← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الباب السابع في إقامة الحدود والتعزير أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس [عن] (١) عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله" وقرأ عليهم الآية وقال: "فمن وفَّي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. أما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى والناقد وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وابن نمير، عن سفيان. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن غندر، عن معمر، عن الزهري. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن الزهري.

стр. 2487

الآية التيِ قرأها عليهم هي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وقد جاء في رواية البخاري ومسلم قال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تسرقوا, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف". وقوله: "فمن وفَّى منكم" يقال: وفى، ووافى، ووفى، والقرآن نزل بوفى ووافى (*). والكفارة: الخصلة التي من شأنها أن تكفر الذنب أي: تمحوه وتغطيه وتستره. وهذا يدل على أن الحدود مكفرات للذنوب التي حد عليها، وأن من لم يفضحه الله بظهور معصيته حتى يحد؛ فإن أمره إليه في تعذيبه والعفو عنه. قال الشافعي ﵁: لم أسمع في الحدود حديثا أبين من هذا، ونحن نحب إن أصاب الحد أن يستر، وأن يتقي الله، ولا يعود لمعصية الله -تعالى-، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "وما يدريك لعل الحدود نزلت كفارة للذنوب"، وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ على عهد رسول الله ﷺ أمر رجلاً أصاب حدًا بالاستتار، وأن عمر أمر به، وهذا حديث صحيح عنهما. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد العزيز [بن عبد الله] (٢) ابن عمر، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت

стр. 2488

عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "تجافوا لذوي الهيئات عن عثراتهم". قال الشافعي: سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: نتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدًا. هذا الحديث أخرجه أبو داود (١): عن جعفر بن مسافر ومحمد بن سليمان الأنباري، عن ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد، [عن محمد بن أبي بكر] (٢)، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". التجافي: تفاعل من جفا الشيء عن الشيء يجفو: إذا لم يلزمه ولم يثبت عليه كالجنب على الفراش، والسرج عن ظهر الدبة. والمراد في الحديث: الترك والتساهل والتسامح عن التشديد والتحقيق. وذوو الهيئات: يريد به: من لم يظهر منهم ريبة. قال الشافعي: ذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم: الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة فيغفر له؛ إلا أن يكون حدًا من حدود الله ويبلغ الإمام، فلا يجوز أن يدعه؛ ولا ينبغي لأحد أن يشفع فيه. وفيه دليل على أن للإمام ترك التعزير إن شاء ولو كان واجبًا لما أجاز له تركه. وقد أخرج الشافعي: فيما بلغه عن ابن مهدي بإسناده أن رجلاً أقر عند علي -كرم الله وجهه- أظنه بحد، فجهد عليه أن يخبره ما هو فأبى، فقال: اضربوه حتى ينهاكم. قال الشافعي: وهم يخالفون هذا.

стр. 2489

أورده فيما ألزم العراقيين خلاف علي، ولعله قد أقر بحد وهو حد لآدمي. وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن أبي بكر بن عياش قال: حدثني أبو حصين، عن عامر بن الكاهلي قال: كنت عند علي إذ أتي برجل، فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، وجدناه تحت فراش امرأة، فقال: لقد وجدتموه على نتن، فانطلقوا به إلى نتن مثله فمرغوه فيه فمرغوه في عذرة وخلى سبيله. قال الشافعي: وهم يخالفون هذا، يقولون: يضرب [ويرسل] (١) وكذلك قول المفتين، أورده في إلزام العراقيين من خلاف علي. وقد أخرج الشافعي عن رجل، عن شعبة، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله "أنه وجد امرأة مع رجل في لحافها على فراشها، [فضربه] (٢) خمسين، فذهبوا فشكوا ذلك إلى عمر فقال: لم فعلت ذلك؟ قال: لأني أرى ذلك، قال: وأنا أرى ذلك". قال الشافعي: وأصحابنا يذهبون إلى أنه يبلغ بالتعزير هذا وأكثر منه إلى ما دون الثمانين، وهم يقولون: لا يبلغ بالتعزير في شيء أربعين، فيخالفون ما روي عن عمر وابن مسعود ﵄. قال: وقد روى مسعر بن كدام حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ أنه قال: "من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين". رواه عنه المزني. والله أعلم.

стр. 2490

كتاب موجب الضمان أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج -أظنه- عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن يعلى بن أمية قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة، قال: وكان يعلى يقول: وكانت تلك الغزوة أوثق عملي في نفسي، قال عطاء: قال صفوان: قال يعلى: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من العاض فذهبت إحدى ثنيته، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، قال عطاء: وحسبت أنه قال: قال النبي ﷺ : "أيدع يده في فيك تقضمها كأنها فيِّ فحل يعضها؟! قال عطاء: وقد أخبرني صفوان أيهما عض فنسيته. وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر، عن أبي أسامة، عن ابن جريج. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج مختصرًا. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن ابن جريج. وله روايات كثيرة قد بين فيها الاختلاف على عطاء. الغزوة: المرة الواحدة من الغزو، وهذه الغزوة: غزوة تبوك، قد جاءت

стр. 2491

مفسرة في روايات الأئمة:- فمنهم من قال: غزوة تبوك، ومنهم من قال: غزوة العسرة وغزوة العسرة هي غزوة تبوك، سميت بذلك لأنها كانت في حال عسر وضيق من أحوال المسلمين؛ وكانت في الصيف وشدة الحر فإنها عسرت عليهم. وقوله: "أوثق عملي في نفسي" يريد: أشد وأثبت عندي وأنا بها أوثق من باقي أعمالي التي عدتها، كأنه قد كان فيها مخلصًا صادق النية محتسبًا. والإهدر: الإبطال أي: لم يقده منها. والفحل: يريد به: فحل الإبل. والقضم بأطراف الأسنان، تقول: قضمت -بالكسر- أقضم -بالفتح- والقضم بجميع الفم. وقول عطاء: وقد أخبرني صفوان أيهما عض فنسيته، قد جاء مفسرًا في بعض روايات الأئمة وهو أن المعضوض كان أجير يعلى والعاض الرجل الآخر. والذي ذهب إليه الشافعي: العمل بهذا الحديث وإسقاط القَوَد عنه والدية. وحكي عن مالك وابن أبي ليلى أنهما قالا: يجب الضمان. وذلك خلاف السنة. وشرح المذهب فيما هذا سبيله: أن يتوصل في دفع خصمه بأيسر الطرق وأقربها؛ فإن أمكن ذلك وإلا فيدفعه بجهده؛ فإن لم يندفع إلا بموجب أذاه فعله ولا قود عليه. وهذا حكم ومطرد في أمثال ذلك؛ حتى لو أن رجلاً طلب رجلاً ليقتله أو يأخذ ماله أو حريمه؛ كان له دفعه بأيسر ما يمكنه، فإن أدى ذلك إلى قتله قتله ولا ضمان عليه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج أن ابن أبي مليكة أخبره أن

стр. 2492

أباه أخبره أن إنسانًا جاء إلى أبي بكر الصديق وعضه إنسان فانتزع يده منه فذهبت ثنيته، فقال أبو بكر: بعدت سّنة. هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) عقيب حديث يعلى المذكور قال: وأخبرني ابن أبي مليكة [عن جعدة] (٢). وقد اختلفت رواية الشافعي وأبي داود، فإن الشافعي قال: عن ابن أبي مليكة، عن أبيه، وأبو داود قال: عن جده. وابن أبي مليكة هو: أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي. فعلى رواية الشافعي تكون الرواية عن عبيد الله. وعند أبي داود: عن أبي مليكة. ويجوز أن يكون أراد الشافعي بأبيه جده، وهذا مستمر بين الرواة يعملون الجد أبًا. والواو في "وعضه" واو الحال وفيها "قد" مضمرة تقديره: وقد عضه إنسان. وقوله: "بعدت سنه" بكسر العين أي: ذهبت هدرًا، وهلكت كقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٣)، كما يقال: أبعده الله أي: أذهبه وأهلكه، وهي وإن كان لفظها لفظ الخبر فإنها بمعنى الدعاء. وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي المغيرة في قوم دخلوا على امرأة في دار قوم؛ فخرج إليهم بعض أهل الدار فقتلوهم؛ فأصبحوا وقد جاءت عشائرهم إلى علي فرفعوهم إليه؛ فقال علي:

стр. 2493

وما جمع هؤلاء جميعًا في دار واحدة ليلاً؟ فقال بيده فقلبها ظهرًا لبطن، ثم قال: لصوص قتل بعضهم بعضًا؛ قوموا فقد أُهدِرت دماؤهم، فقال الحسن: أنا أضمن هذه الدماء فقال: أنت أعلم بنفسك. قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا، أما نحن فروي عن علي -كرم الله وجهه- أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله، فسئل علي فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. أخبرنا بذلك مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب. وبهذا نقول نحن وهم، إلا أنهم يقولون -في اللص يدخل دار رجل فيقتله-: ينظر إلى المقتول فإن لم يكن يعرف باللصوصية مثل القاتل؛ وإن كان عرف باللصوصية دريء عن القاتل القتل وكانت عليه الدية، وهذا خلاف ما رووا عن علي -كرم الله وجهه-. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بعصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود والنسائي. أما البخاري (١): فعن علي بن عبد الله، عن سفيان. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه". وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان وقال: "ما كان

стр. 2494

عليكم من حرج" وفي أخرى: "جناح". الحذف -بالخاء والذال المعجمتين-: هو أن تجعل حصاة بين أصبعيك ثم ترميها، أو تجعلها في طرف خشبة وتمسكها بيدك ثم ترميها. قال الجوهري: المتخذفة: المقلاع. وفقأت عينه: إذا بخصتها. والجناح والحرج: الإثم. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا نظر إلى حرم إنسان من سير الباب أو كوة الدار عمدًا؛ فله أن يقصد عينه بحصاة أو مصدرا (١) ونحو ذلك من غير تقديم إنذار، فإن أذهب عينه فلا ضمان عليه. وقال بعض الأصحاب: لابد من يجُب تقديم الإنذار، فإن كان الباب مفتوحا فنظر فلا. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له شيء من ذلك، ومتى أتلف عينه وجب عليه الضمان. وتأول الحديث على التغليظ والوعيد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري قال: سمعت سهل بن سعد يقول: اطلع رجل من حجر في حجرة النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ مدري يحك به، فقال النبي ﷺ : "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. أما البخاري (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري وذكر الحديث

стр. 2495

وقال: "لو أعلم [أنك] (١) تنتظرني". وأما مسلم (٢): فأخرجه بإسناد البخاري ولفظه. وأما الترمذي (٣): فأخرجه بإسناد البخاري وقال "أنك تنظرني" (٤). الحجرة: البيت، وهو في الأصل: البقعة من الأرض يحاط عليها حائط، ومنه يسمى حضيرة الإبل حجرة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة كالغرفة والقبضة. والمدرة: شيء يسرح به الشعر محدد الطرف من حديد أو غيره شبيهًا بسن من أسنان المشط وأكبر قليلاً. فينتظر: تفعل من النظر، وفي رواية الشافعي: "ينتظر" غير مضاف إلى أحد، وفي رواية النسائي: "ينظرني" فأضاف النظر إلى رسول الله ﷺ ، والأول عام في مطلق النظر سواء كان إلى رجل أو امرأة، والثاني خاص في النظر إلى الرجال، وإذا كان هذا الحكم مع النظر إلى الرجال؛ فما الظن بالنظر إلى النساء؟ فإنه يكون آكد وأشد والحكم يندرج عليه بطريق الأول. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقفي، عن حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان في بيته [رأى رجلاً] (٥) اطلع عليه، فأهوى له بمشقص كان في يده، وكأنه لو لم يتأخر لم يبال أن يطعنه. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ. أما البخاري (٦): فأخرجه عن أبي اليمان، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله

стр. 2496

ابن أبي بكر بن أنس. وذكر نحوه. وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وأبي كامل وقتيبة، عن حماد مثل البخاري. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن محمد بن عبيد، عن حماد مثل البخاري. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن بندار، عن الثقفي. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن عمرو بن منصور، عن مسلم بن إبراهيم عن أبان، عن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس وحديثه أتم. قوله: "رأى رجلاً" جملة في موضع البدل من قوله: "كان في بيته" كأنه قال: إن رسول الله ﷺ رأى رجلاً اطلع عليه. وقوله: "أهوى إليه" مد إليه يده، واللام في "له" بمعنى إلى لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض. والمشقص: السهم فيه نصل عريض يرمى به الوحش، حكاه الأزهري عن الليث وقال: أخطأ الليث في تفسير المشقص. وقال: قال أبو عبيد: قال الأصمعي: المشقص من النصال الطويل وليس بالعريض، أما العريض من النصال فهو المعبلة وهذا هو الصحيح وعليه كلام العرب. وقوله: "لم يبال" أي: لم يكترث ولم يهتم له، تقول: لا أباليه فإذا قالوا: لم أبال، ثم إنهم حذفوا الألف تخفيفًا لكثرة الاستعمال فقالوا: لم أبل،

стр. 2497

وكذلك فعلوا في مصدره فقالوا: ما أباليه بالة والأصل: بالية، مثل: عافاه الله عافية. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار". هكذا أخرجه في كتاب اختلاف الحديث (١)، وأخرجه في القديم (٢): عن سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". ورواه المزني عنه عن سفيان ومالك معًا، وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرج الجماعة. أما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد وذكر الرواية الثانية. وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٥): فأخرجه عن يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح وقتيبة، عن الليث، عن ابن الشهاب. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، عن ابن شهاب. وأما الترمذي (٧): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب.

стр. 2498

وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. وكلهم ذكر الحديث بتمامه. العجماء: الدابة، وهي تأنيث الأعجم من المعجمة وهي العجز عن الكلام، فكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم، والأنثى عجماء. والجبار: الهدر. والركاز: مختلف فيه فقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الزكاة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الدابة إذا أصابت أحدًا ويد صاحبها عليها وجب عليه الضمان، وسواء كانت الإصابة بيدها أو رجلها، وسواء كان راكبًا عليها أو قائدًا لها أو سائقًا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن نفحت بيدها فعليه الضمان، و [إن] (٢) نفحت (٣) برجلها فلا ضمان عليه. وإنما يكون جرحها هدرًا: إذا كانت منفلتة عائدة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق. وأما حكم البئر: فهو أن يحفر بئرا في ملك نفسه فيقع فيها إنسان؛ فإنه هدر ولا ضمان على صاحب البئر، وقد يتأول أيضًا: على البئر تكون بالبوادي يحفرها الإنسان فيحييها بالحفر؛ فيتردى فيها إنسان فيكون هدرًا. وأما المعدن: فهو ما يستخرج من معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس ونحو ذلك، فيستأجر قوما يعملون فيها فربما انهارت على بعضهم فقتله فدمه هدر.

стр. 2499

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد ابن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطًا لقوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار؛ وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أيوب بن سويد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء بن عازب أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل. هذا الحديث أخرجه مالك وأبو داود. أما مالك (١): فأخرجه بإسناد الأولى ولفظها. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه أن ناقة للبراء ابن عازب. وذكر الرواية الأولى وقال فيها وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. وله في أخرى: عن محمود بن خالد، عن الفريابي، عن الأوزاعي , عن الزهري، عن حرام، عن البراء. رواية الشافعي من طريق مالك مرسلة؛ وكذلك أخرجها مالك في الموطأ. والرواية الثانية مسندة عن حرام، عن البراء، وكذا أخرجها أبو داود في إحدى روايتيه، وأخرجه في رواية الأخرى عن حرام بن محيصة عن أبيه، وأبو حرام إنما هو سعد فيجوز أن يكون أراد سعدًا، ويجوز أن يكون أراد محيصة. وقد قال الشافعي في رواية حرملة: رواه غير سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن

стр. 2500

حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه. والحائط: البستان. والمواشي: جمع ماشية كالإبل والبقر والغنم. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الماشية إذا أتلفت على إنسان زرعه: فإن كان صاحبها معها أو غيره فالضمان على من يده عليها كما قلنا في الحديث الذي قبله. وإن لم يكن يد أحد عليها: فإن كان ذلك بالنهار فلا ضمان على صاحبها؛ لأن حفظ الزرع على صاحبه بالنهار للحديث. وإن كان بالليل: وكان صاحبها أرسلها بالنهار ثم لم يمسكها ليلاً أو أرسلها ليلاً؛ فعليه الضمان، وإن لم يكن قد أرسلها وسرحت لنفسها من محبسها فلا ضمان عليه. وقال أبو حنيفة: لا ضمان على صاحبها بكل حال إذا لم يكن يده عليها سواء كان نهارًا أو ليلاً. والحديث قد فرق بين الليل والنهار صريحًا فلا يقاس عليه غيره، والحكم في هذه المسألة خاص والذي قبله وهو: "العجماء جبار" عام، وإنما فرق بين الليل والنهار فيها: لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار؛ ومن عادة أصحاب المواشي أن يسير حولها نهارًا ويرددها ليلاً إلى المراح؛ فمن خالف هذه العادة كان خارجًا عن الحفظ إلى التقصير؛ فكان كمن ألقى متاعه في طريق شارع أو تركه في غير حرز؛ ولا يكون على آخذه قطع. قال الشافعي في حديث البراء بن عازب: فأخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله؛ ولا يخالف هذا الحديث حديث: "العجماء جرحها جبار" فإنه جملة من الكلام العام الذي يراد به الخاص، فلما قال رسول الله ﷺ : "العجماء

стр. 2501

جرحها جبار" وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دل ذلك أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار وفي حال غير جبار، وفي هذا دليل على أنه إذا كان على أهل العجماء حفظها ضمنوا ما أصابت، وإذا لم يكن عليهم حفظها لم يضمنوا شيئًا مما أصابت، ويضمن أهل الماشية السائمة بالليل ما أصابت من زرع ولا يضمنونه بالنهار، ويضمن القائد والراكب والسائق لأن عليهم حفظها في تلك الحال، ولا يضمنون لو انفلتت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيبره، حتى جاء إبراهيم ﷺ فقال الله : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). الوزر: الذنب والجرم، تقول: وزر يزر وزرًا فهو وازر، والتأنيث راجع إلى النفس أي: نفس وازرة. وقوله: "الذي وفى" يريد: وفَّى برؤياه وذبح ولده، وقيل: إنما أراد به الإطلاق ليتناول كل وفاء من صبره على النار، والذبح، وأذى الناس وغير ذلك، والتوفية: الإتمام. ومحل "أن" وما بعدها الجر بدلاً مما في صحف موسى، تقديره: أم لم ينبأ بالذي في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى، ويجوز أن يكون محلها الرفع على أن هو لا تزر وازرة أخرى، كأن قائلًا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: أن لا تزر وازرة و"أن" هي المخففة من الثقيلة، التقدير: أنه لا تزر، ويكون الضمير للشأن. قال الشافعي: والذي سمعت -والله أعلم- في قول الله : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره في بدنه لأن الله

стр. 2502

-تعالى- جزى العباد على أنفسهم وعاقبهم عليها وكذلك أموالهم لا يجني أحد على أحد في ملك إلا حيث خص رسول الله ﷺ ؛ بأن جناية الخطأ في الحر من الآدميين على عاقلته. وبسط الكلام في شرحه في كتاب "أحكام القرءان" وبالله التوفيق. ***

стр. 2503

كتاب السير والجهاد وفيه ثلاثة أبواب:- الباب الأول في أحكام الجهاد وآدابه أخرج الشافعي: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم" فلما ولَّى الرجل ناداه وأمر به فنودي فقال: "كيف قلت"؟ قال: فأعاد عليه القول، فقال: "نعم إلا الدَيْن كذلك قال لي جبريل ﵇". ورواه أيضًا عن سفيان، عن ابن عجلان، عن محمد بن قيس، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه نحوه. أخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشًا أمرَّ عليهم أميرًا وقال: "فإذا لقيت عدوًا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال -أو ثلاث خصال، يشك علقمة-: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين؛ وأخبرهم إن فعلوا أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما عليهم؛ فإن اختاروا المقام في دارهم أنهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين، وليس لهم في الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن لم يجيبوك [إلى الإسلام] (١) فادعهم إلى أن يعطوا الجزية

стр. 2504

عن يد وهم صاغرون، فإن فعلوا فأقبل منهم ودعهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم". هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" (١)، وعاد أخرج من أوله طرفًا في كتاب "الجزية" قال: أخبرني الثقة يحيى بن حسان، عن محمد بن أبان، عن علقمة بن سليمان، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان إذا بعث جيشًا أمرَّ عليهم أميرًا. وذكر الحديث. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. فأما مسلم (٢): فأخرجه أتم من هذا عن أبي بكر، عن وكيع. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن سفيان وعن عبد الله بن هاشم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد بالإسناد قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية؛ أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله؛ في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، واغزوا ولا تغلوا؛ ولا تغدروا؛ ولا تمثلوا؛ ولا تقتلوا وليدًا؛ وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال" وذكر نحو ما بقي وزاد بعده: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه؛ فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه؛ ولكن اجعل لهم ذمتك [وذمة أصحابك] (٣)؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه؛ وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا". وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع، عن

стр. 2505

سفيان بإسناد مسلم ونحو حديثه. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي بإسناد مسلم ونحو حديثه وأسقط منه ذكر الجزية. العدو: معروف ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث تقول: هو عدو، وهما عدو، وهي عدو، وهم عدو. وفي هذا الحديث قد أوقعه على الجماعة لا قال: فإذا لقيت عدوا فادعهم. والخلال جمع خلة بالفتح وهي الخصلة. ثم أعاد العامل وهو الدعاء فقال: "ادعهم إلى الإسلام". فإن أجابوك: أي: أطاعوك وأسلموا التقدير: فإن أجابوك إلى الإسلام. والتحول: الانتقال من مكان إلى غيره. ودار المهاجرين: هي المدينة وما حولها من أماكن المسلمين التي يسكنونها. والمهاجرون على ثلاثة أقسام:- قسم لا تجب عليهم الهجرة ويستحب لهم: وهم من كان من المسلمين عشيرة تمنعه وتحميه من المشركين، مع إظهار دينه بينهم. وقسم تجب عليهم الهجرة: وهم المستضعفون الذين لا يمكنهم إظهار دينهم بينهم؛ وليس لهم عشيرة تمنعهم وتحميهم. وقسم تسقط عنهم الهجرة: وهم الذين لهم عذر من مرض، أو ضعف، أو عدم نفقة. وعلى هذا التفصيل فإن الهجرة باقية ما دام للمسلمين دار حرب. وقولهم: "إن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم" يريد به: أن الأحكام

стр. 2506

الجارية على المهاجرين يشاركونهم فيها؛ ويلزمهم العمل بها؛ والمؤاخذة عليها؛ وأنهم والمهاجرون سواء في كل ما لهم وعليهم. وفي ذلك تسلية لهم عند انتقالهم عن أوطانهم؛ وأنهم كانوا غرباء في دار الهجرة؛ وأنهم متأخرون عن السابقين، فإن الحكم جار لهم وعليهم مثل ما هو على المهاجرين، وإنهم إن اختاروا المقام بدارهم فإنهم لا يشاركون المهاجرين في فضيلتهم وثوابهم وحقهم، وإنما لهم حكم أمثالهم من أعراب المقيمين في البوادي الذين لم يتصفوا بصفة الهجرة ولا تحلوا بفضيلتها، وأنهم لا حق لهم في الغنائم -الفيء- إلا أن يجاهدوا في سبيل الله فيكون لهم نصيب من المغنم. وبيان ذلك: أن المهاجرين كانوا من قبائل مختلفة، تركوا أوطانهم وأموالهم وهجروها في الله واختاروا المدينة دارًا ووطنًا, ولم يكن لهم أو لأكثرهم بها زرع ولا ضرع، فكان رسول الله ﷺ ينفق عليهم بما أفاء الله عليه أيام حياته، ولم يكن للأعراب وسكان البادية في ذلك حظ إلا من قاتل مع المسلمين فيأخذ نصيبه من القيمة يرجع إلى وطنه، ولذلك كان عليهم ما على المهاجرين من الجهاد والنفير إلى لقاء العدو، وأى وقت دعوا لا يتخلفون، وكان الأعراب من أجاب منهم وحضر أخذ سهمه وعاد، ومن لم يجب لم يكن له سهم ولا عتب عليه في التخلف إذا كان في المجاهدين كفاية. والجزية: فعلة من الجزاء كأنها جزاء عن إقرارهم على دينهم فترك قتلهم وأخذ مالهم. وقوله: "عن يد وهم صاغرون" اليد: لا يخلو إما أن يراد بها يد المعطي، أو يد الآخذ. فإن أراد بها يد المعطي فالمعنى: عن يد منقادة غير ممتنعة، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده. وإن أريد بها الأخذ فالمعنى: عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام عليهم لأن قبول الجزية منهم وترك أزواجهم لهم نعمة عليهم.

стр. 2507

والصغار: الذل، والصاغر اسم فاعل منه. وقوله: "لا تغلوا" من الغلول وهو الخيانة في الغنيمة وهي ما يخفيه أحد الغزاة من الغنائم ولا يحضره إلى أمير الجيش ليدخل في القسمة. وقوله: "ولا تغدروا": من الغدر وهو نقض العهد. وقوله: "ولا تمثلوا" أي: لا تشوهوا خلقة القتيل بالجدع والشق والقطع ونحو ذلك، تقول: مثلت بالقتيل أمثل مثلاً، والاسم: المثلة -بضم الميم وسكون الثاء- ومثلت القتيل شدد للتكثير. والوليد: الطفل. والذمة: العهد والأمان. وإخفار الذمة: نقض العهد. وفي رواية الشافعي: "فإذا لقيت عدوا من المشركين"، وفي رواية مسلم: "عدوك". ورواية الشافعي أولى: لأنه لم يقيد العداوة ولا خصصها بإضافتها بل أطلق العداوة في المشركين، لأنه أراد به عداوة الدين، وعداوة الدين لا تخص أحدًا بعينه من المسلمين، إنما هي عداوة عامة لكل من خالف ما للمشركين عليه، ألا ترى أن آباءهم وأبناءهم كانوا مشركين، ولم يكونوا لهم أعداءً إلا من جهة الدين؛ فإذا خصص العداوة بالإضافة وهي أن القتال المذكور إنما هو لعدو خاص بسبب يخصه، وذلك أن السبب غير شامل لغيره فكان إطلاق العداوة أولى من أضافتها. وقوله: "إن أبوا فادعوهم إلى أن يعطوا الجزية" ظاهر هذا الكلام يقتضي أن يقبل الجزية من كل مخالف للإسلام؛ مشرك وكتابي وغيرهما من عبدة الشمس والنيران والأوثان. وإلى ذلك ذهب الأوزاعي.

стр. 2508

ومذهب مالك قريب منه، وحكي عنه أنه قال: يقبل من كل مشرك إلا من المرتد. وسيجيء تفصيل المذهب في باب الجزية. وقوله: "ادعهم إلى ثلاث خلال" فقد اختلف العلماء في القتل قبل الدعاء: فقال مالك: لا يقاتلون حتى يدعوا ويؤذنوا. وقال الشافعي: يجوز أن يقاتلوا قبل أن يدعوا فإنهم قد بلغتهم الدعوة. وبه قال الحسن البصري والنخعي وربيعة ويحيى الأنصاري والليث بن سعد وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. فأما من لم تبلغه الدعوة ممن بعدت داره ونأى محله فإنه لا يقاتل حتى يدعى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن ابن عصام، عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا بعث سرية قال: "إن رأيتم مسجدًا أو سمعتم مؤذنًا فلا تقتلن أحدا". هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي. أما أبو داود (١): فأخرجه عن سعيد بن منصور، عن سفيان بالإسناد قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فقال: "إذا رأيتم مسجدًا" الحديث. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن محمد بن يحيى العدني المكي، عن سفيان الحديث.

стр. 2509

وفي روايتهما: "فلا تقتلوا أحدًا"، والنون التي في رواية الشافعي هي النون التي للتأكيد الثقيلة؛ تدخل الكلام زيادة في تحقيق الفعل أو الترك. ورواية الشافعي والترمذي: "كان إذا بعث سرية" وهذا اللفظ يدل أن ذلك كان عادته في بعث سراياه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عمر بن حبيب، عن عبد الله بن عون أن نافعًا كتب إليه يخبره أن ابن عمر أخبره أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع، فقتل المقاتلة وسبى الذرية. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. أما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن الحسن بن شقيق، عن عبد الله، عن ابن عون. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن سليم بن أخضر، وعن ابن المثنى، عن ابن أبي عدي كلاهما عن ابن عون. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون. قوله: "وهم غارون" جمع غار من الغرة وهي الفعلة. والنعم: الإبل والبقر والغنم. والمريسيع: ماء لبني المصطلق. والذرية: صغار الأولاد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس

стр. 2510

قال: سار رسول الله ﷺ إلى خيبر فانتهى إليها ليلاً، وكان رسول الله ﷺ إذا طرق قومًا لم يُغِر عليهم حتى يصبح؛ فإن سمع أذانًا أمسك؛ وإن لم يكونوا يصلون أغار عليهم حين يصبح، فلما أصبح ركب وركب المسلمون، وخرج أهل القرية ومعهم مكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا: محمد والخميس، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"، قال أنس: وإني لردف لأبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ . هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرجه عن حميد، عن أنس. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن الأنصاري، عن معن، عن مالك. وأما البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) فأخرجوه في جملة حديث طويل يتضمن ذكر غزوة خيبر. وللحديث روايات كثيرة. الطروق: إتيان المكان ليلاً، تقول: طرق المنزل يطرقه طروقًا فهو طارق. والإغارة: النهب، أغار يغير إغارة فهو مغير. وقوله: "إن سمع أذانا أمسك" كأنه يستدل بالأذان عن الإسلام لأنه من شعائره، ولأن فيه الشهادتين، ولأنه مقدمة الصلاة. ولهذا قال: "وإن لم يكونوا يصلون" فجعل الصلاة في مقابلة الأذان؛ لأن

стр. 2511

كل واحد منهما مقترن بالآخر فكأنه قال: وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم، أو كأنه قال: فإن رآهم يصلون أمسك، فلما كان بين الأذان والصلاة هذا التلازم أوقع أحدهما موقع الآخر. والمكاتل: جمع مكتل -بكسر الميم وفتح التاء- وهو الزنبيل. والمساحي: جمع مسحاة -بكسر الميم- وهي المجرفة من الحديد. والخميس: الجيش، لما رأوا النبي ﷺ -والمسلمون معه قالوا: هذا محمد والجيش معه، فقال رسول الله ﷺ حينئذ: "الله أكبر، خربت خيبر" لما علم من نزوله عليها بالمسلمين، ولذلك قال: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" وهم الذين جاءهم النذير، وبلغهم الإنذار؛ وأعلموا بما ينالهم إذا خالفوا الأمر. والذي ذهب إليه الشافعي في تبييت المشركين: أنه جائز، وأورد هذا الحديث اعتراضًا قال: ورواية أنس أن النبي ﷺ كان لا يغير حتى يصبح، ليس بتحريم الإغارة ليلاً ولا نهارًا ولا غارين -والله أعلم- ولكنه على أن يكون يبصر من معه كيف يغيرون، احتياطًا أن يؤتى من كمين أو من حيث لا يشعرون، وقد تختلط الحرب إذا غاروا ليلاً فيقتل بعض المسلمين بعضا , ولقائل أن يقول: إنما كان يوقفه عن الإغارة ليلاً ليسمع الأذان ويدري هل هم مسلمون أو لا, ولا يكون ذلك منعا من الإغارة ليلاً، إنما كان يفعله احتياطا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن عمه أن رسول الله ﷺ لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والولدان. هكذا أخرجه في كتاب "الرسالة" (١)، وعاد أخرجه في كتاب "قتال

стр. 2512

المشركين" (١) بالإسناد أن رسول الله ﷺ نهى الذين بعث إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان. هكذا أخرجه الشافعي في الموضعين عن ابن كعب، عن عمه. وقد أخرجه مالك في الموطأ (٢) عن ابن كعب وقد حسبت أنه قال: عبد الرحمن بن كعب أنه قال: نهى رسول الله ﷺ الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان، قال: فكان رجل منهم يقول: برَّحت بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح، فأرفع عليها السيف ثم أذكر نهي رسول الله ﷺ فأكف ولولا ذلك استرحنا منها. وأكثر الرواة عندهم: عبد الرحمن بن كعب، وعند القعنبي: عبد الله بن كعب أو عبد الرحمن بن كعب بالشك. ابن أبي الحقيق: هو أبو رافع عبد الله وقيل: سلام، وكان من تجار اليهود وكبارهم وأغنيائهم ومقدميهم، وكان في حصن له بأرض الحجاز وقيل: بخيبر، والأول أصح فكان يؤدي النبي ﷺ ويعين عليه، فأنفذ إليه من قتله رجالًا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، فمضوا وقتلوه. وقصته في المغازي مشهورة. ولما أرسلهم رسول الله ﷺ أمرهم بما يفعلون، ونهاهم عن قتل النساء والولدان. الولدان: جمع وليد وهو: الصبي فعيل بمعنى مفعول، والأنثى وليدة، وجمعها: ولائد. وقد أطلقوا الوليد والوليدة على العبد والأمة أيضًا. وقوله: "برحت بنا" من التبريح الشدة في الأمر، تقول: برح به الأمر

стр. 2513

تبريحا أي جهده وشق عليه، ولقيت منه برحًا بارحا أي: شدة وأذى. والحكم في قتل النساء والصبيان قد تقدم في الحديث قبله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فكتبوا عليهم أن لا يفر العشرون من المائتين فأنزل الله : ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فخفف عنهم وكتب عليهم أن لا تفر مائة من مائتين. هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري وأبو داود. وأما البخاري (١): فأخرجه عن يحيى بن عبد الله السلمي، عن عبد الله عن جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس. وذكر نحوه بمعناه وزاد في آخره: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن ابن المبارك، عن جرير بن حازم بإسناد البخاري مثله. يريد بالصبر: الثبات على لقاء العدو والاحتساب. وقوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ عدة من الله -تعالى- وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا وغلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله -تعالى- وتأييده، وختم الآية بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٣) أي قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب، فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم خشية

стр. 2514

القتل، وهذا كان في صدر الإسلام يجب على الواحد أن يثبت لعشرة، وقد روي عن ابن عباس ﵁ أن ذلك كان ندبًا وحثًا لا واجبًا. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الجهاد قد قلنا إنه من فروض الكفايات، إلا أن يلتقي الزحفان فإنه يجب الثبات بشرط: أن يكون العدد ضعف المسلمين؛ فلا يفر الواحد من الاثنين فإن كانوا ثلاثة فصاعدا جاز له الفرار. وذكر الشيخ أبو حامد: أنه ليس يريد أن على كل واحد على الانفراد أن يصابر اثنين منفردين، وإنما يريد أن جيش المشركين إذا كان ضعف جيش المسلمين فعليهم المصابرة، والأصل الأول. ويجوز للواحد أن يفر من اثنين في موضعين:- أحدهما: أن يكون متحيزا إلى فئة، أو متحرفًا لقتال. وحكي عن الحسن البصري وعكرمة والضحاك: أن هذا كان في غزاة بدر خاصة ولا يجب في غيرها. قال الشافعي -رحمة الله عليه-: [آي] (١) القرآن عام لجميع الناس وكل الخلق مراد به إلا أن يبين رسول الله ﷺ عند الفرض أن الله قصد به إلى قوم دون قوم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن [ابن] (٢) أبي نجيح، عن ابن عباس قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر. قال البيهقي: هكذا وجدته وقد سقط من إسناده بين ابن أبي نجيح وبين ابن عباس عطاء بن أبي رباح.

стр. 2515

كذا رواه الحاكم أبو عبد الله: عن الأصم، عن أحمد بن شيبان، عن سفيان وأدخل في الإسناد عطاء. الفرار: الهرب. قوله: "من فر من ثلاثة فلم يفر" يريد: أن الفرار من الثلاثة وإن كان فرارًا على الحقيقة -وإنه ليس بفرار شرعي؛ لأن الفرار الشرعي المنهي عنه الحرام على فاعله إنما هو أن يفر من اثنين لقوله -تعالى-: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (١) وهذا هو القدر الواجب في الجهاد، وقد تقدم في الحديث قبله حكم الفرار وما يتعلق به. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فلقوا العدو فحاص الناس حيصة، فأتينا المدينة ففتحنا بابها وقلنا: يا رسول الله ﷺ ، نحن الفرارون، فقال: "بل أنتم العكارون وأنا فئتكم". هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي. فأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن يزيد بن أبي زياد بالإسناد وذكر أطول من هذا. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد بالإسناد وذكر الحديث وفيه: فقدمنا المدينة فاختبأنا بها وقلنا هلكنا ثم أتينا

стр. 2516

رسول الله ﷺ . الحديث. السرية: طائفة من الجند ينفذون في الغزو وإلى بعض الجهات، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، سميت سرية: لأنها تسري ليلاً في خفية لئلا يدْرِ بهم العدو فيحذر فيمتنع، قيل إن أقصى السرايا أربعمائة، وقد جاء في الحديث: "خير السرايا أربعمائة". وحاص: قد روى حاص وجاض، فأما حاص -بالحاء والصاد المهملتين فهو من قولك: حصت عن الشيء أحيص: إذا حديث عنه وملت إلى غير جهته. المعنى: فروا من العدو فرة واحدة وانهزموا. وأما جاض -بالجيم والضاد المعجمتين-: فإنه يجوض الإبل، تقول: جاض عن الشيء يجيض عنه: إذا حاد عنه. والعكارون: جمع عكار وهو الذي يحمل في الحرب تارة بعد تارة، تقول: عكر يعكر عكرا إذا عطف، والعكرة: الكرة بعد البفرة. فأما العكار -بالتشديد- فيه للمبالغة. والفئة: الجماعة من الناس، وهم في الحرب الجماعة الذين يكونون وراء المقاتلة يستندون إليهم؛ فإن كان منهم أمر التجؤا إليهم واحتموا بهم، وأصله من فاء يفيء: إذا رجع قاله الجوهري. وقال الأزهري: إن أصل الفيئة من قولهم: فلوت رأسه: إذا فلقته لأن الفئة فئة من الناس. وهذا القول من النبي ﷺ كالتسلية لهم، وإقامة عذرهم في انهزامهم. وقد تقدم في حديث ابن عباس شرح المذهب. وهذا الحديث مسوق لبيان مقدار موضع الفئة التي يلتجئ إليها، فإنه لا فرق

стр. 2517

بين القرب والبعد فيها، وذلك أن النبي ﷺ قال لهم: "أنا فئة كل مسلم" وكان بالمدينة وكان المجاهدون بعيدا عنه، قالوا: لأن الآية عامة، ولأن العزيمة في الفرار أمر بين العبد وبين الله؛ ولا يمكن مخادعة الله في العزائم؛ فإذا ظهرت تلك العزيمة جاز له التوجه إليهم والالتجاء، وقد ذهب بعضهم: إلى أنه لا بد أن تكون الفئة في مسافة قصيرة؛ يمكنه الاستنجاد بمن فيها في هذا القتال وإتمامه. قال الشافعي ﵁: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ (١). قال الشافعي ﵁: والتحرف للقتال الاستطراد إلى أن يمكن المستطرد الكرة في أي حال ما كان الإمكان والتحيز إلى الفئة أين كانت الفئة ببلاد العدو وبلاد الإسلام بعد ذلك أو قرب، وإنما يأثم بالتولية من لم ينو واحدًا من المعنيين. وقد أخرج الشافعي في القديم أحاديث في كيفية بيعة الناس إمامهم ومقصوده منها هذه المسئلة، ونحن نذكر أسانيدها. قال المزني: حدثنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت أن أباه أخبره، عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم. وقد أخرج الشافعي أيضًا: عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة , عن عبادة بن الصامت قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ ستًا كما أخذ

стр. 2518

على النساء: أن لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا أولادكم، ولا يغتب بعضكم بعضا, ولا تعصوني في معررف. فمن أصاب منكم منهن واحدة فعجلت عقوبته فهو كفارة، ومن أخرت عقوبته فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، يقول لنا: "فيما استطعتم". وأخرج الشافعي: عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه، فقلنا: يا رسول الله, نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا, ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا [ولا نأتي] (١) ببهتان نفترينه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فيما استطعتن وأطقتن"، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة". وأخرج الشافعي: عن ابن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لم نبايع رسول الله ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. قال الشافعي: فالسنة أن يبايع الناس إمامهم؛ على أن يقاتلوا معه ما أمكنهم القتال وأطاقوه؛ وإذا لم يطيقوه فلا سبيل لهم على ما وصفه ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كان يبايع الناس فيما استطاعوا. قال الشافعي: فإن عجزوا عن القتال وسعهم التحيز والفرار إلى فئة؛ وكل المسلمين فئة وكذلك قال عمر بن الخطاب: أنا فئة كل مسلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله

стр. 2519

ابن عتبة، عن ابن عباس أخبرني الصعب بن جثامة أنه سمع رسول الله ﷺ يسأل عن أهل الدار من المشركين، يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ فقال رسول الله ﷺ "هم منهم". وزاد عمرو بن دينار عن الزهري: "هم من آبائهم". هكذا أخرجه [الشافعي] (١) في كتاب "الرسالة" (٢)، وأخرجه في كتاب قتال المشركين بهذا الإسناد وقال فيه: فيصاب من نسائهم وأبنائهم (٣). هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. فأما البخاري (٤): فأخرجه عن علي، عن سفيان. وأما مسلم (٥): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور والناقد. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن [أحمد بن عمرو بن] (٧) السرح. وأما الترمذي (٨): فأخرجه عن الجهضمي. كلهم عن سفيان. التبييت: أي بُيِّتم، والاسم: البيات، وأصله من قولك: بات فلان يفعل كذا: إذا فعله ليلاً. والذراري -شدد الياء-: جمع ذرية وهم صغار الأولاد، والأصل فيها

стр. 2520

الهمز لأنه من ذرأ الله الخلق أي: خلقهم، إلا أنهم يتركوا همزها. وقوله ﷺ : "هم منهم" أي من المشركين. وكذلك قوله: "هم من آبائهم" أي حكمهم حكم آبائهم في أمر الدين؛ وحكم الإسلام يشملهم فما يجري على آبائهم يجري عليهم. قال الشافعي ﵁: كان سفيان يذهب إلى أن قول النبي ﷺ : "هم منهم" إباحة لقتلهم، وأن حديث ابن أبي الحقيق ناسخ. قال: وكان الزهري إذا حدث بحديث الصعب بن جثامة، أتبعه حديث ابن كعب بن مالك. قال الشافعي ﵁: وحديث الصعب بن جثامة كان في عمرة النبي ﷺ ، فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق قبلها وقتل في سنتها, وإن كان في عمرة الآخرة فهو بعد أمر ابن أبي الحقيق من غير شك. والله أعلم. قال: ولم نعلمه رخص في قتل النساء والولدان ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا -والله أعلم- من قتل النساء والولدان: أن يقصد قصدهم بقتل وهم يعرفون منهزمين ممن أمر بقتله منهم. ومعنى قوله: "هم منهم" أنهم يجمعون خصلتين أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع الدم، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع الغارة على الدار، ومعنى هذا القول: أن قتل النساء والصبيان في البيات في الحرب إذا لم يتميزوا من آبائهم، وإذا لم يتوصل إلى الكفار إلا بالإتيان عليهم جائز؛ فإن النهي عن قتلهم مصروف إلى حال التمييز والتفرق؛ وأن الإبقاء عليهم إنما كان من أجل أنهم فيء للمسلمين لا من جهة أنهم على حكم الإسلام، فلا يجوز قتل النساء والصبيان إذا كانوا على هذه الحال.

стр. 2521

وقول الشافعي: إن قتل ابن أبي الحقيق إن كان قبل العمرة الأولى، يشهد بصحته ما قاله محمد بن إسحاق بن يسار -صاحب المغازي-: أن قتله كان قبل بني المصطلق وقبل عمرة الحديبية. وفي حديث الصعب بن جثامة أن النبي ﷺ مر به وهو بالأبواء وبودان؛ فأهدى إليه حمار وحشٍ فرده وقال: "إنا حرم"، وذكر أنه سئل عن ذراري المشركين. وفي ذلك دليل لما قال الشافعي من كونه بعد نهيه. وقوله: ﷺ في الجواب: "هم منهم، وهم من آبائهم" من الأجوبة البليغة الفصيحة المشتملة على الغرض المسئول عنه وزيادة، وذلك أنه نبه به على السبب المقتضي للحكم، وذكر العلة التي من أجلها ألحقهم بالرجال، فإن قوله: "هم منهم" أي: بعضهم، والبعض مندرج تحت الكل ويشتمله حكم الأصل، وكذلك قوله: "هم من آبائهم" ألحق الآباء بالأبناء، ولم يتعرض في الجواب إلى ذلك واكتفى بقوله: "هم منهم"، و"هم من آبائهم"، وهذا من بدائع ألفاظه ولطائف خطابه ﷺ وقد استدل الشافعي ﵁ على جواز التبييت بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون. وقد تقدم ذكره. وأخرج الشافعي في القديم (١) قال: حدثنا بعض أصحابنا، عن محمد بن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: ما رأيت مثل يهودية من بني قريظة إنها لتحدث عندي وتضحك، نودي بها فقالت: إني الآن لمقتولة، قلت: وما شأنك؟ قالت: أحدثت حدثا. قال الشافعي ﵁: فحدثنا بعض أصحابنا أنها كانت دلت على محمود بن مسلمة رحا فقتلته فقتلت بذلك.

стр. 2522

قال: قد جاء الخبر أن رسول الله ﷺ قتل القرظية، ولم يصح خبر على أي معنى قتلها، وقد يحتمل أن يكون قد أسلمت ثم ارتدت ولحقت بقومها، ويحتمل غير ذلك والله أعلم. وذكر في القديم أيضًا حديث رباح بن [أخي] (١) حنظلة أن النبي ﷺ رأى امرأة ضخمة مقتولة فقال: "ما أرى هذه كانت تقاتل". وفي ذلك دلالة على أنها إذا قاتلت حل قتالها وقتلها والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة بالإسناد أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق، وهي البويرة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير فقال قائل: وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. أما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن موسى بن عقبة. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن هناد وسعيد بن منصور، عن ابن المبارك، عن موسى فزاد في رواية قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث [] (٤)

стр. 2523

أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نوحيها السعير ستعلم أينا منها بُنْزه ... وتعلم أي أرضينا تصير الشاعر الأول هو حسان بن ثابت. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع. البويرة: اسم ذلك النخيل. واستطار الحريق: إذا اتسع وشمل الشيء المحرق، ومنه الفجر المستطير وهو الذي انتشر وأضاء بضوئه. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يجوز للمسلمين تخريب ديار المشركين وقطع شجرهم وإحراقها. قال: وكلما كان مما يملكون لا روح فيه فإتلافه بكل وجه مباح. فإن قال قائل: فلعل النبي ﷺ حرق مال بني النضير ثم تركه، قيل: فقد حرق بخيبر -وهي بعد بني النضير-، وحرق بالطائف وهي آخر غزوة قاتل فيها، وأمر أسامة بن زيد أن يحرق على أهل أبنى (٢). وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن عبد الله بن جعفر قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أغير صباحًا على أهل أبنى وأحرق. هذا الحديث أخرجه أبو داود (٣): عن هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري وقال: إن رسول الله ﷺ كان عهد إليه

стр. 2524

وقال: اَغِرْ على أبنى صباحًا وحرق، قيل لأبي مسهر أبنى، قال: نحن أعلم هي يبنى فلسطين. رواية الشافعي هي حكاية قول أسامة عند خطابه لعروة، فإنه كذا يقول المتكلم: أمرني أن أفعل كذا وكذا، ورواية أبي داود حكاية معنى كلامه ردا من المتكلم إلى الغائب، فإنه قال: اغرْ على أبنى وحرق. فعروة قد حكى في رواية أبي داود ما قال له أسامة لا بلفظه، وفي رواية الشافعي أعاد لفظه عند خطابه، وهو أبلغ وأتقن لأن رواية الحديث بالمعنى مختلف فيها, ولقائل أن يقول: إن رواية أبي داود أبلغ لأنها حكاية لفظ النبي ﷺ لأن الأمر كذا، تقول: افعل كذا وكذا، والجواب: أن أسامة إنما قال: أمرني أن أفعل كذا وكذا, ولم يقل: قال لي: افعل كذا وكذا. وأبنى: هي مدينة عند الرملة من فلسطين، والمشهور في اسمها: يبنى -بالياء- وكذلك تسمى اليوم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب -مولى عبد الله بن عامر- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ [قال] (١): "من قتل عصفورًا بغير حقها سأله الله عن قتله" قيل: يا رسول الله ﷺ ما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها". العصفور: مذكر، والأنثى: عصفورة. وقد رد الضمير في هذا الحديث تارة إلى مؤنث فقال: "فما فوقها بغير حقها"، هكذا في نسخ المسند على ما وصل إلينا منها، فإن لم يكن سهوا من الكاتب فيكون ذلك ردا إلى النفس أي: من قتل نفسًا. ورده ثانية إلى مذكر فقال: "سأله عن قتله" ردا إلى اللفظ، ثم

стр. 2525

عاد فقال: "ما حقها" فأنث الضمير. وهذا وأمثاله فاش في العربية أن يحمل الكلام على اللفظ، وتارة على المعنى فيعامل كلًا من الأمرين بما يقتضيه من تذكير وتأنيث، وجمع وإفراد وغير ذلك. وقد بين سبب المطالبة من الله بقتله وهو: بقتله عبثا لا لفائدة ولا حاجة منه إليه، وقد جاء النهى كثيرًا عن أمثال هذه كالنهي عن المصبورة والمجثمة لأنه تعذيب الحيوان لغير فائدة؛ وهذا حرام شرعًا مذموم عرفًا وعقلاً. ولما ذكر الشافعي ما يجوز إتلافه من أموال المشركين مما لا روح فيها تبعه بذكر ذوات الروح ونهى عن ذكرها فقال: ونهى رسول الله ﷺ عن المصبورة: وهي التي تنصب وترمى إلى أن تموت، فقال: قال أبو بكر الصديق ﵁: لا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة. فإن قال قائل: فقد قال أبو بكر: ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، فقطعته؟ وإني إنما قطعته بالسنة واتباع لما جاء عن رسول الله ﷺ ؛ وكان أولى بي والمسلمين، ولم أجد لأبي بكر مخالفًا في ذوات الأرواح من كتاب ولا سنة، ولا مثله من أصحاب رسول الله ﷺ فيما حفظت، مع أن السنة تدل على ما قال أبو بكر في ذوات الأرواح. وذكر حديث العصفور. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: لما حضرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر ﵁ فقدمت به على عمر، فلما انتهينا إليه قال له عمر: تكلم، قال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: تكلم لا بأس، قال: إنا وإياكم معشر العرب ما حكى الله بيننا وبينكم، كنا نتعبدكم؛ ونقتلكم؛ ونغصبكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان، فقال عمر: ما تقول، فقلت: يا أمير المؤمنين، تركت بعدي عدوا كثيرا وشوكة شديدة؛ فإن قتلته يئس القوم من الحياة ويكون أنفذ لشوكتهم، فقال عمر: أستحي قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور؛ فلما خشيت أن يقتله قلت: ليس
следующие страницы →