← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

يسار، عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ بدأ بالأنصاريين فلما لم يحلفوا رد الأيمان على يهود. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى، عن بشير بن يسار عن النبي ﷺ بمثله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير، عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل، فانطلق هو وعبد الرحمن -أخو المقتول- وحويصة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له قتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : "تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قاتلكم -أو صاحبكم-"؟ فقالوا: يا رسول الله، لم نشهد ولم نحضر فقال رسول الله ﷺ : "قتبرئكم اليهود بخمسين يمينا" قالوا: يا رسول الله، كيف نقبل أيمان قوم كفروا؟ فزعم أن النبي ﷺ عقله من عنده، قال بشير بن يسار لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا. أخرج الرواية الأولى في كتاب "القسامة" (١) والأطراف الثلاثة التي تليها في كتاب "اختلاف الحديث" (٢). وأخرج الخامسة في كتاب "اليمين مع الشاهد" (٣)، وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (٤): فأخرج الرواية بإسنادها ولفظها، وقال فيه: أخبره في رجال من كبار قومه. وأخرج الرواية الرابعة: عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار وذكر

стр. 2382

الحديث بطوله نحو الأولى. وقد رواه جماعة عن مالك كما رواه الشافعي منهم: عبد الله بن يوسف وابن وهب ومعن وغيرهم أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه. ورواه غيرهم عن مالك: أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه. وأما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، عن سهل. وعن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد. وعن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد. وعن إسماعيل وابن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى، بن سعيد، عن بشير. وعن القواريري، عن حماد بن زيد، عن يحيى عن بشير، عن سهل ورافع ابن خديج. وعن القواريري أيضًا، عن بشر بن المفضل، عن يحيى. وعن الناقد، عن ابن عيينة، وعن [ابن] (٣) مثنى، عن عبد الوهاب كليهما عن يحيى. وعن إسحاق بن منصور، عن بشر بن عمر عن مالك. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن مالك.

стр. 2383

وفي أخرى: عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن عبيد، عن حماد ابن زيد، عن يحيى، عن بشير، عن سهل ورافع بن خديج. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى، عن بشير، عن سهل. قال يحيى: وحسبت عن رافع بن خديج. وأما النسائي (٢): فأخرجه بإسناد أبي داود الأول عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن مالك. وذكر الحديث بطوله. قال الشافعي: وكان سفيان يحدثه هكذا، وإنما قال: لا أدري أبدأ بالأنصاريين أم يهود، فيقال له: إن الناس يحدثون أنه بدأ بالأنصاريين قال: فهو ذاك وربما حدثه ولم يشك فيه. وأخرج المزني: عن الشافعي، عن مالك، عن يحيى، عن بشير وذكر الحديث بطوله وبدأ فيه بالأنصاريين. الكبراء: أي جمع كبير مثل: شريف وشرفاء. والجهد بالفتح: المشقة والحاجة. والفقير: يخرج الماء من القناة، والفقير أيضًا: حفير يحفر حول الفسلة إذا غرست، والأول المراد. والعين: عين الماء. وقوله: "كبرِّ كبرِّ" يريد ليبدأ الأكبر بالكلام، لأن حويصة كان أكبر سنًا من محيصة، وقد جاء في رواية أخرى: "الكُبْر الكُبْر" بضم الكاف وسكون الباء. وقوله: "يريد السن" أي: الكبير في العمر. وقوله: "فوداه من عنده" أي أعطى ديته، ويشبه أن يكون إنما وداه

стр. 2384

رسول الله ﷺ من قبل العهد الذي جعله ليهود، فلم يحب أن يبطله ولم يحب أن يهدر دم القتيل فوداه من عنده؛ وتحمل الدية للإصلاح. وقوله: "إما أن تدوا صاحبكم" فيه دليل أن الواجب بالقسامة الدية. وقوله: "أو تؤذنوا بحرب" يريد: أنهم إذا وجبت عليهم الدية ولم يؤدوها نقضوا العهد؛ كما إذا امتنعوا من أداء الجزية. قاله الخطابي. والركض ها هنا يريد به: الرَمَح والرفس. وقوله: "فتستحقون دم صاحبكم" يريد به قيمته التي هي الدية، لأنهم يستحقون الدية بسبب الدم. وقوله: "فتبرئكم يهود" يعني: أنهم إذا حلفوا خمسين يمينًا ويبرئوا من الدم، تقول: برئت منك ومن الدين والغيب أبرأ وأبرأت غيري أبرئه، وأبرأته أبرئه إبراء وتبرئة. والفريضة: الواحدة من الإبل، فكأنه مأخوذ من فرائض الزكاة، فإن كل سن من أسنان الإبل يسمى فريضة. والمربد: موقف الإبل. والذي ذهب إليه الشافعي في القسامة: أنه إذا وجد قتيل في موضعه وادعى وليه على رجل بعينه أنه قتله أو على جماعة، نظرت: فإن كان للمدعي بينة على دعواه وكان القتل عمدًا وجب القصاص، وإن كان خطأ وجبت الدية، وإن لم تكن بينة نظرت: فإن لم يكن له لوث -واللوث: أمر ظاهر يشهد بالدعوى- كما إذا وجد قتيل في محلة قوم أو قرية بينه وبينهم عداوة ولا يختلط بهم غيرهم؛ فالقول مع عدم البينة قول المدعى عليه؛ فإن حلف سقطت الدعوى، وإن نكل حلف المدعي يمينًا واحدة، وقيل: خمسين يمينًا فإذا حلف المدعي مع النكول وجب له القصاص إن كان ادعى العمد قولًا واحدًا، فإن كان مع الدعوى لوث فإنه يبدأ بيمين المدعي. وبه قال ربيعة ومالك والليث

стр. 2385

وأحمد وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: إذا وجد قتيل في موضع فادعى وليه على رجل بعينه أو جماعة بأعيانهم، كان للولي أن يختار من الموضع خمسين رجلاً يحلفون خمسين يمينًا: والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله، فإن نقصوا عن الخمسين كرر الأيمان حتى تتم خمسين، فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة، فإن لم يكن وجبت على سكان الموضع، فإن لم يحلفوا حبسوا -يعني يحلفوا أو يقروا. وقال الشافعي: إذا بديء بيمين المدعي إن كان دعوى القتل خطأ محضًا وكان معه لوث فإنه يحلف خمسين يمينا، فإن كان اللوث شاهد عدل فإن المدعي يحلف يمينًا، ويستحق الدية مخففة مؤجلة على العاقلة، وإن ادعى عمد الخطأ فكذلك، وإذا لم يكن شاهد حلف خمسين يمينًا؛ وتكون الدية على العاقلة مغلظة مؤجلة، وإن ادعى عمدًا محضًا فإنه يحلف خمسين يمينًا؛ سواء كان معه شاهد عدل أو لم يكن، لأن العمد المحض لا يثبت بالشاهد واليمين، فإذا حلف وجد له القود. قاله في القديم وبه قال ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث وأحمد وأبو ثور. وقال في الجديد: تجب الدية مغلظة حالة في مال القاتل. وبه قال ابن العباس ومعاوية والحسن البصري وأبو حنيفة والثوري وإسحاق. وجه القول الأول: قوله: "فتستحقون دم صاحبكم" يريد: دم القاتل لأن دم صاحبكم استحقاقه متحقق، ويعضده ما جاء في الرواية الأخرى: "أو قاتلكم". ووجه الجديد: أن يمينه المدعى إنما مبناها على غلبة الظن وحكم بظاهر الأمر ولا يجب الدم بذلك، بل كان دخول الأيمان في القسامة احتياطًا للدم.

стр. 2386

وفي هذا الحديث من الفقه:- أن الدعوى في القسامة مخالفة لسائر الدعاوى بتقديم يمين المدعي. وفيه: أن الحكم بين المسلم والذمي كالحكم بين المسلمين في الاحتساب بيمينه والاكتفاء بها، وأن يمين المشرك مسموعة على المسلمين كيمين المسلم عليه. وقال مالك: لا تسمع أيمانهم على المسلمين كشهادتهم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب أن رجلاً من بني سعد بن ليث أجرى فرسًا فوطئ على إصبع رجل من جهينة فنزى منها فمات، فقال عمر للذين ادعى عليهم: يحلفون بالله خمسين يمينًا ما مات منها، فأبوا وتحرجوا من الأيمان وقال للآخرين: احلفوا أنتم فأبوا. هكذا أخرج الحديث في كتاب "اليمين مع الشاهد" (١) ولم يتمه، وقد جاء عامته في كتاب "السنن" (٢) للبيهقي قال: فقضى عمر بن الخطاب بشطر الدية على السعديين. نزى ونزف بمعنًى، تقول: أصابه جرح فنزى منه فمات أي: نزف منه الدم فمات. والتحرج: تفعل من الحرج وهو: الإثم أي: امتنعوا من اليمين خوفًا من الوقوع في الإثم. وهذا الحديث أورده لبيان تقديم المدعى عليه في القسامة، وأنه قد خالف فيه. قال البيهقي: ولو سمع عمر ﵁ قضاء رسول الله ﷺ ما جاوزه إلى غيره، كما روينا عنه في كل ما بلغه عن النبي ﷺ مما لم يسمعه. قد أخرج الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن الشعبي أن عمر

стр. 2387

ابن الخطاب كتب في قتيل وجد ما بين خيوان وادعة: أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلاً حتى يوافوه بمكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وفت أموالنا أيماننا، ولا أيماننا أموالنا، فقال عمر: كذلك الأمر. قال الشافعي: وقال غير سفيان عن عاصم الأحول، عن الشعبي قال عمر بن الخطاب: حقنتم بأموالكم دماءكم، ولا يطل دم امرئ مسلم. قال الشافعي: هذا إنما رواه الشعبي، عن الحارث الأعور. والحارث مجهول، ونحن نروي عن رسول الله ﷺ بالإسناد الثابت أنه بدأ بالمدعين فلما لم يحلفوا قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" وإذ قال: "تبرئكم" فلا يكون عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصار اليمين وداه النبي ﷺ ، ولم يجعل على يهود والقتيل بين أظهرهم ميتًا. قال المزني: سمعت ابن عبيد يقول: سمعت الشافعي ﵁ يقول: سافرت إلى خيوان وادعة أربعة عشر سفرًا، أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل وأحكي لهم ما روي عنه، فقالوا: إن هذا لشيء ما كان ببلدنا قط، قال الشافعي: والعرب أحفظ شيء لأمر كان. ***

стр. 2388

الباب الخامس في الساحر أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يا عائشة، أما علمت أن الله أفتاني في أمر استفتيته فيه" -وقد كان رسول الله ﷺ مكث كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن "أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي والآخر عند رأسي، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: وفيم؟ قال: في جف طلعة ذكر في مشط ومشاقة تحت رعونة -أو رعوفة- شك الربيع في بئر ذروان" قال: فجائها رسول الله ﷺ فقال: "هذه التي أريتها كأن رءوس نخلها رءوس الشياطين، وكأن ماءها نقاعة الحناء" فأمر بها رسول الله ﷺ فأخرج، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، فهلا -قال سفيان: يعني تنشرت- قالت عائشة: فقال: "أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على الناس منه شرًا" قالت: ولبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف ليهود. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم. أما البخاري (١): فأخرجه عن الحميدي وعبد الله بن محمد، عن سفيان. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام. قوله: "أفتاني في أمر استفتيته فيه" يريد: أعلمني بما استعلمته منه وأجاب سؤالي في تعريفي بما أنا فيه.

стр. 2389

والمطبوب: المسحور، وسمي بذلك: تفاؤلاً بالطب الذي هو العلاج كما قيل للديغ: سليم تفاؤلا بالسلامة. وجف الطلعة: هو غلافها الأصفر الذي يكون فيه العزق قبل أن ينشق منه. وقد جاء في لفظ الحديث: "تحت رعوفة" والمعروف وهو الذي جاء في رواية البخاري ومسلم: "راعوفة" وهي صخرة تجعل في أسفل البئر إذا حفرت تكون ثابتة هناك؛ فإذا أرادوا تنقيتها جلس المنقي عليها. وقيل: هي حجر يأتي في بعض البئر يكون صلبًا لا يمكنه حفره فيتركونه على حاله. ويقال: هو حجر يكون على رأس البئر يقوم عليه المستقي عليها. والأول أشبه ويقال لها: "أرعوفة" فأما زعوبة أو رعوفة فلم أجده. والمشط: معروف. والمشاقه: ما يسقط من تسريح الكتان والإبريسم ونحوهما. وبئر ذوران، ويروى: بئر ذي أروان: بئر في بني زريق بالمدينة. ونقاعة الحناء: هو الماء الذي ينقع فيه الحناء فيصير لونه أحمر وقولها: فقلت: يا رسول الله، فهلا: قد فسره سفيان بقوله: تنشرت والتنشر والانتشار من النشرة وهي كالعودة والرقية، وإذا نشر المطبوب فكأنما نشط من عقال. وقد جاء في رواية غير سفيان: "أفلا أخرجته"؟ مفسرًا وهو أشبه بقوله: "كره أن أثير على الناس منه شرا". وأخبرنا الشافعي -وفي نسخة- أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة يقول: كتب عمر ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر.

стр. 2390

قال: وأخبرنا أن حفصة -زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها. المعنى الأول من هذا الحديث طرف من حديث طويل قد أخرجه أبو داود (١): عن مسدد، عن سفيان، عن عمرو. وأنه سمع بجالة يحدث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية -عم الأحنف بن قيس- إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة. فقتلنا في يوم ثلاث سواحر، وفرقنا بين كل رجل من المجوس وحريمه في كتاب الله -تعالى- وصنع طعامًا كثيرًا فدعاهم فعرض السيف على فخذه فأكلوا ولم يزمزموا، وألقوا وقر بغل أو بغلين من الورق، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. قوله في الحديث: وأخبرنا، من كلام الشافعي أي: قال الشافعي: وأخبرنا أن حفصة. وسياق الكلام يوهم أنه من كلام بجالة وليس كذلك. قال الشافعي: وأمر عمر أن يقتل السحار -والله أعلم- إن كان السحر كما وصفنا شركًا وكذلك أمر حفصة، فأما بيع عائشة الجارية التي سحرتها ولم تأمر بقتلها؛ فيشبه أن تكون لم تعرف ما السحر فباعتها؛ لأن لها بيعها عندنا وإن لم تسحرها, ولو أقرت عند عائشة أن السحر شرك ما تركت قتلها إن لم تتب، أو دفعتها إلى الإمام ليقتلها -إن شاء الله تعالى-. قال: وحديث عائشة عن النبي ﷺ عن أحد هذه المعاني عندنا والله أعلم. وتفصيل المذهب: أن السحر عند الشافعي له حقيقة، وقد يتغير المسحور به عن عادته ويمرض ويموت، ويفرق بين المرء وزوجه، ويجوز أن يكون السحر

стр. 2391

قولاً وفعلاً، وقال قوم: لا حقيقة وإنما هو تخييل. وتعليم السحر وتعلمه حرام، وإذا تعلمه إنسان: فإن فيه ما يوجب الكفر فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر ثم اعتقد إباحته كان كافرًا، وإن لم يعتقد حله فهو فاسق بذلك. وقال مالك: تعلمه وتعليمه كفر، وإذا تاب لا تقبل توبته، فإن سحر رجلاً فمات سئل عن سحره فإن قال: سحري يقتل غالبًا وقد قتلته به. وإن قال: الغالب على سحري السلامة قال: هذا سحر خطأ ففيه الدية مغلظة في ماله لأنه ثبت بإقراره، والعاقلة لا تحمل الإقرار. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه القود لأنه لم يقتل بحديدة، فإن تكرر ذلك منه قتل لأنه من السعي في الأرض بالفساد. والزمزمة: صوت خفي لا يفهم النطق به تقوله المجوس عند أكلهم الطعام. وقوله: "فألقوا وقر بغل أو بغلين من الورق" يريد: حمل بغل أو بغلين من أخلة الفضة فإنهم كانوا يأكلون بالأخلة المتخذة من الفضة والله أعلم.

стр. 2392

كتاب الحدود وفيه سبعة أبواب الباب الأول قتال أهل البغي قال الربيع: قال الشافعي ﵁: قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (١) الآية. قال الشافعي: فذكر الله اقتتال الطائفتين، والطائفتان الممتنعتان وأمرنا بالإصلاح بينهم، فحق أن لا يقاتلوا حتى يُدعوا إلى الصلح، وأمر بقتال الباغية وهي مسماة باسم الإيمان حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت لم يكن لأحد قتالها، والفيء: الرجعة عن القتال كالهدنة أو التوبة أو غيرها، وأمر إن فاءت أن يصلح بينهما بالعدل ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، فأشبه هذا -والله أعلم- أن تكون التباعات في الدماء والجراح وما فات من الأموال ساقطًا بينهم، وقد يحتمل أن يصلح بينهم بالحكومة إذا كانوا قد فعلوا ما فيه حكم، فيعطي بعضهم من بعض ما وجب له لقول الله : "بالعدل" والعدل: أخذ الحق لبعض الناس من بعض قال: وإنما ذهبنا إلى أن القود ساقط والآية تحتمل المعنيين: لأنه: أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر بن راشد، عن الزهري قال: أدركت الفتنة الأولى في أصحاب النبي ﷺ فكانت فيها دماء وأموال، فلم يقتص فيها من دم ولا مال ولا قرحٍ أصيب بوجهة التأويل، إلا أن يوجد مال رجل بعينه فيدفع إلى صاحبه.

стр. 2393

وهذا الحديث رواه يونس، عن الزهري وقال: أدركت -يعني: تلك الفتنة- رجالاً ذوي عدد من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد بدرًا، وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة. قال الشافعي: وروي عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن ابن الحسين قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال: ما رأيت أحداً أكرم غلبة من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل [مدبر] (١) ولا يذفف على جريح. قال الشافعي: هكذا ذكرت هذا الحديث للدراوردي فقال: ما احتفظ بعجب من حفظه هكذا. قال الدراوردي: أخبرنا جعفر، عن أبيه: أن عليًا كان لا يأخذ سلبًا، وإن كان يباشر القتال بنفسه وأنه كان لا يذفف على جريح ولا يقتل مدبرًا. ورواه في القديم عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر. وأخرج الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي فاختة أن عليًا أتي بأسير يوم صفين فقال: لا تقتلني صبرا، فقال علي ﵁: إني لا أقتلك صبرًا، إني أخاف الله رب العالمين فخلى سبيله، ثم قال: أفيك خير تبايع؟. قال الشافعي: والحرب يوم صفين قائمة ومعاوية يقاتل جادا في أيامه كلها منتصفا أو مستعليا، وعلي يقول لأسير من أصحاب معاوية: لا أقتلك صبرا، إني أخاف الله رب العالمين، وأنت تأمر بقتل مثله!! يريد من كلَّمه في هذه المسألة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر، عن أبيه أن عليًا قال

стр. 2394

في ابن ملجم بعدما ضربه: أطعموه واسقوه وأحسنوا أساره، فإن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا. الإسار -بكسر الهمزة-: الأسر. وولي الدم: متولي أمره أي: أنا الذي أتولى أمر دمي. والاستقادة: أخذ القود وهو القصاص. ومثلت بالقتيل -مخففًا-: إذا جدعت أطرافه وشوهت خلقته، تقول: مثلت به أمثل، وأما مثلت -بالتشديد- فللتكثير. وفي هذا الحديث من حسن الأدب وشرف الأخلاق؛ ما هو جدير أن يصدر عن مثل علي -كرم الله وجهه- فأولها: أنه قال: "أطعموه واسقوه" فقدم ما هو الأهم الذي به قوام الروح والحياة مثل: الطعام والشراب الذي لا غناء عنه، ثم ثنى بقوله: "وأحسنوا أساره" أي: ارفقوا به والطفوا له، ولا تضيقوا شده وحبسه، ولا تسيئوا الصنيع به، لعلمه بما عندهم من الحنق عليه والغيظ منه، ثم إنه علل هذا القول بقوله: "فإن عشت فأنا ولي دمي" أي: إني أرجو الحياة وفي روح وربما برأت، وحينئذ يكون أمر دمي إليَّ لا إليكم، فاوقع في أسماعهم وأثبت في أنفسهم أنه ممن يرجو الحياة، حتى لا يكونوا يبطشون بابن ملجم يعجلون عليه ويخالفونه في وصيته به ورفقهم بشأنه، لما غلب على ظنهم أن عليًا لا يبرأ من ضربته تلك. وهذا من ألطف أبواب الرحمة حتى إنه ربما بطشوا به وعجلوا عليه؛ بما كانوا عليه من الأنفس الأبية والنخوة العربية بطلب الأوتار ودرك الثأر، ولذلك قال لهم: "فإن عشت أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت" فجعل الأمر مترددًا بين العفو والقود ليكون جامعًا للحالين. ثم قال لهم تسكينًا يريهم: "وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا به" أي: لا يحملكم الغيظ على المثلة به وتشويه خلقته، وهذا غاية في الرفق والإحسان؛ أن يوصيهم

стр. 2395

بسلوك ألطف الطرق في أخذ القصاص بعد موته. وقوله: "فإن مت فقتلتموه" ولم يقل: "فاقتلوه" تلقينا لهم وتحسينا إليهم أن أمر قتله بعد موتي والعفو عنه إليكم؛ فإن وجد منكم أحد الأمرين الجائزين لكم وهو القتل فلا تمثلوا أي: كونوا كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١)، وأخذًا بقوله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" فكرم الله وجهه في أكرم أخلاقه، وأشرف أعراقه، وألطف ألفاظه، وأصلح أغراضه. هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "أهل البغي" مستدلاً به على أن الباغي إذا لم تكن له جماعة يمنعونه وطائفة قائلة بقوله يصدون عنه، فإنه يقاد منه. ونحن نذكر المذهب فيه مفصلاً وإنما يثبت حكم البغاة لمن خرج عن طاعة الإمام بثلاث شرائط:- إحداها: أن يكون لهم كثرة ومنعة تحتاج في لقائهم إلى جمع الجيش، فأما إذا كانوا أعدادًا لا تحتاج إلى ذلك معهم فإنهم قطاع الطريق، يدل على ذلك حديث علي- كرم الله وجهه- وابن ملجم- لعنه الله. قال الشافعي: قتل ابن ملجم عليًا متأولاً فأقيد به، فلم يثبت لفعله حكم البغاة ولأنا لو أثبتنا للواحد والعدد حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه؛ أدى إلى إتلاف أموال الناس بغير ضمان، [ولو] (٢) لم يكن لعلي -كرم الله وجهه- القود من ابن ملجم لقال لولده: لا تقتلوه فإنه متأول، قال: وقتله الحسن بن علي، وفي الناس بقية من أصحاب رسول الله ﷺ لا يعلم أحدا أنكر قتله ولا عابه؛ ولا خالف في أن يقتل إذا لم تكن جماعة يمتنع بمثلها. قال: ولم يقر علي -ولا أبو بكر قبله- ولي من قتله الجماعة الممتنعة مثلها على التأويل كما وصفنا ولا على الكفر.

стр. 2396

والشريطة الثانية: الخروج عن قبضة الإمام. والشريطة الثالثة: أن يكون لهم تأويل سائغ، وهو أن تقع لهم شبهة يعتقدون به الخروج عن طاعة الإمام. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عون، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله ﷺ قال: "ومن قتل دون ماله فهو شهيد". هكذا أخرجه في كتاب "جراح العبد"، وعاد أخرجه في كتاب "قتال أهل البغي" (١) بالإسناد المذكور وأسقط الواو التي قبل "من". هذا طرف من حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. أما أبو داود (٢): فأخرجه عن هارون بن عبد الله، عن أبي داود [عن إبراهيم ابن سعد، عن أبيه، عن أبي عبيدة] (٣) بن محمد بن عمار بن ياسر، عن طلحة بن عبد الله، عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمه، أو دون دينه فهو شهيد". وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن عبد [ابن] (٥) حميد، عن يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، عن أبيه مثل أبي داود قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد". وأما النسائي (٦): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة، عن سفيان بإسناد الشافعي.

стр. 2397

ولفظة الواو التي في قوله: "ومن" عاطفة إحدى الجمل على غيرها من جمل الحديث التي جاءت في رواية أبي داود والترمذي، فكأن الشافعي قد روى الحديث وكان هذا البعض في روايته غير مبتدأ به، فاحتاج إلى واو العطف كما احتاج إليها غيرها من الجمل الباقية. والشهيد: هو القتيل في سبيل الله مجاهدًا، والشهادة القتل فيها، وإنما سمي القتيل شهيدًا: لأن الله -تعالى- وملائكته شهود له بالجنة، وقيل: لأنه من يستشهد يوم القيامة مع النبي ﷺ على الأمم. فهو على الأول: فعيل بمعنى مفعول، وعلى الثاني: فعيل بمعنى فاعل. ثم إن النبي ﷺ شبه بهم غيرهم ممن خصه بهذه الفضيلة كالغريق والحريق، والمبطون، ومن قتل دون ماله، ودون دمه، ودون أهله وغير ذلك. والذي ذهب إليه الشافعي: لو أن رجلاً طلب رجلاً ليقتله، أو يأخذ ماله أو حريمه كان له دفعه بأيسر ما يمكنه؛ وإن أدى ذلك إلى قتله قتله ولا ضمان عليه ولا قود فيما يتلفه أو يقتله، فإن قتل هو فقد خصه النبي ﷺ بفضيلة وإن لم يجر عليه حكمهم في الدفن والغسل والكفن والصلاة وغير ذلك فيما يتعلق بالشهداء، وإنما حكمهم حكم باقي الموتى. وأخرج الشافعي في القديم (١) من رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهم مارقة، يقتلها أولى الطائفتين بالحق". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢). وأخرج أيضًا: من رواية أبي عبد الرحمن بإسناده عن مسلم بن أبي بكرة وسئل: هل سمعت في الخوارج من شيء؟ قال: سمعت والدي أبا بكرة يقول

стр. 2398

عن رسول الله ﷺ : "ألا إنه سيخرج في أمتي أشداء أحداء زلقة ألسنتهم بالقرءان لا يجاوز تراقيهم؛ فإذا لقيتموهم فأنيموهم ثم إذا رأيتموهم [فأنيموهم] (١) فالمأجور من قتلهم". وأخرج أيضًا: حديث وكيع بإسناده عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج قوم يقرؤن القرءان لا يجاوز تراقيهم، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣). وأخرج أيضًا: من حديث كثير بن هشام بإسناده عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال في الخوارج: "طوبى لمن قتلهم وقتلوه". وأخرج أيضًا: من حديث يزيد بن هارون، عن هشام بإسناده عن علي -كرم الله وجهه- قال: لولا أن تبطروا لحدثتكم ما وعد الله على لسان نبيه للذين يقتلونهم رجل مخدج اليد، أو شدون إليه، أو مودن اليد. هذه الأحاديث استدل بها الشافعي على قتال الخوارج. قال: فأمر رسول الله ﷺ بقتال أقوام يخرجون فوصفهم، ولم نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أنكر على عليِّ ﵁ قتاله الخوارج، وقد تأول [علي] (٤) ﵁ أن الذين أمر رسول الله ﷺ بقتلهم هم الخوارج، وذلك أنه قال: علامتهم رجل مخدج، وقال أبو سعيد الخدري في حديثه في الخوارج: فأتيت أريد قتالهم فوجدت عليًا قد سبقنا إليهم.

стр. 2399

الباب الثاني في المرتد أخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس". هذا حديث صحيح متفق عليه، وقد تقدم ذكره في باب: تحريم القتل من كتاب "الجراح"، وذكرنا اختلاف طرقه، وذكرنا هناك ما أغنى عن إعادته. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن أبي تميمة، عن عكرمة قال: لما بلغ ابن عباس أن عليًا -كرم الله وجهه- حرق المرتدين أو الزنادقة قال: لو كنت أنا لم أحرقهم ولقتلتهم، لقول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ولم أحرقهم لقول رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله". هذا حديث صحيح: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان. وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد كلاهما عن أيوب. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن عبدة، عن الثقفي، عن أيوب. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن أبي هشام،

стр. 2400

عن وهيب، عن أيوب وكلهم قالوا: أن عليًا -كرم الله وجهه- حرق قومًا ارتدوا عن الإسلام، ولم يذكروا الزنادقة. حرَّق بالتشديد يفيد التكثير، والفعل منه أحرق. والمرتدين: هم الراجعون إلى دينهم الأول بعد دخولهم في الإسلام، وسواء رجعوا إلى دينهم وإلى أي دين كان غير الإسلام، فإنهم يطلق عليهم اسم الردة. والأصل الأول: لأن الرد إنما يكون إذا رجع إلى ما كان فيه، ولما كان الذي كان فيه كفرًا -وكل ما خالف الإسلام كفر- سمي مفارق الإسلام مرتدًا لذلك. وأما الزنادقة: فهو جمع زنديق: وهو الذي لا يدين بدين ولا ينتمي إلى شريعة، ولا يؤمن بالبعث والنشور، ولا يثبت الصانع إنما هو مباحي -نعوذ بالله من الضلالة ونسأله الهداية-. وقد جاء في رواية البخاري والترمذي قال: فلما بلغ ذلك عليًا قال: صدق ابن عباس. وفي رواية أبي داود: ويح ابن أم عباس. وهذا الحديث ذكره الشافعي وذكر بعده حديث زيد بن أسلم وسيجيء بعد هذا، ثم قال: حديث يحيى بن سعيد -يعني- عن عثمان بن عفان، ثابت يريد الحديث الأول، ولم أر أهل الحديث يثبتون الحديثين بعده: حديث زيد لأنه منقطع، ولا الحديث قبله يعني حديث ابن عباس. وقال في القديم: حديث زيد مرسل لا يقوم بمثله حجة، وعكرمة يتقى حديثه ولا يقوم به حجة. أما انقطاع حديث زيد فصحيح: لأن زيد يروي عن أسلم أبيه، عن عمر عن النبي ﷺ .

стр. 2401

وأما حديث عكرمة: فقد ترك الأخذ بحديثه جماعة من الأئمة منهم: مالك ابن أنس، ومسلم بن الحجاج لم يخرج عنه في الصحيح حديثًا، وقد وثقه جماعة منهم: البخاري وأخرج حديثه في صحيحه. قال الشافعي في وجوب قتل المرتد إذا لم يتب من الكفر: يشبه أن يكون حكم المرتد حكم الذي لم يزل كافرًا محاربًا وأكثر منه، لأن الله -تعالى- أحبط بالشرك بعد الإيمان كل عمل صالح قدمه المشرك قبل شركه، وأن الله -جل ثناؤه- كفر من لم يزل مشركًا ما كان قبله، وأن رسول الله ﷺ أبان أن من لم يزل مشركًا ثم أسلم كفر عنه الشرك. وأما الإحراق بالنار: فلا يجيزه الشافعي فإنه قال: وأما نحن فروينا عن النبي ﷺ نهى أن يعذب أحد بعذاب الله -تعالى- فقلنا: ولا حرق أحد حيا ولا ميتا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من غير دينه فاضربوا عنقه". هذا هو الحديث الذي أشار إليه الشافعي أنه منقطع، وصدق الشافعي ... زيد بن أسلم إنما يروي عن الصحابة وعن أبيه، وقد أخرج الموطأ (١) هذا الحديث هكذا وقال مالك في سياق الحديث: معناه -والله أعلم- أن من خرج من الإسلام إلى غيره مثل: الزنادقة وأشباههم فأولئك إذا ظهر عليهم يقتلون، ولا يستتابون، فإنهم لا تعرف توبتهم فإنهم كانوا يسرون الكفر ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء إذا ظهر على أمرهم بما يثبت به. قال مالك: والأمر عندنا أن من خرج من الإسلام إلى الردة أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.

стр. 2402

قال: ومعنى قول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" من خرج من الإسلام إلى غيره؛ لا من خرج من دين غير دين الإسلام إلى غيره، كمن يخرج من يهودية إلى نصرانية أو مجوسية ومن فعل ذلك من أهل الذمة لم يستتب ولم يقتل. وسيرد بيان المذهب في قتل المرتد مفصلاً إن شاء الله تعالى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلاً سارَّ رسول الله ﷺ فلم يدر ما ساره به حتى جهر رسول الله ﷺ ، فإذا هو يستأمره في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله"؟ قال: بلى، ولا شهادة له. قال: "أليس يصلي"؟ قال: بلى، ولا صلاة له فقال النبي ﷺ : "أولئك الذين نهاني الله عنهم". هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد واللفظ، وهو حديث مرسل: لأن عبيد الله بن عدي تابعي، ويقال: أنه ولد على عهد النبي ﷺ والأول أثبت. الأصل في "ساره" سارره فأدغم إحدى الرائين في الأخرى بعد إسكان الأولى، وجاز إسكانها مع سكون الألف لأن الألف فيها مدة؛ فإذا لقيها ساكن آخر بعد أمكن النطق بها [لحصول المدة فيها عند النطق بهما] (٢)، فيتهيأ اجتماع الساكنين، فأما مع غير الألف فلا يصح اجتماعهما. وقوله: "أليس يشهد"؟ استفهام تقرير وتثبيت واستحلاف (٣) منه؛ أن من كان يأتي بالشهادة فإنه لا يقتل، وهو استفهام مع إعلام أنه عارف بأنه يشهد.

стр. 2403

وكذلك قوله: "أليس يصلي"؟ لما كان أصل الإسلام الإتيان بالشهادة، وهي وظيفة القول بالصلاة وهي من وظيفة الفعل جمع بينهما، وإنما خص الصلاة دون باقي مباني الإسلام: لأنها أشرفها، فإن أول ما يجب على الإنسان إذا أسلم أو جرى عليه القلم مسْلمًا الصلاة؛ لأنها مكررة في اليوم والليلة خمس مرات بخلاف الزكاة. وتفصيل المذهب في المرتد: أن المرتد عن الإسلام إلى أي كفر كان مما يُسَر: كالزنادقة والنفاق؛ أو يظهر: كاليهودية والنصرانية والشرك فإنه يقتل، وسواء كان مسلمًا من ابتدائه أو كان أسلم. ثم عاد إلى الكفر؛ فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل. وقال مالك وأحمد وإسحاق: لا تقبل توبة الزنديق المستسر بالكفر. وعن أبي حنيفة روايتان كالمذهبين. والرجل والمرأة فيه سواء. وروي مثله عن أبي بكر وعمر وعلي ﵃ وبه قال الحسن والزهري ومالك والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: لا تقتل المرأة إنما تحبس وتطالب بالرجوع إلى الإسلام. قال الشافعي: قال الله -جل ثناؤه-: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١). قال: فبين الله -تعالى- أن إظهار الإيمان ممن لم يزل مشركًا حتى يظهر الإيمان؛ وممن أظهر الإيمان ثم أشرك بعد إظهاره ثم أظهر الإيمان مانع لعدم من

стр. 2404

أظهر، في أي هذين الحالين كان وإلى أي كفر صار؛ فأخبر الله عن المنافقين بالكفر وحكم فيهم بعلمه من أسرار خلقه ما لا يعلمه غيره، من أنهم في الدرك الأسفل من النار، وحكم فيهم -جل ثناؤه- في الدنيا بأن ما أظهر من الإيمان وإن كانوا كاذبين لهم جنة من القتل، وبينَّ على لسان نبيه ﷺ مثل ما ذكر في كتابه. وذكر حديث المقداد وقد تقدم في باب "تحريم القتل" وبسط الكلام في هذا المعنى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أسامة بن زيد قال: شهدت من نفاق عبد الله بن أبيّ ثلاثة مجالس. هذا الحديث ذكره الشافعي في سياق الاحتجاج على أمر المنافقين وشأنهم مع رسول الله ﷺ ، وأنه كان يعلم نفاقهم ويرضى بظاهر الإسلام فلا يقتلهم. قال الشافعي (١): وهؤلاء الأعراب لا يدينون دينًا يظهر، بل يظهرون الإسلام ويستخفون الشرك والتعطيل، قال الله : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) قال: وقال: وقد سمع من عدد منهم الشرك وشهد به عند النبي ﷺ فمنهم من جحده وشهد شهادة الحق فتركه رسول الله ﷺ بما أظهر، ومنهم من أقر بما شهد به عليه وقال: تبت إلى الله -جل وعز- وشهد شهادة الحق فتركه بما أظهر. قال الشافعي: فأما أمره أن لا يصلى عليهم فإن صلاته -بأبي هو وأمي-

стр. 2405

مخالفة صلاة غيره، وأرجو أن يكون قضى له إذا أمره بترك الصلاة على المنافقين؛ أن لا يصلي على أحد إلا غفر له؛ وقضى أن لا يغفر لمقيم على شرك فنهاه عن الصلاة على من لا يغفر له، ولم يمنع رسول الله ﷺ بعد هذا أحدًا ولم يحبسه، ولم يعاقبه، ولم يمنعه سهمه في الإسلام إذا حضر القتال، ولا مناكحة المؤمنين وموارثتهم، وترك الصلاة مباح على من قامت بالصلاة عليه طائفة من المسلمين، وقد عاشرهم حذيفة فعرفهم بأعيانهم، ثم عاشرهم مع أبي بكر وعمر وهو يصلي عليهم؛ فكان عمر إذا وضعت جنازة فرأى حذيفة فإن أشار إليه أن اجلس جلس، وإن قام معه صلى عليها عمر؛ ولا يمنعون الصلاة عليهم ولا شيئا من أحكام الإسلام، وما ترك رسول الله ﷺ على أحد من أهل دهره حدا؛ بل كان أقوم الناس بما افترض الله عليه من حدوده؛ حتى قال في امرأة سرقت فشفع فيها: "إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه"، وقد آمن بعض الناس، ثم ارتد، ثم أظهر الإيمان فلم يقتله رسول الله ﷺ يريد به: عبد الله بن أبي سرح حين أزله الشيطان فارتد ولحق بالكفار ثم عاد إلى الإسلام. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري (١)، عن أبيه أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس فأخبره ثم قال: هل كان فيكم من مُغَرَّبة خبر؟ فقال نعم، رجل كفر بعد إسلامه قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله -تعالى-؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض ولم آمر إذ بلغني.

стр. 2406

هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا، وزاد بعد قوله: أبي موسى -وكان عاملا. يقال: هل فيكم من مغرِبة خبر -بكسر راء مغربة وهو الأكثر وبفتحها مع الإضافة فيهما أي: هل جاء معك من خبر غريب، ويقال بغير الإضافة، وأصله من الغرب: البعد. والذي جاء في المسند: لم أحضر ولم أرض ولم آمر، والذي جاء في الموطأ وفي سنن البيهقي (٢): ولم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني، كأنه أشبه بالحال: لأن غرض عمر أنه لمن يحضر هذه القصة، ولم يأمر بها, ولم يرض إذ بلغته لا أنه لم يأمر بها إذ بلغته، والظاهر أن هذا سهو من الكاتب الأول ثم اتسعت النسخ على ذلك. وهذا الحديث استدل به على استتابة المرتد، وذلك أن الاستتابة مشروعة في حقه، وبذلك قال أكثر أهل العلم. وحكي عن الحسن البصري أنه قال: لا يستتاب. وقال عطاء: إن كان مسلمًا في الأصل لم يستتب، وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب. وهذه الاستتابة واجبة أم مستحبة؟ قولان:- أحدهما: أنها مستحبة. وبه قال أبو حنيفة لأن من بلغته الدعوة لا تجب استتابته وكذلك المرتد. والثاني: أنها واجبة. وهل يستتاب به في الحال أو يتأنى به ثلاثا؟ فيه قولان:-

стр. 2407

أحدهما: ثلاثًا. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق. والثاني: في الحال فإن تاب وإلا قتل. وهي التي نصرها الشافعي واختاره المزني. وحكي عن علي أنه قال: يستتاب شهرًا. وقال الثوري: يستتاب ما دمنا نرجوا عوده. وأخبرنا الشافعي أنه قال لبعض من يناظره قال: قلت له: روى الثقفي -وهو ثقة- عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". هذا حديث صحيح، أخرجه مالك (١) والترمذي (٢)، وقد أخرجه الشافعي في كتاب "اليمين مع الشاهد" (٣) وسيرد في كتاب "القضاء"، وعاد ذكره الشافعي ها هنا للاستدلال به على من كان يتكلم معه فأورده في المرتد إذا لحق بدار الحرب أو مات على الردة، لا يرثه ورثته المسلمون بل يكون ماله فيئًا للمسلمين. وقال أبو حنيفة: يرثه ورثته المسلمون. قال الشافعي (٤): أيعدو المرتد أن يكون كافرًا أو مؤمنًا؟ قال: بل كافر قلت: فكيف ورثت المسلمين من الكافرين؟ قال: إنما أخذنا بهذا أن عليًا قتل مرتدًا فأعطى ورثته من المسلمين ميراثه فقلت له: هل سمعت من أهل العلم بالحديث منكم، من يزعم أن الحفاظ لم يحفظوا عن عليٍّ قسم ماله بين ورثته المسلمين، ويخاف أن يكون الذي زاد هذا غلطا؟ فقال: قد رواه ثقة، وإنما قلنا خطأ

стр. 2408

بالاستدلال وذلك ظن، فقلت: روى الثقفي -وهو ثقة- عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد فقلت: لم يذكر جابرًا الحفاظ؟ وهذا يدل على أنه غلط، أفرأيت إن قلنا: إن هذا ظن والثقفي ثقة وإن ضيع غيره أو شك؟ قال: إذا لا تنصف قلت: وكذلك لم تنصف أنت. وقال الشافعي: وقلت له: أليس إذا ثبت عن النبي ﷺ لم يكن لأحد معه حجة؟ قال: بلى. قلت: فقد ثبت عن النبي ﷺ لا يرث المسلم الكافر فكيف خالفته؟ قال: فلعله أراد الكافر الذي لم يكن أسلم. فقال منهم قائل: فهل رويت في ميراث المرتد شيئًا عن أصحاب النبي ﷺ ؟ فقلت: إذا أبان رسول الله ﷺ أن الكافر لا يرث المسلم، ولا المسلم يرث الكافر، وكان المرتد كافرًا ففي السنة كفاية في أن ماله مال كافر لا وارث له. قال: فقد قال بعض أصحابك: أن رجلاً ارتد في عهد عمر ولحق بدار الحرب، فلم يعرض عمر لماله ولا عثمان من بعده. قلنا: ولا نعرف هذا ثابتًا عن عمر ولا عثمان، ولو كان ثابتًا كان خلاف قولك وبما قلنا أشبه، أنت تزعم أنه إذا لحق بدار الحرب قسم ماله، ويروى عن عمر وعثمان أنهما لم يقسماه وتقول: لم يعرض له، وقد يكون بيدي من وثق به، أو يكون ضمنه من هو في يديه ولم يبلغه موته فيأخذه فيئا. وقد أخرج الشافعي عن ابن علية، عن سليمان، عن أبي عمرو الشيباني أن رجلاً تنصر بعد إسلامه فأتى به علي ﵇ فجعل يعرض عليه فقال: ما أدري ما نقول غير أنه يشهد أن المسيح ابن الله فوثب إليه علي فوطئه وأمر الناس أن يطؤه، ثم قال: كفوا فكفوا عنه وقد مات. قال الشافعي: وهم لا يأخذون بهذا، يقولون: لا يقتل الإمام أحدا هذه القتلة، ولا يقتل إلا بالسيف. أورده إلزامًا للعراقيين في خلاف علي ﵁ والله أعلم.

стр. 2409

الباب الثالث في حد الزنا أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، عن يونس، عن الحسن، عن عبادة -يعني ابن الصامت- أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". أخبرنا الشافعي قال: وحدثنا الثقة، عن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطان الرقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فنزل من كتابي حين حولته وهو الأصل أولا، والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني. هكذا أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" (١) قال البيهقي (٢): وقد أخرجه في كتاب "أحكام القرءان" عن عبد الوهاب بالإسناد المذكور وزاد فيه معنى: قال الحسن: كان أول حدود النساء يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور. هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. أما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي، عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة

стр. 2410

عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن هشيم بإسناد مسلم. قوله: "خذوا عني" أي: خذوا الحكم في حد الزنا عني، وإنما عدى الأخذ بعن وإنما يتعدى بمن: لأنه لما كان الحكم صادرًا عنه أعطاه معناه، أو لأنه أعطى فعل الأخذ معنى الرواية أي: ارووا حكم الزنا عني. والسبيل في الأصل: الطريق يذكَّر ويؤنَّث، وأراد به ها هنا: الخلاص، التقدير: قد جعل الله لهن طريقًا يتحصلن به، لأن هذا اللفظ هو آخر الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢) فعلق الموت بالحبس أو السبيل، فلما كان الحبس: سد الطريق الذاهب والجائي السبيل خلاصًا له من الحبس. والضمير في قوله: "لهن" راجع إلى النساء وهن غير مذكورات في هذا الحديث وهذا فاش في العربية بذكر الضمير وإن لم يتقدم في الذكر مرجوع إليه. وله في القرءان نظائر، وإنما يذكر إذا كان في الكلام ما يدل عليه أو يفهم منه، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٣) يريد الشمس ولم يتقدم لها ذكر، ولكن لما كان قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٤) علم من ذكر العشي وانشغاله عن الصلاة بالخيل إلى أن غابت الشمس، فجاز رد الضمير إلى غير مذكور.

стр. 2411

وكذلك قوله في هذا الحديث: "قد جعل الله لهن سبيلا" أتبعه بذكر الثيب والبكر ويتلهن الحد؛ عرف أنه يريد النساء لا سيما وقد كان تقرر في أذهانهم قول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). والبكر -بكسر الباء-: المرأة التي لم يطأها أحد فهي على أصل الخلقة، والجمع: أبكار، والبكر أيضًا: المرأة التي ولدت بطنًا واحدًا وبكرها. والمراد بالبكر في هذا الحديث من الرجال والنساء: التي لم تتزوج وبذلك يتعلق الحد. والثيب من النساء: التي قد تزوجت بوجه ما، ولا يوصف به الرجال إلا أن يقال: ولد الثيبين، وولد البكرين. قال: ومنه الخبر الثيبان يرجمان، والبكران يجلدان. وامرأة ثيب كانت ذات زوج فمات عنها زوجها أو طلقت ثم رجعت إلى النكاح. قال ذلك الأزهري. وقال الجوهري: رجل ثيب، وامرأة ثيب الذكر والأنثى فيه سواء. قال [] (٢) ابن السكيت وذلك إذا كانت المرأة قد دخل بها، أو كان الرجل قد دخل بامرأته تقول منه: قد ثيبت المرأة. وعلى اختلاف القولين فإن المراد بالثيب في الشرع: المحصن من الرجال والنساء. وقوله: "الثيب بالثيب، والبكر بالبكر" يريد: إذا زنى الثيب بالثيب وإذا زنى البكر بالبكر. فحذف ذلك اختصارًا لفهم السامع، ودلالة سياق اللفظ عليه.

стр. 2412

قال الشافعي: وكانت العقوبات في المعاصي قبل أن ينزل الحد، ثم نزلت الحدود ونسخت العقوبات فيما فيه الحدود. وذكر حديث النعمان بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما تقولون في الشارب والزاني والسارق؟ وذلك قبل أن تنزل الحدود- فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته". قال: ثم ساق الحديث وهذا الحديث تقدم ذكره وشرحناه في كتاب "الصلاة". قال الشافعي: ومثل معنى هذا في كتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وذكر إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١) قال: فكان حد الزاني بهذه الآية: الحبس والأذى حتى أنزل الله على نبيه حد الزنا، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) واستدللنا بسنة رسول الله ﷺ على من أريد بالمائة جلدة فذكر حديث عبادة بن الصامت ثم قال: وهذا الحديث يقطع الشك -يريد الرواية الثانية التي ذكرها في أحكام القرءان- فبين أن حد الزانيين الحبس (٣) أو الحبس والأذى وأن أول ما حد الله به الزانيين من العقوبة في أبدانهما بعد هذا. قال: ودلت سنة رسول ﷺ أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين ومنسوخ عن الثيبين، وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين، لأن قول رسول ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" أول ما نزل فنسخ به الحبس

стр. 2413

والأذى عن الزانيين، فإنما رجم ماعزًا ولم يجلده وأمر أنيسًا أن يغدوا على امرأة الأسلمي فإن اعترفت رجمها، دلت على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين وثبت الرجم عليهما. وتفصيل المذهب: أن الثيب بالثيب يجب عليهما الرجم دون الجلد، والبكر بالبكر الجلد دون الرجم ولا يجمع بينهما. وبه قال أبو بكر وعمر والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور وعامة الفقهاء. وقال غيرهم: يجمع بين الجلد والرجم للثيب. وبه قال علي وأبي بن كعب وابن مسعود والحسن البصري وإسحاق وداود واختاره ابن المنذر. وقد اختلف العلماء في تنزيل لفظ الحديث وترتيبه على الآية هو ناسخ للآية أو مبين لها؟ فذهب بعضهم: إلى أنه ناسخ، وهذا على قول من يرى نسخ الكتاب بالسنة، وذلك أن قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كان هذا حكم الزانية في الأول، لما نزل الحد بهذا الحديث كان ناسخًا للحكم الأول. وقال آخرون: إن هذا الحديث مبين المائة وليس ناسخا لها، وذلك أنه بيان للحكم الأول. وقال آخرون: إن هذا الحديث مبين المائة وليس ناسخا لها، وذلك أنه بيان للحكم الموعود في الآية. وهو قوله : ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فكأن الأمر قد وقع بحبسهن إلى غاية، فلما انتهت مدة الحبس وحان وقت مجيء السبيل قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني" تفسير السبيل وبيانه، ولم يكن ذلك ابتداء حكم منه وإنما هو بيان أمر كان تحت ذكر السبيل منطويًا فبان المبهم منه وفصل

стр. 2414

المجمل من لفظه، فكان نسخ الكتاب بالكتاب لا بالسنة -وهذا أصوب القولين، لأن النسخ إنما يكون في حكم ظاهره الإطلاق، فأما إذا كان مشروطا وزال الشرط فلا يكون نسخا والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك وابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد -وزاد سفيان وشبل- أن رجلاً ذكر أن ابنه قد زنى بامرأة رجل، فقال رسول الله ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله " فجلد ابنه مائة وغرَّبه عاما، وأمر أنيسًا أن يغدو على امرأة الآخر فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما أخبراه: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي في أن أتكلم قال: "تكلم" فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني: أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته افقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله- أما غنمك وجاريتك فرد عليك" وجَلَدَ ابنه مائة وغربه عاما، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد وذكر الرواية الثانية. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن الزهري.

стр. 2415

وذكر نحو الرواية الثانية. وأما مسلم (١): فأخرجه عن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث، عن ابن شهاب. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن نصر بن علي وغير واحد، عن سفيان. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن [محمد بن سلمة عن] (٥) عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك وكلهم ذكر الرواية الثانية بطولها. والزيادة التي زادها سفيان في إسناد الرواية الأولى وهي: شبل هو شبل بن خالد، وقيل: ابن خليد. وهو وهم من سفيان لأن شبلاً لم يدرك النبي ﷺ ، وإنما روى عن عبد الله بن مالك الأوسي عن النبي ﷺ حديثه: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، فإن زنت في الرابعة فبيعوها ولو بضفير". وسفيان قد أدخل هذا الحديث في الحديث الآخر وهو غلط، والصحيح ما رواه مالك وغيره عن أبي هريرة وزيد بن خالد لا غير. قوله: "بكتاب الله" يريد: بما فرض الله، لأن معنى الكتاب: الفرض والإيجاب لقوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (٦)، و ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾. ويجوز أن يكون أراد بكتاب الله: الآية التي نسخ لفظها دون حكمها وهي "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وسيجيء في حديث آخر عن عمر ابن الخطاب ﵁. والتغريب: النفي، غربه يغربه تغريبًا: إذا جعله غريبًا بأن طرد من [زنى] (٧) عن وطنه.

стр. 2416

وأجل: بمعنى نعم. والعسيف: الأجير، والجمع: العسفاء. وقوله: فافتديت منه أي: أعطيته الغنم والجارية فداء لابني لئلا يرجم. وقد جمع هذا الحديث فنونًا من الأحكام منها:- أن الرجم إنما يجب على الثيب دون البكر، وأن للحاكم أن بيدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء، وأن العقود الفاسدة في البيع والصلح وما يجرى مجراهما منتقضة، وأن ما أخذ عليها مردود إلى صاحبه، وأنه ﷺ لم ينكر عليه الاستفتاء وهو حاضر ولا على المفتي وهو مقيم بين ظهرانيهم، وأن التغريب متلازم للزاني، وأنه لم يجمع على الثيب الرجم والجلد، وأنه لما قال: إن ابني زنى بامرأة هذا لم يكن قاذفًا لها، وأنه لم يشترط في الاعتراف بالزنا التكرار؛ وإنما علق الحكم بوجود الاعتراف حسب، وفيه دليل على جواز الوكالة في إقامة الحدود -وقد اختلف العلماء فيه- وأنه لا يجب على الإمام حضور المحدود بنفسه، وفيه دليل على قبول خبر الواحد. والذي ذهب إليه الشافعي: أن البكر إذا زنى يجب عليه جلد مائة وتغريب عام. وبه قال الأئمة والعلماء والمجتهدون. وقال أبو حنيفة وحماد: الحد جلد مائة، والتغريب تعزير وليس بحد وهو إلى رأي الإمام. وقال مالك: الرجل يغرب والمرأة لا تغرب، وأقل النفي ستة عشر فرسخًا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على كل من زنا إذا أحصن من الرجال أو النساء؛ إذا قامت عليه البينة أو كان [الحبل] (١) أو الاعتراف.

стр. 2417

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع ابن المسيب يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله فلقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة" فإنا قد قرأناها. أخرج هاتين الروايتين في كتاب "اختلاف الحديث" (١)، وعاد أخرج الرواية الأولى في موضع آخر من المسند. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك (٢): فاُخرج الأولى بإسنادها، وأخرج الثانية في جملة حديث طويل بالإسناد. وأما البخاري (٣): فأخرج عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن الزهري وذكر نحو هذا المعنى. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري. وذكر نحوه أتم منه. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن هشيم، عن الزهري. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن سلمة بن شبيب وإسحاق بن منصور والحسن

стр. 2418

ابن علي الخلال وغير واحد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وعن أحمد بن منيع، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن داود بن أبي هند، عن ابن المسيب. الإحصان: من أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصَن -بفتح الصاد - وهو أحد ما جاء على أفعل فهو مفعل، والإحصان: العفة، وللإحصان شروط: وهي: أن يكون المحصن حرًا، بالغًا، عاقلاً، وطئ في نكاح صحيح. ومن أصحاب الشافعي من قال: الإحصان: هو الوطء في النكاح الصحيح خاصة، وأما باقي الشروط فهي من شرائط وجوب الرجم دون الإحصان. والبينة والشهادة والحجة وهي من باب: الشيء يبين بيانًا فهو بيِّن إذا اتضح وظهر، وتأنيث بينة نظرًا إلى الحجة والشهادة وهي في الأصل وصف لموصوف مؤنث تقديره: حجة بينة، فلما حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه وغلب عليها كثرة الاستعمال؛ صار الوصف كأنه الموصوف في أصل الوضع وينزل منزلة الأسماء العالية. والاعتراف: الإقرار. وقوله: "أن تهلكوا عن آية الرجم": المعنى إياكم أن يصدر هلاككم عن آية الرجم، يعني أن آية الرجم: تكون سببا لهلاككم بترككم لها وترك العمل بها. ولولا هذا التقدير لم يكن لدخول عن في الكلام مساغ. وقوله: "أن يقول قائل" تعليل للهلاك. وقوله: "لا نجد حدين في كتاب الله -تعالى-" يريد: أن الجلد في القرءان وليس فيه الرجم. والبتة: من البت: القطع، أي: فارجموهما قولاً قاطعًا وحكمًا فاصلاً. وهو منصوب على المصدر المؤكد تقول: بته ويبته بتًا وبتة وأصل ذلك البتة لكل أمر لا يرجع فيه.

стр. 2419

وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: فإني خشيت أن يجيء أقوام فلا يجدونه في كتاب الله فيكفرون به. ويحتمل الكفر معنيين:- أحدهما: أن يكون من الكفر ضد الإيمان، لأن من جحد آية من كتاب الله وقال: إنها ليست من القرءان يكفر. والثاني: أن يكون من الكفر: الجحود والإنكار، أي أنهم إذا لم يجدوا آية الرجم في كتاب الله جحدوا الرجم وأنكروه فبطل هذا الحكم، وآية الرجم كانت تتلى فيما يتلى من القرءان فنسخ لفظها ولم ينسخ حكمها وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم". والمراد بالشيخ والشيخة: الشيبان، وهذه الآية وإن كانت صريحة في وجوب الرجم وقد صحت عن عمر بن الخطاب ﵁ ورويت عن أبي بن كعب؛ فإن الفقهاء إنما استدلوا على وجوب الرجم: بالسنة وبما صح عن النبي ﷺ أنه رجم ماعزًا والأسلمية والغامدية واليهوديين، وبإجماع الأمة على وجوب الرجم على المحصن، ولا مخالف لذلك إلا ما حكي عن الخوارج أنهم أنكروه وقالوا: الحد الجلد للبكر والثيب. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن أبي واقد الليثي أن عمر بن الخطاب ﵁ أتاه رجل وهو بالشام فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلاً، فبعث عمر بن الخطاب ﵁ أبا واقد الليثي إلى امرأته يسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها؛ فذكر لها الذي قال زوجها لعمر بن الخطاب ﵁ وأخبرها أنه لا تؤخذ بقوله وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع؛ فأبت أن تنزع وثبتت على الاعتراف فأمر بها عمر بن الخطاب ﵁ فرجمت. هذا الحديث أخرجه مالك الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا.

стр. 2420

نزع عن الشيء: إذا قلع عنه. وقوله: فتمت (١) على الاعتراف أي: مرت عليه ماضية فكان إقرارها قد تم وفرغت منه: وفي هذا الحديث من الفقه:- أن عمر اكتفى بأبي واقد في شهادته عليها بالاعتراف. وفيه: أنه يجوز [تأمين] (٢) بالزنا وغيره من الجنايات بالرجوع عن الإقرار. وفيه: أن قول الزوج لا يقبل في حقها وإنما يكون قاذفًا إذا لم تعترف. وفيه: بيان وجوب الرجم بالإقرار. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رجم يهوديين زنيا. أخرجه في كتاب "الرسالة" (٣)، وعاد أخرجه بالإسناد في كتاب "اليمين مع الشاهد" (٤). هذا طرف من حديث طويل يتضمن قصة وقد أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك (٥): فأخرجه بالإسناد قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم"؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة ونشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، ثم [قرأ] (٦) ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك،
следующие страницы →