← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

في الصحيفة" فإن صحت الرواية بإسقاطها فتكون اللام في "الصحيفة" للعهد لأن حذف كلمة الإشارة يقتضي أن تكون الصحيفة معروفة عند المخاطب، يريد: ليس عندنا إلا ما في الصحيفة التي تعرفها. فأما مع إثبات كلمة الإشارة فتكون اللام للجنس، ثم خصها من بين أمثالها بكلمة الإشارة. وفكاك الأسير وفكه: إطلاقه وفك الرقبة: عتقها، وقيل: المعونة في ثمنها التعتق. والعقل: الدية. وإنما سميت عقلاً: لأن الإبل المأخوذة في الديات كانت تعقل بفناء ولي المقتول لتسلمها، ثم كثر استعمالهم هذا الحرف حتى قالوا: عقلت القتيل: إذا أعطيت ديته دراهم أو دنانير. والعاقلة: الذين يلتزمون الدية وتجب عليهم من أقارب القاتل. تقول: عقلت القتيل أي: أعطيت ديته، وعقلت له دم فلان أي: تركت له القود والدية. وعقلت عن فلان أي: عزمت عنه الدية تلزمه. والعقل المصدر فسميت به الدية. وقوله: "لا يقتل مسلم بكافر" قد حذف "أن" وهي مرادة. التقدير: وأن لا يقتل مسلم بكافر لأن هذه الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يتجه العطف إلا مع وجودها، لأنه قال فيها: العقل، وفكاك الأسير -وهما اسمان- ثم قال: "لا يقتل مسلم بكافر" وهذه جملة فعلية. ومعناها: النهي أو النفي فكيف يعطف على اسم؟ فأما إذا دخلت "أن" صارت هي وما بعدها بمنزلة الاسم، لأن "أن" والفعل بمنزلة المصدر فحسن العطف، اللهم إلا أن يكون قد عطف جملة محكية فذكرها بلفظ المذكور في الصحيفة، كأنه قد كان فيها: "لا يقتل مسلم بكافر" فحكاها. ويعضد القول الأول: مجيء أن في

стр. 2312

رواية النسائي. وكلا القولين حسن. وقد جاء في رواية: "مسلم" وفي أخرى: "مؤمن" وكلاهما في هذا الموضع واحدًا لا فرق بينهما. كقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). والكافر في هذا الحديث يدخل فيه كل من ليس بمسلم مشركا كان أو معاهدًا أو مستأمنًا أو كان كتابيا عند الشافعي، فلا يجوز عنده أن يقتل مسلم بكافر. وروى ذلك عن عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت. وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه: المسلم يقتل بالذمي خاصة. وإليه ذهب الشعبي والنخعي. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن أبي حسين، عن عطاء وطاوس -أحسبه قال: ومجاهد والحسن- أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "ولا يقتل مؤمن بكافر". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن أبي حسين، عن عطاء وطاووس ومجاهد والحسن أن النبي ﷺ قال في خطبته عام الفتح: "لا يقتل مسلم بكافر". قال: مرسل؟ قلت: نعم. أخرج الرواية الأولى في كتاب "اختلاف الحديث" والثانية في كتاب "الديات". وقال الشافعي: وقد يصله غيره من أهل المغازى من حديث عمران بن

стр. 2313

حصين وعمرو بن شعيب وغيره. قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل المغازى وبلغني عن عدد منهم أنه كان في خطبة رسول الله ﷺ يوم الفتح: "لا يقتل مؤمن بكافر". قال: وبلغني عن عمران بن حصين أنه روى ذلك عن رسول الله ﷺ . وهذا المعنى قد روي عن عائشة ومعقل بن يسار وعمرو بن شعيب والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "أنا أحق من أوفى بذمته" ثم أمر به فقتل. هذا الحديث [أورده] (١) الشافعي في قتل المسلم بالكافر، والحديثين اللذين يذكرهما بعده أوردهما في معرض بيان سقوط الاحتجاج بهما. قال الشافعي -بعد أن ذكر الاحتجاج بما احتج به على ما ذهب إليه-: قال قائل: فقد روينا من حديث ابن البيلماني أن النبي ﷺ "قتل مؤمنا بكافر". قلنا: أفرأيت لو كنا نحن وأنت نثبت المنقطع بحسن الظن بمن روى؟ فروي حديثان: أحدهما: منقطع، والآخر: متصل بخلافه، أيهما كان أولى بنا أن نثبته؟ الذي ثبتناه متصلاً -وقد عرفنا من رواه بالصدق- أو الذي ثبتناه بالظن؟ قال: بل الذي ثبتناه متصلاً. قلنا: فحديثنا متصل وحديث ابن البيلماني خطأ، وإنما روى ابن البيلماني فيما بلغنا أن عمرو بن أمية قتل كافرًا وكان له عهد إلى مدة وكان المقتول رسولاً فقتله النبي ﷺ ، فلو كان ثابتا كنت أنت قد خالفت الحديثين حديثنا وحديث ابن البيلماني. قال: والذي قتله

стр. 2314

عمرو بن أمية قبل بني النضير وقبل الفتح بزمان، وخطبة النبي ﷺ "لا يقتل مسلم بكافر" عام الفتح، فلو كان كما يقول كان منسوخًا. قال: فلم تقول به وتقول هو منسوخ؟ وقلت: هو خطأ: قلت: عاش عمرو ابن أمية بعد النبي ﷺ دهرًا وأنت إنما تأخذ العلم من بعد ليس لك مثل معرفة أصحابنا، وعمرو قتل اثنين وداهما النبي ﷺ ولم يزد عَمرًا على أن قال: قتلت رجلين لهما مني عهد لأديتهما (١) أهل الحيرة وكتب أن اقتلوه وقتل ولم يرجع عنه أفكان يكون في أحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ قال: لا. قلنا: فأحسن حالك أن تكون احتججت بغير حجة، أرأيت لو لم يكن فيه إلا ما قال عمرو أكان عمر يحكم بحكم ثم يرجع عنه إلا عن علم بلغه هو أولى من قوله؟ فهذا عليك وأن يرى أن الذي رجع إليه أولى به من الذي قال، فيكون قوله راجعًا أولى أن يصير إليه. قال: فلعله أراد أن يرضيه بالدية. قلنا: فلعله أراد أن يخيفه بالقتل ولا يقتله. قال: ليس هذا في الحديث. قلنا: وليس ما قلت به في الحديث. قال: فقد روينا فيه أن عثمان بن عفان أتي بمسلم قتل كافرًا فأمر بقتله فقام إليه ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فمنعوه فوداه بألف دينار ولم يقتله. فقلت: هذا من حديث من يُجْهل. فإن كان غير ثابت فدع الاحتجاج به، وإن كان ثابتًا فعليك فيه حكم ولك فيه آخر فقل به، حتى نعلم أنك قد اتبعته على ضعفه. فقال: وما عليَّ منه؟. قلنا: زعمت أنه أراد قتله فمنعه ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فرجع لهم، فهذا عثمان وناس من أصحاب النبي ﷺ مجمعون ألا يقتل مسلم بكافر، فكيف خالفتهم؟ قال: فقد أراد قتله. قلنا: وقد رجع والرجوع أولى به. انتهى كلام الشافعي. وابن البيلماني ضعيف لا يقوم بحديثه حجة، وقد

стр. 2315

ضعفه علي بن المديني، والدارقطني قال: هو ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله؟! وقال أبو عبيد: هذا حديث ليس بمسند ولا يجعل مثله إماما يسفك به دماء المسلمين. قال عبد الواحد بن زياد: قلت لزفر: إنكم تقولون بدرء الحدود بالشبهات وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها. قال: وما هو؟ قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا قيس بن الربيع الأسدي، عن أبان بن تغلب، عن الحسن بن ميمون [عن] (١) عبد الله -مولى بني هاشم- عن أبي الجنوب الأسدي قال: أتي علي بن أبي طالب ﵁ برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة. قال: فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت. قال: فلعلهم هدَّدوك أو فرقوك أو فزعوك قال: لا, ولكن قتله لا يرد علي أخي وعوَّضوني فرضيت. قال: أنت أعلم. من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا. هذا الحديث ذكره الشافعي من الأحاديث التي رواها محمد بن الحسن ليجيب عنها في سقوط الاحتجاج بها. وقد ذكرنا في حديث ابن البيلماني من قول الشافعي ما فيه مقنع، والذي يخص هذا أن راويه أبو الجنوب وهو ضعيف الحديث -قاله الدارقطني وغيره- قال: وفي حديث أبي جحيفة عن علي ما دلكم أن عليًا لا يروي عن النبي ﷺ شيئًا بخلافه. قال ابن المنذر: قد ثبت عن عثمان وعلي أنهما قالا: لا يقتل مؤمن بكافر، وروي عن زيد بن ثابت أيضا (٢).

стр. 2316

وقول علي في الحديث: لعلهم هدَّدوك. استفسار منه لئلا يكون عفوه عن القصاص بسبب تخويف من جانبهم وتهديد بالخوف. وقوله: عوضوني فرضيت. أي: أعطوني عوض دم أخي ما رضيت به. يعني الدية. وقوله: من كان له ذمتنا. أي عهدنا وأماننا كان دمه معصومًا كدمائنا وديته إذا قتل واجبة كديتنا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن يزيد، أخبرنا سفيان بن حسين، عن الزهري أن ابن شاس الجذامي قتل رجلاً من أنباط الشام فرفع إلى عثمان بن عفان فأمر بقتله. فكلمه الزبير وناس من أصحاب رسول الله ﷺ فنهوه عن قتله. قال: فجعل ديته ألف دينار. وهذا الحديث أيضًا من جملة ما أخرجه الشافعي ليجيب عنه وقد أشار إليه في الكلام على حديث ابن البيلماني. وقوله: "فكلمه الزبير وناس من أصحاب النبي ﷺ " يوهم أن الزبير ليس من أصحاب رسول الله ﷺ وليس كذلك، وإنما أفرده بالذكر تنبيهًا على شرفه وتخصيصًا فهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (١) فخص جبريل وميكائيل بالذكر بعد أن كانا داخلين في قوله: "وملائكته". وأما ذكر الدية ومقدارها فسيرد في كتاب "الديات".

стр. 2317

الفصل الثالث في قتل الجماعة بالواحد أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل قتلوه، وقيل: قتل غيلة. فقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً. هذا حديث صحيح أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد هكذا مرسلاً، وأخرجه البخاري (٢): عن ابن بشار، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم. قال البخاري: وقال مغيرة بن حكيم، عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبيًا، فقال عمر مثله. النفر: اسم يقع على عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. والباء في "برجل" للتسبب أي: بسبب رجل واحد. والغيلة بكسْرٍ-: الخداع، يقال: قتله غيلة وغالة واغتاله بمعنى: إذا قتله بالمكر والخداع على غرة وغفلة من أمره. وقوله: "قتل غيلة" يجوز أن يكون "قتل" فعلًا مبنيًا لما لم يسم فاعله فتنتصب "غيلة" على الحال أي: في حال اغتيال. ويجوز أن يكون اسمًا بوزن غلت فيكون منصوبًا على المصدر من قتلوه ويكون "غيلة" مجرورًا بإضافة المصدر إليه وهو الأحسن. وتمالأ القوم -بالهمز- يتمالؤن: إذا تعاونوا على أمر يفعلونه.

стр. 2318

وجميعًا: تأكيد للضمير في لقتلتهم. وفي رواية الشافعي ومالك: "لو تمالأ" فذكر الضمير في عليه ردًا إلى المقتول. وجاء في رواية البخاري: "لو اشترك فيها" فأنث الضمير ردًا إلى الغيلة. وهذا الحديث ترجم عليه مالك: باب: ما جاء في الغيلة. وترجم عليه البخاري: باب: إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقبون ويقتص منهم كلهم؟ وكلا المعنيين يتضمنهما الحديث. فأما الشافعي فأخرجه في كتاب "الجراح" مستدلًا به على قتل الجماعة بالواحد. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجماعة إذا أشتركوا في قتل واحد، وكان كل منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القود فكذلك يجب على جميعهم. وروي عن عمر وعلي وابن عباس والمغيرة بن شعبة وابن المسيب والحسن وعطاء. وبه قال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق. وحكي عن ابن الزبير ومعاذ بن جبل والزهري وابن سيرين أنهم قالوا: لا تقتل الجماعة بواحد؛ ولكن ولي الدم يقتل منهم واحدًا ويأخذ من الباقين حصصهم من الدية. فأما الواحد إذا قتل جماعة: فإنه يقتل بواحد منهم وللباقين الديات، فإن قتلهم على الترتيب واحدًا بعد واحد كان مقتولاً بالأول، وإن قتلهم دفعة واحدة سقط حق الباقين. وقال أحمد: إن طلبوا كلهم القصاص قتل بجماعتهم، وإن طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية: قتل بمن طالب القصاص وأعطى الدية من طلبها.

стр. 2319

الفصل الرابع في التخيير بين القصاص والدية أخبرنا الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف، عن مقاتل ابن حيان قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفر -حفظ معاذ منهم-: مجاهد والحسن والضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) الآية. قال: كان كُتِبَ على أهل التوراة "من قتل نفسا بغير نفس حق أن يقاد بها ولا يعفى عنه ولا تقبل منه الدية". وفرض على أهل الإنجيل: "أن يعفى عنه ولا يقتل ولا يقتل" ورخص لأمة محمد ﷺ : إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفى عنه فذلك قوله تعالى: ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية ولا يقتل. ثم قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقول: من قتل بعد أخذ الدية فله عذاب أليم. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ينتهي بها بعضكم عن بعض مخافة أن يقتل. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، أخبرنا عمرو بن دينار قال: سمعت مجاهدًا يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. هذه الرواية الثانية التي رواها مجاهد، عن ابن عباس قد أخرجها البخاري (٢): عن الحميدي وقتيبة، عن سفيان، عن عمرو.

стр. 2320

وأخرجها النسائي (١): عن الحارث بن مسكين، عن سفيان، عن عمرو. معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢) أي: من عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك: سر يريد بعض السير ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به، لأن عفي لا يتعدى إلى مفعول به إلا بمعد. والمراد بالأخ ها هنا: ولي المقتول، وقيل له أخوه: لأنه يلابسه من قبل مطالبة الدم، ولأن المؤمنين إخوة. وذكره بلفظ الأخوة: ليعطف أحدهما على الآخر بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام. وإنما عدى "عفي" باللام ومن شأنها أن تعدى بعن: لأنه إنما يتعدى بعن إذا كان الذكر للجاني المذنب، قيل: عفوت لفلان عما جنى، فيكون التقدير: فمن عفي له عن جنايته. فاستغنى عن ذكر الجناية، وقيل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ (٢) أي: ترك له بعض المستحق. وإنما قال: "شيء" إشعار بأنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه تم العفو؛ فإنه إذا عفى بعض الورثة سقط القصاص ووجب الدية. وقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) أي: فليتبع ولي الدم الذي عفى المعروف في المطالبة بالدية برفق من غير تشديد، وليؤدها القاتل المعفو عنه بإحسان من غير مطل. ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) أي: العدول من الدم إلى الدية ورحمة رحمك بها. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ (٢) تجاوز الحد فقتل بعد أخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. وذلك أن العرب كانوا يجعلون الصلح سببًا لأمن القاتل وظهوره إليهم، فيجيء ولي الدم فيقتله بعد الصلح ويرمي الدية عليهم.

стр. 2321

وقوله: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أخبر الله -تعالى- أن لعباده في شرع القصاص مصلحة كثيرة وهي البقاء ودوام الحياة، لأن القاتل إذا علم أنه متى قَتَل قُتِلَ امتنع عن القتل، فبقي هو ومن هم بقتله. ومن كلام العرب: "القتل أنفى للقتل". وقيل: المراد أنهم كانوا يقتلون العشرة بالواحد وأكثر، فلما فرض القصاص وهو المماثلة والمساواة. وأصله من: قص الأثر إذا اتبعه كان ذلك حياة للباقين المستزادين في القتل. هذا من فصيح القرءان المعجز لأرباب البلاغة، لأن القصاص قتل وتغريب للحياة وقد جعل مكانا فظرفا للحياة، وفيه من إصابة معجز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة، لأن المعنى: ولكم في هذا لجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة أو نوع من الحياة؛ وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: فرض عليكم. والحر بالحر، العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر إجماع. فأما الحر بالعبد فلا يقتل به [عند] (١) الشافعي، ويقتل به أبو حنيفة وأصحابه. قال الشافعي -في سياق هذا الحديث- وما قال ابن عباس في هذا كما قال -والله أعلم- وكذلك قال مقاتل، لأن الله -جل ثناؤه- إذا ذكر لقصاص ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) لم يجز -والله أعلم- أن يقال: إن عفي إن صولح على أخذ الدية، لأن العفو: ترك حق بلا عوض، فلم يجز إلا أن كون إن عفي عن

стр. 2322

القتل، فإذا عفى لم يكن له سبيل وصار لعافي القتل مال في مال القاتل وهو دية قتيله، فيتبعه بمعروف ويؤدي إليه القاتل بإحسان، ولو كان إذا عفي عن القاتل لم يكن له شيء لم يكن للعافي أن يتبعه بالمعروف؛ ولا على القاتل شيء يؤديه بإحسان. قال: وقد جاءت السنة مع بيان القرءان بمثل معنى القرءان. وذكر حديث أبي شريح وهو:- وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا. ولا يعضد بها شجرًا، وإن ارتخص أحد فقال: أحلت لرسول الله ﷺ ، فإن الله تعالى أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم إنكم ياخزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أبو حنيفة سماك بن الفضل الشهابي قال: وحدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال عام الفتح: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود" وقال أبو حنيفة: فقلت: لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح عليَّ صياحًا كثيرا ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: تأخذ به؟ نعم آخذ به، وذلك الفرض عليّ وعلى من سمعه، إن الله اختار محمدًا ﷺ من الناس فهداهم به وعلى يديه واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك. قال: وما سكت عني حتى تمنيت أن

стр. 2323

يسكت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا فلهم العقل، وإن أحبوا فلهم القود". وأخرج الرواية الأولى في كتاب "جراح العمد" (١)، والثانية في كتاب "الرسالة" (٢)، والثالثة في كتاب "الديات" (٣). هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. أما البخاري (٤): فأخرج من الرواية الأولى إلى قوله: "بالأمس" وزاد: "ليبلغ الشاهد الغائب" ولم يذكر قوله لخزاعة. وأما مسلم (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن المقبري مثل البخاري. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب مثل الشافعي. وأما أبو داود (٧): فأخرج حديث خزاعة مفردًا عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب. وأما النسائي (٨): فأخرجه بإسناد مسلم ولفظه.

стр. 2324

وقوله: "إن الله حرم مكة" أي: جعلها حرامًا ممتنعة على الناس من الأذى والفساد والنهب والقتل وغير ذلك من أنواع الشرور، وجعل ذلك حرامًا على الناس أن يفعلوه وإن كان في غيرها أيضًا حرامًا؛ إلا أن لها مزيد تحريم في أشياء في غيرها كالصيد والشجر والعشب والملتجئ إلى الحرم، وقد بين هذا المجمل بقوله: "فلا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرًا". والسفك: الإراقة. سفكت الدم أسفكه إذا أرقته وإنما يريد القتل المحرم. والعضد: القطع بالمعضد وهي: حديقة وتتخذ لقطع الشجر. قال ابن شميل: المعضاد: سيف يكون مع القصابين يقطعون به اللحم، وهو الذي يسمونه الساطور. قال الأصمعي: المعضد: السيف يمتهن في قطع الشجر. وارتخص: من الرخص وهي ضد العزيمة، وكان أصله من الشيء الرخيص. وقوله: "إنما أحلت لي ساعة من النهار" يريد لما فتحها أحل له سفك الدم بها وغير ذلك مما كان محرمًا. وقيل: لم يحل إلا إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائرها حرام منها. وقوله: "أنا عاقله" يريد: أنه هو الذي يؤدي إلى أهله من العقل الدية. والخيرة -بكسر الخاء وسكون الياء-: الاختيار وهي الاسم من قولك: خيار الله لفلان في هذا، فأما بفتح الياء: فهي الاسم من قولك: اختاره الله، تقول: محمد خيرة الله من خلفه بالفتح ويجوز بالسكون أيضًا. وقوله: "بخير النظرنين يريد خير الأمرين والحالين الذي هو أرفقهما له

стр. 2325

وأحبهما إليه وأرفقهما به، والأمران هما: القصاص، وأخذ الدية. فأيهما مال ولي الدم إليه واختاره فذاك له. والخيرية هنا ليست راجعة إلى كون أحد الأمرين خيرًا من الآخر، إنما هي راجعة إلى ولي الدم، وأن أيهما أحب إليه وخير يعود إلى اختياره وإرادته. والنظرين: ثثنية النظر وهو الرأي والأمر، من قولك: نظرت في هذا الأمر أي: فكرت فيه وتدبرته. والباء في "بخير" متعلقة بمحذوف تقديره: فهو ملتبس بخير النظرين، أو عامل بخيرهما ونحو ذلك. والترك: القصاص. وقوله: "نال مني" يريد السب والإنكار. وإسقاط همزة الاستفهام من "تأخذ" الثانية -إن صحت الرواية بذلك- فإنه من طريق الانتفاع وطلب الاختصار، وقد جاء إسقاطها في الكلام كثيرًا وهي مع إسقاطها مرادة، وإنما حسن إسقاطها لدلالة الكلام عليها ولكثرة الاستعمال، وقد جاءت الهمزة الثانية في كتاب السنن للبيهقي. وقوله: "وعلى لسانه" معطوف على قوله: "وعليه" وفصل بينهما بجملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى، فهي جملة معترضة بينهما والنية فيها التأخير لأن الجمل جميعها معطوفة بعضها على بعض، وإذا جاز الاعتراض بالجمل التي ليست معطوفة؛ فلأن يجوز بالجمل المعطوفة أولى. ومثل المثلين جائز في فصيح الكلام والشعر وقد جاء في كتاب البيهقي: "فاختار لهم ما اختار له على لسانه" بغير واو، فإن كان صحيحًا فأنه يكون متعلقا لقوله: "واختار لهم على لسانه ما اختاره له". أو داخرين -بالخاء المعجمة-: من الدخول للذل والصغار، يقال: دخر الرجل -بالفتح- فهو داخر وادخره غيره.

стр. 2326

وهذا الحديث قد تضمن أحكامًا، والمقصد من إدراجه تخيير ولي القتيل بين القصاص والدية، ونحن نذكر ما يتعلق بالحديث من الأحكام. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ في أمر الحرم: أن من قتل قتيلاً فلجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه وكذلك الحدود. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: لا يقتل ولكن ينظر خروجه من الحرم، إلا أن يكون قد قتل فيه فإنه يقتل. وأما الصيد: فإن صيد الحرم لا يجوز لأحد قتله ولا صيده وهذا إجماع. وأما الشجر: فإنه لا يجوز قطعه، وسواء في ذلك ما نبت بنفسه أو ما أستنبته الآدميون. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: ما ينبته الآدميون يجوز قطعه، وما لم ينبتوه: فإن كان مما يستنبته الناس جاز قطعه، وما لا فلا. وأما حشيش الحرم: فلا يجوز قطعه ولا قلعه ولا بيعه إلا الإذخر، لقول العباس ﵁: إلا الإذخر؟ فقال رسول الله ﷺ "إلا الإذخر". ويجوز رعي الحشيش لحاجة الماشية إليه. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز. فأما العوسج والشوك: فيجوز قلعه لأنه مضر. ويحكى عن مالك أنه قال: لا شيء على من قطع شيئًا من شجر الحرم. وهو قول داود. فأما التخيير في القصاص والدية: فإن القتل العمد العدوان عند الشافعي على قولين:- أحدهما: أن الواجب به أحد شيئين: إما القصاص، وإما الدية ويعتبر ذلك

стр. 2327

باختيار ولي الدم، فإن عفى عن أحدهما كان له الآخر. والقول الثاني: أن الواجب القصاص، إلا أن له أن يعفو عنه على أن يأخذ الدية ولا يعتبر رضى الجاني، فإن عفى عن القصاص ولم يشترط الدية سقط حقه. وقد روى ثبوت الدية بغير اختيار القاتل عن: ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن المسيب. وبه قال أحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: الواجب القود، وليس للولي أن يعفو على مال إلا برضى القاتل. وعن مالك روايتان:- أحدهما: مثل أبي حنيفة. والثانية: تخيير الولي. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناه. هذا الحديث أخرجه في كتاب "الديات" عقيب الرواية الثالثة من حديث أبي شريح المذكور قبل هذا (١)، وهو طرف من حديث طويل أخرجه الجماعة إلا مالكا. أما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى بالإسناد أن خزاعة قتلوا رجلاً. وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا حرب، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلاً من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن الله حبس عن مكة الفيل

стр. 2328

وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإن ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها, ولا يلتقط ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد". فقام إليه رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاة فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة" ثم قام رجل من قريش فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر". وأما مسلم (١): فأخرجه عن زهير وعبيد الله بن سعيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى. وعن إسحاق بن منصور، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن عباس بن الوليد، عن أبيه، عن الأوزاعي. وعن أحمد بن إبراهيم، عن أبي داود، عن حرب بن شداد كلاهما عن يحيى وذكر الحديث مختصرًا. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى مختصرًا. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن العباس بن الوليد، عن أبيه، عن الأوزاعي، عن يحيى. وله روايات أخرى. وفي الباب عن: وائل بن حجر، وأنس.

стр. 2329

وما يتعلق بأحكام هذا الحديث قد تقدم في حديث أبي شريح. واختلاء الشوك: أخذه. والتقاط الساقط: أخذها، والساقط: الشيء الذي يسقط من الناس وهي اللقطة. والمنشد: المعرف. والإذخر: نبت معروف. ***

стр. 2330

الفصل الخامس في أحاديث متفرقة أخبرنا الشافعي: عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن عمر بن الخطاب ﵁ أتى برجل قد قتل عمدًا فأمر بقتله، فعفى بعض الأولياء فأمر بقتله، فقال ابن مسعود: كانت النفس لهم جميعًا، فلما عفى هذا أحيا النفس فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله وترفع حصة الذي عفى، فقال عمر: وأنا أرى ذلك. وأخرج الشافعي فيما بلغه عن حماد، عن قتادة، عن خلاس، عن علي قال: إذا أمر الرجل عبده أن يقتل رجلاً فإنما هو كسيفه أو كسوطه يقتل المولى ويحبس العبد في السجن. وقال الشافعي فيما حكى عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش الحمصي قال: حدثنا عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قضى في رجل قتل رجلاً متعمدًا وأمسكه آخر، قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت. قال: هو يخالف ما احتج به فلا يحبسه حتى يموت. وأخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة قال: طعن رجل بقرن في رجله فأتى النبي ﷺ فقال: أقدني. قال: "انتظر" فعاد إليه فقال: "انتظر" فعاد إليه فقال: "انتظر". فعاد إليه فأقاده، فبرأ المستقاد منه وشلت رجل الآخر، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، قد برأت رجله وشلت رجلي؟ فقال: "قد قلت لك انتظر" ولم ير له شيئاً. هذا حديث مرسل، وكذا رواه أيوب، وابن جريج عن عمرو بن دينار

стр. 2331

مرسلاً. ورواه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة عن ابن علية، عن أيوب، عن عمرو، عن جابر. قال الدارقطني: أخطأ فيه ابنا أبي شيبة وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره فرووه عن عمرو مرسلاً (١). وأخرج الشافعي: فيما بلغه عن سعيد، عن أبي معشر، عن عبد الله في الذي يقتص منه فيموت قال: على الذي اقتص منه الدية ويرفع عنه بقدر جراحته. قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، بل يقولون -نحن وهم-: لا شيء على المقتص لأنه فعل فعلاً كان له أن يفعله. وأورده فيما ألزم بعض العراقيين في خلاف عبد الله بن مسعود وهذا ليس بثابت عن ابن مسعود. والله أعلم. ...

стр. 2332

الباب الثالث في الديات وفيه عشرة فصول: الفصل الأول في قتيل عمد الخطأ وقتيل الخطأ أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم ابن ربيعة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا، مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ يعني مثله. هكذا أخرج هذا الحديث في كتاب "جراح العمد" (١)، وقد أخرجه المزني عنه بهذا الإسناد أتم من هذا قال: إن رسول الله ﷺ قام على درجة الكعبة يوم الفتح فقال: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها، ألا وإن كل مأثرة ودم ومال كان في الجاهلية فهو تحت قدمي هاتين، إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإني أمضيتهما لأهلها كما كانتا". وهذا الحديث قد أخرجه أبو داود والنسائي، وفيه اختلاف كثير على القاسم ابن ربيعة فتارة: عنه، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

стр. 2333

وتارة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وتارة: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمه. وتارة مرسلاً. أما أبو داود (١): فأخرجه عن سليمان بن حرب ومسدد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن ابن عمرو. وعن مسدد، عن [عبد] (٢) الوارث، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن ابن عمر. قال أبو داود (١): وأما رواية ابن عيينة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن [ابن] (٢) عمر، ورواه أيوب السختياني، عن القاسم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يعقوب السدوسي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، عن شعبة، عن أيوب، عن القاسم، عن عبد الله بن عمرو. وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حماد، عن أيوب، عن القاسم مرسلاً. وعن محمد بن منصور، عن سفيان، عن ابن جدعان، عن القاسم، عن ابن عمر. وعن محمد بن كامل، عن هشيم، عن خالد، عن القاسم، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . العمد: القصد تقول: عمدت إلى الأمر أعمد إليه: إذا قصدت وتعمدت فعل كذا وكذا: إِذا فعلته عن قصد ونية في فعله وعزيمة على إيجاده.

стр. 2334

والخطأ: ما لا يتعمده ويكون فيه مخطئا أي: مخالفًا للصواب من غير قصد. والمأثرة: كل ما يؤثر ويذكر من مكارم الجاهلية ومفاخرهم. وقوله: "تحت قدمي" معناه: إبطالها وإسقاطها. هذا من فصيح الكنايات قد داسها بقدمه وألصقها بالتراب وأخفاها فيه. وأما سدانة البيت: فهي خدمته والقيام بأمره وهي الحجابة أيضًا، وكانت في بني عبد الدار. والسقاية: ما كانوا يسقونه الحجيج من نبيذ الزبيب والماء، وكانت في بني هاشم فأقرهما رسول الله ﷺ على ما كانا عليه، وصار بنو شيبة -وهم من بني عبد الدار- يتولون حجبة البيت إلى الآن، وبنو العباس يتولون سقاية الحاج. وجملة أنواع القتل ثلاثة:- الأول: عمد محض: وهو أن يقصد ضربه بما يقتل غالبًا كالسيف، والسكين، والحجر الثقيل وما أشبه ذلك. والثاني: الخطأ المحض: وهو أن لا يقصده وإنما يرمي هدفًا أو صيدًا ونحو ذلك فيصيب إنسانًا. والثالث: عمد الخطأ -ويقال له: شبه العمد-: وهو أن يقصد ضربه بما يقتل غالبا كالعصا الصغير والحجر الصغير، إما على وجه التأديب، أو على وجه الإيلام فيموت منها، فيسمى شبه العمد: لأنه قصد الضرب وأخطأ في القتل. وبهذا التقسيم قال أبو حنيفية وأحمد. وعن مالك روايتان الثانية منهما بنفي شبه العمد ويقول: إنه عمد إذا ثبت ذلك فإن الأول فيه القصاص أو الذي كما سبق، والثاني والثالث فيهما الدية. ثم الدية على ضربين: مغلظة ومخففة.

стр. 2335

فالمغلظة: تجب في العمد المحض إذا ترك أولياء القتيل القصاص وطلبوا الدية عند الشافعي، وقد تقدم بيان ذلك، وكذلك المغلظة تجب في شبه العمد. والمخففة: تجب في الخطأ إلا أن يكون قد قتله في الحرم أو في الأشهر الحرم، أو كان القتيل ذا رحم محرم من النسب. فأما المغلظة: فهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة والخلفة: الحامل وجمعها خلفات فذلك مائة من الإبل. وقوله: "في بطونها أولادها" من باب التأكيد وإلا فالخلفة: هي التي في بطنها ولدها. ويجوز أن يكون ذلك لأن قوله: "خلفة" ربما ظن أنه أراد به التي من شأنها أن تحمل، وأن سنها قد بلغ السن الذي تحمل في مثله فقال: "في بطونها أولادها" نفيًا لهذا الوهم المتوقع. وروى هذا التغليظ عن عمر وإحدى الروايتين عن علي وعن زيد وأبي موسى والمغيرة. وبه قال عطاء ومحمد بن الحسن وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: للتغليظ أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمسة وعشرون حقة، وخمسة وعشرون جذعة. وهذه إحدى الروايتين عن علي وقد رويت عن ابن مسعود. وأما الدية المخففة فهي أخماس عند أكثر الفقهاء، إلا أنهم اختلفوا في الأخماس:- فقال الشافعي ومالك: خمس جذاع، وخمس حقاق، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون. وحكى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والليث. وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: خمس بنو مخاض، وخمس بنات

стр. 2336

مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس حقاق، وخمس جذاع. وروي عن علي ﵁ أنها أرباع: بنات مخاض، وبنات لبون، وحقاق، وجذاع. وبه قال الشعبي وإسحاق. وقال زيد: هي ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون. وبه قال الحسن البصري. وقال الشافعي فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي قال: الخطأ شبه العمد بالخشبة والحجر الضخم ثلاث حقاق، وثلاث جذاع، وثلاث ما بين ثنية إلى بازال عليها كلها خلفة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل في عمية رميًا يكون بينهما حجارة أو جلد بالسوط أو ضرب بعصا فهو خطأ عقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدًا فهو قود يده فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل". هكذا جاء هذا الحديث في المسند مرسلاً، وقد أخرجه أبو داود والنسائي مسندًا عن ابن عباس. أما أبو داود (١): فأخرجه عن سعيد بن سليمان، عن سليمان بن كثير، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس وذكره. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن هلال بن العلاء، عن سعيد بن سليمان مثل أبو داود. وعن محمد بن معمر، عن محمد بن كثير، عن سليمان بن كثير، عن عمرو بن دينار.

стр. 2337

العمية -بتشديد الميم وتشديد الياء-: الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه. وقيل: العمية: الفتنة، وقيل: الضلال. والذي في رواية أبي داود والنسائي: "عمياء" أي في حالة ذات جهالة كأنها عمياء مظلمة لا يبصر نفعها من ضرها. وقوله: "رميا يكون بينهم بحجارة" هذه اللفظة يجوز أن تكون بكسر الراء وتشديد الميم وتشديد الياء وألف ساكنة غير منونة، من قولهم: كانت بين القوم رميا ثم صاروا إلى حجيرى: أي كان بين القوم مراماة بالحجارة ثم يوسطهم من حجر بينهم وكفا بعضهم عن بعض وهو الصحيح. وموضع "رميا" جر بدلاً من عمية، بدل بعض من كل أو بدل اشتمال لأن العمية تشمل الرميا وغيرها من أنواع الضلالة والجهالة. ويجوز أن يكون "رميا" وهو مصدر رمى يرمي، والمعنى: أن ترمي القوم بالحجارة فيوجد بينهم قتيل لا يدرى من قتله ويعمى أمره فلا يبين ففيه الدية. كذلك قوله: "أو جلد بالسوط أو ضرب بعصا" لأنه ليس من آلة القتل فعقله عقل الخطأ أي: ديته دية قتيل الخطأ. وباقي الحديث قد تقدم مثله في باب القصاص. وأما دية الخطأ فقد تقدم ذكرها في الحديث قبل هذا وهو حديث ابن عمر. قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) قال: فأحكم الله -تعالى- في تنزيل كتابه أن على قاتل المؤمن دية مسلَّمة إلى أهله، وأبان على لسان نبيه ﷺ كم الدية. قال: وكان نقل عدد من أهل العلم من عدد لا تنازع بينهم أن رسول

стр. 2338

الله ﷺ قضى بدية المسلم مائة من الإبل، وكان هذا أقوى من نقل الخاصة، وقد روي من طريق الخاصة وبه نأخذ ففي المسلم يقتل خطأ مائة من الإبل. وذكر حديث ابن عيينة وحديث ابن عمر وقد تقدما. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "في النفس مائة من الإبل". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي بكر في الديات في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: "في النفس مائة من الإبل". قال ابن جريج: فقلت لعبد الله بن أبي بكر: أفي شك أنتم من أنه كتاب النبي ﷺ ؟ قال: لا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه يعني بذلك. هذا طريق من حديث طويل أخرجه مالك في الموطأ والنسائي. أما مالك (١): فأخرجه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: "أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعًا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس". وأما النسائي (٢): فأخرجه من طرق كثيرة طويلة ومختصرة. فمنها: عن عمرو بن منصور، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛

стр. 2339

عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: "من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد: وكان في كتابه: "أن من اعتبط مؤمنًا قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، فإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل نصف الدية، وفي المأمومة نصف الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وأن على أهل الذهب ألف دينار". هذا الطرف الذي أخرجه الشافعي من هذا الحديث استدل به على أن الدية من الإبل، والذي جاء في رواية الموطأ والنسائي من تفصيل الأعضاء والجراح؛ سيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: "فقرئت" بالتأنيث ذهابا إلى الأحكام المودعة في الكتاب وقوله: "فاعتبط مؤمنًا قتلا" قد تقدم في كتاب القصاص، وذكرنا الخلاف فيمن رواه بالعين والغين. والقيل: الملك. ودور عين من أدوار اليمن ومقدميها ثم صارت قبيلة وكذلك معافر وهمدان. وقوله: "عن بينة" إذا ثبت أنه قتله وقامت عليه البينة. والمنقلة: الشجة التي يخرج منها صغار العظام. قال الشافعي (١): وإذ قال رسول الله ﷺ في قتيل العمد الخطأ دية مغلظة

стр. 2340

منها: أربعون خلفة في بطونها أولادها، ففي ذلك دليل على أن دية الخطأ الذي لا يخالطه عمد مخالفة لهذه الدية، وقد اختلف الناس فيها فألزم القاتل مائة من الإبل بالسنة، ثم ما لم يختلفوا فيه ولا ألزمه من أسنان الإبل إلا أقل ما قالوه يلزمه، لأن اسم الإبل لا يلزم الصغار والكبار، فدية الخطأ أخماس: عشرون ابنة مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. والله أعلم. ***

стр. 2341

الفصل الثالث (*) في قيمة الدية أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن عبيد [الله] (١) بن عمر، عن أيوب بن موسى، عن ابن شهاب ومكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أن دية الحر على عهد النبي ﷺ مائة من الإبل، فقدم عمر بن الخطاب ﵁ تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر آلاف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق. هكذا جاء هذا الحديث في المسند، وقد أخرجه البيهقي (٢) عنه بالإسناد بنحوه وهذا لفظه: قالوا: أدركنا الناس على أن دية الرجل المسلم الحر على عهد رسول الله ﷺ مائة من الإبل، وتقويم عمر على أهل القرى ألف دينار واثني عشر ألف درهم، وإن كان الذي أصابه من الأعراب فديته مائة من الإبل لا يكلف الأعراب الذهب ولا الورق، ودية الأعرابي إذا أصاب الأعرابي مائة من الإبل. قال الشافعي (٣): وعام في أهل العلم أن رسول الله ﷺ فرض الدية من الإبل، ثم قومها عمر بن الخطاب على أهل الذهب والورق، والعلم يحيط -إن شاء الله- أن عمر لا يقومها إلا قيمة يومها ويكون قومها إلا برضا الجاني وولي الجناية. ثم استدل بهذا الحديث فقال في آخره: وهذا يدل على ما وصفت،

стр. 2342

ألا ترى أنه لا يكلف الأعرابي ذهبًا ولا ورقا لوجوب الإبل، وأخذ الذهب والورق من القروى لإعواز الإبل فيما أرى -والله أعلم- لأن الحق لا يختلف في الدية. وتفصيل المذهب: أن الواجب في الدية الإبل، فإن أعوزت فلم يكن في تلك الناحية أو كانت إلا أنها لم تبع بثمن مثلها فقد اختلف قول الشافعي فيها:- فقال في القديم: يجب على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم. وبه قال مالك. وقال في الجديد: إذا أعوزت الإبل رجع إلى قيمتها. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز العدول عن الإبل إلى الدراهم والدنانير مع وجودها, ولا يتعين الإبل على الجاني. وقال الحسن البصري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: الدية ستة أصول: الإبل، والذهب، والفضة، ومائتا بقرة، ومائة حلة، وألفا شاة، ووافقهم أحمد إلا أن عنده في الحلل روايتان. وأما تقدير الدية بالدراهم:- فإن الشافعي قال: إنها اثنى عشر ألف درهم. وهذا على القديم. فأما على الجديد: فإنها تقوم بغالب نقد البلد، وإذا وجد بعض الإبل أخذ وقوم الباقي بالذهب أو الدراهم. وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: عشرة آلاف درهم. وأما دية المرأة وجراحها: فإنها على النصف من دية الرجل وجراحه وبه قال أهل العلم كافة، إلا ما حكي عن ابن علية والأصم فإنهما قالا: دية الرجل والمرأة سواء. والله أعلم.

стр. 2343

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد [عن] (١) ابن جريج، عن عمرو بن شعيب قال: كان النبي ﷺ يقيم الإبل على القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقيمها على أثمان الإبل فإذا غلت رفع في قيمتها وإذا هانت نقص في ثمنها على أهل القرى الثمن ما كان. هذا الحديث هكذا جاء في المسند مرسلاً، وقد أخرجه أبو داود والنسائي مرفوعًا. فأما أبو داود (٢) فقال: وجدت في كتابي عن شيبان -ولم أسمعه منه، فحدثناه أبو بكر- صاحب لنا ثقة- قال: حدثنا شيبان، عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يقوم دية الخطأ على أهل القرى وذكر نحوه وزاد قال: وبلغت في [عهد] (٣) رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق ثمانية ألف درهم وذكر حديثًا طويلاً يتضمن أحكامًا كثيرة تتعلق بالديات. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن راشد بإسناد أبي داود وذكرا من حديثه. عدل الشيء بكسر العين: مثله ونظيره، وقيل بالفتح أيضًا. وهذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب جراح الخطأ مستدلاً به على أن الأصل في الدية الإبل، وإنما يعدل إلى القيمة مع إعوازها، وأن تقدير ثمنها غير محصور في شيء بعينه، لأنه قال: إذا غلت زاد في ثمنها، وقد صرح بذلك أبو داود والنسائي في روايتهما أنها بلغت أثمانها في ثمانمائة دينار. وأخرج المزني (٥) قال: حدثني الشافعي قال: سمعت عبد الوهاب الثقفي

стр. 2344

يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أدركت الناس وهم يعطون في دية المسلم من الغنم ألفي شاة. قال: وسمعت الثقفي يقول: سمعت يحيى بن سعيد يحدث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب قال: في الدية على أهل الشاء الشاء. وأخرج الشافعي قال: حدثنا محمد بن الحسن بلغنا عن عمر بن الخطاب أنه فرض على أهل الذهب ألف دينار في الدية، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم. أخبرنا بذلك أبو حنيفة، عن الهيثم، عن الشعبي، عن عمر بن الخطاب وزاد: على أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الغنم ألفا شاة. قال الشافعي: وروى عطاء ومكحول وعمرو بن شعيب وعدد من الحجازيين أن عمر فرض الدية اثنى عشر ألف درهم، ولم أعلم بالحجاز أحدًا خالف فيه. وممن قال الدية اثنى عشر ألف درهم: ابن عباس وأبو هريرة وعائشة. لا أعلم بالحجاز أحدًا خالف ذلك قديمًا ولا حديثًا, ولقد رواه عكرمة عن النبي ﷺ أنه قضى بالدية اثنى عشر ألف درهم، وزعم عكرمة أنه نزل فيه: "وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله". وهذا الذي ذكره الشافعي عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً عن النبي ﷺ . قال الشافعي: قال محمد بن الحسن: وقال أهل المدينة: إن عمر فرض الدية على أهل الورق اثنى عشر ألف درهم. قال: ونحن أعلم -فيما نظن- بفريضة عمر بن الخطاب حين فرض الدية دراهم من أهل المدينة، لأن الدراهم على أهل العراق وقد صدق أهل المدينة أن عمر فرضها اثنى عشر ألف درهم، ولكنه فرضها وزن ستة.

стр. 2345

قال الشافعي: فقلت لمحمد بن الحسن: أفتقول أن الدية اثنى عشر ألف درهم وزن ستة؟ فقال: لا. فقلت: فمن أين زعمت إذ كنت أعلم بالدية -فيما زعمت- من أهل الحجاز لأنك من أهل الورق وأنك عن عمر قلتها، فإن عمر قضى فيها بشيء لا تقضى به؟ قال: لم تكونوا تحسبون، قلت: أفتروي شيئًا تجعله أصلاً في الحكم، فأنت تزعم أن من روي عنه لا يعرف ما قضى به؟. وقال الشافعي: فادعى محمد على أهل الحجاز أنه أعلم بالدية منهم، وإنما عن عمر قبل الدية من الورق ولم يجعل [لهم] (١) أنهم أعلم بالدية منه إذ كان عمر منهم، فمن الحاكم منه أولى بالمعرفة ممن الدراهم منه إذ كان الحكم إنما وقع بالحاكم. وأخرج الشافعي فيما بلغه عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن أن عليًا قضى بالدية اثنى عشر ألفًا. قال الشافعي: وبهذا نقول وهم يقولون: الدية عشرة آلاف درهم. ...

стр. 2346

الفصل الرابع في دية ما دون النفس أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي الأنف إذا أوعي جدعًا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس". هكذا أخرج هذا الحديث في كتاب "جراح الخطأ" وقد أخرج منه طرفًا في كتاب "جراح العمد" بالإسناد: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" وأخرج منه طرفًا آخر في "جراح العمد" بالإسناد: "وفي الموضحة خمس". هذا الحديث هو الذي تقدم منه طرف في الفصل الأول، وقد تقدم ذكره وذكر من أخرجه وذكر ما يتعلق به، ونحن نزيده ها هنا إيضاحًا، وذلك أن كل [ما] (١) في الإنسان من الأعضاء والجوارح مفردا؛ فإن ديته دية النفس كاملة كالأنف واللسان والذَّكَر، وما كان منها مزدوجًا ففي الواحد منهما نصف الدية وفي الاثنين الدية كالعينين والأذنين واليدين والرجلين، وما كان أكثر من ذلك فبنسبة العدد كالأصابع لما كانت عشرًا كان لكل إصبع عشر من الإبل، لأنها عشر الدية. وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت. وعن عمر روايان: أحدهما: مثل ذلك، والأخرى: أن الأصابع متفاضلة. وأما الأسنان: فقد اختلف في حكمها لاختلاف الأحاديث الواردة فيها فمنهم من جعل فيها خمسًا خمسًا، ومنهم من جعل ثلاثًا ثلاثًا وغير ذلك. وقوله: "في كل إصبع مما هنالك" الكاف راجعة إلى اليد والرجل لأنه قد

стр. 2347

أتبعها بذكرها حيث قال: "وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك" أي مما في اليد والرجل. والجدع: القطع. وأوعيته -بالياء- جدعًا: إذا استأصله، وكذلك أوعيته واستوعبته بالباء. والواو في قوله: "وفي الأنف" واو عطف على ما قبله في أول الحديث، لأن أول الحديث: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن في النفس مائة من الإبل" ثم قال: "وفي الأنف كذا وكذا". والمأمومة: شجة تبلغ أم الدماغ وهي أن يبقي بينها وبين الدماغ جلد رقيق. والجائفة: الطعنة التي تخالط الجوف وتنفذ فيها. والمراد بالجوف: كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ. والموضحة: التي تبدي وضح العظم وهو بياضه، والتي فرض فيها خمس من الإبل هي ما كانت في الرأس والوجه، فأما الموضحة في غير الوجه والرأس ففيها الحكومة. قوله: "وفي المأمومة ثلث النفس" يريد ثلث الدية. قال الشافعي: والموضحة في الرأس والوجه كله سواء في أعلاه وأسفله صغيرة كانت أو كبيرة. وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال ابن المسيب: إذا كانت في الوجه وجب عشر من الإبل لأن تبينها أكثر وقال مالك إذا كانت على الأنف أو اللحي الأسفل ففيها حكومة. قال الشافعي: ولم نعلم أن رسول الله ﷺ قضى فيما دون الموضحة من الشجاج بشيء، وأكثر قول من لقيت أن ليس فيما دون الموضحة أرش معلوم،

стр. 2348

وأن في جميع ما دونها حكومة. وجملة الأمر: أن القصاص فيما دون النفس يثبت في الأطراف والجراح: أما الأطراف: فسيرد الكلام فيه. وأما الجراح: فإنما يجب القصاص في الجراح إذا انتهى إلى العظم، وتسمى الجراح التي تكون في الرأس والوجه الشجاج دون سائر البدن، وليس في الشجاج قصاص مثل الموضحة ولا دية مقدرة وإنما فيها الحكومة، وما بعد الموضحة ففيها أرش مقدر، وتنفرد الموضحة بجواز القصاص فيها والدية. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن عبد الله بن الحارث -إن لم أكن سمعته من عبد الله- عن مالك بن أنس، عن يزيد بن قسيط، عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن الثوري، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن المسيب عن عمر وعثمان مثله أو مثل معناه. قال الشافعي: وقرأنا على مالك: أنا لم نعلم أحدًا من الأئمة في القديم ولا في الحديث؛ قضى فيما دون الموضحة بشيء. قال الشافعي: وهو -والله يغفر لنا وله- يروي عن إمامين عظيمين عمر وعثمان قضاء فيما دون الموضحة بشيء مؤقت. قال البيهقي (١): روينا عن عبد الرزاق أنه سأل مالك بن أنس أن يحدثه بحديث عمر وعثمان في الملطاة فامتنع، وقال: إن العمل عندنا على غيره ورجله عندنا ليس هناك -يعني يزيد بن عبد الله بن قسيط- إسناد هذا الحديث

стр. 2349

من غرائب الإسناد ولطائفها، لأن الشافعي معروف بالرواية عن مالك، وهو من أكبر أصحابه وأعرفهم بحديثه، وبينه وبين مالك في هذا الحديث ثلاث: مسلم، وابن جريج، والثوري. ثم كل واحد منهم مثل مالك أو بعضهم أكبر منه، وفيه لمالك من الفضيلة: أن الثوري روى عنه، وللثوري أن ابن جريج روى عنه، قل ما يجيء مثل هذا الإسناد إلا نادرًا. قال الأزهري: وقال أبو عبيد عن الواقدي: الملطاة مقصور ويقال: الملطاه بالهاء: القشرة التي بين عظم الرأس ولحمه. وقال شمر: يقال: شجه حتى رأيت الملطي. وقال الليث: تقدير الملطاء أنه ممدود مذكر وهو بوزن: الحرباء فجعل الميم أصلية. وقال شمر عن ابن الأعرابي أنه ذكر الشجاج فلما ذكر الباضعة ثم قال: الملطئة وهي التي تخرق اللحم حتى تدنو من العظم. وقال غيره: تقول الملطي. وقول ابن الأعرابي يدل على أن الميم من الملطي ميم مفعل، وإنها ليست بأصلية كأنها من لطيت بالشيء إذا لصقت به. والله أعلم. وقال الجوهري: الملطي على مفعل السمحاق من الشجاج: وهي التي بينها وبين العظم القشرة الرقيقة. قال أبو عبيد: وأخبرني الواقدي أن السمحاق في لغة أهل الحجاز الملطي ويقال لها: الملطاة أنه لا دية مقدرة لما دون الموضحة والملطاة دون الموضحة، فلا دية لها مقدرة إنما فيها الحكومة. وقد ورد عن الشافعي من رواية حرملة بن يحيى عنه في تفسير الشجاج قال: قال الشافعي: أول الشجاج الحارصة: وهي التي تحرص الجلد حتى تشقه قليلاً

стр. 2350

ومنه قيل: حرص القصار الثوب إذا شقه، ثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم وتبضعه بعد الجلد، ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم ولم تقطع السمحاق، والسمحاق: جلدة رقيقة فهي سمحاق، فإذا بلغت الشجة تلك القشرة الرقيقة حتى لا يبقى بين العظم واللحم غيرها فهي السمحاق وهي الملطاة، ثم الموضحة: وهي يكشف عنها تلك القشرة وتشق حتى يبدو وضح العظم، والمنقلة: التي تنقل منها العظم، والأمة وهي المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس الدماغ، والجائفة: وهي التي تخرق حتى تصل إلى الصفاق. وما كان دون الموضحة فهو خدوش فيه الصلح، والدامية: التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. هذا ما رواه حرملة عن الشافعي. وقال الأزهري: أول الشجاج: الحارصة: وهي التي تشق الجلد شقًا يسيرًا وتقشره، ومنه: حرص القصار الثوب إذا قصره لأنه يقشره، ثم الدامعة: وهي التي تدمع منها نقطة من دم، ثم الدامية: وهي التي تخرج من الدم أكثر من ذلك، ثم الباضعة: وهي التي تبضع اللحم تشقه بعد الجلد، ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم، ثم السمحاق: وهي التي وصلت إلى جليدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجليدة السمحاق، ثم الموضحة: وهي التى وضحت عن العظم وكشفت عنه، ثم الهاشمة: وهي التي تهشم العظم، ثم المنقلة: وهي التي تهشم العظم وتنقل ما رقَّ منه، ثم الأمة: وهي التي تبلغ أم الرأس ويقال لها: المأمومة، وأم الرأس الخريطة التي فيها الدماغ وقيل: هي الدامعة، وقيل: الدامغة هي تخسف الدماغ فلا حياة بعدها، وقد ذكرها بعضهم الدامعة -بالعين المهملة- بعد الدامية لأنها تدفع بعد ما دميت. إذا ثبت هذا فليس في الشجاج قصاص إلا في الموضحه، وما قبلها فيه الحكومة كما سبق، ومنها وما بعدها فيه دية مقدرة:- ففي الموضحة: خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس
следующие страницы →