← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وأجل: بمعنى نعم. والعسيف: الأجير، والجمع: العسفاء. وقوله: فافتديت منه أي: أعطيته الغنم والجارية فداء لابني لئلا يرجم. وقد جمع هذا الحديث فنونًا من الأحكام منها:- أن الرجم إنما يجب على الثيب دون البكر، وأن للحاكم أن بيدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء، وأن العقود الفاسدة في البيع والصلح وما يجرى مجراهما منتقضة، وأن ما أخذ عليها مردود إلى صاحبه، وأنه ﷺ لم ينكر عليه الاستفتاء وهو حاضر ولا على المفتي وهو مقيم بين ظهرانيهم، وأن التغريب متلازم للزاني، وأنه لم يجمع على الثيب الرجم والجلد، وأنه لما قال: إن ابني زنى بامرأة هذا لم يكن قاذفًا لها، وأنه لم يشترط في الاعتراف بالزنا التكرار؛ وإنما علق الحكم بوجود الاعتراف حسب، وفيه دليل على جواز الوكالة في إقامة الحدود -وقد اختلف العلماء فيه- وأنه لا يجب على الإمام حضور المحدود بنفسه، وفيه دليل على قبول خبر الواحد. والذي ذهب إليه الشافعي: أن البكر إذا زنى يجب عليه جلد مائة وتغريب عام. وبه قال الأئمة والعلماء والمجتهدون. وقال أبو حنيفة وحماد: الحد جلد مائة، والتغريب تعزير وليس بحد وهو إلى رأي الإمام. وقال مالك: الرجل يغرب والمرأة لا تغرب، وأقل النفي ستة عشر فرسخًا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على كل من زنا إذا أحصن من الرجال أو النساء؛ إذا قامت عليه البينة أو كان [الحبل] (١) أو الاعتراف.

стр. 2417

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع ابن المسيب يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله فلقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة" فإنا قد قرأناها. أخرج هاتين الروايتين في كتاب "اختلاف الحديث" (١)، وعاد أخرج الرواية الأولى في موضع آخر من المسند. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك (٢): فاُخرج الأولى بإسنادها، وأخرج الثانية في جملة حديث طويل بالإسناد. وأما البخاري (٣): فأخرج عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن الزهري وذكر نحو هذا المعنى. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري. وذكر نحوه أتم منه. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن هشيم، عن الزهري. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن سلمة بن شبيب وإسحاق بن منصور والحسن

стр. 2418

ابن علي الخلال وغير واحد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وعن أحمد بن منيع، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن داود بن أبي هند، عن ابن المسيب. الإحصان: من أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصَن -بفتح الصاد - وهو أحد ما جاء على أفعل فهو مفعل، والإحصان: العفة، وللإحصان شروط: وهي: أن يكون المحصن حرًا، بالغًا، عاقلاً، وطئ في نكاح صحيح. ومن أصحاب الشافعي من قال: الإحصان: هو الوطء في النكاح الصحيح خاصة، وأما باقي الشروط فهي من شرائط وجوب الرجم دون الإحصان. والبينة والشهادة والحجة وهي من باب: الشيء يبين بيانًا فهو بيِّن إذا اتضح وظهر، وتأنيث بينة نظرًا إلى الحجة والشهادة وهي في الأصل وصف لموصوف مؤنث تقديره: حجة بينة، فلما حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه وغلب عليها كثرة الاستعمال؛ صار الوصف كأنه الموصوف في أصل الوضع وينزل منزلة الأسماء العالية. والاعتراف: الإقرار. وقوله: "أن تهلكوا عن آية الرجم": المعنى إياكم أن يصدر هلاككم عن آية الرجم، يعني أن آية الرجم: تكون سببا لهلاككم بترككم لها وترك العمل بها. ولولا هذا التقدير لم يكن لدخول عن في الكلام مساغ. وقوله: "أن يقول قائل" تعليل للهلاك. وقوله: "لا نجد حدين في كتاب الله -تعالى-" يريد: أن الجلد في القرءان وليس فيه الرجم. والبتة: من البت: القطع، أي: فارجموهما قولاً قاطعًا وحكمًا فاصلاً. وهو منصوب على المصدر المؤكد تقول: بته ويبته بتًا وبتة وأصل ذلك البتة لكل أمر لا يرجع فيه.

стр. 2419

وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: فإني خشيت أن يجيء أقوام فلا يجدونه في كتاب الله فيكفرون به. ويحتمل الكفر معنيين:- أحدهما: أن يكون من الكفر ضد الإيمان، لأن من جحد آية من كتاب الله وقال: إنها ليست من القرءان يكفر. والثاني: أن يكون من الكفر: الجحود والإنكار، أي أنهم إذا لم يجدوا آية الرجم في كتاب الله جحدوا الرجم وأنكروه فبطل هذا الحكم، وآية الرجم كانت تتلى فيما يتلى من القرءان فنسخ لفظها ولم ينسخ حكمها وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم". والمراد بالشيخ والشيخة: الشيبان، وهذه الآية وإن كانت صريحة في وجوب الرجم وقد صحت عن عمر بن الخطاب ﵁ ورويت عن أبي بن كعب؛ فإن الفقهاء إنما استدلوا على وجوب الرجم: بالسنة وبما صح عن النبي ﷺ أنه رجم ماعزًا والأسلمية والغامدية واليهوديين، وبإجماع الأمة على وجوب الرجم على المحصن، ولا مخالف لذلك إلا ما حكي عن الخوارج أنهم أنكروه وقالوا: الحد الجلد للبكر والثيب. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن أبي واقد الليثي أن عمر بن الخطاب ﵁ أتاه رجل وهو بالشام فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلاً، فبعث عمر بن الخطاب ﵁ أبا واقد الليثي إلى امرأته يسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها؛ فذكر لها الذي قال زوجها لعمر بن الخطاب ﵁ وأخبرها أنه لا تؤخذ بقوله وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع؛ فأبت أن تنزع وثبتت على الاعتراف فأمر بها عمر بن الخطاب ﵁ فرجمت. هذا الحديث أخرجه مالك الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا.

стр. 2420

نزع عن الشيء: إذا قلع عنه. وقوله: فتمت (١) على الاعتراف أي: مرت عليه ماضية فكان إقرارها قد تم وفرغت منه: وفي هذا الحديث من الفقه:- أن عمر اكتفى بأبي واقد في شهادته عليها بالاعتراف. وفيه: أنه يجوز [تأمين] (٢) بالزنا وغيره من الجنايات بالرجوع عن الإقرار. وفيه: أن قول الزوج لا يقبل في حقها وإنما يكون قاذفًا إذا لم تعترف. وفيه: بيان وجوب الرجم بالإقرار. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رجم يهوديين زنيا. أخرجه في كتاب "الرسالة" (٣)، وعاد أخرجه بالإسناد في كتاب "اليمين مع الشاهد" (٤). هذا طرف من حديث طويل يتضمن قصة وقد أخرجه الجماعة إلا النسائي. أما مالك (٥): فأخرجه بالإسناد قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم"؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة ونشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، ثم [قرأ] (٦) ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك،

стр. 2421

فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد إن فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. قال مالك: يعني: يحني عليها يكب عليها حتى تقع الحجارة عليه. وأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف وإسماعيل. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن رجال من أهل العلم منهم: مالك. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن القعنبي. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن إسحاق بن موسى، عن معن. جميعًا عن مالك وذكروا روايته، إلا أن الترمذي قال: وفي الحديث قصة. ولم يذكرها. قوله: نفضحهم من الفضاحة الشهرة أي: نكشف حالهم ونشهرهم بين الناس ليعلم بحالهم من لم يعلم. وقوله: يحني عليها: هو كما فسره مالك تقول: أحنى عليه يحنى وتحانا يحاني: إذا أكب عليه يقيه بنفسه شيئًا يؤذيه. قال الخطابي في "معالم السنن" (٥): هكذا قال أبو داود: يجني والمحفوظ: يحنى أي يكب عليها، يقال: حتى الرجل يحني حنوا إذا أكب على الشيء. قال كثير:

стр. 2422

أعزة لو شهدت غداة بنتم ... حنوء العائدات على وشادي فهذا القول من الخطابي يدل على أن اللفظ بالحاء المهملة، ولعل رواية الخطابي كذا، فأما رواية الباقين فإنما هي بالجيم ومعناها في اللغة ما ذكرناه (١). والذي ذهب إليه الشافعي: أن أهل الذمة إذا تدافعوا إلينا وتحاكموا عندنا: فإما أن نحكم بينهم أو ندع، فإن حكمنا حددنا المحصن بالرجم وغير المحصن بالجلد والتغريب، والإسلام عندنا ليس شرطاً في الإحصان. وقال أبو حنيفة ومالك: الإسلام شرط فيه. فلا يجب عندهما الرجم على المحصن الذمي. وقد أخرج المزني عن الشافعي: عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: رجم رسول الله ﷺ رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأة. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢). وقال الشافعي فيما بلغه عن هشيم، عن الشيباني، عن الشعبي. وفيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أشياخه أن عليًا نفى إلى البصرة. وقال فيما بلغه عن يزيد بن هارون، عن [ابن] (٣) أبي عروبة، عن حماد، عن إبراهيم -أظنه- عن عبد الله في أم الولد تزني بعد موت سيدها تجلد وتنفى.

стр. 2423

قال: وهم لا يقولون بهذا، يقولون: لا ينفى أحد زنا ولا غيره. ونحن نقول: ينفى الزاني بسنة رسول الله ﷺ ، وما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وأبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز ﵃ كلهم- قد رأوا النفي. وقال الشافعي: قال قائل: لا أنفي أحدًا. فقيل لبعض من يقول قوله: ولم رددت النفى في الزنا وهو ثابت عن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود عندنا إلى اليوم؟ قال: رددته بأن رسول الله ﷺ قال: "لا تسافر المرأة سفرًا إلا مع ذي محرم". قلت له: سفر المرأة شيء حيطت المرأة في ما لا يلزمها من الأسفار، وقد نهيت أن تخلو في المصر برجل وأمرت بالقرار في بيتها، وقيل لها: صلاتك في بيتك أفضل، وليس هذا مما يلزمها بسبيل، ثم قال: أرأيت إن كانت ببادية لا قاضي عند قومها إلا على ثلاث ليال أو أكثر فادعى عليها مدع حقا أو أصابت حقا؟ قال: ترفع إلى قاض، قلنا: غير ذي محرم؟ قال: نعم، قلنا: فقد أبحت لها أن تسافر ثلاثاً أو أكثر مع غير ذي محرم، قال: هذا يلزمها، قلنا: فهذا يلزمها برأيك فأبحته لها ومنعتها منه فيما سن رسول الله ﷺ وأخبر به عن الله. وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع أن عبدًا كان يقوم على رقيق الخمس، وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها، فجلده عمر ونفاه ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها. هذا الحديث في الموطأ (١)، وهو وإن كان مرسلاً فنافع -مولى ابن عمر- كان مشهورًا بالرواية عن الثقات وبالعناية بأخبار آل عمر، وقد رواه الليث، عن

стр. 2424

نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عمر. قال الشافعي: النفي ثلاثة ونحوه منها نفي نص في كتاب الله وهو قول الله -تعالى- في المحاربين: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) وذلك النفي هو: أن يطلبوا فيتبعوا ثم يطلبوا فيتبعوا؛ فمتى قدر عليهم أقيم عليهم حد الله إلا أن يتوبوا قبل أن يقدر عليهم، فيسقط عنهم الحد ويثبت عليهم حقوق الآدميين. والنفي في السنة وجهان: أحدهما: ثابت عن رسول الله ﷺ وهو نفي البكر الزاني سنة. والثاني: أنه يروى عن رسول الله ﷺ أنه نفى مخنثين كانا بالمدينة، يقال لأحدهما: هيت، وللآخر: ماتع ويحفظ عن أحدهما أنه نفاه إلى الحمى؛ وأنه كان في ذلك المنزل حياة النبي ﷺ وحياة أبي بكر وحياة عمر، وأنه شكى الضيق فأذن له بعض الأئمة أن يدخل المدينة في الجمعة يومًا يتسوق ثم ينصرف وقد رأيت أصحابنا يعرفون هذا ويقولون: لا أحفظ عن أحد منهم أنه خالف فيه، وإن كان لا يثبت ثبوت نفي الزنا. وأخرج الشافعي -في كتاب حرملة-: عن سفيان، عن هشام، عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل النبي ﷺ بيت أم سلمة وعندها مخنث، فسمعه النبي ﷺ وهو يقول لعبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله، إذا فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ : "لا تدخلوا هذا عليكم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد وأبي الزناد كلاهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلاً قال أحدهما: أحبن، وقال الآخر: مقعد،

стр. 2425

كان عند جوار سعد فأصاب امرأةً حبلٌ فرميت به، فسئل فاعترف، فأمر النبي ﷺ به، قال أحدهما: يجلد بأثكال النخل، وقال الآخر: بأثكول النخل. هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن سعيد الهمداني، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب عن أبي أمامة، عن بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار وذكر الحديث أتم من هذا وأطول. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن [] (٣) وقد روي عن أبي أمامة، عن أبيه، وقيل: عن أبي أمامة، عن سعد بن عبادة. قوله: "أحبن": يريد: المستسقي تقول: حَبِن الرجل بالكسر يَحبَن بالفتح وبه حبن. والمقعد: الزَّمِن الذي لا يقدر على القيام كأنه قد ألزم القعود. وقوله: فرميت به: أي: نسب إليه الحبل. والإثكال والأثكول: العذق من أعذاق النخل بما فيه من الشماريخ. قال الأزهري: قال ابن السكيت عن الأصمعي: الإثكال والأثكول: الشمراخ. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المريض لا يقام عليه الحد حتى يبرأ إذا كان

стр. 2426

مريضًا يتوقع برؤه سريعًا كالحمى والصدع، وما لا يتوقع برؤه سريعًا فيقام عليه الحد بأطراف الثياب وإثكال النخل؛ فيؤخذ مائة شمراخ فيضرب بها دفعة واحدة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن سعدًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". هكذا أخرجه في كتاب "الجراح"، وأخرجه في كتاب "أدب القاضي" بالإسناد واللفظ (١). هذا حديث صحيح، أخرجه مالك ومسلم وأبو داود. فأما مالك (٢): فأخرجه في الموطأ إسنادًا ولفظًا. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن زهير، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك وله روايات أخرى. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. الإمهال: التأخير، والهمزة فيه همزة استفهام مع همزة الأصل وقد عوض من إحداهما مدة، ولا يجوز أن لا يكون استفهامًا لأن الكلام لا يأتلف بالاستفهام، فإن الغرض من الحديث الاستفهام لا الخبر. والشهداء: جمع شهيد وشاهد نحو: ظريف وظرفاء وعالم وعلماء وقوله: إن وجدت مع امرأتي رجلاً يريد: يطؤها وإلا فإذا رآه خاليًا بها من غير ملابسة

стр. 2427

جماع -فإن ذلك وإن كان حراما عليها- فليس الغرض إلا الأول. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الزنا لا يقبل فيه إلا أربعة شهداء يشهدون شهادة متفقة: أنهم رأوه يطؤها وطئا حقيقيًا كما يرى الميل في المكحلة، وكذلك اللواط لا يثبت إلا بأربعة شهداء. وقال أبو حنيفة: يثبت اللواط بشاهدين. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب أن علي بن أبي طالب سئل عن رجل وجد مع امرأته رجلاً فقتله أو قتلها؟ فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. هكذا أخرجه في كتاب "أحكام القرءان"، وقد جاء في كتاب "الحدود" (١) بهذا الإسناد أن رجلاً بالشام وجد مع امرأته رجلاً فقتله -أو قتلها- فكتب معاوية إلى أبي موسى بأن يسأل له عن ذلك عليًا -كرم الله وجهه- فسأله, فقال علي: إن هذا لشيء ما هو بأرض العراق، عزمت عليك لتخبرني، فأخبره، فقال علي: أنا أبو حسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. قال الشافعي ﵁: وبهذا كله نأخذ ولا أحفظ عن أحد قبلنا من أهل العلم فيه مخالفا. وهذا الحديث قد أخرجه مالك في الموطأ (٢) وذكر الرواية الطويلة. قوله: "إن لم يأت بأربعة شهداء" يريد: بينة الزنا، لأن الشهود إذا شهدوا على الزنا وهم أربعة؛ وجب قتل المشهود عليه حدا إن كان محصنا، فإن بادر أحد فقتله حدًا كان قد افتات على السلطان باستيفائه الحد، فقال علي -كرم الله وجهه-: إن لم تتم البينه على أنه زنا بامرأته؛ وإلا فقد وجب عليه القصاص فليعط أولياء الدم فيقتلوه.

стр. 2428

والرُّمّة -بضم الراء-: ماء الحبل البالي في الأصل، ثم استعير فقالوا: دفع إليه الشيء برمته أي: كله وجميعه، وأصل ذلك لسبب خاص وهو أن رجلاً دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه فقيل ذلك لكل من دفع شيئا بجملته، وهو في هذا المقام أحسن استعمالا: لأن من عادة القاتل إذا أخذ أن يجعل في عنقه حبل لئلا يهرب يريد: أنهم يعطونه بالحبل الذي في عنقه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن يحيى بن حاطب حدثه قال: توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكان له أمة نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم ترعه إلا بِحَبلها وكانت ثيِّبا، فذهب إلى عمر فحدثه، فقال عمر: لأنت الرجل لا تأتي بخير، فأفزعه ذلك فأرسل إليها عمر فقال: أحبلت؟ فقالت: نعم، من مرعوش بدرهمين، فإذا هي تستهل بذلك ولا تكتمه، قال: وصادف عليًا، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشيروا علي وكان عثمان جالسًا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال: أشر علي يا عثمان، فقال: قد أشار عليك أخواك فقال: أشر علي أنت، فقال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه، فقال: صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه، فجلدها عمر مائة وغربها عامًا. أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" (١). النوبية: منسوبة إلى النوبة وهو جبل معروف من السودان. والأعجمي: الذي لا يفصح وسواء كان روميًا أو أرمنيًا أو فارسيًا أو حبشيًا أو نوييًا أو غير ذلك. وأما العجمي وهو منسوب بلاد العجم وهم الفرس.

стр. 2429

وقوله: "فلم ترعه" من الروع الغزع أي: لم يفزعه إلا وهي حبلى. وقوله: "لأنت الرجل" هذه اللام لام جواب القسم أي: والله لأنت الرجل. وقوله: "لا يأتي بخير" يريد إخباره بحبل هذه الجارية فإنه أمر مشكل يحتاج إلى كشف وبيان. والاستهلال: الضحك, استهل وجه الرجل وتهلل إذا تلألأ من الفرح. وقول عثمان: "ليس الحد إلا على من علمه" يريد بذلك: إذا كان الإنسان جاهلاً بتحريم المحرم كالزنا مثلا فإنه لا يجب عليه الحد، لهذا قال له عمر: صدقت، ما الحد إلا على من علمه، وأراد بالحد في حق هذه الجارية: الرجم، لأنه قال: فجلدها عمر وغربها, ولأنه قد ذكر في الحديث أنها كانت ثيبا، وأنها معتقة وحكمها في الحد حكم الأحرار؛ وهذه كانت جاهلة بتحريم الزنا ووجوب الحد مطلقا، والحد يدرأ عنها بشبهة الجهالة، فلذلك لم يرجمها وجلدها وغربها تعزيرًا لا حدًا. وقال الشافعي فيما بلغه عن يزيد بن هارون بإسناده عن أبي روح أن رجلاً كان يواعد جاريته مكانًا في خلاء، فعلمت جارية بذلك فلتة فحسبها جاريته فوطأها ثم علم، فأتى عمر فقال: أثبت عليا، فسأل عليًا فقال: أرى أن يضرب الحد في خلاء ويعتق رقبة وعلى المرأة الحد. قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، يقولون: يدرأ عنه الحد بالشبهة، فأما نحن فنقول في المرأة: تحد كما روي عن علي لأنها زنت وهي تعلم. قال الشافعي فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي قال: كنت عند علي فأتته امرأة فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي؟ فقال: إن تكوني صادقة ترجمة، وإن تكوني كاذبة نجلدك. قال الشافعي: وبهذا نأخذ لأن زناه بجارية امرأته مثل زناه بغيرها إلا أن يكون

стр. 2430

ممن يعذر بالجهالة، فيقول: كنت أرى أنها حلال لي فإنه يدرأ عنه الحد، وإن كان عالماً حددناه حد الزاني. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن عادت فزنت فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فتبين زناها فلبيعها ولو بضفير من شعر" يعني: الحبل. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن الليث (٢)، عن سعيد. وله روايات أخرى. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مختصرًا. قوله: "فتبين" يجوز أن يكون قاصرًا ومتعديًا: فإن كان قاصرًا: كان زناها مرفوعًا لأنه الفاعل والتقدير: يرقبان زناها وظهر. وإن كان متعديا: فيكون زناها منصوبًا لأنه مفعول التقدير: فبين سيدها زناها أي: علمه وعرفه، واندرج ذكر السبب تحت قوله: "أمة أحدكم". والضفير: الحبل لأنه يضفر، فعيل بمعنى مفعول.

стр. 2431

والتثريب: التعيير والتوبيخ. يقول: إذا تحقق زناها فليجلدها الحد، دليل على أن المأمور به هو الحد المنوط بها دون ضرب التعزير والتأديب. وقال أبو ثور: في هذا الحديث: إيجاب الحد، وإيجاب البيع أيضًا لا يمسكها إذا زنت أربعًا. والذي ذهب إليه الشافعي: أن حد العبد والأمة خمسون جلدة سواء كانا بكرين أو ثيبين. وبه قال أكثر الفقهاء. وحكي عن ابن عباس أنه قال: إذا لم يكونا مزوجين فلا حد عليهما، وإن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد وهو خمسون. وبه قال طاوس وأبو عبيد. وليس عليهما عند العلماء رجم: لأن الرجم لا ينتصف، فلم يدخلوا في الخطاب أو لأن الحدود تدرأ بالشبهات والإسقاط إليها يتطرق، فلما لم يكن ينصف الرجم أسقط النصف الآخر. وقال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم. وقد أخرج الشافعي هذا الحديث عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت لم تحصن قال: "إذا زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير". قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. وأخرجه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة [و] (١) زيد بن خالد وشبل قالوا: كنا قعودا عند النبي ﷺ فأتاه رجل فقال: إن جاريتي زنت؟ فقال النبي ﷺ : "اجلدوها، فإن زنت فاجلوها، فأن زنت

стр. 2432

فبعها ولو بضفير". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن علي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ حدث جارية قد زنت. قال الشافعي: فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري وإسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي -كرم الله وجهه- قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". قال: وهم يخالفون هذا إلى غير فعل أحد من أصحاب النبي ﷺ وتفصيل المذهب: أن للسيد أن يقيم الحد على عبده وأمته، وروي عن جماعة من الصحابة أنهم فعلوا ذلك. وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقيمه إلا الإمام. وكذلك أن يقيم على عبده وأمته حد القذف والشرب، فأما القطع في السرقة والقتل في الردة ففيهما وجهان، والمذهب: أن له ذلك. وقد نص الشافعي على القطع في السرقة في البويطي. ***

стр. 2433

الباب الرابع في حد السرقة أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدا". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرجه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة. عن إسماعيل بن أبي أويس، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم وابن [أبي] (٤) عمر، عن سفيان. وعن أبي طاهر وحرملة والوليد بن شجاع، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة. ولهما روايات كثيرة. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن سفيان.

стр. 2434

وعن أحمد بن صالح ووهب بن بيان. وعن ابن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن علي بن حجر، عن سفيان. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن حفص بن حسان، عن الزهري، عن عمرة. وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة. وله روايات كثيرة. وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة للأئمة والعلماء، وأقواها دليلاً ما صرح به الخطاب ولم يكن حكاية عن فعل، كما رواه الشافعي في حديث سفيان أن رسول الله ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدا"، لأن منهم من قال: إن النبي ﷺ قطع في ربع دينار، ومنهم من قال: اليد تقطع في ربع دينار، ومنهم من قال: إن عائشة قطعت في ربع دينار، وكل واحدة من هذه الروايات يمكن دخول التأويل فيها، فأما القطع في ربع دينار فصاعدا، أو لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا. فلا مجال للتأويل فيه فإنه حكم جزم من الشارع ونص صريح في المقدار الذي يجب به القطع، وقد تمسك بعض من أول رواية عائشة من رواية سفيان أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا، لأن عائشة إنما أخبرت عما قطع فيه رسول الله ﷺ فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قومت ما قطع فيه فكانت قيمته عندها ربع دينار؛ فجعلت ذلك مقدار ما كان النبي ﷺ يقطع فيه وقيمته عند غيرها أكثر من ذلك. ولله العجب من هذا القائل -أظنه الطحاوي الحنفي ﵀ - كيف

стр. 2435

يظن بعائشة ﵂ مع ما اشتهر عنها من العمل والفقه في دين الله والخوف من الله ومن رسوله؛ أن تحكم على النبي ﷺ أنه كان يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا ولم تحط به علما؛ أو تطلق مثل هذا التقدير بالظن والتخمين، ومن الجائز أن يكون عند غيرها أكثر قيمة ثم تفتي بذلك المسلمين؟ وهب أنه استمسك بتأويل هذه الرواية الواردة بهذا اللفظ -إذا صحت- فما عسى أن يقول في قولها: أن النبي ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدا"، وفي قوله: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا"، وهذا نص صريح في تقدير ما يقطع فيه" (١). وقوله: "فصاعدا" منصوب على الحال أي: فما زاد على الربع صاعدا في الزيادة. والذي ذهب إليه الشافعي: في أن القطع يجب فيما قيمته ربع دينار من دراهم وغيرها. وقال مالك: يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم وهما أصلان، ويقوم غيرهما بالدراهم. وبه قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يقطع في عشرة دراهم مضروبة. وقوم الذهب وسائر ما يقطع فيه بالدراهم.

стр. 2436

وحكى عن الحسن البصري أنه قال: يقطع في نصف دينار. وبه قال ابن الزبير. وقال عثمان البتي: يقطع في درهم فما زاد. وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة: لا يقطع إلا في خمسة دراهم. وقالت الخوارج وداود: يقطع في القليل والكثير. وقال النخعي: لا يقطع إلا في أربعين درهما. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه من موسى بن إسماعيل، عن جويرية، عن نافع. عن إبراهيم بن المنذر، عن أبي حمزة، عن موسى بن عقبة، عن نافع. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن طرق كثيرة عن نافع منها: عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع. وقال في حديثه: سَرَق تُرسًا من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع.

стр. 2437

وأما النسائي (١) فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن نافع. وعن عبد المجيد بن محمد، عن مخلد، عن حنظلة، عن نافع. المجن: الترس، وهو مفعل من الجنة: الوقاية، كأن المستتر به يختفي عن غيره ممن يريد به أذى. قال الشافعي: حديث ابن عمر موافق لحديث عائشة، لأن ثلاثة دراهم في عهد النبي ﷺ ومن بعده ربع دينار، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ﷺ كان اثنى عشر درهمًا بدينار وكان كذلك بعده، وفرض عمر بن الخطاب ﵁ الدية اثنى عشر ألف درهم على أهل الورق، وعلى أهل الذهب ألف دينار. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقًا سرق أترجة في عهد عثمان، فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثنى عشر درهمًا بدينار، فقطع يده. قال مالك: وهي الأترجة التي يأكلها الناس. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٢) إسنادًا ولفظًا، والشافعي أخرجه مستدلاً به: على أن الصرف كان يومئذ اثنى عشر (٣) درهمًا بدينار. فإنه قال عقيب الحديث: فحديث عثمان يدل على ما وصفت من أن الدراهم كانت اثنى عشر درهمًأ بدينار. قال: ويدل حديث عثمان على أن قطع اليد في الثمر الرطب صلح ييبس أو لم يصلح، لأن الأترج لا ييبس.

стр. 2438

والذي ذهب إليه الشافعي: أن السارق إذا سرق ما قيمته ربع دينار قطع سواء كان رطبًا أو يابسًا. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: لا يجب القطع في الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد كالفواكه والطبائخ. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن حميد الطويل أنه سمع قتادة يسأل أنس بن مالك عن القطع؟ فقال أنس: حضرت أبا بكر الصديق ﵁ فقطع سارقًا في شيء ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم. وهذا الحديث ذكره الشافعي ﵁ مؤكدًا لحديث عائشة وابن عمر، وبيانا لما ذهب إليه، فإن أنسًا قال: إن الذي قطع فيه ما يسرني أن يكون لي بثلاثة دراهم فإنها أنفس عنده منه، وهذا مبالغة في وجوب القطع بهذا القدر المذكور. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا غير واحد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي -كرم الله وجهه- قال: القطع في ربع دينار فصاعدًا. وهذا الحديث مؤكد لما سبق من تعيين القطع في ربع دينار. وقد روى هذا الحديث سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليًا قطع يد سارق في بيضة من [حديد ثمنها] (١) ربع دينار. والقائلون بخلاف هذه الأحاديث محتجون بما روي عن ابن عباس ﵁ قال: كانت قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم. والعجب ممن يرد حديث عائشة وابن عمر وعثمان وأنس وعلي الثلاثة من الطرق المختلفة الواردة في كتب الصحاح ويتمسك بمثل هذا الحديث؛ وبحديث ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله! ومن أنصف ورجع إلى

стр. 2439

أدنى معرفة بالأخبار؛ علم أن مثل هذه الأخبار لا يترك حديث عائشة وابن عمر ومن ذكرناه، ومن أعجب الأشياء أنهم قالوا في حديث سفيان، عن عائشة: أنها حكت قيمة ما قطع فيه النبي ﷺ برأيها؛ وربما كان عند غيرها أكثر! ولا يعتبر هذا في حديثه الذي تمسك به؟! فإن هذا التأويل واقع عليه وداخل فيه لأنه قال: كانت قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم. ومن ينكر ذلك فإن مجنًا يساوي ثلاثة، وآخر يساوي عشرة، وآخر يساوي أكثر، وآخر يساوي أقل. فابن عباس حكى الحال التي قطع النبي ﷺ فيها ذلك السارق؛ وأن المجن كانت قيمته عشرة دراهم، وغيره حكى مجنًا قيمته ثلاثة دراهم. وإذا رجعنا إلى النص الصريح انقطعت حجة كل محتج ودحضت أدلة كل مخالف. قال الشافعي (١): قلت لبعض الناس: هذه سنة رسول الله ﷺ أن يقطع في ربع دينار فصاعدًا، فكيف قلت: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعدا؟ وما حجتك في ذلك؟ قال: قد روينا عن شريك، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن عن النبي ﷺ شبيهًا بقولنا، قلت: أتعرف أيمن؟ أما أيمن الذي روى عنه عطاء: فرجل صدق لعله أصغر من عطاء؛ وروى عنه عطاء حديثاً عن امرأة كعب، عن كعب فهذا منقطع؛ والحديث المنقطع لا يكون حجة، قال: فقد روى شريك، عن منصور، عن مجاهد، عن أيمن ابن أم أيمن -أخي أسامة لأمه- قلت: لا علم لك بأصحابنا أخو أسامة قتل مع رسول الله ﷺ يوم حنين قبل مولد مجاهد، ولم يبق بعد رسول الله ﷺ فيحدث عنه، قال: فقد روينا عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قطع في ثمن المجن، قال ابن عمرو: فكانت قيمة المجن على عهد رسول الله ﷺ دينارًا.

стр. 2440

قلت له: هذا رأي من عبد الله بن عمرو، وفي رواية عمرو بن شعيب: والمجان قديما وحديثًا سلع يكون ثمن عشرة ومائة ودرهمين، وإذا قطع رسول الله ﷺ في ربع دينار قطع في أكثر منه، فأنت تزعم أن عمرو بن شعيب ليس ممن يقبل روايته وتترك شيئًا رواها يوافق أقاويلنا وتقول غلط، فكيف ترد روايته مرة ثم تحتج بها على أهل الصدق والحفظ؟ مع أنه لم يرو شيئًا يخالف قولنا. وبسط الكلام في ذلك إلى أن قال: فليس لأحد مع رسول الله ﷺ حجة وعلى المسلمين اتباع أمره. قال الشافعي: فلا إلى حديث صحيح ذهب، ولا إلى ما يذهب إليه من ترك الحديث واستعمل ظاهر القرءان. والله أعلم. وقال الشافعي فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن عيسى بن أبي عزة وعن الشعبي، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قطع سارقًا في قيمة خمسة دراهم. وهم يخالفون هذا، يقولون: لا يقطع في أقل من عشرة دراهم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى ابن حبان أن رافع بن خديج أخبره أن رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمر ولا كَثَر". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ بمثله. هذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي. أما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن محمد، عن عمه، عن رافع. وقال: هكذا روى بعضهم وروى مالك وغير

стр. 2441

واحد: عن محمد، عن رافع. بإسقاط عمه. وأما النسائي (١): فأخرجه عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى، عن رافع. وعن أحمد بن محمد بن رجاء، عن وكيع، عن سفيان. وهذا الحديث أخرجه الشافعي في السرقة من الحرز، قال: وبهذا نقول: لا قطع في ثمر معلق لأنه في غير حرز ولا جمار لأنه غير محرز. واحتج بهذا الحديث بعض الناس وقال: فمن ها هنا قلنا لا يقطع في الثمر والرطب. قال الشافعي: والثمر اسم جامع للرطب واليابس من الثمر، فيسقط القطع عمن سرق تمرًا في بيت، وإنما أجاب النبي ﷺ حين قال: "لا قطع في ثمر ولا كَثَر" على ما سئل عنه وكان حيطان المدينة ليس عليها حظَار (٢)، ولأنه يقول: "فإذا آواه الجرين ففيه القطع" ولتفصيل الحرز في كتب الفقه شرح وبسط ليس هذا موضع ذكره فإن كتب الفقه به أولى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن أبي حسين، عن عمرو بن شعيب، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمر معلق، فإذا آواه الجرين ففيه القطع". هذا حديث منقطع، وقد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي مسندًا. أما أبو داود (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول

стр. 2442

الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مختصرًا أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه". وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن عبد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ في كم تقطع اليد؟ قال: "لا تقطع [اليد في ثمر معلق فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن ولا تقطع] (٣) في حريسة الجبل؛ فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن". وله روايات أخرى، وكلهم أخرجوه مسندًا ألا مالكًا فإنه أخرجه منقطعًا بالإسناد المذكور. الجرين: موضع الثمار الذي يجفف فيه كالبيدر للغلة. والمراح -بالضم-: الموضع الذي تأوي إليه الماشية ليلاً. وآواه المراح: أي ضمه وجمعه. والخبنة: ما تحمله في حصنك، وقيل: هو ما تأخذه في خبنة ثوبك وهو

стр. 2443

ذيله وأسافله. والخلسه: الاسم من خلست الشيء واختلسته: إذا استلبه ونهبه. وحريسة الجبل: قيل: هي فعيلة بمعنى مفعولة أي: محروسة، المعنى: ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع، لأنه ليس بموضع حرز. وقيل: إن الحريسة: السرقة نفسها، يقال: حرس يحرس حرسا: إذا سرق. وقوله: "فعليه غرامة مثليه والعقوبة" هذا يقول به أحمد. أما الشافعي فإنما يوجب عليه غرامة مثله ولا يوجب عليه القطع. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله أن صفوان بن أمية قيل له: من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان المدينة فنام في المسجد فتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه من تحت رأسه، فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى النبي ﷺ ؛ فأمر به رسول الله ﷺ تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا؛ هو عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ : "فهلَّا قبل أن تأتيني به"؟!. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس عن النبي ﷺ مثل حديث مالك. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد واللفظ وقال فيه: فأمر به أن تقطع يده. وأخرجه أبو داود (٢): عن محمد بن يحبي بن فارس، عن عمرو بن حماد ابن طلحة، عن أسباط، عن سماك بن حرب، عن حميد ابن أخت صفوان،

стр. 2444

عن صفوان بن أمية. وقال في حديثه: كنت نائمًا على خميصة لي ثمنها ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها. وفي أخرى ذكر الرداء. وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عمرو, عن أسباط. برواية أبي داود. وعن محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان بن أمية. والروايتان اللتان أخرجهما الشافعي مرسلتان، ولذلك أكد إحداهما بالأخرى. والتوسد: أن يتخذ وسادة وهي: المخدة. وقوله: "فأمر به تقطع يده" هكذا جاء في نسخ المسند وكأنه قد سقط منه "أن" وقد جاءت مذكورة في الموطأ. وقوله: "فهلا قبل أن تأتيني به"؟ أي: هلا تصدقت به عليه ووهبته ذنبه قبل أن تأتيني به وتعلمني بسرقته، فإنه بعد أن بلغتني سرقته فلابد لي من قطعه، وقد جاء في الحديث: "تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" وقال: "إذا بلغ الحد السلطان فلعن الله الشافع والمشفع". والذي ذهب إليه الشافعي: أن من فرش ثوبًا ونام عليه أو توسده وسرقه منه أحد، وجب عليه القطع لأن ذلك حرز مثله في العادة؛ فإن تدحرج في نومه فأخذ لم يجب القطع.

стр. 2445

قال الشافعي: فانظر بدأ إلى الحال التي يسرق فيها السارق؛ فإذا فرق بين السرقة وبين حرزها فقد وجب الحد عليه؛ فإن وهبت السرقة للسارق قبل [أن] (١) يقطع قطع. واحتج بحديث صفوان. وقال أيضاً: وانظر إلى المسروق فإن كان في موضع تنسبه العامة إلى أنه في مثل ذلك الموضع محرز، فاقطع فيه، فرداء صفوان كان محرزًا باضطجاعه عليه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن عبدا له سرق وهو آبق، فأبى سعيد بن العاص أن يقطعه فأمر ابن عمر فقطعت يده. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٢): أن عبدًا لعبد الله بن عمر سرق وهو آبق، فأرسل به عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص -وهو أمير المدينة- ليقطع يده، فأبى سعيد أن يقطع يده وقال: لا تقطع يد الآبق إذا سرق، فقال له عبد الله بن عمر: في أي كتاب الله وجدت هذا؟ ثم أمر به عبد الله بن عمر فقطعت يده. الآبق: الهارب، أبق العبد يأبق ويأبق -بالكسر والضم- أباقا فهو آبق: إذا هرب من مولاه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن العبد إذا سرق وجب عليه القطع سواء كان آبقا أو غير آبق. وقال أبو حنيفة: إذا كان آبقا لا يقطع. وحكى مثل ذلك عن ابن عباس.

стр. 2446

وللسيد أن يقيم الحد على عبده في الزنا والقذف والشرب، فأما القطع في السرقة والقتل في الردة ففيهما وجهان؛ والمذهب أن له ذلك، وقد نص على القطع في البويطي. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو بن الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر بن الخطاب فقال له: اقطع يد هذا فإنه سرق، فقال له عمر: ماذا سرق؟ قال: سرق مرآة لامرأتي قيمتها ستون درهمًا، فقال له عمر: أرسله ليس [عليه] (١) قطع، خادمكم سرق متاعكم. هذا حديث الموطأ (٢) بالإسناد واللفظ. والمرآة -بكسر الميم- والمد:- معروفة وتجمع مراء بوزن غزال والكثير على: مرايا بوزن خطايا. والمذهب في هذه المسألة: أن العبد إذا سرق من مال سيده لا يقطع به استدلالًا بهذا الحديث، لأن عمر حكم بذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد؛ وذلك تخصيص للآية فكان إِجماعًا. وحكى عن داود أنه قال: يقطع لعموم الآية. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: خرجت عائشة إلى مكة ومعها مولاتان وغلام لابن عبد الله بن أبي بكر الصديق، فبعث مع المولاتين ببرد مراجل قد خيط عليه خرقة خضراء، قالت: فأخذ الغلام البرد ففتق عنه فاستخرجه؛ وجعل مكانه لبدًا أو فروة وخاط عليه؛ فلما قدمت المولاتان دفعتا ذلك إلى أهله، فلما فتقوا عنه

стр. 2447

وجدوا اللبد ولم يجدوا فيه البرد؛ فكلموا المولاتين فكلمتا عائشة -زوج النبي ﷺ [أو كتبتا إليها واتهمتا العبد فسئل العبد عن ذلك، فاعترف فأمرت به عائشة زوج النبي ﷺ ] (١) فقطعت يده، وقالت عائشة ﵂: القطع في ربع دينار فصاعدًا. هذا حديث الموطأ (٢) إسنادًا ولفظًا وزاد فيه: فكلمتا عائشة -أو كتبتا إليها- واتهمتا العبد فسئل العبد عن ذلك فاعترف فأمرت به عائشة فقطت يده (٣). فبعث مع المولاتين ببرد: يريد: أنه بعث معهما قوم من مكة إلى المدينة، وقد جاء في بعض نسخ المسند: "فبعثت" فإن صحت به الرواية فالضمير راجع إلى عائشة. والمراجل -بالجيم-: ضرب من برد اليمن. والذي ذهب إليه الشافعي: أن جناية العبد لا تخلو: إما أن تثبت ببينة أو بإقراره، فإن ثبتت ببينة نظرت: فإن كانت موجبة للقصاص كان أولى الجناية أن يستر فيها، وإن كانت موجبة للمال أو اختار ولي القصاص أن يعفو على مال يعلق ذلك برقبته. وإن كانت الجناية ثبتت بإقراره: فإن كانت بموجب القصاص قبل إقراره وكان للمقر استيفاؤه. وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال زفر والمزني وداود وابن جرير: لا يقبل إقراره. وقال: [يقبل] (٤) إقراره فيما دون النفس. وإذا أقر بسرقة توجب القطع قطع، وإن لم توجب القطع كالسرقة من غير

стр. 2448

حرز فإن إقراره لا يصح في حق سيده؛ ويكون المقر به في ذمته تالفا أو باقيا لأنه متهم بإقراره. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أن رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم على أبي بكر الصديق؛ فشكى إليه أن عامل اليمن ظلمه وكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم افتقدوا حليًا لأسماء بنت عميس -امرأة أبي بكر- فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بَيَّتَ أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ، وأن الأقطع جاء به فاعترف الأقطع أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي من سرقته. هذا الحديث أخرجه الموطأ (١) وقال فيه: "عقدًا" بدل "الحلي". قوله: "افتقدوا": افتعلوا من فقدت الشيء أفقده إذ لم تجده أو غاب عنك. وقوله: "بيَّت أهل هذا البيت الصالح" يريد: سرق، والبيات: فعل الشيء ليلاً على غفلة ومنه تبييت العدو. وقوله: "لدعاؤه على نفسه أشد عندي من سرقته" يريد قول الأقطع: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت، أي: خذ من فعل ذلك وانتقم منه، فكان هذا القول عند الصديق أعظم من السرقة، لأن إقدامه على السرقة -وإن كان كبيرًا- فإنه زلة حملته نفسه عليها. وأما قوله ذلك بعد السرقة: فإنه لا يصدر إلا عن نية خبيثة وقلب فاسد ونفس شريرة، حيث لم يستعظم زلته بالسرقة؛ فكرر هذا القول لينفي عنه التهمة؛ وجعل القول طريقًا إلى الانتفاع بما سرقه؛ مع ما فيه من النفاق،

стр. 2449

والرياء، والكذب؛ وتمشية أمر السرقة ليخلص له نفعها، فكان هذا عند الصديق أعظم من السرقة. وقد جاء في رواية الموطأ: أن دعاء أشد عليه عندي من سرقته فجعل عظم ذلك وشدته على السارق أعظم من سرقته، وأن عقوبة هذا الذنب في نظري أشد على السارق من عقوبة السرقة. وهذا المعنى وإن كان صريحًا في رواية الموطأ؛ فإن رواية الشافعي أيضًا تقتضيه. لأن شدة الذنب وعقوبته إنما تعود على المذنب. هذا الحديث مسوق لوجوب تكرار القطع بتكرار موجبه. قال الشافعي عقيب هذا الحديث: فبهذا كله نأخذ. وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أبي بكر مثله. وروي عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن صفية في هذه القصة قالت: فأراد أبو بكر أن يقطع رجله ويدع يده ليستطيب بها، فقال عمر: والذي نفسي بيده، لنقطعن يده الأخرى، فأمر به أبو بكر فقطعت. وتفصيل المذهب: أنه إذا تكررت السرقة من واحد ولم يقطع، تداخل الحد وقطعت يده لا غير لأنه حد من حدود الله -تعالى- فإذا اجتمعت تداخلت كحد الزنا فإن سرق فقطعت يده ثم سرق فقطعت رجله، سواء سرق منه أولا أو من غيره، وسواء سرق تلك العين التي قطع فيها أو في غيرها. وقال أبو حنيفة: إذا سرق تلك العين التي قطع فيها لم يجب القطع. وأول ما يقطع من السارق يده اليمنى؛ فإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، وبه قال الجماعة إلا ما حكي عن عطاء أنه قال: يقطع يده اليسرى، فإذا سرق ثالثة فقطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى. وروي مثل

стр. 2450

ذلك عن أبي بكر وعمر وبه قال مالك وإسحاق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: لا يقطع في الثالثة والرابعة. وروي ذلك عن علي. وإن سرق الخامسة عزر وحبس. وروي عن عثمان بن عفان وعمرو بن العاص أنهما قالا: يقتل. وقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل الذي بين الساق والقدم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن: "أن النبي ﷺ لعن المختفي والمختفية". قال الشافعي: وقد رويت أحاديث مرسلة في العقوبات وتوقيتها تركناها لانقطاعها. المختفى: من اختفى يختفي فهو مختف، تقول: اختفيت الشيء إذا استخرجته، والمختفي: النباش لأنه يستخرج الأكفان، ويجوز أن يكون من الخفية الركية. قال ابن السكيت: كل ركية كانت حفرت ثم تركت حتى اندفنت ثم احتفروها ونثلوها فهي خفية. قال أبو عبيد: لأنها استخرجت وأظهرت. قال الشافعي: ويقطع النباش إذا أخرج الكفن من جميع القبر، لأن هذا حرز مثله. وروي مثل ذلك عن عائشة وابن الزبير، وبه قال ابن المسيب وعطاء والشعبي وإبراهيم والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك وحماد بن أبي سليمان وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود. وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقطع لأن القبر ليس حرزًا.

стр. 2451

وقالت عائشة: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا. وروى البراء عن النبي ﷺ أنه قال: "ومن نبش قطعناه" (١). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب أن رفقاء لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر كثير بن الصلت أن تقطع أيديهم، ثم قال عمر: إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرمًا ليشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم. قال عمر: أعطه ثمانمائة درهم. هذا حديث الموطأ (٢) إسنادًا ولفظًا. الرقيق: فعيل بمعنى مفعول من الرق: الملك والعبودية، وهو واحد يقع على القليل والكثير والذكر والأنثى. وانتحروها: افتعلوا من النحر، نحرت الناقة والجمل نحره نحرًا. وقوله: "إني أراك تجيعهم" يريد: أن الجوع حملهم على سرقة هذه الناقة ونحرها ليأكلوها. والغرم: الاسم من غرمه غرمًا وغرامة: إذا أديت ما لزمك أداؤه. وقوله: "يشق عليك" إشارة إلى إلزامه بالثمن في مقابلة إجياعه رقيقه؛ فإن من يبخل على عبيده الذين يلزمه نفقتهم بقوتهم، يكون إخراج المال عليه شاقًا. والذي ذهب إليه الشافعي: أن السارق إذا سرق نصابًا من حرز قطع، ووجب عليه رد العين المسروقة إن كانت باقية، وبدلها إن كانت تالفة. وبه قال الحسن البصري وعثمان البتي وحماد بن أبي سليمان وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود.

стр. 2452

وقال أبو حنيفة والثوري: إن كانت العين باقية ردها وقطع، وإن كانت تالفة: فإن طالب صاحبها بغرم فغرم له سقط القطع، وإن لم يطالب بالغرم حتى قطعه الحاكم سقط الغرم. وإن أتلف العين بعدما قطع؟:- قال أبو حنيفة: يغرمها. رواه عنه ابن زياد. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يغرمها. وقال مالك: إن كان السارق معسرًا لم يغرم. وعدول عمر بن الخطاب ﵁ عن قيمة ناقته إلى ضعفها، إنما فعله عقوبة له: لأجل إجاعته رقيقه، وبخله عليهم بقوتهم حتى سرقوا. قال الشافعي: لا يضعف الغرامة على أحد في شيء؛ إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال؛ وإنما تركنا تضعيف الغرامة من قبل أن رسول الله ﷺ قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها. قال: وإنما هي مضمونة بالقيمة لا بالقيمتين، ولا يقبل قول المدعي لأن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". وأخرج الشافعي فيما حكى عن أبي يوسف قال: أخبرنا بعض أشياخنا، عن ميمون بن مهران عن النبي ﷺ أن عبدًا من الحبش سرق من الخمس فلم يقطعه وقال: "مال الله بعضه في بعض". قال: وحدثنا بعض أشياخنا عن سماك بن حرب، عن ابن النابغة عن علي ابن أبي طالب ﵁ أن رجلاً سرق مغفرًا من المغنم فلم يقطعه. قال الشافعي: ضرب رسول الله ﷺ للأحرار بسهمان ورضخ للعبيد، فإذا سرق أحد حضر المغنم من المغنم شيئًا لم أر عليه قطعًا لأن الشرك بالقليل والكثير سواء. والله أعلم.

стр. 2453

الباب الخامس في قطاع الطريق أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن صالح -مولى التوأمة- عن ابن عباس في قطاع إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. القطاع: جمع قاطع، ومعنى قطع الطريق: أنهم يمنعون من يسير بما يفعلونه من القتل والنهب؛ فيمتنع الناس من المسير في تلك الطريق خوفًا منهم، فكأنهم بهذا الفعل قد قطعوا الطريق عن الاتصال؛ فلا يقدر السالك على سلوكها لأنها قد انقطعت فلم تبق طريقًا. وقوله: "من خلاف" يريد: اليمنى والرجل اليسرى. والسبيل: الطريق. وإخافتها من الخوف. قال الشافعي (١) عقيب هذا الحديث: وبهذا نقول، وهو موافق معنى كتاب الله وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل أو السبي أو الجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم على ما قال ابن عباس: أن الله -تعالى- قال: والنفي من الأرض إنما هو طلبهم من بلد إلى بلد لإقامة الحد عليهم أين ظفر بهم، فكأنهم يطلبهم من أماكنهم التي يهربون إليها، وانتقال من مكان إلى مكان خوفًا من الظفر بهم قد

стр. 2454

نفوا من الأرض. وقد روي هذا القول عن ابن عباس وقتادة وأبي مجلز وبه قال حماد والليث وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إن قَتل قُتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين: أن يقتله ويصلبه، وبين أن يقطعه ويقتله، وبين أن يجمع له بين القطع والقتل والصلب. وقال مالك: إذا شهر السلاح وقطع الطريق فإن الإمام إذا رآه جلدًا ذا رأي قتله، وإن كان جلدًا لا رأي له قطعه. ولم يعتبر فعله. وذهبت طائفة: إلى أن الآية على التخيير للإمام أن يفعل أي الأحكام أراد. وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي والضحاك وداود. قال الشافعي: قال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ...﴾ (١) فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حد الله وأخذت حقوق بني آدم. وقال في كتاب الشهادات (٢): فأخبر الله بما عليهم من الحد إلا أن يتوبوا من قبل أن يقدر عليهم، وذكر حد الزنا والسرقة ولم يذكره فيما استثنى، فاحتمل ذلك أن لا يكون الاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة، واحتمل أن يكون كل حد لله فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه. والله أعلم. ...

стр. 2455

الباب السادس في حد الخمر وذكر الأشربة وفيه ثلاثة فصول:- الفصل الأول في الخمر والأنبذة أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي ابن كعب شراب فضيخ تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مِهْراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسَّرت". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا إلا أنه قال: شرابًا من فضيخ وتمر. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك وأخرجه من روايات أخرى كثيرة. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن ثابت. عن أنس.
следующие страницы →