وقالت عائشة: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا.
وروى البراء عن النبي ﷺ أنه قال: "ومن نبش قطعناه" (١).
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب أن رفقاء لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر كثير بن الصلت أن تقطع أيديهم، ثم قال عمر: إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرمًا ليشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم. قال عمر: أعطه ثمانمائة درهم.
هذا حديث الموطأ (٢) إسنادًا ولفظًا.
الرقيق: فعيل بمعنى مفعول من الرق: الملك والعبودية، وهو واحد يقع على القليل والكثير والذكر والأنثى.
وانتحروها: افتعلوا من النحر، نحرت الناقة والجمل نحره نحرًا.
وقوله: "إني أراك تجيعهم" يريد: أن الجوع حملهم على سرقة هذه الناقة ونحرها ليأكلوها.
والغرم: الاسم من غرمه غرمًا وغرامة: إذا أديت ما لزمك أداؤه.
وقوله: "يشق عليك" إشارة إلى إلزامه بالثمن في مقابلة إجياعه رقيقه؛ فإن من يبخل على عبيده الذين يلزمه نفقتهم بقوتهم، يكون إخراج المال عليه شاقًا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن السارق إذا سرق نصابًا من حرز قطع، ووجب عليه رد العين المسروقة إن كانت باقية، وبدلها إن كانت تالفة. وبه قال الحسن البصري وعثمان البتي وحماد بن أبي سليمان وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود.
стр. 2452
وقال أبو حنيفة والثوري: إن كانت العين باقية ردها وقطع، وإن كانت تالفة: فإن طالب صاحبها بغرم فغرم له سقط القطع، وإن لم يطالب بالغرم حتى قطعه الحاكم سقط الغرم.
وإن أتلف العين بعدما قطع؟:-
قال أبو حنيفة: يغرمها. رواه عنه ابن زياد.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يغرمها.
وقال مالك: إن كان السارق معسرًا لم يغرم.
وعدول عمر بن الخطاب ﵁ عن قيمة ناقته إلى ضعفها، إنما فعله عقوبة له: لأجل إجاعته رقيقه، وبخله عليهم بقوتهم حتى سرقوا.
قال الشافعي: لا يضعف الغرامة على أحد في شيء؛ إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال؛ وإنما تركنا تضعيف الغرامة من قبل أن رسول الله ﷺ قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها.
قال: وإنما هي مضمونة بالقيمة لا بالقيمتين، ولا يقبل قول المدعي لأن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه".
وأخرج الشافعي فيما حكى عن أبي يوسف قال: أخبرنا بعض أشياخنا، عن ميمون بن مهران عن النبي ﷺ أن عبدًا من الحبش سرق من الخمس فلم يقطعه وقال: "مال الله بعضه في بعض".
قال: وحدثنا بعض أشياخنا عن سماك بن حرب، عن ابن النابغة عن علي ابن أبي طالب ﵁ أن رجلاً سرق مغفرًا من المغنم فلم يقطعه.
قال الشافعي: ضرب رسول الله ﷺ للأحرار بسهمان ورضخ للعبيد، فإذا سرق أحد حضر المغنم من المغنم شيئًا لم أر عليه قطعًا لأن الشرك بالقليل والكثير سواء. والله أعلم.
стр. 2453
الباب الخامس
في قطاع الطريق
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن صالح -مولى التوأمة- عن ابن عباس في قطاع إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض.
القطاع: جمع قاطع، ومعنى قطع الطريق: أنهم يمنعون من يسير بما يفعلونه من القتل والنهب؛ فيمتنع الناس من المسير في تلك الطريق خوفًا منهم، فكأنهم بهذا الفعل قد قطعوا الطريق عن الاتصال؛ فلا يقدر السالك على سلوكها لأنها قد انقطعت فلم تبق طريقًا.
وقوله: "من خلاف" يريد: اليمنى والرجل اليسرى.
والسبيل: الطريق.
وإخافتها من الخوف.
قال الشافعي (١) عقيب هذا الحديث: وبهذا نقول، وهو موافق معنى كتاب الله وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل أو السبي أو الجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم على ما قال ابن عباس: أن الله -تعالى- قال: والنفي من الأرض إنما هو طلبهم من بلد إلى بلد لإقامة الحد عليهم أين ظفر بهم، فكأنهم يطلبهم من أماكنهم التي يهربون إليها، وانتقال من مكان إلى مكان خوفًا من الظفر بهم قد
стр. 2454
نفوا من الأرض. وقد روي هذا القول عن ابن عباس وقتادة وأبي مجلز وبه قال حماد والليث وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن قَتل قُتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين: أن يقتله ويصلبه، وبين أن يقطعه ويقتله، وبين أن يجمع له بين القطع والقتل والصلب.
وقال مالك: إذا شهر السلاح وقطع الطريق فإن الإمام إذا رآه جلدًا ذا رأي قتله، وإن كان جلدًا لا رأي له قطعه. ولم يعتبر فعله.
وذهبت طائفة: إلى أن الآية على التخيير للإمام أن يفعل أي الأحكام أراد.
وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي والضحاك وداود.
قال الشافعي: قال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ...﴾ (١) فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حد الله وأخذت حقوق بني آدم.
وقال في كتاب الشهادات (٢): فأخبر الله بما عليهم من الحد إلا أن يتوبوا من قبل أن يقدر عليهم، وذكر حد الزنا والسرقة ولم يذكره فيما استثنى، فاحتمل ذلك أن لا يكون الاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة، واحتمل أن يكون كل حد لله فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه. والله أعلم.
...
стр. 2455
الباب السادس
في حد الخمر وذكر الأشربة وفيه ثلاثة فصول:-
الفصل الأول في الخمر والأنبذة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي ابن كعب شراب فضيخ تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مِهْراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسَّرت".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا إلا أنه قال: شرابًا من فضيخ وتمر.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك وأخرجه من روايات أخرى كثيرة.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن ثابت. عن أنس.
стр. 2456
وأما النسائي (١): فأخرجه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
الفضخ: كسر الشيء الأجوف، والفضيخ: شراب يتخذ من البسر المطبوخ وهو المشدوخ.
والمهراس: حجر ثقيل يشال ليعرف به شدة الرجال، سمي مهراسا: لأنه يهرس به أي: يدق.
والذي أراد به في الحديث: حجر كانوا يدقون به ما يحتاجون إليه. والمهراس في غير هذا الموضع: صخرة منقورة يكون فيها الماء لا ينقلها الرجال، وتسع كثيرًا من الماء.
وقد جاء في بعض نسخ المسند: "فضربتها بأسفلها" فأنث الضمير، فإن صحت الرواية به فكأنه نظر إلى أن المهراس صخرة، وأنه يقع على الصخرة فأنث لذلك.
وهذا الحديث: بيان لتحريم الأنبذة وإلحاقها بالخمر، وبيان لجواز إطلاق اسم الخمر عليها. ألا تراه قال: كنت أسقيهم شرابًا من فضيخ وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فأمره بكسر الجرار. فلو لم يعلم أن اسم الخمر يقع على شراب الفضيخ والتمر؛ وأن التحريم لاحق بها, لما أمره بكسرها وإراقتها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
стр. 2457
أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه في جملة حديث عن أبي الربيع العتكي وأبي كامل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع. وذكر حديثًا وجاء في آخره بهذا المعنى.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن يحيى بن درست، عن حماد بن زيد.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن قتيبة وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم كلاهما عن مالك.
قوله: "حرمها في الآخرة ولم يشربها في الآخرة" هذا من باب التعليق في باب الخطاب وعلم البيان، كقول الشاعر:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم
وكقولهم: فلان طويل النجاد، عظيم الرماد.
فقوله: "بعيدة مهوى القرط" فإنما يصف بهذا الكلام طول عنقها, ولكنه لما كان بعد مهوى القرط؛ إنما يكون لطول العنق ذكر ما هو مسبب عنه؛ وترك
стр. 2458
ذكر السبب الذي هو طول العنق. وهذا حسن في مواقع الخطاب لأنه يجمع بين السبب والمسبب عنه. وكذلك: "طويل النجاد، وعظيم الرماد" يريد: طويل القيائمة وكثرة إضرام النار للضيفان وغيرهم.
وأمثال هذا في العربية وفصيح الكلام كثير، فقوله ﷺ : "حرمها في الآخرة" من هذا الباب، لأن الخمر إنما يشربها في الآخرة من دخل الجنة، فإنه ليس في الآخرة إلا جنة أو نار، والخمر من شراب أهل الجنة لقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (١)، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (٣) وشراب أهل النار: الحميم، فإذا لم يشرب الخمر في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن شربها مترتب على دخول الجنة فكأنه قال: من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها لم يدخل الجنة.
فذكر حرمانه إياها لاشتماله على حرمانه دخول الجنة.
ويجوز أن يكون المراد به: أنه لا يشربها في الآخرة عقوبة له على شربها في الدنيا مع عدم التوبة، فيكون قد حرم من نعيم الآخرة -ملاذ الجنة شرب خمرها- وإن دخلها. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة -زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام".
стр. 2459
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية.
وأما البخاري (٢): فأخرج الرواية الأولى عن علي، عن سفيان.
والثانية عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما [مسلم] (٣)(٤): فأخرج الأولى عن يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب كلهم عن سفيان.
وأخرج الثانية: عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (٥): فأخرج الأولى عن مسدد وموسى بن إسماعيل، عن مهدى ابن ميمون، عن أبي عثمان عمرو بن سلم الأنصاري، عن القاسم، عن عائشة وزاد: وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام.
وأخرج الثانية: عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٦): فأخرج الأولى عن عبد الله بن معاوية الجمحي، عن مهدي بن ميمون. مثل أبي داود.
وأخرج الثانية: عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك.
وأما النسائي (٧): فأخرج الأولى عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة، عن سفيان.
стр. 2460
وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن مالك.
قوله: "أسكر" أي فيه قوة الإسكار ومن شأنه أن يسكر إذا شرب؛ لا أنه يريد القدر الذي يسكر منه؛ بدليل أن قليل الخمر المعتصر من العنب حرام إجماعًا، وهو لا يسكر قليله إنما يسكر كثيره؛ ويؤيد ذلك الزيادة التي في رواية أبي داود والترمذي وهي قوله: "ما أسكر منه الفرق" وهو إناء يسع ستة عشر رطلاً: "فملء الكف منه حرام".
وقوله: "كل شراب" على جهة العموم يتناول الأشربة كلها فيها ومطبوخها عنبها وزبيبها وتمرها وغير ذلك؛ مما يتخذ منه الشراب المسكر فلا وجه لتخصيص أحد الأشربة؛ كيف والأحاديث متعاضدة على ذلك.
والبِتْع -بكسر الباء وسكون التاء-: شراب يتخذ باليمن من العسل وهذا من أقوى الأدلة على عموم التحريم لكل مسكر، لأنهم لما سألوه عن البتع ظنا منهم أن له حكمًا خاصا؛ وأنه غير داخل في عموم التحريم، قال لهم في الجواب: "كل شراب أسكر فهو حرام"، التقدير: إن كان البتع يسكر فهو حرام، ألا تراه لما سئل عن نوع واحد من أنواع الأنبذة وهو البتع؛ أجابهم بتحريم الجنس فدخل فيه القليل والكثير؛ ولو كان فيه تفصيل الشيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الخمور والأنبذة كلها وكل شراب مسكر فهو حرام.
أما الخمر المعتصرة من العنب إذا قدمت بالمربد واشتدت، فقليلها وكثيرها حرام إجماعًا لا خلاف فيه.
وأما غيرها من الأنبذة: فاختلف العلماء في تحريمها:-
فروي تحريمها عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وعائشة. وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
стр. 2461
وقال أبو حنيفة: الأشربة على أربعة أضرب:-
أحدها: الخمر: وهو عصير العنب إذا اشتد وقذفت بالزبد؛ فهو حرام قليله وكثيره. وأسقط أبو يوسف ومحمد قذف بالزبد واشترط الاشتداد دون الغليان.
والثاني: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا ما أسكر منه، وإن طبخه عنبا ففيه روايتان:-
إحداهما: يجرى مجرى عصيره والمشهور أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه.
والثالث: نقيع التمر والزبيب إذا اشتد يكون حرامًا؟ وإذا طبخ حتى يشتد كان حلالًا إلا المسكر منها ولا يعتبر أن يذهب ثلثاه.
والرابع: أن تنبذ الحنطة والشعير والذرة والأرز والعسل ونحو ذلك فإنه حلال سواء كان نقيعًا أو مطبوخًا.
وقد اختلف العلماء في تسمية الأنبذة خمرًا: فقال جماعة -وهم الأكثر: الكل يسمى خمرا.
وقال غيرهم: لا يسمى خمرًا.
ومن قال بالأول جعل اسم الخمر في المعتصر من العنب حقيقة وفي الأنبذة مجازًا.
قال: وللشارع أن ينقل الأسماء ويتسع فيها, ولأنه إن كانت الخمر إنما سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي: تخمره أي: تغطيه فإن الأنبذة كذلك مجاز أن يعطى اسمها المشتق من هذا الفعل حيث هو موجود فيها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه أن أبا وهب الجيشاني سأل رسول الله ﷺ عن البتع؟ فقال: "كل مسكر حرام".
هذا الحديث هكذا جاء في المسند من رواية سفيان مرسلًا لأن أبا وهب
стр. 2462
تابعي، وقد غلط في القول حيث قال إنه سأل رسول الله ﷺ ، وكذا جاء الحديث في كتاب السنن وفيه نظر.
والحديث الصحيح الثابت هو ما أخرجه مسلم (١): عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عمارة بن غرية، عن أبي الزبير، عن جابر أن رجلاً قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر؟ فقال النبي ﷺ : "أو مسكر هو"؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، إنَّ على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: "عرق أهل النار أو عصارة أهل النار".
فقول النبي ﷺ : "أو مسكر هو"؟ استفهام عن علة التحليل والتحريم، فلما قال له: نعم، قال: "كل مسكر حرام" فجاء باللفظ العام والحكم الكلي. وقد تقدم بيان ذلك في حديث عائشة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان قال: سمعت أبا الجويرية الجرمي يقول: إني لأول العرب سأل ابن عباس وهو مسند ظهره إلى الكعبة فسألته عن الباذق؟ فقال: سبق محمد الباذق وما أسكر فهو حرام.
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري والنسائي.
أما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان. وذكر الحديث وزاد فيه: قال: الشراب الحلال الطيب قال: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن أبي الجويرية قال:
стр. 2463
سمعت ابن عباس وسئل عن الباذق؟ الحديث.
الباذق: شراب معروف عندهم، ويحتمل أن يكون معربًا من باده، هو اسم الخمر بالفارسية.
وقال أبو عبيد: هي كلمة عربية ولم يعرفها.
وقوله: "سبق محمد الباذق" والسؤال عنه فحكم حكمًا عامًا يدخل فيه الباذق وغيره من المسكرات.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ سئل عن الغبيراء فقال: "لا خير فيها" ونهى عنها. فقال مالك: قال زيد: هي السكركة.
هكذا أخرج مالك هذا الحديث في الموطأ (١) مرسلًا عن عطاء، فقد أخرج أبو داود (٢) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء؟ وقال: " [كل] (٣) مسكر حرام".
وقال أبو داود: قال أبو عبيد: الغبيراء: السكركة.
وقد روي في حديث موصول عن أم حبيبة -زوج النبي ﷺ أنا ناسًا من أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن لنا شرابًا نصنعه من القمح والشعير؟ فقال: "الغبيراء"؟ قالوا: نعم، قال: "لا تطعموه".
الغُبَيْراء: -بضم الغين المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها
стр. 2464
نقطان وبالمد-: شراب تتخذه الحبش من الذرة يسكر.
والسكركة -بضم السين-: قد جاء في الحديث أنه الغبيراء.
قال الأزهري: روي عن أبي موسى الأشعري أن السكركة خمر الحبشة.
وقال أبو عبيد: هو من الذرة.
قال الأزهري: وليست بعربية.
وقوله: "لا خير فيها" بيان لحكمة النهي عنها.
وأما الميسر: فهو القمار.
وأما الكوبة: فهي الطبل ذو الرأسين، وقيل: إنه القصير منها وقيل: هو النرد.
وقوله: "لا تطعموه" بفتح التاء والعين لا تذوقوه شربًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام.
هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة إلا البخاري.
أما مالك (١): فأخرجه هكذا موقوفًا على ابن عمر في أكثر الروايات عنه، وقد رواه روح بن عبادة عنه مرفوعًا.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن إسحاق، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سليمان ومحمد بن عيسى في آخرين، عن
стр. 2465
حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن يحيى بن درست، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن سويد، عن عبد الله بن حماد، عن أيوب، عن نافع. كلهم رفعوه.
هذا الحديث من أقوى الأدلة على تحريم الأشربة المسكرة كلها، وذلك بإطلاق تسمية الخمر عليها باللفظ العام الكلي وهو قوله: "كل مسكر خمر" فأطلق اللفط والتسمية، ثم قال: "وكل مسكر حرام" فحصل من مجموع ذلك: أن الأنبذة المسكرة حرام، وقد جاء في بعض الروايات: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" فيحصل منه: أن كل مسكر حرام، وقد تقدم ذكره في إطلاق اسم الخمر على الأنبذة، وقد أعطى النبي ﷺ في هذا الحديث اسم الخمر لجميع الأشربة المسكرة، وما أراد به مجرد الاسمية فإنه لا فائدة فيه إنما أعطاها بما يقضيه حكم المسمى بهذا الاسم؛ وهو الخمر المعصرة من العنب وحكمها التحريم إجماعًا، فكان لها حكمها لذلك. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عمرو ابن سعد بن معاذ وعن سلمة بن عوف بن سلامة أخبراه عن محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام فشكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال عمر: اشربوا العسل فقالوا: لا يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن تجعل لنا -وفي نسخة: لك- من هذا الشراب شيئًا لا يسكر؟ فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوا به عمر فأدخل عمر فيه إصبعه ثم رفع يده
стр. 2466
فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء هذا مثل طلاء الإبل فأمرهم أن يشربوه، فقال له عبادة بن الصامت: أحللتها والله؟ فقال عمر: كلا والله، اللهم إني لا أحل لهم شيئًا حرمته عليهم، ولا أحرم عليهم شيئًا أحللته لهم.
هذا الحديث هكذا أخرجه مالك في الموطأ (١) وقال فيه: أن نجعل لك، وهكذا أخرجه البيهقي (٢).
الوباء -مقصورا وممدودا-: تغير الهواء في العالم وفساده فيعقب في الأبدان أمراضًا عامة لأكثر الناس ويحصل منه الموت السريع، بإجراء الله العادة في ذلك. والمراد به في هذا الحديث: كثرة الأمراض بالشام وحاجتهم إلى ما يعدل أمزجتهم ويصلحها لئلا تتعرض للوباء، ولهذا قال: "وبالأرض وثقلها" وذلك أن الأرض إذا كانت ثقيلة بمعنى أن هواءها وماءها وترابها, لا تكاد تصح منه الأبدان، فإن الغذاء [لا] (٣) ينهضهم كما يجب فيحدث فيه تغيرا.
وقوله: "أن تجعل لنا" هكذا جاء في نسخة السماع، وجاء في غيرها من النسخ: "نجعل لك"، فأما الأول: فكأنه أشبه باللفط والمعنى، لأن شكواهم كانت فيما يتعلق بأنفسهم، فلما منعهم قالوا: هل لك أن تجعل لنا شرابًا لا يسكر؟ ويحقق ذلك قوله: "فأمرهم أن يشربوه".
وأما قوله: "نجعل لك" فإن ذلك راجع إليه، يعنون أنك قد دخلت الشام ويحصي عليك من وبائها وثقلها، فهل نجعل لك شرابًا لا يسكر؟.
وقوله: "يتمطط" أي: يتمدد، أراد أنه كان ثخينًا فلما رفعه على إصبعه صعد عليها وسال ممتدًا لذلك.
والطلاء -ممدود-: شراب يتخذ من عصير العنب مطبوخًا، وبعض العرب
стр. 2467
يسمي الخمر: طلاء، يريد تحسين اسمها لا أنها الطلاء بعينها.
وقيل: إنما سمي هذا الشراب المطبوخ طلاء: تشبيها له بطلاء الإبل وهو القطران والكبريت وما يطلى به الإبل من الجرب، وقد قال عبيد بن الأبرص للمنذر حين أراد قتله:
هي الخمر تكنى الطلاء ... كما الذئب يكنى أبا جعدة
ضربه مثلًا أي: تظهر لي الإكرام وأنت تريد قتلي، كما أن الخمر وإن سميت طلاء حسن اسمها فإن فعلها قبيح، وكما أن الذئب وان كانت كنيته حسنة فإن عمله ليس بحسن.
وقوله: "كلا والله" أي ليس الأمر كما قلت وهذه كلا بمعنى "لا" وهي نافية، وفيها زيادة ردع وإنكار، وتحقيق النفي بخلاف لا وليس.
وهذا الشراب الذي ذكره أن يؤخذ عصير العنب وهو حلو غير مشتد ولا قاذف بزبد، فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وهو الندبس والرب المتخذ من العنب ولا خلاف أن ذلك حلال بين الناس لأنه طعام من الأطعمة، كما أن المعمول من التمر مثله ولم يقل أحد أنه حرام لأنه لا يسكر أبدًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني [وجدت] (١) من فلان ريح شراب فزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تامًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد أن عمر ابن الخطاب خرج فصلى على جنازة فسمعه السائب يقول: إني وجدت من عبيد الله وأصحابه ريح شراب، وأنا سائل عما شربوا فإن كان مسكرًا
стр. 2468
حددتهم.
قال سفيان: فأخبرني معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد أنه حضره يحدهم.
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١) وذكر الرواية الأولى.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
فلان المكنى به عنه في الرواية الأولى هو المصرح به في الرواية الثانية وهو: عبيد الله بن عمر بن الخطاب.
وقوله: "إن كان يسكر جلدته فجلده" فيه محذوف تقديره: سأل فقيل: يسكر فجلده.
وقوله: "الحد تاما" يعني أنه ألحقه بالمسكرات التي لا خلاف فيها؛ ولم يقتصر منه على بعضه لأجل شبهة أوجبت ذلك، ولا لحقه في حق ابنه رقة ورحمة، بل أكمل استيفاء الحد منه ولم تأخذه في الله لومة لائم ﵁.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، عن أمه -وكانت قد صلت القبلتين- أن رسول الله ﷺ نهى عن الخليطين وقال: "انبذوا كل واحد منهما على حدته".
قد روى هذا المعنى جماعة من الصحابة: منهم جابر وأبو قتادة وأبو سعيد وابن عباس وأنس وغيرهم، وأخرجت أحاديثهم في الصحاح فكلهم قالوا: نهى عن الخليطين وأن ينبذا معًا.
стр. 2469
والخليطان: تثنية الخليط فعيل بمعنى مفعول، والمراد بالخليطين: الزبيب والتمر أو البسر والرطب، وقد جاء مصرحًا به في روايات الجماعة وكذلك البسر والتمر، وكذلك الزهو والرطب. وإنما جاءت الكراهة في الخليطين لأن أحدهما يقوي صاحبه فتسرع الشدة فيه.
وقوله: "فانتبذوا كل واحد على حدته" أي: منفردًا تقول: قعد فلان على حدته أي وحده، ونبذه النبيذ إذا اتخذته.
وقد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين، وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكرًا عملًا بظاهر الحديث، ولم يجعلوه معدلا بالإسكار. وإليه ذهب عطاء وطاوس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث.
ومذهب الشافعي: أنه يكره.
قالوا: من شرب الخليطين قبل حدوث الشرط فيه فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شربه بعد حدوث الشدة فيه كان آثمًا من جهتين:-
إحدهما: شرب الخليطين.
والأخرى: شرب المسكر.
ورخص فيه سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ التمر والبسر جميعًا، والتمر والزهو جميعًا.
هذا الحديث قد أخرجه مالك في الموطأ (١) هكذا مرسلًا إلا أنه قال: نهى أن ينبذ البسر والرطب جميعًا، والتمر والزبيب جميعًا.
وقد تقدم شرح الخليطين في حديث أم معبد.
والزهو: الرطب إذا احمر أو اصفر.
стр. 2470
الفصل الثاني
في الأوعية
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنتبذوا في الدباء والمزفت" قال: ثم يقول أبو هريرة: واجتنبوا الحناتم والنقير.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت".
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والنسائي.
أما مالك (١): فأخرجه عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة. وذكر الحديث ولم يذكر النقير.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن وهب بن بقية، عن نوح بن قيس، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. وذكر نحوًا من هذا وأتم منه.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قريش بن عبد الرحمن، عن علي بن الحسن، عن الحسين، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة.
الدبَّاء -بضم الدل والتشديد والمد-: القرع، الواحدة دباءة.
والمزفت: الإناء المطلي بالزفت أو القار.
стр. 2471
والحناتم: جمع حنتم وهي جرار كانوا يجلبون فيها الخمر إلى المدينة.
قيل: إنها كانت خضراء.
والنقير: خشبة أو جذع ينقر وينبذ فيه.
قال أبو عبيد: قد جاء تفسير هذه الأوعية عن أبي بكرة أنه قال: أما الدباء فإنا معشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء، فنجرد فيها عناقيد العنب ثم ندقها حتى تهدر ثم تموت.
وأما النقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت.
وأما الحنتم: فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر من الرطب والبسر.
وأما المزفت: فهذه الأوعية التي فيها الزفت.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان قال: سمعت الزهري يقول: سمعت أنسا يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
أما البخاري (١): فأخرجه تعليقًا (٢) قال: وعن الزهري حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنبذوا في الدباء ولا في المزفت" وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن عمرو الناقد، عن سفيان.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري وقال: أن ينبذ فيها.
стр. 2472
قوله: "أن ينبذ فيه" فرد الضمير إلى الواحد وقد تقدم اثنان وذلك جائز أي: نهى أن ينبذ في الدباء وفي المزفت وفي رواية النسائي: "فيهما" وجاء بالضمير مثنى على اللفظ والمعنى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ خطب في بعض مغازية، قال عبد الله بن عمر: فأقبلت نحوه فانصرف قبل أن أبلغه، فسألت: ماذا قال؟ قالوا: "نهى أن ينتبذ في الدَّبَّاء والمزفَّت".
هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة إلا البخاري.
أما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد، عن منصور ابن حيان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس نحوه.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن محمد بن المثنى عن الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن زاذان قال: سألت ابن عمر عما نهى عنه رسول الله ﷺ ، من الأوعية. فذكر حديثًا طويلًا أتم من هذا.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
وله ولمسلم روايات كثيرة بهذا الحديث طوال وقصار وما في هذا الحديث من
стр. 2473
شرح فقد تقدم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي أوفى قال: "نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر".
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري والنسائي.
أما البخاري (١): عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد، عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجر الأخضر، قلت: أنشرب في الأبيض؟ قال: لا.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن الشيباني مثل البخاري إلا أنه قال: لا أدري وفي أخرى له: نهى عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض.
الجر والجرة سواء، والأحمر والأبيض يريد: المدهونة بهذه الألوان.
وإنما نهى عنها: لأنها تسرع فيها الشدة لأن مسامها مشدودة بالدهن والأصباغ، فتقوى شدتها وتسرع ولا يشعر صاحبها فيكون على غرر من شربها. وقد اختلف العلماء في هذا:-
فقال قوم: كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بحديث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا في كل وعاء؛ ولا تشربوا مسكرًا" (٣) وهذا أصل الأقاويل.
وقال قوم: التحريم باق، فلا تنبذ في هذه الأوعية. وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عمر وابن عباس.
стр. 2474
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان: عن سليمان الأحول، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "لما نهى رسول الله ﷺ عن الأوعية، قيل له: ليس كل الناس يجد سقًاء، فأذن لهم في الجر غير المزفت".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
وهكذا وقع الحديث في المسند من هذه الرواية، وقد سقط من الإسناد رجل وهو أبو عياض، يدل عليه أن الشافعي قد أخرجه في موضع آخر من كتبه رواه عنه المزني: عن سفيان، عن سليمان، عن مجاهد، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو (١).
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن المديني, عن سفيان.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر، عن سفيان وذكر أبا عياض.
وأما أبو داود (٤): فأخرج نحوه عن محمد بن جعفر بن زياد, عن شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو. قال في آخره: فقال أعرابي: إنه لا ظروف لنا فقال: "اشربوا ما حلَّ".
الأوعية: جمع وعاء وهي ما يحفظ فيه الشيء، والمراد بالأوعية ها هنا: أوعية الشراب، فلما ضاق عليهم الأمر بتحريم الانتباذ فيها شكوا إليه فرخص لهم في الجر غير المزفت، لأن المزفت يسرع في الشراب الشدة.
وهذا الحديث وأمثاله ناسخ لتحريم الأوعية غير ما في هذا الحديث، ورواية أبي داود: "اشربوا ما حل" تقييد لهم بأن الاعتبار إنما هو بالحلال والحرام لا
стр. 2475
بالظروف والأوعية، فإن الوعاء لا يحرم حلالًا ولا يحل حرامًا.
وقد أخرج المزني (١): عن الشافعي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق ابن سويد، عن معاذة عن عائشة قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والمزفت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ كان [ينبذ له] (٢) في سقاء، فإن لم يكن فَتَوْر من حجارة".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
فأما مسلم (٣): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زهير وعن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة كلاهما عن أبي الزبير. وزاد في آخره: فقال بعض القوم: وأنا أسمع من برام، قال: من برام.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن النفيلي، عن زهير، عن أبي الزبير.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن أبي الزبير.
وقال: في تور برام.
السقاء: ما كان من جلد.
والتور: إناء من حجارة أو صفر أو حديد ونحو ذلك، وهو من أول في العرف معروف.
والبرام: جمع برمة وهي القدر، وتجمع على برم أيضًا، وقد أطلقه كثرة
стр. 2476
الاستعمال على الحجر الذي يتخذ منه القدر، وذلك أن القدور عندهم إنما كانت تتخذ من تلك الحجارة، فسميت الحجارة باسم ما يعمل منها تسمية للشيء باسم أصله، حتى الاسم أخص بالحجر منه بالقدر، ولذلك قال: تور من برام أي: من هذا الحجر الذي يتخذ منه القدور، وليس كذلك بأن البرام القدور إن منها لا حجارتها.
ويجوز أن يكون التقدير: تور من قدور أي: من حجارة القدور، أو من جنس القدور لأن التور هو القدور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وكونه يعدل عن السقاء عند تعذره إلى التور: لأن التور لا يشتد فيه الشراب فإن رأسه واسع مكشوف وليس فيه ما يسرع فيه الشدة. والله أعلم.
***
стр. 2477
الفصل الثالث
في الحد
أخبرنا الشافعي: أخبرنا معمر، عن الزهري [عن] (١) عبد الرحمن بن أزهر قال: "رأيت النبي ﷺ عام حنين يسأل عن رحل خالد بن الوليد، فجريت بين يديه أسأل عن رحل خالد بن الوليد حتى أتاه جَزِعا فأُتي النبي ﷺ بشارب، فقال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب ثم قال النبي ﷺ : "بكِّتوه" فبكتوه، ثم أرسله، قال: فإنما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك المضروب فقومه أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته ثم عمر؛ حتى تتابع الناس في الخمر فاستشار فضربه ثمانين.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢): عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد أن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كأني انظر إلى رسول الله ﷺ الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد، فبينما هو كذلك إذ أتى برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: "اضربوه" فمنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالمتِخة -قال ابن وهب: هي الجريدة الرطبة- ثم أخذ رسول الله ﷺ ترابا من الأرض فرماه به في وجهه.
وله في رواية أخرى (٣): عن ابن السرح قال: قال: وجدت في كتاب خالي عبد الرحمن بن عبد الحميد، عن عقيل أن ابن شهاب أخبره أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر أخبره عن أبيه قال: أُتي رسول الله ﷺ بشارب وهو بحنين فحثى في وجهه التراب؛ ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم: ارفعوا فرفعوا، فتوفي رسول الله ﷺ ثم جلد أبو بكر في
стр. 2478
الخمر أربعين، ثم جلد عمر في الخمر أربعين صدرًا من إمارته ثم جلد ثمانين وأربعين، ثم أثبت معاوية الحد ثمانين.
قوله: "يسأل عن رحل خالد" أي: موضعه الذي فيه رحله، لأن من عادتهم إذا نزلوا في أرض أن ينزلوا على ما ينفق لهم، فيحتاج من يريد أحدا منهم أن يسأل عن موضعه.
وقوله: "حثوا عليه التراب" أي: رموه في وجهه إهانة له.
والتبكيت: اللوم، والتعنيف، والتوبيخ.
وقوله: "فلما كان أبو بكر" يريد: لما كان خليفة: سأل من حضر يوم حنين عن القضية ومقدار الحد الذي حد به ذلك الشارب، فقومه أربعين أي: قدر الضرب الذي ضربه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب؛ فكان مقدار أربعين ضربة؛ لا أنها أربعون عددًا بالثياب والنعال والأيدي. وإنما قاس ما ضربه ذلك الشارب فكان مقداره أربعين عصا؛ ولذلك قال: "فقومه" أي جعل قيمته أربعين.
والتتابع: التساقط في الشيء والوقوع فيه ولا يكون إلا في الشر.
والذي ذهب إليه الشافعي في حد الخمر: أنه أربعون، فإن رأى الإمام أن يزيد شيئا جاز وكان ذلك تعزيرًا لا حدًا.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: حد الخمر ثمانون. واختاره ابن المنذر.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ثور بن يزيد الديلي أن عمرًا استشار في الخمر يشربها الرجل؟ فقال علي بن أبي طالب: نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى -أو كما قال- قال: فجلده ثمانين في الخمر.
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (١).
стр. 2479
والهذيان من القول معروف وهو: الرديء منه.
والافتراء: الكذب والاختلاق، يريد: أنه يبدو على لسانه ذم أحد أو قذفه وحد القذف ثمانون فألحقه به لذلك.
والزيادة على الأربعين محمولة على ما قلنا من أن للإمام أن يزيد على الأربعين ويكون تعزيرًا لا حدًا. والله [أعلم] (١).
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه؛ ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه؛ ثم إن شرب فاقتلوه".
لا يدري الزهري بعد الثالثة أو الرابعة، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به قد شرب فجلده، ووضع القتل وصارت رخصة قال سفيان: ثم قال الزهري لمنصور بن المعتمر ومخول: كونا وافدي العراق بهذا الحديث.
هكذا أخرجه في كتاب "الأشربة" (٢)، وقد أخرج منه طرفًا في كتاب اختلاف الحديث أن النبي ﷺ قال: "إن شرب الخمر فاجلدوه" ولم يزد.
وقد جاء هذا الحديث من رواية الشافعي أيضًا وقال فيه: فأتى برجل فجلده، ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثالثة فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلدوه ووضع القتل فكان رخصة.
والحديث بتمامه قد أخرجه أبو داود (٣): عن أحمد بن عبدة الضبي، عن سفيان، عن الزهري أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب. وذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: حدث الزهري بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد، فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث.
стр. 2480
قد اختلفت رواية هذا الحديث فرواه الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن قبيصة.
ورواه أبو داود: عن الزهري فقال: عن من أخبره (١) عن قبيصة.
والزهري قد لقي قبيصة وروى عنه، وقبيصة قد اختلف في صحبته: فأثبته قوم في الصحابة، وأثبته قوم في تابعي الشام. واختلف في ميلاده: فقيل: ولد أول سنة من الهجرة، وقيل: سنة الفتح، وأتي به النبي ﷺ فدعا له، وهو خزاعي.
قوله: "ووضع القتل" أي: أسقطه.
وقوله: "وصارت رخصة" يعني: وضع القتل لما أسقطه عن الشارب كان رخصة له وتخفيفًا عنه، ولم يرد في الرخصة في السنن الشرعية التي يجوز للمترخص أن يفعلها كالإفطار والقصر في السفر ونحو ذلك، فإن ذلك يجوز له أن يعمل به وأن لا يعمل به، وها هنا ليس له أن يقتل الشارب؛ إنما أراد بالرخصة التخفيف بإسقاط القتل.
ووافد القوم: الذي يجيء إليهم ويقصدهم ويتحفهم بشيء؛ فلذلك قال الزهري لمنصور ومخول: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث، يعني: أنه غريب عندهم لا يعرفونه فتكونان أنتما قد أتحفتماهم به.
قال الخطابي: وقد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وإنما يقصد به الردع والتحذير، كقوله ﷺ : "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" ولو قتل عبده لم يقتل إجماعًا.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن القتل منسوخ بهذا الحديث، وبما روي عن ابن الزبير أنه قال نحو حديث قبيصة، قال: ثم أتي به
стр. 2481
الخامسة فحده لم يقتله.
قال الشافعي: فإن صح عن النبي ﷺ شيء من هذه الأحاديث فحديث ابن الزبير ناسخ له.
والطرف الذي أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" أردفه بحديث عثمان بن عفان: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن علي بن أبي طالب قال: لا أوتى بأحد شرب خمرًا ولا نبيذًا مسكرًا إلا جلدته الحد.
هذا الحديث مؤكد لما ذهب إليه الشافعي من تحريم الأنبذة المسكرة؛ وأن حكمها حكم الخمر المجمع على تحريمها في الإثم ووجوب الحد؛ لأن عليًا -كرم الله وجهه- قرن بينهما في الحكم بواو العطف قبل أن يأتي بجواب النفي؛ وأنه قال: أوتى بأحد فعل هذا ولا هذا إلا جلدته، وهذا قول حاضر دائر بين النفي والإثبات؛ والمعطوف مقارن للمعطوف عليه قبل إيقاع الحكم المترتب عليه. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة [عن] (١)، عمرو بن دينار، عن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن تجلدوا قدامة اليوم فلن نترك أحدًا بعده. وكان قدامة بدريًا.
هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه أبو بكر البرقاني على شرط صحيح البخاري، والبخاري قد أخرج منه طرفًا في ذكر من شهد بدرًا (٢)، والحديث قال (٣): استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين -وكان شهد بدرًا مع
стр. 2482
رسول الله ﷺ ، وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي ﷺ قال: فقدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا؛ وإني إذا رأيت حدًا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة فقال: على ما تشهد يا أبا هريرة؟
قال: لم أره حين شرب؛ ولكن قد رأيته سكران يقيء، فقال: عمر: لقد تنطعت أبا هررة في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة، كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود: أنا شهيد، فقال: قد كنت أديت شهادتك: فسكت الجارود ثم قال: لتعلمن أني أنشدك الله، فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسئوني، فأوعده عمر، فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله -تعالى- فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة، فقال عمر: يا قدامة إني جالدك، فقال قدامة: والله لو شربت كما تقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر، قال: ولم يا قدامة؟ قال: إن الله قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله ثم أقبل عمر على القوم فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فسكت عمر عن جلده أياما
стр. 2483
ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فقال عمر: إنه والله لأن يلقى الله -تعالى- تحت السياط؛ أحب إلي من [أن] (١) ألقى الله وهو في عنقي، إني والله لأجلدنه، ائتوني بسوط، فجاء مولاه أسلم بسوط يفتق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال: قد أخذت دقرارة أهلك.
الدقرارة: واحدة الدقارير وهي الأباطيل وعادات السوء، المعنى: أن عادة السوء التي هي عادة قومك، وهي العدول عن الحق والعمل بالباطل قد عرضت لك فعملت بها، وذلك أن أسلم كان عبدًا بجاويًا.
ائتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط تام فأمر عمر ﵁ بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا من حجهم ونزل عمر بالسقيا فنام بها، فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة؛ انطلقوا فأتوني به، فوالله إني لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال لي: سالم قدامة فإنه. أخوك، فلما جاءوا بقدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة فجر إليه جرًا حتى كلمة عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما.
معنى قول عمر إن يجلد قدامة اليوم فلن يترك أحد بعده، لأن مثل قدامة وشرفه وأنه بدري وابن عمه وخال أولاده، إذا لم يراعه في الحد لا يترك أحدا غيره.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد [عن] (٢) ابن جريج قال: قلت لعطاء أتجلد في ريح الشراب؟ فقال: إن الريح ليكون من الشراب الذي ليس به بأس، فإذا اجتمعوا جميعًا على شراب واحد فسكر أحدهم جلدوا جميعًا الحد تامًا.
قال الشافعي: وقول عطاء مثل قول عمر لا يخالفه.
стр. 2484
يريد الشافعي بقول عمر قوله: إني شممت من عبيد الله وأصحابه ريح الشراب، وأنا سائل عما شربوا فإن كان مسكرًا حددتهم.
وإنما قال: أجلدهم جميعًا وإن كان واحدا منهم، لأنهم قد اجتمعوا على شرب شراب مسكر، وشرب قليل المسكر وكثيره يوجب الحد، ولم يعتبر في وجوبه وجود الرائحة حتى علله بشرب المسكر فجلدهم وان لم يسكروا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحد لا يقام على أحد شرب حتى يقر أنه شرب مسكرًا؛ أو يشهد عليه عدلان بذلك، فأما إن وجد سكران، أو اشتم منه رائحة المسكر، أو تقيأ مسكرًا لم يجب الحد لأنه يجب أن يكون شرب مكرها، أو شرب ما يجيء منه رائحة الخمر. ألا ترى أن عمر لما شم من ابنه رائحة شراب لم يحده بمجرد الرائحة؛ ولا مجرد إخباره أنه شرب الطلاء حتى قال: أسأل عنه فإن كان مسكرًا جلدته.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي أن علي بن أبي طالب جلد الوليد بسوط له طرفان أربعين، فيكون ذلك ثمانين لأجل الطرفين.
وهذا الحديث منقطع، محمد بن علي لم يدرك عليًّا -كرم الله وجهه- وقد جاء في الحديث أنه: أمر به فجلد أربعين جلدة، وهذا يشبه بأنه لا يخالفه بأن يكون جلده بكل طرف عشرين؛ فيكون الجميع أربعين، ولذلك قال علي لما جلد الوليد بهذا السوط -إن كان ثابتا- أربعين، فقد قال في الحديث الثابت: جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكُلٌ سُنَّةٌ، وقال في رواية عبد العزيز بن المختار وهو أحب إلي فلولا أنه اقتصر على أربعين لم يقل وهذا أحب إلي، فأما جلد الوليد بن عقبة وشيبة، فإن الوليد ابن عقبة بن أبي معيط هو أخو عثمان بن عفان لأمه، كان أميرًا على الكوفة وكان يشرب الخمر فصلى بالناس صلاة الصبح أربعًا ثم قال: أزيدكم، فرفع أمره إلى
стр. 2485
عثمان وشهد عليه رجلان أحدهما: حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عمر: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تول قارها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، وعلي -كرم الله وجهه- يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إليّ.
وأما صفة السوط الذي يجلد به فهو: أن يكون سوطًا بين سوطين لا جديد فيجرح ولا خليق فلا يؤلم.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن زيد بن أسلم أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور، فقال: "فوق هذا" فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: " [بين] (١) هذين فأتي بسوط قد رُكب به فَلَان فأمر به فجلد، ثم قال: "أيها الناس: قد آن لكم تنتهوا عن محارم الله -تعالى- فمن أصاب منكم من هذه القاذورة شيئًا فليستتر بستر الله -تعالى- فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله ".
قال الشافعي: هذا حديث منقطع ليس مما يثبت بنفسه حجة وقد رأيت من أهل العلم عندنا من يعرفه ويقول به، فنحن نقول به. والله أعلم.
...
стр. 2486
الباب السابع
في إقامة الحدود والتعزير
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس [عن] (١) عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله" وقرأ عليهم الآية وقال: "فمن وفَّي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
أما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى والناقد وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وابن نمير، عن سفيان.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن غندر، عن معمر، عن الزهري.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن الزهري.
стр. 2487
الآية التيِ قرأها عليهم هي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وقد جاء في رواية البخاري ومسلم قال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تسرقوا, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف".
وقوله: "فمن وفَّى منكم" يقال: وفى، ووافى، ووفى، والقرآن نزل بوفى ووافى (*).
والكفارة: الخصلة التي من شأنها أن تكفر الذنب أي: تمحوه وتغطيه وتستره. وهذا يدل على أن الحدود مكفرات للذنوب التي حد عليها، وأن من لم يفضحه الله بظهور معصيته حتى يحد؛ فإن أمره إليه في تعذيبه والعفو عنه.
قال الشافعي ﵁: لم أسمع في الحدود حديثا أبين من هذا، ونحن نحب إن أصاب الحد أن يستر، وأن يتقي الله، ولا يعود لمعصية الله -تعالى-، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "وما يدريك لعل الحدود نزلت كفارة للذنوب"، وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ على عهد رسول الله ﷺ أمر رجلاً أصاب حدًا بالاستتار، وأن عمر أمر به، وهذا حديث صحيح عنهما.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد العزيز [بن عبد الله] (٢) ابن عمر، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت
стр. 2488
عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "تجافوا لذوي الهيئات عن عثراتهم".
قال الشافعي: سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: نتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدًا.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١): عن جعفر بن مسافر ومحمد بن سليمان الأنباري، عن ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد، [عن محمد بن أبي بكر] (٢)، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود".
التجافي: تفاعل من جفا الشيء عن الشيء يجفو: إذا لم يلزمه ولم يثبت عليه كالجنب على الفراش، والسرج عن ظهر الدبة.
والمراد في الحديث: الترك والتساهل والتسامح عن التشديد والتحقيق.
وذوو الهيئات: يريد به: من لم يظهر منهم ريبة.
قال الشافعي: ذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم: الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة فيغفر له؛ إلا أن يكون حدًا من حدود الله ويبلغ الإمام، فلا يجوز أن يدعه؛ ولا ينبغي لأحد أن يشفع فيه.
وفيه دليل على أن للإمام ترك التعزير إن شاء ولو كان واجبًا لما أجاز له تركه.
وقد أخرج الشافعي: فيما بلغه عن ابن مهدي بإسناده أن رجلاً أقر عند علي -كرم الله وجهه- أظنه بحد، فجهد عليه أن يخبره ما هو فأبى، فقال: اضربوه حتى ينهاكم.
قال الشافعي: وهم يخالفون هذا.
стр. 2489
أورده فيما ألزم العراقيين خلاف علي، ولعله قد أقر بحد وهو حد لآدمي.
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن أبي بكر بن عياش قال: حدثني أبو حصين، عن عامر بن الكاهلي قال: كنت عند علي إذ أتي برجل، فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، وجدناه تحت فراش امرأة، فقال: لقد وجدتموه على نتن، فانطلقوا به إلى نتن مثله فمرغوه فيه فمرغوه في عذرة وخلى سبيله.
قال الشافعي: وهم يخالفون هذا، يقولون: يضرب [ويرسل] (١) وكذلك قول المفتين، أورده في إلزام العراقيين من خلاف علي.
وقد أخرج الشافعي عن رجل، عن شعبة، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله "أنه وجد امرأة مع رجل في لحافها على فراشها، [فضربه] (٢) خمسين، فذهبوا فشكوا ذلك إلى عمر فقال: لم فعلت ذلك؟ قال: لأني أرى ذلك، قال: وأنا أرى ذلك".
قال الشافعي: وأصحابنا يذهبون إلى أنه يبلغ بالتعزير هذا وأكثر منه إلى ما دون الثمانين، وهم يقولون: لا يبلغ بالتعزير في شيء أربعين، فيخالفون ما روي عن عمر وابن مسعود ﵄.
قال: وقد روى مسعر بن كدام حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ أنه قال: "من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين".
رواه عنه المزني. والله أعلم.
стр. 2490
كتاب
موجب الضمان
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج -أظنه- عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن يعلى بن أمية قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة، قال: وكان يعلى يقول: وكانت تلك الغزوة أوثق عملي في نفسي، قال عطاء: قال صفوان: قال يعلى: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من العاض فذهبت إحدى ثنيته، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، قال عطاء: وحسبت أنه قال: قال النبي ﷺ : "أيدع يده في فيك تقضمها كأنها فيِّ فحل يعضها؟! قال عطاء: وقد أخبرني صفوان أيهما عض فنسيته.
وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
أما البخاري (١): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر، عن أبي أسامة، عن ابن جريج.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج مختصرًا.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن ابن جريج. وله روايات كثيرة قد بين فيها الاختلاف على عطاء.
الغزوة: المرة الواحدة من الغزو، وهذه الغزوة: غزوة تبوك، قد جاءت