن راويه أبو الجنوب وهو ضعيف الحديث -قاله الدارقطني وغيره- قال: وفي حديث أبي جحيفة عن علي ما دلكم أن عليًا لا يروي عن النبي ﷺ شيئًا بخلافه.
قال ابن المنذر: قد ثبت عن عثمان وعلي أنهما قالا: لا يقتل مؤمن بكافر، وروي عن زيد بن ثابت أيضا (٢).