← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الفصل الرابع في دية ما دون النفس أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي الأنف إذا أوعي جدعًا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس". هكذا أخرج هذا الحديث في كتاب "جراح الخطأ" وقد أخرج منه طرفًا في كتاب "جراح العمد" بالإسناد: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" وأخرج منه طرفًا آخر في "جراح العمد" بالإسناد: "وفي الموضحة خمس". هذا الحديث هو الذي تقدم منه طرف في الفصل الأول، وقد تقدم ذكره وذكر من أخرجه وذكر ما يتعلق به، ونحن نزيده ها هنا إيضاحًا، وذلك أن كل [ما] (١) في الإنسان من الأعضاء والجوارح مفردا؛ فإن ديته دية النفس كاملة كالأنف واللسان والذَّكَر، وما كان منها مزدوجًا ففي الواحد منهما نصف الدية وفي الاثنين الدية كالعينين والأذنين واليدين والرجلين، وما كان أكثر من ذلك فبنسبة العدد كالأصابع لما كانت عشرًا كان لكل إصبع عشر من الإبل، لأنها عشر الدية. وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت. وعن عمر روايان: أحدهما: مثل ذلك، والأخرى: أن الأصابع متفاضلة. وأما الأسنان: فقد اختلف في حكمها لاختلاف الأحاديث الواردة فيها فمنهم من جعل فيها خمسًا خمسًا، ومنهم من جعل ثلاثًا ثلاثًا وغير ذلك. وقوله: "في كل إصبع مما هنالك" الكاف راجعة إلى اليد والرجل لأنه قد

стр. 2347

أتبعها بذكرها حيث قال: "وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك" أي مما في اليد والرجل. والجدع: القطع. وأوعيته -بالياء- جدعًا: إذا استأصله، وكذلك أوعيته واستوعبته بالباء. والواو في قوله: "وفي الأنف" واو عطف على ما قبله في أول الحديث، لأن أول الحديث: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن في النفس مائة من الإبل" ثم قال: "وفي الأنف كذا وكذا". والمأمومة: شجة تبلغ أم الدماغ وهي أن يبقي بينها وبين الدماغ جلد رقيق. والجائفة: الطعنة التي تخالط الجوف وتنفذ فيها. والمراد بالجوف: كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ. والموضحة: التي تبدي وضح العظم وهو بياضه، والتي فرض فيها خمس من الإبل هي ما كانت في الرأس والوجه، فأما الموضحة في غير الوجه والرأس ففيها الحكومة. قوله: "وفي المأمومة ثلث النفس" يريد ثلث الدية. قال الشافعي: والموضحة في الرأس والوجه كله سواء في أعلاه وأسفله صغيرة كانت أو كبيرة. وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال ابن المسيب: إذا كانت في الوجه وجب عشر من الإبل لأن تبينها أكثر وقال مالك إذا كانت على الأنف أو اللحي الأسفل ففيها حكومة. قال الشافعي: ولم نعلم أن رسول الله ﷺ قضى فيما دون الموضحة من الشجاج بشيء، وأكثر قول من لقيت أن ليس فيما دون الموضحة أرش معلوم،

стр. 2348

وأن في جميع ما دونها حكومة. وجملة الأمر: أن القصاص فيما دون النفس يثبت في الأطراف والجراح: أما الأطراف: فسيرد الكلام فيه. وأما الجراح: فإنما يجب القصاص في الجراح إذا انتهى إلى العظم، وتسمى الجراح التي تكون في الرأس والوجه الشجاج دون سائر البدن، وليس في الشجاج قصاص مثل الموضحة ولا دية مقدرة وإنما فيها الحكومة، وما بعد الموضحة ففيها أرش مقدر، وتنفرد الموضحة بجواز القصاص فيها والدية. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن عبد الله بن الحارث -إن لم أكن سمعته من عبد الله- عن مالك بن أنس، عن يزيد بن قسيط، عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن الثوري، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن المسيب عن عمر وعثمان مثله أو مثل معناه. قال الشافعي: وقرأنا على مالك: أنا لم نعلم أحدًا من الأئمة في القديم ولا في الحديث؛ قضى فيما دون الموضحة بشيء. قال الشافعي: وهو -والله يغفر لنا وله- يروي عن إمامين عظيمين عمر وعثمان قضاء فيما دون الموضحة بشيء مؤقت. قال البيهقي (١): روينا عن عبد الرزاق أنه سأل مالك بن أنس أن يحدثه بحديث عمر وعثمان في الملطاة فامتنع، وقال: إن العمل عندنا على غيره ورجله عندنا ليس هناك -يعني يزيد بن عبد الله بن قسيط- إسناد هذا الحديث

стр. 2349

من غرائب الإسناد ولطائفها، لأن الشافعي معروف بالرواية عن مالك، وهو من أكبر أصحابه وأعرفهم بحديثه، وبينه وبين مالك في هذا الحديث ثلاث: مسلم، وابن جريج، والثوري. ثم كل واحد منهم مثل مالك أو بعضهم أكبر منه، وفيه لمالك من الفضيلة: أن الثوري روى عنه، وللثوري أن ابن جريج روى عنه، قل ما يجيء مثل هذا الإسناد إلا نادرًا. قال الأزهري: وقال أبو عبيد عن الواقدي: الملطاة مقصور ويقال: الملطاه بالهاء: القشرة التي بين عظم الرأس ولحمه. وقال شمر: يقال: شجه حتى رأيت الملطي. وقال الليث: تقدير الملطاء أنه ممدود مذكر وهو بوزن: الحرباء فجعل الميم أصلية. وقال شمر عن ابن الأعرابي أنه ذكر الشجاج فلما ذكر الباضعة ثم قال: الملطئة وهي التي تخرق اللحم حتى تدنو من العظم. وقال غيره: تقول الملطي. وقول ابن الأعرابي يدل على أن الميم من الملطي ميم مفعل، وإنها ليست بأصلية كأنها من لطيت بالشيء إذا لصقت به. والله أعلم. وقال الجوهري: الملطي على مفعل السمحاق من الشجاج: وهي التي بينها وبين العظم القشرة الرقيقة. قال أبو عبيد: وأخبرني الواقدي أن السمحاق في لغة أهل الحجاز الملطي ويقال لها: الملطاة أنه لا دية مقدرة لما دون الموضحة والملطاة دون الموضحة، فلا دية لها مقدرة إنما فيها الحكومة. وقد ورد عن الشافعي من رواية حرملة بن يحيى عنه في تفسير الشجاج قال: قال الشافعي: أول الشجاج الحارصة: وهي التي تحرص الجلد حتى تشقه قليلاً

стр. 2350

ومنه قيل: حرص القصار الثوب إذا شقه، ثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم وتبضعه بعد الجلد، ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم ولم تقطع السمحاق، والسمحاق: جلدة رقيقة فهي سمحاق، فإذا بلغت الشجة تلك القشرة الرقيقة حتى لا يبقى بين العظم واللحم غيرها فهي السمحاق وهي الملطاة، ثم الموضحة: وهي يكشف عنها تلك القشرة وتشق حتى يبدو وضح العظم، والمنقلة: التي تنقل منها العظم، والأمة وهي المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس الدماغ، والجائفة: وهي التي تخرق حتى تصل إلى الصفاق. وما كان دون الموضحة فهو خدوش فيه الصلح، والدامية: التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. هذا ما رواه حرملة عن الشافعي. وقال الأزهري: أول الشجاج: الحارصة: وهي التي تشق الجلد شقًا يسيرًا وتقشره، ومنه: حرص القصار الثوب إذا قصره لأنه يقشره، ثم الدامعة: وهي التي تدمع منها نقطة من دم، ثم الدامية: وهي التي تخرج من الدم أكثر من ذلك، ثم الباضعة: وهي التي تبضع اللحم تشقه بعد الجلد، ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم، ثم السمحاق: وهي التي وصلت إلى جليدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجليدة السمحاق، ثم الموضحة: وهي التى وضحت عن العظم وكشفت عنه، ثم الهاشمة: وهي التي تهشم العظم، ثم المنقلة: وهي التي تهشم العظم وتنقل ما رقَّ منه، ثم الأمة: وهي التي تبلغ أم الرأس ويقال لها: المأمومة، وأم الرأس الخريطة التي فيها الدماغ وقيل: هي الدامعة، وقيل: الدامغة هي تخسف الدماغ فلا حياة بعدها، وقد ذكرها بعضهم الدامعة -بالعين المهملة- بعد الدامية لأنها تدفع بعد ما دميت. إذا ثبت هذا فليس في الشجاج قصاص إلا في الموضحه، وما قبلها فيه الحكومة كما سبق، ومنها وما بعدها فيه دية مقدرة:- ففي الموضحة: خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس

стр. 2351

عشرة، وفي الأمة ثلث الدية لأنها جائفة وكذلك الدامغة. وقال الشافعي: وقد حفظت عن عدد لقيتهم وحكي لي عنهم أنهم قالوا: في الهاشمة عشر من الإبل. وبهذا أقول. قال: ولست أعلم خلافًا أن النبي ﷺ قال في الجائفة ثلث الدية. قال: وروي عن ابن طاوس، عن أبيه قال: عند أبي كتاب عن النبي ﷺ فيه: "وفي الأنف إذا قطع المارن مائة من الإبل" قال: وحديث ابن طاووس في الأنف أبين من حديث ابن حزم. قال: وإذا اصطلمت الأذنان ففيهما الدية قياسًا على ما قضى النبي ﷺ فيه بالدية من الاثنين في الإنسان. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا مالك، حدثنا داود بن حصين أن أبا غطفان بن طريف المري أخبره أن مروان بن الحكم أرسله إلى ابن عباس فسأله ما في الضرس؟ فقال ابن عباس: فيه خمس من الإبل. فردني مروان إلى ابن عباس قال: أفتجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ فقال ابن عباس: لو أنك لا تعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء. قال الشافعي: ما يدلك على أن الشفتين عقلها سواء؟ وقد جاء في الشفتين سوى هذا آثار. هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي في كتاب "الديات والقصاص" (١) عن محمد بن الحسن، عن مالك، وقد أخرجه في كتاب "جراح الخطأ" عن مالك، وإنما رواه في كتاب "الديات" عن محمد، عن مالك لأنه حكى في ذلك الكتاب أخبار محمد وكلامه على أهل المدينة، ثم يذب الشافعي عنهم ويجيب محمدًا عن ما احتج به عليهم لأنه لم يسمعه من مالك، فقد أخرج في كتاب "الديات" عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أبان، عن حماد، عن النخعي

стр. 2352

في الأسنان كل سن نصف عشر الدية مقدم الفم ومؤخره سواء. قال محمد بن الحسن: وأخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن شريح قال: الأسنان كلها سواء في كل سن نصف عشر الدية. قال: وأخبرنا بكير، عن عامر الشعبي: الأسنان كلها سواء في كل سن نصف عشر الدية. وهذا الحديث الذي أخرجه الشافعي وقد جاء في الموطأ (١) بهذا الإسناد وأما تفصيل القول في دية الأسنان فإن الأضراس سواء، في كل ضرس خمس من الإبل. وحكى مثل ذلك عن ابن عباس ومعاوية، وحكى ابن المسيب عن عمر أنه قال: في السن خمس وفي الضرس بعير بعير. وروى عنه أنه كان يجعل في الضواحك خمسًا، وفي الأضراس بعيرين بعيرين، فإذا زادت على عشرين ضرسًا ففيها وجهان: هل يجب في كل ضرس خمس؟ أو تكمل الدية ولا يزاد عليها ولو قلع جميعها؟. قال الشافعي: والحجة فيه قول النبي ﷺ : "وفي السن خمس" فكانت الضرس سنًا في فم لا يخرج من اسم السن. قال: وهذا كما قال ابن عباس إن شاء الله، والدية على العدد لا على المنافع. وقوله: "فهذا بذلك" يدلك على أن الشفتين عقلهما سواء، يريد أنه لما كان عقل الأسنان سواء، والمنفعة بها مختلفة، والجمال بها متفاوت. كان عقل الشفتين كذلك إن اختلفا في المنفعة والجمال. قال: فلما رأينا النبي ﷺ قصد في الدية الأسماء غير ملتفتٍ إلى المنفعة والجمال، كان ينبغي في كل ما وقعت عليه الأسماء أن يكون هكذا.

стр. 2353

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن مسلم بن جندب، عن أسلم -مولى عمر بن الخطاب- أن عمر بن الخطاب ﵁: "قضى في الضرس بجمل، وفي الترقوة بجمل، وفي الضلع بجمل". قوله: "قضى" أي حكم وأوجب في دية الضرس بجمل. والترقوة: العظم المستطيل فيما بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان عن جانبي الثغرة. قال الشافعي: في الأضراس خمس خمس لما جاء عن النبي ﷺ "في السن خمس" وكانت الضرس سنا. قال: وأنا أقول يقول عمر في الترقوة والضلع، لأنه لم يخالفه أحد من أصحاب النبي ﷺ فيما علمته، فلم أر أن أذهب إلى رأي فأخالفه به. هكذا قال في كتاب "اختلافه مع مالك"، وفي كتاب "الديات" وهو قول سعيد بن المسيب. وقال في كتاب "الجراح" (١): يشبه -والله أعلم- أن يكون ما حكي عن عمر فيما وصف حكومة لا توقيت عقل، ففي كل عظم كسر من إنسان غير السن حكومة وليس في شيء منها أرش معلوم. وقال أصحاب الشافعي في الترقوة والضلع قولان:- أحدهما: في كل واحد جمل. والثاني: أن فيهما الحكومة. ومنهم من قال: ليس فيها إلا الحكومة قولاً واحداً، وإنما أوجب جملا تقدير الحكومة به.

стр. 2354

وذهب المزني وغيره: إلى أن فيها قولين كما ذكرنا. وبالجمل قال أحمد وإسحاق، وبالحكومة قال مالك وأبو حنيفة. ومعنى الحكومة: أن يُقَّوم المجني عليه لو كان عبدا وهو سوي قبل الجناية ثم يُقَّوم وهو مجني عليه، فما نقص بالجناية من قيمته الأولى نسب إلى أصل القيمة ثم أخذ بنسبته من الدية فهو واجب وإنما سميت حكومة: لأن ما قدره الشارع من القيم ليس لأحد أن يعدل عنه، وما لم يقدر فيه قيمة فعل كما قلنا. ومثاله: أن يكون له يد مثلًا فقطعها إنسان فيقال: لو كان هذا المقطوع اليد عبدا ويده شلاء كم قيمته؟ فيقال: مائة. ويقال: كم قيمته بعد قطع يده الشلاء فيقال: تسعون. فتكون الحكومة عشرة وهو عشر الثمن، فيؤخذ منه عشر الدية وهو مائة وهو نقص القيمة الأولى، ولو كانت يده سليمة وقطعها أوجبنا نصف الدية لأن قيمتها مقدرة في الشرع بذلك. وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد [سمع سعيد] (١) ابن المسيب يقول: قضى عمر بن الخطاب في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة أبعرة، فالدية تنقص في قضاء عمر وتزيد في قضاء معاوية، فلو كنت جعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إسماعيل بن علية بإسناده عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "في الأصابع عشر عشر". هكذا أخرجه في كتاب "الجراح" (٢) ولم يتمم إسناده، وقد رواه المزني عنه عن إسماعيل بن علية، عن غالب التمار، عن مسروق بن أوس، عن أبي موسى هكذا رواه علي بن المديني، عن إسماعيل. ورواه ابن أبي عروبة، عن غالب

стр. 2355

التمار، عن حميد بن هلال، عن مسروق. والحديث قد أخرجه أبو داود والنسائي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن إسحاق بن إسماعيل، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن غالب التمار، عن حميد، عن مسروق، عن أبي موسى. وفي أخرى: عن أبي الوليد، عن شعبة، عن غالب، عن مسروق. قال أبو داود: رواه محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غالب، عن مسروق. ورواه إسماعيل، عن غالب بإسناد أبي الوليد. ورواه حنطة بن أبي صفية عن غالب بإسناد إسماعيل. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن أبي الأشعث، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة، عن مسروق. وله روايات أخرى كذلك. قوله: "في الأصابع" حرف الجر متعلق بمحذوف تقديره: الحكم في دية الأصابع عشر عشر. يعني من الإبل، فلما كرر العشر علم أن كل إصبع ديتها عشر من الإبل، وقد سوى رسول الله ﷺ بين الأصابع في الدية، كما سوى بين الأسنان فيها لحكمة رآها، وإلا فلا شبهة أن بعض الأصابع وبعض الأسنان أنفع من بعض وبعضها أكثر عملاً من بعض، ولولا السنة لكان القياس أن تتفاوت قيمتها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان وعبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي

стр. 2356

التي تليها بعشرة، وفي الوسطى بعشرة، وفي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست. هكذا أخرجه في كتاب "الرسالة" (١). الإبهام من الأصابع معروفة والجمع الأباهيم. والتي تليها: المسبحة والسبابة، وما يقوله عوام الناس في تسميتها بالسبابة لا أصل له (٢). والوسطى سميت بذلك: لأنها بين اثنتين من كل جانب. والتي تليها تسمى البنصر، ولم يسمها في هذا الحديث. والخنصر: الصغرى. والذي ذهب إليه الشافعي: أن دية الأصابع سواء عشر عشر من الإبل. وروى ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت. قال الشافعي: لما كان معروفا -والله أعلم- عند عمر أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فلما وجد كتاب آل عمرو بن حزم وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" صار إليه، ولم يقبل كتاب عمرو بن حزم -والله أعلم- حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله ﷺ . قالوا: والحكمة في تسويتها واضحة وكذلك أنه لو جعلت مختلفة لاختلاف منافعها ومضارها وحسنها؛ لأدى ذلك إلى اختلاف كثير لا ينضبط بين الصغير والكبير، والقوي والضعيف، والصحيح والتالف وغير ذلك من اختلاف البشر واختلاف أعضائهم، فحمل الأمر على التساوي في ذلك قطعا لهذا التفاوت المؤدي إلى الاختلاف العظيم والله أعلم.

стр. 2357

الفصل الخامس في دية جراح [المرأة] (١) قد تقدم في الفصل الثالث حديث ابن شهاب ومكحول وذكرنا فيه أن دية المرأة نصف دية الرجل. وأخرج الشافعي: عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: عقل المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس وفيما دونها. قال: وأخبرني أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن زيد بن ثابت أنه قال: يستوي الرجل والمرأة في العقل إلى الثلث، ثم النصف فيما بقي. قال: وأخبرني أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال: قول علي ﵁ في هذا أحب إلي من قول زيد. قال: وأخبرنا محمد بن أبان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب ﵁ وعلي بن أبي طالب- أنهما قالا: عقل دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وفيما دونها. وقد روي عن ربيعة بن عبد الرحمن سأل سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر، قال: كم في اثنتين؟ قال: عشرون، قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون، قال كم في أربع؟ قال: [عشرون] (٢) قال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، قال: أعراقي أنت؟ قال: عالم

стр. 2358

متثبت أو جاهل متعلم. قال: يا ابن أخي إنها السنة. قال الشافعي: القياس الذي لا يدفعه أحد يعقل ولا يخطئ به أحد فيما نرى، أن نفس المرأة إذا كان فيها من الدية نصف دية نفس الرجل وفي يديها نصف ما في يده، أنه ينبغي أن يكون ما صغر من جراحها هكذا، فلما كان هذا من الأمور التي لا يجوز لأحد أن يخطئ بها من جملة الرأى، وكان ابن المسيب يقول: في ثلاث أصابع المرأة ثلاثون، وفي أربع عشرون. ويقال له: حين عظم جرحها نقص عقلها، فنفول: هي السنة، وكان يروي عن زيد بن ثابت أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث دية الرجل، ثم تكون على النصف من عقله لم يجز أن يخطئ أحد هذا الخطأ من جهة الرأي، لأن الخطأ إنما يكون من جهة الرأي فيما يمكن مثله فيكون رأي أصح من رأي، أما هذا فلا أحسب أحدًا يخطئ بمثله إلا الاتباع لمن لا يجوز خلافه عنده، فلما قال سعيد بن المسيب: هي السنة. أشبه أن يكون عن النبي ﷺ أو عن عامة من أصحابه، ولم يشبه زيد أن يقول هذا من جهة الرأي لأنه لا يحتمله الرأي، فإن قال قائل: فقد يروى عن علي خلافه فلا يثبت عن علي ولا عن عمر ﵄، ولو ثبت كان يشبهان أن يكونا قالا به من جهة الرأي، ولا يكون فيما قال سعيد: السنة إذا كان يخالف القياس والعقل إلا علم اتباع فيما نرى والله أعلم. هذا قوله فيما ذب عن أهل المدينة ثم أردفه بأن قال: وقد كنا نقول به على هذا المعنى ثم وقفت عنه وأنا أسأل الله الخيَرة من قبل أنا قد نجد منهم من يقول السنة، ثم لا نجد لقوله السنة نفاذا بأنها عن النبي ﷺ فالقياس أولى بنا فيها. قال: ولا يثبت عن زيد إلا كثتبوته عن علي. قال البيهقي: إنما رواه عن علي وزيد. الشعبي وإبراهيم النخعي وروايتهما عنهما منقطعة، وكذلك رواية إبراهيم عن عمر، والقياس ما قال الشافعي ﵄.

стр. 2359

وأخرج الشافعي فيما بلغه عن شعبة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله في جراحات الرجال والنساء يستوي في السن والموضحة وما خلا فعلى النصف. قال الشافعي: وهم يخالفون هذا فيقولون على النصف من كل شيء. أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف عبد الله بن مسعود. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار أن زيد بن ثابت قضى في العين القائمة إذا طفئت -أو قال: فختت- بمائة دينار. قال مالك: ليس على هذا العمل إنما فيها الاجتهاد ولا شيء مؤقت، وجعل الشافعي فيها الحكومة في موضع آخر، ثم قال: وقد قضى به زيد بن ثابت في العين القائمة بمائة دينار فلعله قضى به على هذا المعنى -والله أعلم. ***

стр. 2360

الفصل السادس في دية أهل الذمة أخبرنا الشافعي: أخبرنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن ثابت عن سعيد ابن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف، وفي المجوسية بثمانمائة. [وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن صدقة بن يسار قال: أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن دية المعاهد فقال: قضى فيه عثمان بن عفان بأربعة آلاف. قال: فقلنا: فمن قبله؟ قال: فَحصَبَنا] (١). قال الشافعي: هم الذين سألوه آخرًا، وإنما أرادوا -والله أعلم- أن ابن المسيب كان يقول خلاف ذلك ثم رجع إلى هذا. ذكر الشافعي الروايتين الأولتين في كتاب "السير" وذكر الثالثة في كتاب "الديات". وقد رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر وعن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، عن عمر. وروي عن ابن مسعود مثل ذلك. قال الشافعي (٢): أمر الله -تعالى- في المعاهد يقتل خطأ بدية مسلمة إلى أهله، ودلت سنة رسول الله ﷺ على أن لا يقتل مؤمن بكافر مع ما فرق الله به بين المؤمنين والكافرين، فلم يجز أن يحكم على قاتله بدية ولا أن ينقص منها إلا

стр. 2361

بخبر لازم، وقضى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم ووصى عمر في دية المجوسي بثمانمائة درهم، ولم يعلم أحدا قال في دياتهم أقل من هذا، وقد قيل: أن دياتهم أكثر من هذا، فألزمنا قاتل كل أحد الأقل مما اجتمع عليه. وتفصيل المذهب: أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ولا فرق بين الذمي والمعاهد والمستأمن. وروي مثل ذلك عن عمر وعثمان وسعيد بن المسيب والحسن، وبه قال إسحاق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: مثل دية المسلم. وروى مثل ذلك عن ابن مسعود وبه قال علقمة والشعبي والنخعي والزهري ومجاهد والثوري. وقال مالك: يجب فيه نصف ديه المسلم. وبه قال عمر بن عبد العزيز وعروة ابن الزبير وعمرو بن شعيب. وقال أحمد: إن قتله عمدًا وجبت دية كاملة، وإن قتله خطأ وجب نصف دية. وأما دية المجوسي: فإنها ثلثا عشر دية المسلم أي نوع وجب منها، وذلك بالدراهم ثمانمائة درهم على أن دية المسلم اثنى عشر ألف درهم وبه قال مالك. وحكي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ديته دية اليهودي والنصراني. وقال أبو حنيفة: ديته دية المسلم وسواء كان له ذمة أو أمان فإن دمه محقون. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن يزيد، أخبرنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: دية كل معاهد في عهده ألف دينار. المعاهد -بكسر الهاء-: اسم فاعل من عاهد، وبفتحها اسم المفعول منه

стр. 2362

وكلاهما فاعل ومفعول من حيث اللفظ والمعنى، لأن المعاهد بالكسر معاهد بالفتح من جهة من عاهده وكذلك بالعكس. وقوله: "في عهده" يريد: في مدة العهد، قال: المعاهد إنما يكون إلى مدة معلومة فإذا انقضت زال عنه حكم المعاهدة وبقي الاسم مجازًا خاليًا من الحكم المختص بالمعاهدين، فإذا قيل معاهد في عهده فديته ثلث دية المسلم. وهذا الأثر أخرجه الشافعي في كتاب "الديات" (١) عن محمد بن الحسن، وكذلك حديث عثمان بن عفان وقد تقدم في فصل: قتل المسلم بالكافر ليجيب عنهما. قال الشافعي في حديث عثمان: هذا من حديث من يجهل فإن كان غير ثابت فدع الاحتجاج به، وإن كان ثابتًا فعليك فيه حكم ولك فيه آخر فقل به حتى تعلم أنك قد اتبعته على ضعفه -يريد: رجوعه عن قتل المسلم بالكافر- قال: فقد روينا عن الزهري: أن دية المعاهد كانت في عهد أبي بكر وعمر وعثمان دية مسلم تامة، حتى جعل معاوية نصف الدية في بيت المال. قلنا: فتقبل أنت عن الزهري إرساله فنحتج عليك بمرسله، قال: ما نقبل المرسل من أحد وإن الزهري لقبيح المرسل، قلنا: فإذا أبيت أن تقبل المرسل وكان هذا مرسلاً وكان الزهري قبيح المرسل عندك أليس قد رددته من وجهين؟. وقال الشافعي: الدية جملة لا دلالة على عددها في تنزيل الوحي، وإنما قبلنا عدد الدية مائة من الإبل عن النبي ﷺ ، وقبلنا عن عمر الذهب والورق إذ لم يكن عن النبي ﷺ عدد دية المسلم، وعن عمر دية غيره ممن يخالف الإسلام إذ لم يكن فيه عن النبي ﷺ شيء. ...

стр. 2363

الفصل السابع في دية الجنين أخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، أخبرنا الليث بن سعد، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها والعقل على عصبتها". وأخبرنا الشافعي قال: قال قائل: ما الخبر بأن النبي ﷺ قضى بالجنين على العاقلة؟ قيل: أخبرنا الثقة قال الربيع: هو يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. أخرج الرواية الأولى في كتاب "جراح العمد"، وأخرج الثانية في كتاب "الديات" (١) كما ذكرنا ولم يتعرض إلى لفظ الحديث فيها والحديث هو الرواية الأولى، وقد رواه البيهقي في كتابه عن الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة عبد أو وليدة. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك (٢): فأخرج الرواية التي ذكرها البيهقي. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن الليث. وأما مسلم (٤)، وأبو داود (٥)، والنسائي (٦): فأخرجوه عن قتيبة، عن الليث.

стр. 2364

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن ابن سعد الكندي، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ولهؤلاء الأئمة روايات كثيرة لهذا الحديث أطول من هذه. الجنين: الولد ما دام في بطن أمه فعيل بمعنى مفعول، والجمع الأجنة، وإنما سمي جنينا: لأنه مستور ببطن أمه من جننت الشيء إذا سترته. وقوله: "سقط ميتًا" يريد: خرج من بطن أمه ميتًا بضرب الأخرى لها ولذلك قوله: فطرحت جنينها. والغرة عند العرب: اسم يقع على أنفس شيء يهلك وأفضله فالفرس غرة مال الرجل، والعبد غرة ماله، والبعير النجيب غرة ماله، والأمة الفارعة غرة ماله. وقيل: الغرة عند العرب: العبد أو الأمة. قال الزهري: لم يفصل النبي ﷺ في جعله في الجنين غرة إلا جنسًا واحدًا من أجناس الحيوان وهو قوله: "عبد أو أمة" وغزة المال أفضله، وغزة القوم: سيدهم، والغرة: البياض في وجه الفرس. وروى عن أبي عمرو أنه قال في تفسير غرة الجنين: لا يكون الأبيض من الرقيق. والنبي ﷺ كنى بالغرة عن الجسم جميعه. والعبد والأمة مجروران لأنهما بدل من غرة، وقد روى "غرة عبد أو أمة" بإضافة الغرة إلى العبد والأول أشبه. والعصبة من الأقارب: من يرث مال الميت جميعه إذا انفرد كالأب والابن والأخ من الأب والأم والعم ونحو ذلك، أو يرث ما تبقى من المال بعد أخذ

стр. 2365

ذوى الفروض المقدرة فروضهم. والمراد بالعصبة ها هنا: العاقلة: وهم الذين تجب عليهم دية الخطأ. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الغرة الواجبة في الجنين هي بقدر نصف عشر الدية، وهو خمس عن الإبل، أو ستمائة درهم، أو خمسون دينارًا، وهذا التقدير إنما يعدل إليه عند عدم الغرة، ولا يجب في الجنين إن لم يسقط ميتًا فإن سقط حيًا ثم مات بسبب الجناية ففيه الدية الكاملة، وسواء ذكرًا أو أنثى بعد أن يكون قد بدا فيه التصوير والتخطيط. ووافق أبو حنيفة ومالك على تقدير الغرة بنصف عشر الدية، ولا اعتبار بنفاسة قيمة الغرة، إنما المعتبر السلامة عن العيوب التي توجب الرد في البيع. ومتى عدمت الغرة عدل إلى قيمتها خمس من الإبل، فإن لم توجد الإبل فعلى القديم: ينتقل إلى الذهب والدراهم، وعلى الجديد: إلى قيمة الإبل. والغرة ميراث لورثة الجنين، وأما دية القتيل فإنها ميراث لورثته، وعن علي -كرم الله وجهه- أنه قال: لا يرثها إلا العصبات الذين يعقلون الدية. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب "أن النبي ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة، فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم عن لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل؟! فقال النبي ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان". هذا حديث صحيح إلا أنه مرسل، أخرجه البخاري والنسائي ومداره على مالك، وقد أخرجه في الموطأ (١) هكذا مرسلاً، وأخرجه البخاري (٢) عن قتيبة عنه. وأخرجه النسائي (٣): عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.

стр. 2366

وهكذا الحديث المرسل هو رواية من جملة روايات حديث أبي هريرة وقد أرسله ابن المسيب، فقد جاء هذا الحديث عن المغيرة بن شعبة مبسوطًا أطول من هذا. الوليدة: الأمة فعيلة بمعنى مفعولة. والغرامة: أداء ما يلزمه أداؤه من مال وغيره. والاستهلال: البكاء والصياح، ويريد أنه إنما أخرج ميتا لأنه. قال أولاً: من لا شرب ولا أكل، وهذا من أوصاف الأحياء، ثم لما كان الولد قد يخرج حيًا ولا يأكل ولا يشرب ثم يموت أتبع ذلك بقوله: ولا نطق ولا استهل فإن من أدنى أوصاف الحي النطق أو الاستهلال، فإذا لم يوجد منه صوت ولا نطق كان أدل على أنه لم يخرج وفيه أدنى حياة. وقوله: "ومثل ذلك يطل" أي يهدر دمه يقال: طل دمه، وأطل دمه وطل دمه وهو قليل، وقد جاء في بعض الروايات: "ومثل ذلك بطل" بناء على أنه ما فعل ماض من البطلان والأول الوجه. والكهان: جمع كاهن وهو الذي يخبر عن الأشياء ظنًا وتخمينًا وحزرًا، فيصيب بعضًا ويخطئ أبعاضًا ويكون له قرين من الجن يخبره. وقد كان منهم في الزمان المتقدم جماعة كسطيح وشق وغيرهما. ومعنى قوله: "إنما هذا من إخوان الكهاه" وفي رواية أخرى: "أسجع كسجع الكهان؟! " من أجل سجعه الذي سجع فإنه لم يعجبه بمجرد السجع دون ما تضمن سجعه من الباطل، ضرب المثل بالكهان: لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، فيستميلون بها القلوب، ويستصغون إليها الأسماع، فأما إذا كان وضع السجع في موضعه من الكلام فلا ذم فيه، كيف وقد جاء ذلك في كلام النبي ﷺ كثيرًا.

стр. 2367

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار وابن طاوس عن طاوس أن عمر قال: "أذكر الله امرءًا سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي -يعني ضرتين-، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح خبائين فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة فقال عمر: لو لم نسمع بهذا لقضينا فيه بغير هذا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس أن عمر بن الخطاب ﵁ وذكر الحديث مثله وقال في آخره: إن كدنا نقضي في مثل هذا برأينا. أخرج الرواية الأولى في كتاب "الرسالة" (١)، والثانية في كتاب "جراح الخطأ" (٢) وأخرجه في الموضعين مرسلاً، وقد أخرجه أبو داود والنسائي هكذا مرسلاً، وأخرجاه مسندًا عن طاوس عن ابن عباس. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس مرسلاً وزاد فيه: بغرة عبد أو أمة. وفي أخرى: عن محمد بن مسعود المصيصي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس مسندًا. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد، عن عمرو، عن طاوس مرسلاً. وعن يوسف بن سعيد، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج مسندًا مثل أبي داود.

стр. 2368

الذكر: مصدر ذكرته أذكره: إذا أجريت اسمه على لسانك ثم اتسع فيه فاستعمل بمعنى المدح والذم، واستعمل بمعنى الطلب والسؤال والقسم، وفعل الذكر يتعدى إلى مفعول واحد تقول: ذكرت زيدًا بخير وأذكر عمروًا بشرٍ. فإن كانت اللفظة "أذكر" في الحديث مضارع "ذكر" وهمزتها مفتوحة كان التقدير في الكلام: أذكر بالله امرءًا أي: أسأله بالله وأنشده بالله ولأنه كان الذكر نطقًا والتشديد كذلك حمله عليه ويكون قد انتصب اسم الله تعالى بحذف حرف القسم. وإن كانت همزة "أذكر" مضمومة والكاف مكسورة وكانت مضارع "أذكرته" كانت متعدية إلى مفعولين وكان المعنى في الوجهين سواء، وهو تضمنها معنى المسألة والقسم. الجارة والضرة وقد فسرهما في الحديث. والمسطح: عود من عيدان الخباء. ومعنى الغرة وحكمها قد ذكرناه في حديث أبي هريرة قبل، هذا الحديث استدل به الشافعي في كتاب "الرسالة" على قبول خبر الواحد. قال: ففي هذا الخبر مسئلة عمر امرءًا ليقبل منه، وفيه أن قبله عن رجل ليس بطويل الصحبة ولم يتهم نجره، ولم ينكر أن يكون حمل بن مالك وعى شيئًا ابتلي به في خاصة نفسه ومن يعنيه، وسلم عمر لأمر رسول الله ﷺ ولم يتعنت المخبر إذ لم يتهمه، وقد قال: إنه لو لم يسمع هذا لقضى فيه بغيره، وكذلك قال في الرواية الأخرى: إن كدنا أن نقضي في هذا برأينا، فأدخل في خبر كاد وليس بالكثير.

стр. 2369

الفصل الثامن في ميراث الدية أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: "الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا". حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ كتب إليه أن يُورِّث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر بن الخطاب ﵁. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب: "أن النبي ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان أن يُورِّث امرأة أشيم الضبابي من ديته". قال ابن شهاب: وكان ابن أشيم قتل خطأ. هذا حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ والترمذي. أما مالك (١): فأخرجه عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى: من كان عنده علم من الدية أن يخبرني. فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إليَّ رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فقال له عمر: ادخل الخباء حتى آتيك. فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك فقضى بذلك عمر بن الخطاب. قال ابن شهاب: وكان قتل أشيم خطأ. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة وأبي عمار وغير واحد قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري بالإسناد واللفظ. العاقلة: هم الذين يؤدون العقل: وهو الدية من عصبة الجاني، وإنما سموا العاقلة: لأنهم يتحملون العقل وهو الدية.

стр. 2370

وقيل: لأنهم يعقلون القاتل أي: يمنعون عنه، والعقل: المنع. قال الشافعي: ولا أعلم أن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب، ولا يدخل فيهم الأب ولا الجد ولا الابن ولا ابن الابن، وإنما هو: الأخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، وأعمام الأب وبنوهم وما علا من ذلك. وقال أبو حنيفة ومالك: يدخل فيهم الأب والابن. وأما ميراث الدية فإنه كباقي الأموال يرثه من ميراث مال الميت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب "أن رجلاً من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بسيف فأصاب ساقه فنرى في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال عمر: اعدد لي على قُديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: ها أنا ذا. قال: خذها، قال رسول الله ﷺ : "ليس للقاتل شيء". هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) بهذا الإسناد واللفظ. قوله: "نزى في جرحه" بمعنى: نزف دمه إذا جرى ولم ينقطع. وقُديد: موضع بين مكة والمدينة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن القاتل لا يرث بكل حال عمدًا كان أو خطأ مكلفًا أو غير مكلف، قتله بحق أو بغير حق، مباشرة أو بسبب، وبالجملة فكيف ما أضيف القتل إليه. وقيل في القتل غير المضمون كالحد ثلاثة أقوال:- أحدها: يرث

стр. 2371

الثاني. والثالث: إن ثبت بإقراره ورث، وإن ثبت بنيته فلا يرث وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وأحمد. وقال ابن المسيب وعطاء ومالك والأوزاعي: إن كان عمدًا لم يرثه، وإن كان خطأ ورثه إلا من ديته. وقال أبو حنيفة: المباشر للقتل لا يرث إلا أن يكون صبيًا أو مجنونًا أو عادلًا قتل باغيا. والقاتل بسبب يرث إلا أن يكون راكب دابة فرفسته فإنه لا يرثه، ولما كان الأب في هذا الحديث قاتلاً، لم يورثه من دية ابنه وألزمه بها وأعطاها أخاه لأنه وارثه، فإن الأب لما لم يرثه بسبب القتل كان في حكم العدم فاستحق الميراث أخوه والله أعلم. وأخرج الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: أخبرنا عباد بن العوام قال: أخبرنا حجاج بن أرطاة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رجلاً قتل أخاه خطأ فلم يورثه. قال: ولا يرث قاتل شيئًا. قال: وأخبرنا أبو حنيفة: عن حماد، عن النخعي قال: لا يرث قاتل خطأ أو عمدا, ولكن يرث أولى الناس به بعده. قال الشافعي: وليس في الفرق أن يرث قاتل الخطأ ولا يرث قاتل العمد خبر يتبع إلا خبر رجل، فإنه لا يرفعه ولو كان ثابتًا لكانت الحجة فيه. ***

стр. 2372

الفصل التاسع في أحاديث متفرقة أخبرنا الشافعي: أخبرنا مروان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: لجأ قوم إلى خثعم فلما غشيهم المسلمون استعصموا بالسجود فقتلوا بعضهم، فبلغ النبي ﷺ فقال: "أعطوهم نصف العقل لصلاتهم" ثم قال بعد ذلك: "ألا إني بريء من كل مسلم مع مشرك" قالوا: لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما". هذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. أما الترمذي (١): فأخرجه عن هناد، عن أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم أن ينصف العقل وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: "لا تراءى ناراهما". قال الترمذي: وحدثنا هناد، عن عبدة، عن إسماعيل، عن قيس مثل حديث أبي معاوية ولم يذكر فيه جريرًا، وهذا أصح لأن أكثر أصحاب إسماعيل قالوا: عن قيس أن رسول الله ﷺ ولم يذكروا جريرًا. قال: وسمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: الصحيح حديث قيس مرسل. وأما أبو داود (٢): فأخرجه بإسناد الترمذي مثله وقال: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة ولم يذكروا جريرًا.

стр. 2373

وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن العلاء، عن أبي خالد، عن إسماعيل، عن قيس مرسلاً. لجأ: اللجأ إلى قوم: إذا احتمى بهم واستند إليهم. والغشيان: التغطية يريد: فلما علاهم المسلمون وأوقعوا بهم. والاستعصام: استفعال من عصمت فلانًا: إذا حميته ومنعت منه من يريده بأذى. والسجود: يريد به الصلاة، وذلك أن المسلمين لما وصلوا إلى حيث أمرهم النبي ﷺ من قصد هؤلاء الخثعميين، كان قد انضم إليهم جماعة من المسلمين يكونون عندهم، فلما رأوا المسلمين قد وصلوا إليهم وغشوهم أظهروا شعار الإسلام؛ فصلوا حتى يمتنع المسلمون من قتلهم إذا رأوهم يصلون فلم ينفعهم ذلك وأسرع فيهم القتل، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أمر أن يعطوا نصف ديتهم لصلاتهم، وإنما لم يكمل لهم الدية -وإن كانوا مسلمين-: لأنهم قد أعانوا على أنفسهم لمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره فسقطت حصة جنايته من الدية. قال الشافعي: إن كان هذا ثبت فأحسب النبي ﷺ أعطى من أعطى منهم تطوعًا، وأعلمهم أنه يرى كل مسلم مع مشرك في دار شرك ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود، وقد يكون هذا قبل نزول الآية -يعني قوله قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئاً﴾ (٢) فنزلت الآية بعد، وقد يكون إنما قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" يريد: يقيم مع مشرك فأسقط "يقيم" لدلالة مع عليه، فإن "مع" تفيد الاجتماع، وقد صرح بذلك في روايات الباقين. ومعنى براءته منه له وجهان:-

стр. 2374

أحدهما: البراءة من دمه وغرامة ديته. والثاني: البراءة منه في الدين والإبان على جهة التعظيم والإنكار لمقامه بينهم كقوله: "من شد علينا السلاح فليس منا". وهذا ومثاله كثيرًا ما يجيء في ألفاظه ﷺ ومقصده منها: التفظيع والإكبار لشأن هذا الأمر حتى يجتنب، وأن الإنسان إذا علم أنه بمخالفته يتبرأ منه ترك ذلك، وفيه دليل على أنه إذا كان أسيرا في أيديهم وأمكنه الخلاص منهم لا يحل له المقام بينهم. وقوله: "لا تراءى ناراهما" فيه وجوها من التأويل:- أحدهما: أن الله -تعالى- قد فرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها، فجعل الرؤية للنار ولا رؤية لها، فإن معنى "تراءى: ناراهما" -ترى نار هذا نار ذاك وإنما الغرض أن تدنوا هذه، يقال: داري تنظر إلى دار فلان أي: تقابلها. والثاني: أنه أراد الحرب تقول: هذه تدعوا إلى الله، وهذه تدعوا إلى الشيطان فكيف يتفقان؟ فكيف يساكنهم في بلادهم وهذه حال هؤلاء وهذه حال هؤلاء؟!. والثالث: أن معناه: لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله والعرب تقول: ما نار إبل أي: ما سمتها ومن ذلك قولهم: نارها ما بخارها أي: بسيمتها تدل على كرمها وعتقها، ومنه قول الشاعر: قد سقيت إبلهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار المعنى: أنهم يعرفون إبلهم بسيماتها التي يسمونها بها فيقدمونها في السقي

стр. 2375

على غيرها. والسمة إنما تكون بالحديدة التي تحمى بالنار ثم تكوى بها الإبل وغيرها. وقوله ﷺ هذا الجواب عاريًا من حرف التعليل مستعملاً على طريق التشبيه والتجوز والاتساع، فيه من الفصاحة والبلاغة والإشارة اللطيفة المعروفة من كلامه؛ ما ليس في ظهور ذلك في الخطاب يعرفه ممن كان ذا خاطر لمَّاح وذوق دراك والله أعلم. وتراءى بلفظ (١) الماضي وإنما هو فعل مستقبل قد حذف منه حرف التاء الواحدة تخفيفًا، تقديره: تتراءى وهذا فاش في العربية، وقد ذكرنا وجه ذلك فيما سبق من هذا الكتاب. وهذه "لا" نافية كأن "ترائي النارين أمر ثابت العدم مستقر في النفوس لا يقع، فأورد مورد النفي لذلك، ولو ذهب ذاهب إلى أنها ناهية لكان قولان والأول أشبه وأولى. وقد جاء في بعض روايات الحديث "ترايا"، وإنما الوجه "تراأى" لأنه من الرؤية والرؤية مهموزة، فأما إبدال الهمزة ياء فليس بالكثير؛ وإنما جاء إذا انكسر ما قبل الهمزة ساكنة كانت أو متحركة نحو: بئر وبير، فأما إذا لم ينكسر ما قبلها فإنما جاء شاذا، قالوا في قرأت: قريت، وفي أعصر اسم رجل: يعصر. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مطرف، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: كان أبو [حذيفة] (٢) بن اليمان شيخاً كبيرًا، فرفع [في] (٣) الآطام مع النساء يوم أحد فخرج يتعرض للشهادة، فجاء من ناحية المشركين فابتدره المسلمون فتوشَّقوه بأسيافهم وحذيفة يقول: أبي أبي، لا يسمعونه من شغل الحرب حتى

стр. 2376

قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فقضى النبي ﷺ فيه بديته. هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١) مسندًا عن عبيد الله بن سعيد عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون -هزيمة بينة عرفت فيهم، وقد كان انهزم منهم قوم حتى لحقوا بالطائف- فصرخ إبليس: أي عباد الله! أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأيه اليمان، فقال: أي عباد الله! أبي أبي، قال: فوالله ما اختجروا حتى قتلوه فقال حذيفة: يغفر لكم، قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله -تعالى-. ولم يذكر الدية. الآطام: جمع أطم وهو الحصن، مثل: أجم وآجام، وكان لأهل المدينة حصون إذا خافوا العدو، لجأوا إليها وتركوا فيها نساءهم وذراريهم وأموالهم. وقوله: "فخرج يتعرض للشهادة" يريد: القتل في سبيل الله يرجوا أن يقتل فيموت شهيدًا. وقوله: "فتوشقوه بأسيافهم" أي: قطعوه بها، وأصله من الوشيقة وهي اللحم المقدد، وقيل: هي اللحم يقطع ويغلى إغلاءة خفيفة حتى يبقي مدة لا يهلك. وقوله: "أخراكم" يريد وراءكم أي: ارجعوا إليه، وذلك أن إبليس -لعنه الله- لما رأى المشركين قد انهزموا صاح في المسلمين: يا عباد الله، وراءكم، يحذرهم فيوهمهم أن العدو وراءهم، فرجعت أولى المسلمين إلى ورائهم فاجتلدوا مع أخراهم، فصادفوا اليمان فقتلوه وهم يظنون أنه من المشركين وكان ذلك من لعنة إبليس. والاجتلاد: افتعال من الجلد يريد: القتال والمضاربة والاحتجاز،

стр. 2377

والانحجاز: الانفصال والترك، يريد: أنهم ما انفصلوا عن القتال حتى قتلوه. قال الشافعي: ولو اختلطوا في القتال فقتل بعض المسلمين بعضا فادعى القاتل أنه لم يعرف المقتول فالقول قوله مع يمينه ولا قود عليه وعليه الكفارة، ويدفع إلى أولياء المقتول ديته. وذكر هذا الحديث. وروي عن محمود بن لبيد أن النبي ﷺ أراد أن يَدِيَه فتصدق به حذيفة على المسلمين. ورواه موسى بن عقبة، عن الزهري، عن عروة فقال: ووداه رسول الله ﷺ . وأخرج الشافعي: فيما بلغه عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر "أن ناسًا حفروا بئرًا لأسد، فازدحم الناس عليها فتردى فيها رجل فتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، فعلق الآخر بآخر فجرحهم الأسد فأخرجوا منها فماتوا، فتشاجروا في ذلك حتى أخذوا السلاح، فقال علي ﵁: لم تقتلون مائتين من أجل أربعة؟ تعالوا فلنقض بينكم فإن رضيتم وإلا فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ ، قال: الأول ربع الدية، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة، وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا على البئر. فمنهم من رضي ومنهم من لم يرض، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ فقصوا عليه القصة وقالوا: إن عليًا قضى بكذا وكذا، فأمضى قضاء علي. قال الشافعي: وهم لا يقولون بهذا. أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي وهو مرسل (١). وأخرج الشافعي فيما بلغه عن ابن أبي زائدة، عن [مجالد] (٢)، عن الشعبي،

стр. 2378

عن علي أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة جارية ركبت جارية فعضتها (١) [جارية] (٢) فقمصت فوقصت المحمولة فاندقت عنقها فجعلها أثلاثا. قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، ويزعمون أن ليس على الموقوصة شيء، وأن ديتها على القارصة. أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف علي (٣). ...

стр. 2379

الفصل العاشر في جراح العبد أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه قال: عقل العبد في ثمنه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن ليث بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه قال: عقل العبد في ثمنه كجراح الحر في ديته. قال ابن شهاب: وكان رجال (١) سواه يقولون: يُقوَّم بسلعة. معنى قوله: عقل العبد في ثمنه: أن دية ما يستحقه من جراحه تكون بنسبة ثمنه كما أن جراح الحر بنسبة ديته. قال الشافعي في العبد يقتل: فيه قيمته بالغة ما بلغت. وتفصيل المذهب: أن جراح العبد مقدرة بقيمته، ففي يديه جميع القيمة، وفي يده نصف القيمة، وفي موضحته نصف عشر القيمة، وفي إصبعه عشر القيمة، كما قدرت هذه الجراحات في الجزء من ديته. وروي مثل ذلك عن عمر وعلي. وعن أبي حنيفة روايتان:- إحداهما: مثل الشافعي، والأخرى: أن ما كان فيه جمال كاللحية والحاجبين يجب فيه ما نقص من ثمنه والباقي مقدر. وقال محمد بن الحسن: يجب ما نقص. وقال مالك: يجب ما نقص إلا في الموضحة، والمنقلة، والمأمومة، والجائفة. ومعنى قوله: "يقيم بسلعة" أي يقال: كم قيمة هذا العبد مجروحًا؟ وكم قيمته سليمًا؟ فما نقص فهو الذي يجب فيه. وهذا هو مذهب محمد بن الحسن مطلقًا، وبعض مذهب أبي حنيفة ومالك.

стр. 2380

الباب الرابع في القسامة أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال (١) من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ابن أبي حثمة ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فتفرقا في حوائجهما، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير -أو عين- فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه. فذكر ذلك لهم فأقبل هو وأخوه حويصة -وهو أكبر منه- وعبد [الرحمن] (٢) بن سهل -أخو المقتول- فذهب محيصة يتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله ﷺ لمحيصة: "كبر كبر" يريد السن, فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" فكتب إليهم رسول الله ﷺ ، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"؟ قالوا: لا، قال: "فتحلف [يهود] (٣)؟ قالوا: لا، ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، فقال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي ليلى بالإسناد أن رسول الله ﷺ قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"؟ قالوا: لا، قال: "فتحلف يهود". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان والثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن

стр. 2381

يسار، عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ بدأ بالأنصاريين فلما لم يحلفوا رد الأيمان على يهود. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى، عن بشير بن يسار عن النبي ﷺ بمثله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير، عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل، فانطلق هو وعبد الرحمن -أخو المقتول- وحويصة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له قتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : "تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قاتلكم -أو صاحبكم-"؟ فقالوا: يا رسول الله، لم نشهد ولم نحضر فقال رسول الله ﷺ : "قتبرئكم اليهود بخمسين يمينا" قالوا: يا رسول الله، كيف نقبل أيمان قوم كفروا؟ فزعم أن النبي ﷺ عقله من عنده، قال بشير بن يسار لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا. أخرج الرواية الأولى في كتاب "القسامة" (١) والأطراف الثلاثة التي تليها في كتاب "اختلاف الحديث" (٢). وأخرج الخامسة في كتاب "اليمين مع الشاهد" (٣)، وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (٤): فأخرج الرواية بإسنادها ولفظها، وقال فيه: أخبره في رجال من كبار قومه. وأخرج الرواية الرابعة: عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار وذكر

стр. 2382

الحديث بطوله نحو الأولى. وقد رواه جماعة عن مالك كما رواه الشافعي منهم: عبد الله بن يوسف وابن وهب ومعن وغيرهم أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه. ورواه غيرهم عن مالك: أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه. وأما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، عن سهل. وعن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد. وعن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد. وعن إسماعيل وابن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى، بن سعيد، عن بشير. وعن القواريري، عن حماد بن زيد، عن يحيى عن بشير، عن سهل ورافع ابن خديج. وعن القواريري أيضًا، عن بشر بن المفضل، عن يحيى. وعن الناقد، عن ابن عيينة، وعن [ابن] (٣) مثنى، عن عبد الوهاب كليهما عن يحيى. وعن إسحاق بن منصور، عن بشر بن عمر عن مالك. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن مالك.

стр. 2383

وفي أخرى: عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن عبيد، عن حماد ابن زيد، عن يحيى، عن بشير، عن سهل ورافع بن خديج. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى، عن بشير، عن سهل. قال يحيى: وحسبت عن رافع بن خديج. وأما النسائي (٢): فأخرجه بإسناد أبي داود الأول عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن مالك. وذكر الحديث بطوله. قال الشافعي: وكان سفيان يحدثه هكذا، وإنما قال: لا أدري أبدأ بالأنصاريين أم يهود، فيقال له: إن الناس يحدثون أنه بدأ بالأنصاريين قال: فهو ذاك وربما حدثه ولم يشك فيه. وأخرج المزني: عن الشافعي، عن مالك، عن يحيى، عن بشير وذكر الحديث بطوله وبدأ فيه بالأنصاريين. الكبراء: أي جمع كبير مثل: شريف وشرفاء. والجهد بالفتح: المشقة والحاجة. والفقير: يخرج الماء من القناة، والفقير أيضًا: حفير يحفر حول الفسلة إذا غرست، والأول المراد. والعين: عين الماء. وقوله: "كبرِّ كبرِّ" يريد ليبدأ الأكبر بالكلام، لأن حويصة كان أكبر سنًا من محيصة، وقد جاء في رواية أخرى: "الكُبْر الكُبْر" بضم الكاف وسكون الباء. وقوله: "يريد السن" أي: الكبير في العمر. وقوله: "فوداه من عنده" أي أعطى ديته، ويشبه أن يكون إنما وداه

стр. 2384

رسول الله ﷺ من قبل العهد الذي جعله ليهود، فلم يحب أن يبطله ولم يحب أن يهدر دم القتيل فوداه من عنده؛ وتحمل الدية للإصلاح. وقوله: "إما أن تدوا صاحبكم" فيه دليل أن الواجب بالقسامة الدية. وقوله: "أو تؤذنوا بحرب" يريد: أنهم إذا وجبت عليهم الدية ولم يؤدوها نقضوا العهد؛ كما إذا امتنعوا من أداء الجزية. قاله الخطابي. والركض ها هنا يريد به: الرَمَح والرفس. وقوله: "فتستحقون دم صاحبكم" يريد به قيمته التي هي الدية، لأنهم يستحقون الدية بسبب الدم. وقوله: "فتبرئكم يهود" يعني: أنهم إذا حلفوا خمسين يمينًا ويبرئوا من الدم، تقول: برئت منك ومن الدين والغيب أبرأ وأبرأت غيري أبرئه، وأبرأته أبرئه إبراء وتبرئة. والفريضة: الواحدة من الإبل، فكأنه مأخوذ من فرائض الزكاة، فإن كل سن من أسنان الإبل يسمى فريضة. والمربد: موقف الإبل. والذي ذهب إليه الشافعي في القسامة: أنه إذا وجد قتيل في موضعه وادعى وليه على رجل بعينه أنه قتله أو على جماعة، نظرت: فإن كان للمدعي بينة على دعواه وكان القتل عمدًا وجب القصاص، وإن كان خطأ وجبت الدية، وإن لم تكن بينة نظرت: فإن لم يكن له لوث -واللوث: أمر ظاهر يشهد بالدعوى- كما إذا وجد قتيل في محلة قوم أو قرية بينه وبينهم عداوة ولا يختلط بهم غيرهم؛ فالقول مع عدم البينة قول المدعى عليه؛ فإن حلف سقطت الدعوى، وإن نكل حلف المدعي يمينًا واحدة، وقيل: خمسين يمينًا فإذا حلف المدعي مع النكول وجب له القصاص إن كان ادعى العمد قولًا واحدًا، فإن كان مع الدعوى لوث فإنه يبدأ بيمين المدعي. وبه قال ربيعة ومالك والليث

стр. 2385

وأحمد وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: إذا وجد قتيل في موضع فادعى وليه على رجل بعينه أو جماعة بأعيانهم، كان للولي أن يختار من الموضع خمسين رجلاً يحلفون خمسين يمينًا: والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله، فإن نقصوا عن الخمسين كرر الأيمان حتى تتم خمسين، فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة، فإن لم يكن وجبت على سكان الموضع، فإن لم يحلفوا حبسوا -يعني يحلفوا أو يقروا. وقال الشافعي: إذا بديء بيمين المدعي إن كان دعوى القتل خطأ محضًا وكان معه لوث فإنه يحلف خمسين يمينا، فإن كان اللوث شاهد عدل فإن المدعي يحلف يمينًا، ويستحق الدية مخففة مؤجلة على العاقلة، وإن ادعى عمد الخطأ فكذلك، وإذا لم يكن شاهد حلف خمسين يمينًا؛ وتكون الدية على العاقلة مغلظة مؤجلة، وإن ادعى عمدًا محضًا فإنه يحلف خمسين يمينًا؛ سواء كان معه شاهد عدل أو لم يكن، لأن العمد المحض لا يثبت بالشاهد واليمين، فإذا حلف وجد له القود. قاله في القديم وبه قال ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث وأحمد وأبو ثور. وقال في الجديد: تجب الدية مغلظة حالة في مال القاتل. وبه قال ابن العباس ومعاوية والحسن البصري وأبو حنيفة والثوري وإسحاق. وجه القول الأول: قوله: "فتستحقون دم صاحبكم" يريد: دم القاتل لأن دم صاحبكم استحقاقه متحقق، ويعضده ما جاء في الرواية الأخرى: "أو قاتلكم". ووجه الجديد: أن يمينه المدعى إنما مبناها على غلبة الظن وحكم بظاهر الأمر ولا يجب الدم بذلك، بل كان دخول الأيمان في القسامة احتياطًا للدم.
следующие страницы →