وقول الشافعي: إن قتل ابن أبي الحقيق إن كان قبل العمرة الأولى، يشهد بصحته ما قاله محمد بن إسحاق بن يسار -صاحب المغازي-: أن قتله كان قبل بني المصطلق وقبل عمرة الحديبية.
وفي حديث الصعب بن جثامة أن النبي ﷺ مر به وهو بالأبواء وبودان؛ فأهدى إليه حمار وحشٍ فرده وقال: "إنا حرم"، وذكر أنه سئل عن ذراري المشركين. وفي ذلك دليل لما قال الشافعي من كونه بعد نهيه.
وقوله: ﷺ في الجواب: "هم منهم، وهم من آبائهم" من الأجوبة البليغة الفصيحة المشتملة على الغرض المسئول عنه وزيادة، وذلك أنه نبه به على السبب المقتضي للحكم، وذكر العلة التي من أجلها ألحقهم بالرجال، فإن قوله: "هم منهم" أي: بعضهم، والبعض مندرج تحت الكل ويشتمله حكم الأصل، وكذلك قوله: "هم من آبائهم" ألحق الآباء بالأبناء، ولم يتعرض في الجواب إلى ذلك واكتفى بقوله: "هم منهم"، و"هم من آبائهم"، وهذا من بدائع ألفاظه ولطائف خطابه ﷺ وقد استدل الشافعي ﵁ على جواز التبييت بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون. وقد تقدم ذكره.
وأخرج الشافعي في القديم (١) قال: حدثنا بعض أصحابنا، عن محمد بن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: ما رأيت مثل يهودية من بني قريظة إنها لتحدث عندي وتضحك، نودي بها فقالت: إني الآن لمقتولة، قلت: وما شأنك؟ قالت: أحدثت حدثا.
قال الشافعي ﵁: فحدثنا بعض أصحابنا أنها كانت دلت على محمود بن مسلمة رحا فقتلته فقتلت بذلك.
стр. 2522
قال: قد جاء الخبر أن رسول الله ﷺ قتل القرظية، ولم يصح خبر على أي معنى قتلها، وقد يحتمل أن يكون قد أسلمت ثم ارتدت ولحقت بقومها، ويحتمل غير ذلك والله أعلم.
وذكر في القديم أيضًا حديث رباح بن [أخي] (١) حنظلة أن النبي ﷺ رأى امرأة ضخمة مقتولة فقال: "ما أرى هذه كانت تقاتل".
وفي ذلك دلالة على أنها إذا قاتلت حل قتالها وقتلها والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة بالإسناد أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق، وهي البويرة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير فقال قائل:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
أما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن موسى بن عقبة.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن هناد وسعيد بن منصور، عن ابن المبارك، عن موسى فزاد في رواية قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث [] (٤)
стр. 2523
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نوحيها السعير
ستعلم أينا منها بُنْزه ... وتعلم أي أرضينا تصير
الشاعر الأول هو حسان بن ثابت.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع.
البويرة: اسم ذلك النخيل.
واستطار الحريق: إذا اتسع وشمل الشيء المحرق، ومنه الفجر المستطير وهو الذي انتشر وأضاء بضوئه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يجوز للمسلمين تخريب ديار المشركين وقطع شجرهم وإحراقها.
قال: وكلما كان مما يملكون لا روح فيه فإتلافه بكل وجه مباح. فإن قال قائل: فلعل النبي ﷺ حرق مال بني النضير ثم تركه، قيل: فقد حرق بخيبر -وهي بعد بني النضير-، وحرق بالطائف وهي آخر غزوة قاتل فيها، وأمر أسامة بن زيد أن يحرق على أهل أبنى (٢).
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن عبد الله بن جعفر قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أغير صباحًا على أهل أبنى وأحرق.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٣): عن هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري وقال: إن رسول الله ﷺ كان عهد إليه
стр. 2524
وقال: اَغِرْ على أبنى صباحًا وحرق، قيل لأبي مسهر أبنى، قال: نحن أعلم هي يبنى فلسطين.
رواية الشافعي هي حكاية قول أسامة عند خطابه لعروة، فإنه كذا يقول المتكلم: أمرني أن أفعل كذا وكذا، ورواية أبي داود حكاية معنى كلامه ردا من المتكلم إلى الغائب، فإنه قال: اغرْ على أبنى وحرق.
فعروة قد حكى في رواية أبي داود ما قال له أسامة لا بلفظه، وفي رواية الشافعي أعاد لفظه عند خطابه، وهو أبلغ وأتقن لأن رواية الحديث بالمعنى مختلف فيها, ولقائل أن يقول: إن رواية أبي داود أبلغ لأنها حكاية لفظ النبي ﷺ لأن الأمر كذا، تقول: افعل كذا وكذا، والجواب: أن أسامة إنما قال: أمرني أن أفعل كذا وكذا, ولم يقل: قال لي: افعل كذا وكذا.
وأبنى: هي مدينة عند الرملة من فلسطين، والمشهور في اسمها: يبنى -بالياء- وكذلك تسمى اليوم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب -مولى عبد الله بن عامر- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ [قال] (١): "من قتل عصفورًا بغير حقها سأله الله عن قتله" قيل: يا رسول الله ﷺ ما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها".
العصفور: مذكر، والأنثى: عصفورة. وقد رد الضمير في هذا الحديث تارة إلى مؤنث فقال: "فما فوقها بغير حقها"، هكذا في نسخ المسند على ما وصل إلينا منها، فإن لم يكن سهوا من الكاتب فيكون ذلك ردا إلى النفس أي: من قتل نفسًا.
ورده ثانية إلى مذكر فقال: "سأله عن قتله" ردا إلى اللفظ، ثم
стр. 2525
عاد فقال: "ما حقها" فأنث الضمير.
وهذا وأمثاله فاش في العربية أن يحمل الكلام على اللفظ، وتارة على المعنى فيعامل كلًا من الأمرين بما يقتضيه من تذكير وتأنيث، وجمع وإفراد وغير ذلك.
وقد بين سبب المطالبة من الله بقتله وهو: بقتله عبثا لا لفائدة ولا حاجة منه إليه، وقد جاء النهى كثيرًا عن أمثال هذه كالنهي عن المصبورة والمجثمة لأنه تعذيب الحيوان لغير فائدة؛ وهذا حرام شرعًا مذموم عرفًا وعقلاً.
ولما ذكر الشافعي ما يجوز إتلافه من أموال المشركين مما لا روح فيها تبعه بذكر ذوات الروح ونهى عن ذكرها فقال: ونهى رسول الله ﷺ عن المصبورة: وهي التي تنصب وترمى إلى أن تموت، فقال: قال أبو بكر الصديق ﵁: لا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة.
فإن قال قائل: فقد قال أبو بكر: ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، فقطعته؟ وإني إنما قطعته بالسنة واتباع لما جاء عن رسول الله ﷺ ؛ وكان أولى بي والمسلمين، ولم أجد لأبي بكر مخالفًا في ذوات الأرواح من كتاب ولا سنة، ولا مثله من أصحاب رسول الله ﷺ فيما حفظت، مع أن السنة تدل على ما قال أبو بكر في ذوات الأرواح. وذكر حديث العصفور.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: لما حضرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر ﵁ فقدمت به على عمر، فلما انتهينا إليه قال له عمر: تكلم، قال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: تكلم لا بأس، قال: إنا وإياكم معشر العرب ما حكى الله بيننا وبينكم، كنا نتعبدكم؛ ونقتلكم؛ ونغصبكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان، فقال عمر: ما تقول، فقلت: يا أمير المؤمنين، تركت بعدي عدوا كثيرا وشوكة شديدة؛ فإن قتلته يئس القوم من الحياة ويكون أنفذ لشوكتهم، فقال عمر: أستحي قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور؛ فلما خشيت أن يقتله قلت: ليس
стр. 2526
إلى قتله سبيل، قلت له: تكلم لا بأس، فقال عمر: أرتشيت وأصبت منه؟ فقلت: والله ما ارتشيت ولا أصبت منه، قال: لتأتيني على ما شهدت به لغيرك؛ أو لأبدأن بعقوبتك، قال: فخرجت فلقيت الزبير بن العوام فشهد معي، فأمسك عمر وأسلم وفرض له.
قوله: "نزل على حكم" أي: أن يحكم فيه بما يراه من: قتل، أو أسر وعفو وإطلاق وغير ذلك.
وقوله: "كلام حي أو كلام ميت"؟ يريد: إن كنت تريد أن تقتلني فأتكلم كلام من يريد أن يموت عن قريب؛ فلا يخاف ما يقول فلا يراقب أحدا.
وإن تريد لا تقتلني فإني أتكلم كلام من يريد أن يعيش؛ فيحتاط فيما يقول.
وقوله: "لا بأس" أي: لا تخف فتكلم كلام حي.
وقوله: "ما خلى الله بيننا وبينكم" أي: لم يكن له نبأ ولا بكم عناية، فإنا كنا أشد منكم قوة وأحد شوكة، فكنا نتعبدكم أي: نتخذكم عبيدًا وخولًا ونذلكم، لأن التعبد: الإذلال، فكنا نقتلكم ونغصبكم أزواجكم وأموالكم، فلما كان الله معكم ونصركم علينا وصارت الدولة لكم، لم يكن لنا بكم يدان أي: لا طاقة ولا قدرة لأن الدفع والمباشرة باليدين فكأنا عن عجزنا عنكم مسلوبوا الأيدي التي بها البطش والأخذ، تقول: ليس لي بهذا الأمر يد وليس لي بها يدان. وقوله: "تركت بعدي شوكة شديدة" هذا من قول أنس بن مالك.
والشوكة: شدة البأس والحد في السلاح، وقد شاك الرجل يشاك شوكا أي: ظهرت شوكته وحدته، وهو شائك السلاح وشاكي السلاح مقلوب منه.
ويئس من هذا الأمر: إذًا انقطع منه رجاؤه ييأس، وكذلك أيس يائس فهو آيس.
стр. 2527
وقوله: "استحي قاتل البراء" أي: اتركه حيا واستبقيه، يعني: الهرمزان.
والارتشاء: من الرشوة وهو البرطيل أي: أنك أخذت شيئًا رشاك به لتتكلم عنه وتسعى في خلاصه، فطلب عمر منه شاهدا آخر على صحة قوله، إنك قلت له: يائس، كأن عمر قد كان يسبه فشهد له الزبير بذلك. والباء في "به" متعلقة: "بشهدت". والباء في بغيرك متعلقة بقوله: "لتأتيني".
وقوله: "فرض له" أي: جعل له نصيبا في بيت المال كما لغيره من المسلمين.
قال الشافعي: وقبول من قبل من الهرمزان أن ينزل على حكم عمر ﵁؛ موافق سنة رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قبل من بني قريظة حين حاصرهم وجهدتهم الحرب أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
قال: وقول عمر ﵁: لتأتيني بمن يشهد على ذلك، يحتمل: أنه إذا لم يذكر ما قال للهرمزان أن لا يقبل إلا بشاهدين.
ويحتمل: أن يكون احتياطًا كما احتاط في الأخبار.
ويحتمل: أن يكون في يديه، فجعل الشاهد غيره لأنه دافع عما في يديه، وأشبه عندنا أن يكون احتياطًا. والله أعلم.
قال: ولا قود على قاتل أحد بعينه، لأن الهرمزان قاتل البراء بن مالك ومجزأة ابن ثور، فلم ير عمر عليه قودًا، وقول عمر في هذا موافق لسنة رسول الله ﷺ ؛ جاءه قاتل حمزة مسلما فلم يقتله به قودا.
والذي ذهب إليه الشافعي في الأمان: أن عقده جائز من المسلمين للمشركين؛ وإن كان الإمام منهم جاز له أن يعقد لهم الأمان حسب ما يراه من الصلاح، فيصح عقده للواحد فمن فوقه؛ ولأهل إقليم؛ ولجميع المشركين إن رأى ذلك، وإن كان الذي عقده أميرًا من جهة الإمام فيكون له العقد لمن هو في
стр. 2528
ولايته؛ ويكون في غير ولايته كآحاد الرعية، وأما آحاد الناس فيخير واحد منهم الواحد، والعدد القليل أكثرهم أهل قافلة، ولا يجوز أن يؤمن أهل بلد ولا أهل إقليم وسواء في ذلك الحر من المسلمين والعبد، وأما ألفاظ الأمان فأن يقول: أمنتك وأجرتك، وهذا صريح، فإن قال: لا تخف، ولا تخش، ولا تجزع، ولا بأس عليك كان أمانا صحيحا كما قال عمر في هذا الحديث.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل جيش كان بعثه: إنه بلغني أن الرجل منكم يطلب العلج، حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع، قال له الرجل: مترس، يقول: لا تخف فإذا أنزله قتله، وإني والذي نفسي بيده؛ لا يبلغني أن أحدًا فعل ذلك إلا ضربت عنقه. قال مالك: لا يقتل به.
قال الشافعي: إن كان إنما ذهب إلى أن النبي ﷺ لا يقتل مسلم بكافر وهذا كافر، لزمه إذا جاء عن النبي ﷺ شيء أن يترك كل ما خالفه، وإذا قال الرجل للرجل: لا تخف، فقد أمنه وإذا قال: مترس، فقد أمنه فإن الله -تعالى- يعلم الألسنة.
وأخرج الشافعي: عن يوسف بن خالد السمتي، عن إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان نازل أهل الطائف فنادى مناديه: أن من خرج إلينا من عبد فهو حر، فخرج إليه نافع ونفيع فأعتقهما".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقفي: عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب سأله: إذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون؟ قال: نبعث الرجل إلى المدينة ونصنع له هنة من جلود، قال: أرأيت إن رمي بحجر؟ قال: إذًا يقتل، قال: فلا تفعلوا فوالذي نفسي بيده، ما يسرني أن تفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم.
стр. 2529
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "الأسارى" (١) من المسند، وقال: لا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه، شجاعًا ببدنه، حسن الأناة؛ عاقلًا للحرب؛ بصيرا بها؛ غير عجل ولا ترق، وأن يتقدم إليه وإلى من ولي أن لا يجعل المسلمين على مهلكة بحال.
وذكر هذا الحديث ثم قال: وما ذكر عمر بن الخطاب ﵁ من هذا احتياط وحسن نظر للمسلمين. ثم ذكر في موضع آخر: أنه يحل له بأنفسهم أن يقدموا على ما ليس عليهم تعرضا للقتل ورجاء إحدى الحسنيين ألا ترى أني لا أرى ضيقا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبارز الرجل وإن كان الأغلب أنه مقتول، لأنه قد بورز بين يدي رسول الله ﷺ ؛ وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر؛ بعد إعلام النبي ﷺ إياه بما في ذلك من الخير فقتل، والرجل هو: عوف بن عفراء.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة، أخبرنا السائب بن يزيد أن النبي ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن سفيان، عن يزيد، عن السائب، عن رجل قد سماه أن رسول الله ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين، أو لبس درعين.
فالشافعي رواه عن السائب مرسلاً، وأبو داود رفعه عن السائب، عن رجل، وقد رواه إبراهيم بن يسار، عن سفيان، عن يزيد، عن رجل من بني تميم، عن طلحة بن عبيد الله عن النبي ﷺ . وكذلك رواه بشر السري، عن سفيان إلا أنه قال: عمن حدثه طلحة فقال: ظاهر فلان بين درعين وبين ثوبين: إذا لبس أحدهما فوق الآخر، وكأنه من المظاهرة المعاونة، أي أن كل واحد منهما أعان
стр. 2530
الآخر على ما يراد منه؛ إن كانا درعين فلمنع العدو، وإن كانا ثوبين فلدفع أذى الحر والبرد.
وهذا الحديث ذكره الشافعي في عقيب كلامه في جواز إقدام الواحد على الجماعة، ثم قال: والاختيار أن يتحرز. واستدل بهذا الحديث.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت عليًا -كرم الله وجهه- يقول: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب" فخرجنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال: "ما هذا يا حاطب"؟ قال: لا تعجل علي، إني كنت امرًأ ملصقا في قريش ولم أكن أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم؛ ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا، والله ما فعلت شكًا في ديني؛ ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد صدق"، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (١).
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
стр. 2531
أما البخاري (١): فأخرجه علي بن عبد الله وقتيبة والحميدي.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن ابن أبي عمر.
كل هؤلاء عن سفيان بن عيينة.
الظعينة: المرأة، وهي في الأصل إذا كانت في الهودج، ثم كثر استعمالها حتى أطلقت على المرأة كانت في الهودج مسافرة أو مقيمة أو لم تكن.
وقوله: "ولم تعادى بنا خيولنا" أي: تتعادى، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا لكثرة الاستعمال.
وقوله: "أو لتلقين الثياب" يريد: تعريتها وأخذ ثيابها ليظهر الكتاب.
والعقاص: جمع: عقصة أو عقيصة وهي: الضفيرة من الشعر إذا لويت وجعلت مثل الرمانة أو لم تلو، المعنى: أنها أخرجت الكتاب من ضفائرها المعقوصة.
وقوله: "يخبر ببعض أمر النبي ﷺ " يريد: أنه أخبر أهل مكة أن النبي ﷺ يريد أن يغزوهم، وذلك في غزوة الفتح.
والملصق: الرجل المقيم في الحي وليس منهم بنسب، كأنه قد التصق بهم.
وقوله: "أن أتخذ عندهم يدًا" يريد: أن يسري إليهن مكرمة، ويسلف
стр. 2532
إليهم حقا يعرفونه له، فإن دعته إليهم يوما حاجة كافئوه عليها وجازوه بها.
وقوله: "وما يدريك"؟ أي: ومن أين تعلم؟ وكيف تدري أن يكون الله قد قال في حق أهل بدر كيت وكيت.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي فيمن دل المشركين على أمر من أمور المسلمين؛ أو أطلعهم على شيء من أسرارهم، فإنه لا يقتل.
قال الشافعي ﵁: فإن كان من فعل ذلك من ذوي الهيئات عُذر ولم نعذِّره لحديث حاطب وقول النبي ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"، وإن لم يكن من ذوي الهيئات عُذِّر بما يراه الإمام والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل فأوثقوه وطرحوه في الحرة، فمر به رسول الله ﷺ ونحن معه -أو قال: أتى عليه رسول الله ﷺ - على حمار وتحته قطيفة، فناداه: يا محمد، يا محمد، فأتاه النبي ﷺ فقال: "ما شأنك؟ قال: فيم أخذت؟ وفيم سابقة الحاج؟ قال: "أخذت بجريرة حلفائكم ثقيف" وكانت ثقيف أسرت رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، فتركه ومضى، فناداه: يا محمد، يا محمد، فرحمه رسول الله ﷺ فرجع إليه فقال: "ما شأنك"؟ قال: إني مسلم، فقال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح"، قال: فتركه ومضى، فناداه: يا محمد، فرجع إليه، فقال: إني جائع فأطعمني -قال-: وأحسبه قال: وإني عطشان فاسقني، قال: "هذه حاجتك" ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف وأخذ ناقته تلك.
هكذا أخرجه في كتاب "الأسارى" (١)، وأخرج الشافعي في كتاب "قسم
стр. 2533
الفيء" عن ابن عيينة، عن أيوب بالإسناد طرفًا منه أن النبي ﷺ فدى رجلاً برجلين.
وأخرج في كتاب "اختلاف الحديث" (١) عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن أيوب بالإسناد قال: أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، ففداه النبي ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف.
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود بطوله وأخرج الترمذي منه هذا الطرف.
فأما مسلم (٢): فأخرجه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب.
وعن أبي الربيع، عن حماد. وعن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر، عن عبد الوهاب، عن أيوب.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى، عن حماد، عن أيوب.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أبي عمر، عن [سفيان] (٥)، عن أيوب بالإسناد أن النبي ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. لم يزد على ذلك.
فديت الأسير أفديه وفاديته أفاديه: إذا أعطيت فداه فأنقذته من الأسر،
стр. 2534
والفداء بالكسر يمد ويقصر، وإذا فتح فالقصر لا غير.
وقيل: فديت الأسير: إذا أسرته بمالك وخلصته من الأسر، وفاديته: إذا أعطيت رجلاً وأخذت عوضه.
والجريرة: الجناية، تقول: جر عليه يجر جريرة: إذا جنى عليه جناية.
ومعنى قوله: "أخذت بجريرة حلفائكم ثقيف" قد اختلف في تأويله:-
فقيل معناه: أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل أن لا يعرضوا للمسلمين ولا لأحد من حلفائهم، فنقض حلفاؤهم العهد ولم ينكره بنو عقيل فأخذ بجريرتهم.
وقيل معناه: إن هذا كان رجلاً كافرًا لا عهد له، فأخذه وأسره جائز، فإذا جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهو كافر، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره.
وقيل: في الكلام إضمار يريد: أنك أخذت لندفع بك جريرة حلفائك ثقيف، ونفدي بك الأسرى الذين أسرتهم ثقيف، ألا تراه قال في الحديث: ففدى الرجل برجلين من المسلمين.
قال الشافعي ﵁ في قول رسول الله ﷺ : "أخذت بجريرة حلفائكم من ثقيف": معناه: أن المأخوذ مشرك مباح الدم والمال لشركه من جميع جهاته؛ والعفو عنه مباح، فلم ينكر أن يقول: أخذت -أي: حبست- بجريرة حلفائكم ثقيف، وتحبسه بذلك ليصيروا إلى أن يخلوا من أراد، وقد غلط بهذا بعض من قال: يؤخذ الولي بالولي من المسلمين، فإن هذا مشرك يحل أن يؤخذ بكل جهة، وقد قال رسول الله ﷺ لرجلين من المسلمين قال: "هذا ابنك"؟ قال: نعم، قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه، وقضى الله -تعالى-: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فلما كان حبسه هذا حلالًا بغير جناية غيره وإرساله مباحًا جاز أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه
стр. 2535
ذلك بنفسه.
قال الشافعي ﵁: وأسلم هذا الأسير فرأى النبي ﷺ أنه أسلم بلا نية، قال: "لو قلتها وأنت تملك نفسك أفلحت كل الفلاح"، وحقن بإسلامه دمه، ولم يخله بالإسلام إذ كان بعد أساره، وإذ فداه بعد إسلامه بالرجلين فقد أثبت عليه الرق بعد إسلامه.
قال: وهذا قول مجاهد، فإن سفيان أخبرنا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إذا أسلم أهل العنوة فهم أحرار وأموالهم فيء للمسلمين، فتركنا هذا استدلالًا بالخبر عن النبي ﷺ .
قال: وإذ فداه برجلين من أصحابه؛ وإنما فداه بهما أنه فك الرق عنه بأن خلوا صاحبيه. وفي هذا دلالة على أن لا بأس أن يعطي المسلمون المشركين كل من يجري عليه الرق؛ وإن أسلم إذا كان لا يسترق، وهذا العقيلي لا يسترق لموضعه فيهم، فرده النبي ﷺ إليهم وهي أرض كفر؛ لعلمه بأنهم لا يضرونه لقدره فيهم وشرفه عندهم.
وقال بعض العلماء: أنه لما يخله النبي ﷺ ولا أطلقه؛ ورده إلى دار الكفر بعد أن قال: إني مسلم، فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله -تعالى- على كذبه؛ وأعلم أنه تكلم بالإسلام على سبيل التقية دون الإخلاص، ألا تراه قال له: "هذه حاجتك" حين قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، وليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ ، فمتى قال الكافر: إني مسلم، قبل منه إسلامه ظاهرًا؛ ووكلت سريرته إلى الله -تعالى- لانقطاع الوحي؛ واستداد باب علم الغيب.
وقوله: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" يريد: أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعًا راغبًا فيه قبل الأسر؛ أفلحت في الدنيا بالإطلاق من الأسر؛ وأفلحت في الآخرة بالنجاة من النار، ومن جمع له فلاح الدنيا
стр. 2536
والآخرة فقد جمع كل الفلاح.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الأسير إذا أسلم حقن دمه؛ وفي حكمه قولان:-
أحدهما: أن يكون رقيقا للمسلمين لا يمن عليه ولا يفادي به.
والثاني: أن يكون الإمام مخيرا فيه بين ثلاث حالات:-
أحدها: استرقاقه. والثانية: أن يمن عليه ويطلق.
والثالثة: أن يفادي به غيره من أسراء المسلمين أو يفدي بالمال بشرط أن يكون له عشيرة تحميه إذا رد إليهم وهو مسلم، فأما إذا لم يكن له عشيرة تحميه لم يجز رده إلى المشركين. وهكذا الحكم في الأسير إذا كان مشركا، فالإمام غير فيه قتلاً، ومنًا، وفدًاء. وبه قال أبو ثور وأحمد والأوزاعي.
وقال مالك في الرجال البالغين: إن شاء قتلهم، وإن شاء فادى بهم أسراء المسلمين. وبه قال الثوري وأبو عبيد وزاد: وإن شاء استرقهم.
وقال أصحاب الرأي: إن شاء ضرب أعناقهم، وإن شاء أن يمن عليهم فيكونوا فيئا للمسلمين ولا يطلقهم بغير عوض، وإن شاء أن يعرض عليهم الإسلام، لكن ينبغي أن ينظر أي ذلك خيرًا للمسلمين فعله.
وقال الحسن وعطاء وسعيد بن جبير: إن شاء مَنَّ عليه، أو فاداه وكانوا يكرهون قتله.
قال الشافعي ﵁: أسر رسول الله ﷺ أهل بدر، فمنهم من مَنَّ عليه بلا شيء أخذ منه، ومنهم من أخذ منه فدية، ومنهم من قتله؛ فكان المقتول بعد الأسر عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وكان من الممنون عليهم بلا فدية: أبو عزة الجمحي تركه لبناته وأخذ عليه عهدًا أن لا يقاتله؛ فأخفره وقاتله يوم أحد فدعا رسول الله ﷺ أن لا يفلت فما أسر من المشركين
стр. 2537
رجل غيره، فقال: يا محمد، امنن علي ودعني لبناتي وأعطيك عهدًا أن لا أعود لقتالك، فقال: "لا تمسح علي عارضيك بمكة، تقول: خدعت محمد مرتين" فأمر به فضربت عنقه، وعندها قال رسول الله ﷺ : "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه قال: لا والله ما سمل رسول الله ﷺ عينًا, ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم.
سمل العين سملها: إذا أحمى حديدة كحلها بها ليذهب بصرها.
واللقاح: جمع لقحة، وهي: الناقة ذات اللبن، وقيل: ذات المخاض، وأهل اللقاح هم: الذين جاؤا إلى المدينة فمرضوا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى الإبل فيشربوا من ألبانها، ففعلوا وصحوا، ثم قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل، فأنفذ النبي ﷺ في طلبهم، فلما أحضروا سمل أعينهم، وقطع أيديهم وأرجلهم.
هذا الحديث أخرجه الشافعي ﵁ في كتاب "قال المشركين" (١) في النهي عن الأمثلة بالأسرى، وأن المسلمين إذًا أخذوا مشركا وأرادوا قتله ضربت رقبته بغير مثلة.
قال: فإن قال قائل: فقد قطع رسول الله ﷺ أيدي الذين استاقوا [لقاحه] (٢) وأرجلهم وسمل أعينهم، فيما رواه أنس بن مالك، من حديث هؤلاء المقدم ذكرهم.
قال الشافعي ﵁: ثم روى فيه راوي حديثهم أيضًا: أن
стр. 2538
رسول الله ﷺ لم يخطب بعد ذلك خطبة إلا أمر بالصدقة ونهى عن المثلة.
ثم ذكر حديث أنس ﵁ وهو من رواية المزني عنه.
قال الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الوهاب، عن حميد، عن أنس أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فقال: "لو خرجتم إلى ذود لنا فشربتم من ألبانها" ففعلوا وارتدوا عن الإسلام، فقتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا ذوده، فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم، فقطع أيديهم -وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
وزاد في رواية: فما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا نهى فيها عن المثلة.
حديث أنس ﵁ صحيح (١) قد روي من غير وجه، وروي عن ابن عمر أيضًا، فلا معنى للإنكار بعد صحة الإسناد، فإما أن يحمل على النسخ كما ذهب إليه ابن سيرين وقتادة؛ وعلى ذلك حمله الشافعي ﵁ في أول كلامه.
وإما أن يحمل على أنه قد فعل بهم ما فعلوا بالرعاء؛ فإنه قد جاء في رواية؛ سليمان التيمي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ إنما سمل أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة.
قال الشافعي ﵁ والمثلة التي نهى عنها رسول الله ﷺ هو: أن يقطع يدي المشركين -إذا أسروا- وتجدع آذانهم وأنفهم، وقد فعل ذلك أبو سفيان يوم أحد فمثل بأصحاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لأمثلن بكذا وكذا منهم" فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا
стр. 2539
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ (١) فنهى رسول الله ﷺ عند ذلك عن المثلة.
قال الشافعي ﵁: المثلة، واتخاذ ما فيه الروح غرضا، وإحراق المشركين بالنار لا يحل فعل ذلك بهم [بعد] (٢) أن يؤسروا، ويحل أن يقاتلوا ويرموا بالنبل والحجارة وبشهب النار، وكل ما كان فيه دفع لهم عن المسلمين؛ ومعونة أهل الإسلام عليهم.
وأخرج الشافعي: عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح أن هبار بن الأسود كان قد أصاب زينب بنت رسول الله ﷺ بشيء، وبعث رسول الله ﷺ سرية وقال: "إن ظفرتم بهبار فاجعلوه بين حزمتين من حطب ثم احرقوه"، ثم قال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله، إن ظفرتم به فاقطعوا يده ثم رجله" (٣).
قوله: "أصابها بشيء" يريد: خروجه خلفها حين خرجت من مكة وردها؛ حتى سقط بها بعيرها وأسقطت لذلك سقطا.
وقد ذكر في القديم حديث الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث وقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا -لرجلين من قريش- فأحرقوهما بالنار"، ثم قال حين أردنا الخروج: "إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
وذكر أيضًا حديث جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ في النهي عن المثلة، والمصبورة، والمجثمة، واتخاذ ما فيه الروح غرضا، وتحسين القتل والذبح وغير ذلك وتركنا ذكرها اختصارا.
стр. 2540
الباب الثاني
في الغنائم وأحكامها
قد تقدم في ربع "البيوع" في كتاب "قسم الفيء والغنائم والخمس" ما يتعلق بها، ونذكر ها هنا ما بقي من أحكام الغنائم حسب ما جاء في ربع الجنايات.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: سبيت امرأة من الأنصار وكانت الناقة أصيبت قبلها.
قال الشافعي ﵁: كأنه يعني ناقة النبي ﷺ , لأن آخر الحديث يدل على ذلك، قال عمران بن حصين: فكانت تكون فيهم فكانوا يجيئون بالنعم إليهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل فجعلت كلما أتت بعيرًا منها فمسته رغى فتتركه، حتى أتت تلك الناقة فمستها فلم ترغ -وهي ناقة هدرة- فقعدت في عجزها، ثم صاحت بها فانطلقت، وطلبت فلم يقدر عليها، فجعلت لله عليها إن الله أنجاها لتنحرنها، فلما قدمت عرفوا الناقة وقالوا: ناقة رسول الله ﷺ ، فقالت: إنها قد جعلت لله عليها إن أنجاها الله عليها لتنحرنها فقالوا: والله لا تنحريها حتى يؤذن رسول الله ﷺ ، فأتوه فأخبروه أن فلانة قد جاءت على ناقتك، وإنها قد جعلت لله عليها إن أنجاها الله عليها لتنحرنها فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! بئس ما جزتها أن أنجاها الله -تعالى- عليه لتنحرنها, لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد -أو قال: ابن آدم".
هذا طرف من حديث صحيح، قد أخرجه مسلم وأبو داود حديثا واحدًا بطوله، والشافعي ﵁ قد أخرجه قطعتين بإسناد واحد، فأخرج
стр. 2541
الفصل الأول من الحديث لحاجته إليه؛ في معنى أخذ الأسير بجريرة حلفائه وأستلامه بعد الأسر؛ وفدائه بغيره ورده إلى بلاده، وقد تقدم ذكره، وأخرج هذا الفصل الثاني لبيان ما أحرزه المشركون من أموال المسلمين؛ إذا عاد المسلمون استولوا عليه، وقد ذكرنا طريق مسلم وأبي داود عند ذكر الفصل.
الرغاء: صوت البعير، رغا البعير يرغوا رغاء، وهدر البعير يهدر وهديرا إذا ردد صوته في حنجرته.
وقوله: "فجعلت لله عليها" أي: التزمت له ونذرت.
قال الربيع: سألت الشافعي ﵁ عن العدو يأبق إليهم العبد، أو يشرد إليهم البعير؛ أو يغيرون فينالونهما فيظهر عليهم المسلمون فجاء صاحبهما؟ فقال: هما لصاحبيهما، فقلت: أرأيت إن وقعا في المقاسم؟ فقال: قد اختلف فيهما المفتون:-
فمنهم من قال: هما قبل المقاسم وبعدها سواء لصاحبهما.
ومنهم من قال: هما لصاحبهما قبل المقاسم؛ فإذا وقعت في المقاسم وصارت في سهم رجل فلا سبيل إليها.
ومنهم من قال: صاحبها أحق بها ما لم يقسما، فإذا قسما فصاحبيهما أحق بهما بالقيمة.
قال الشافعي ﵁ ودلالة السنة -فيما أرى والله أعلم- مع من قال: لمالكه قبل القسم وبعده، فأما القياس فتبعه ولا شك -والله أعلم- ثم ذكر حديث الأنصارية والناقة وزاد في آخره: وأخذ النبي ﷺ ناقته.
قال الشافعي ﵁: فقد أخذ النبي ﷺ ناقته بعدما أحرزها المشركون وأحرزتها الأنصارية على المشركين، ولو كانت الأنصارية أحرزت شيئًا ليس لمالك كان لها في قولنا أربعة أخماسها وخمس لأهل الخمس، وفي
стр. 2542
قول غيرنا: كان لها ما أحرزت لا خمس فيه، ولهذا قالت في سياق الحديث: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" لأنها لم تملكها فيكف تنذر ما لم تملكه؟ والله أعلم.
وتفصيل المذهب: أن المشركين إذا قهروا المسلمين على أموالهم وحازوها لم يملكوها. وروي مثل ذلك عن أبي بكر الصديق وابن عمر وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجمعين، وبه قال ربيعة.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يملكونها عليهم، فإن أخذها المسلمون منهم وجاء صاحبها قبل القسمة فهو أحق بها، وإن جاء بعد القسمة فهو أحق بها بقيمتها.
وفرق أبو حنيفة بين العبد الآبق وبين سائر الأموال، فقال فيه بقول الشافعي ﵁.
وقد أخرج الشافعي: عن الثقة، عن نافع، عن ابن عمر أن عبدًا له أبق وفرسا له غار، فأحرزه المشركون ثم أحرزه عليهم المسلمون فردا بلا قيمة.
وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم حديث علي بن الجعد، عن شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه أن فرسًا له غار إلى المشركين فصار في الخمس، قال: فأتيت سعدًا فأخبرته فدفعه إليّ.
وأخرج أيضًا: عن الثقة، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه -لا أحفظ عمن رواه- أن أبا بكر الصديق ﵁ قال فيما أحرزه العدو من المسلمين مما غلبوا عليه أو أبق إليهم ثم أحرزه المسلمون: مالكوه أحق به قبل القسم وبعده.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية؛ فهي على
стр. 2543
قسم (١) الجاهلية؛ وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام وهي لم تقسم، فهي على قسم الإسلام".
قال الشافعي ﵁: ونحن نروي فيه حديثًا أثبت من هذا بمثل معناه.
ولعله أراد ما رواه موسى بن داود، عن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ بمعناه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا حاتم -يعني ابن إسماعيل- عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن عباس: إن ناسًا يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني أخاف أن أكتم علمًا لم أكتب إليه، وكتب إليه نجدة أما بعد: فأخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء وهل كان رسول الله ﷺ يضرب لهن بهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس ﵁: إنك كتبت تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين المرضى ويحذين من الغنيمة، وأما السهم: فلم يكن يضرب لهن بسهم، وإن رسول الله ﷺ لم يقتل الولدان؛ فلا تقتلوهم إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل، فتميز بين المؤمن والكافر، فتقتل الكافر وتدع المؤمن، وكتبت متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري إن الرجل تشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ ضعيف الإعطاء؛ فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني عن الخمس؟ وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى ذلك علينا قومنا فصبرنا عليه.
стр. 2544
هكذا أخرج هذه الرواية في كتاب "الأسارى" (١)، وأخرج منه طرفًا في كتاب "الجزية"، وقد تقدم ذكره في كتاب "قسم الغنيمة والفيء" وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢) بطوله وأخرج منه أبو داود (٣) والترمذي (٤) أطرافًا، ونحن نذكر في هذا الموضع ما في هذه الرواية من الشرح.
الحرورية: طائفة من الخوارج نزلوا حروراء -قرية قريبة من الكوفة- وتنافروا فيها، وكان أول اجتماعهم بها، وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه.
وهذا نجدة الذي كتب إلى ابن عباس ﵁ هو: نجدة بن عامر أحد الخوارج.
والخلال: جمع خلة -بفتح الخاء- وهي الخصلة.
وقوله: "أما بعد" فإن هذا الكلام مقطوع عن الإضافة تقديره: أما بعد حمدًا لله أو غير ذلك من الكلام، فلما حذف حمدًا لله من اللفظ بني "بعد" على الضم، ومنه قوله -تعالى-: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٥) أي: من قبل الخلق ومن بعده، وأما بعد يقال لها: فصل الخطاب.
وقوله: "إلا أن تعلم ما علم الخضر ﵇ من الصبي الذي قتله" يريد الذي قال الله -تعالى- فيه: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ (٦) حيث علم أنه كافر.
وأما اليتيم فهو من الناس: من مات أبوه وهو دون البلوغ، وبالبلوغ
стр. 2545
ينقضي اليتم إلا أن يكون سفيهًا أو محجورًا عليه، ولذلك قال ابن عباس: ولعمري إن الرجل لتشيب لحيته وهو ضعيف الأخذ ضعيف الإعطاء.
وأما الخمس: فهو خمس الغنيمة والفيء.
وقوله: "فأبى ذلك علينا قومنا" أي: منعونا منه ولم يعطونا إياه فصبرنا عليه، وهذا إشارة إلى ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ لما كثرت الفتوح والغنائم في زمانه، استكثر لهم الخمس ولم يعطهم جميعه؛ وأبوا أن يأخذوه إلا كله.
وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني عنه (١)، عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي، عن أبي الليث -مولى ابني مضيع- عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع قال: ووجه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى، وزعم أن رفاعة بن زيد وهب لرسول الله ﷺ عبدا أسود يقال له: مدعم، قال: فخرجنا حتى كنا بوادي القرى، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم غائر فأصابه فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي آخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا".
وأخرج الشافعي من رواية المزني (٢) عنه: عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا مع رسول الله ﷺ بخيبر، فمات رجل من أشجع فلم يصل عليه النبي ﷺ وقال: "صلوا على صاحبكم" فنظروا إلى متاعه فوجدوا فيه خرزًا من خرز يهود يساوي (٣) درهمين. وفي رواية: والله ما يساوي درهمين.
стр. 2546
قال الربيع: قلت للشافعي: أفرأيت الذي يغل من الغنائم شيئًا قبل أن يقسم؟ قال: لا يقطع ويغرم، وإن كان جاهلاً عُلِّم ولم يعاقب؛ فإن عاد عوقب، قلت: أفيرحل عن دابته، أو يحرق سرجه ومتاعه؟ قال: لا يعاقب رجل في ماله، وإنما يعاقب في بدنه، وإنما جعل الله الحدود على الأبدان وكذلك العقوبات، وقليل الغلول وكثيره محرم.
وأخرج الشافعي ﵁: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن يحيى ابن سعيد القطان، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة.
قال الشافعي ﵁: وبهذا نقول.
***
стр. 2547
الباب الثالث
في الجزية
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الأزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر [بعده] (١)، والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن ابن بكر، عن الليث، عن يونس، عن الزهري.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب.
وعن عمرو الناقد وابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن الزهري.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان.
كسرى: لقب لمن يملك من ملوك الفرس، وتكسر كافه وتفتح، وهو معرب حسرو وحسرو وهو الملك بالفارسية، والنسبة إليه: كسروي وكسري، ويجمع على أكاسرة من غير قياس، وبجمع الصحة كسرون بفتح الراء.
وقيصر: لقب من يملك الروم بلسانهم.
стр. 2548
وهذا الحديث من معجزات النبي ﷺ ؛ فإنه بشر إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وكذلك كان لما هلك كسرى في زمان عثمان بن عفان ﵁ وأخذت البلاد منه لم يعد يقوم لهم ملك، ودامت البلاد في أيدي المسلمين إلى الآن، وكذلك قيصر لما أخذت منه بلاد الشام وفلسطين ومصر والجزيرة وديار بكر وديار ربيعة؛ لم تعد إليه ولا قام للروم فيها ملك.
والكنوز: الأموال المدفونة المدخرة.
وسبيل الله -تعالى- يريد به: الجهاد واصطناع المعروف وأبواب البر، فكل ذلك في سبيل الله -تعالى-.
قال الشافعي ﵁: فالله -جل ثناؤه- هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
قال: وعد رسول الله ﷺ الناس فتح فارس والشام، فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول رسول الله ﷺ ، ففتح بعضها وتم بعضها في زمان عمر ﵁ وفتح عمر ﵁ العراق وفارس، فقد أظهر الله -جل ثناؤه- دينه الذي بعث به رسول الله ﷺ على الأديان، لأنه أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الشرك، ودين الأميين، فقهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام، وأعطى بعض الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه ﷺ وهذا ظهوره على الدين كله.
قال: وقد يقال: ليظهرن الله دينه على الأديان حتى لا يدان الله إلا به وذلك متى شاء الله -تعالى-.
وكانت قريش تنتاب الشام انتيابًا كثيرًا، وكان كثير من معاشها منه، وتأتي العراق فيقال: لما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي ﷺ خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ : "إذا هلك
стр. 2549
كسرى فلا كسرى بعده" فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده، وقال: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده"، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده وأجابهم على ما قالوا فكان كما قال لهم وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس، وقطع قيصر ومن قام بهذا الأمر بعده عن الشام.
قال الشافعي ﵁: بعث الله رسوله ﷺ بمكة وهو بلد قومه، وقومه أميون وكذلك كان من حولهم من العرب، ولم يكن فيهم من العجم إلا مملوكًا أو محررًا أو مجتازًا ومن لا يذكر، قال الله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١) وفرض الله عليهم جهادهم فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٢) وجاءت السنة بما جاء به القرآن، فذكر حديث أبي هريرة وعمر بن الخطاب وقوله لأبي بكر الصديق: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وهذا في المشركين مطلقًا وإنما يراد به -والله أعلم- مشركو أهل الأوثان، ولم يكن بحضرة رسول الله ﷺ ولا قربه أحد من مشركي أهل الكتاب؛ إلا يهود المدينة وكانوا حلفاء الأنصار؛ ولم يكن الأنصار استجمعت أول ما قدم رسول الله ﷺ إسلامًا؛ فوادعت يهود رسول الله ﷺ ولم تخرج إلى شيء من عداوته يقول يظهر ولا فعل حتى كانت وقعة بدر، فتكلم بعضها بعداوته والتحريض عليه فقتل رسول الله ﷺ فيهم، ولم يكن بالحجاز -علمته- إلا يهودًا ونصارى قليل بنجران، وكانت المجوس بهجر وبلاد البربر وفارس نائين عن الحجاز دونهم مشركون أهل الأوثان كثير، فأنزل الله -تعالى- فرض قتال المشركين من أهل الكتاب، فقال ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) ففرق الله -جل ثناؤه، كما شاء لا معقب لحكمه- بين قتال
стр. 2550
أهل الكتاب أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية أو يسلموا، وفرق رسول الله ﷺ .... وذكر حديث بريدة: أن النبي ﷺ كان إذا بعث جيشًا أمر عليهم أميرًا وقال: "إذا لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال" وقد تقدم الحديث بطوله في أوائل كتاب الجهاد.
وقال الشافعي ﵁: انتوت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله -تعالى- محمدًا ﷺ وينزل عليه الفرقان، فدانت دين أهل الكتاب. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فأخذ رسول الله ﷺ : الجزية من أكيدر دومة وهو رجل يقال: من غسان أو كندة، وأخذ من أهل ذمة اليمن وعامتها عرب، ومن أهل نجران وفيهم عرب، وفي هذا دليل على أن الجزية ليست على النسب إنما هو على الدين، وكان أهل الكتاب المشهور عند العامة: أهل التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى وكانوا من بني إسرائيل، وأحطنا بأن الله -تعالى- قد أنزل كتبًا غير التوراة والإنجيل والفرقان، قال الله -جل ثناؤه-: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى ٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١) فأخبر أن لإبراهيم صحفا، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢) قال: وأما عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الخلفاء إلى اليوم؛ فقد أخذوا الجزية من بني تغلب وتنوخ وبهرا وهم إلى الساعة مقيمون على النصرانية؛ فضاف عليهم الصدقة وذلك جزية وإنما الجزية على الأديان لا على الأنساب، ولولا أن نأثم بتمني باطل وددنا أن الذي قال أبو يوسف كما قال، وأن لا يجرى الصغار على عربي، ولكن الله -تعالى- أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى.
وقال في موضع آخر: فنحن كنا على هذا أحرص؛ لولا أن الحق في غير ما قال فلم يقل لنا أن نقول إلا بالحق.
стр. 2551
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان قال: سمعت عمرا قال: كنت جالسًا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس، فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة، عند درج زمزم قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس فأتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: فرقوا بين كل محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان بالإسناد وذكر الحديث أطول منه، وقد تقدم ذكر روايته في كتاب الحدود.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن الحجاج، عن عمرو بن دينار، عن بجالة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية على مناذر، فجاءنا كتاب عمر ﵁: انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.
وفي أخرى: عن ابن أبي عمر، عن سفيان الحديث.
الجزية: فعلة من جزيت أجزي: إذا أعطيت عوضًا من حق، فكأن الجزية
стр. 2552
جزاء ما نزل عنه المسلمون من قبل أهل الكتاب وقتالهم وفي مقابلة الإبقاء عليهم.
وقوله: "لم يكن أخذ الجزية" هكذا جاء في المسند لم يعدوا واوًا قبلها، والذي جاء في السنن للبيهقي (١): و"لم يكن" فإن رواية المسند منقطعة من الحديث مجعولة حديثًا برأسها، ورواية السنن طرف من الحديث مذكورة بصورتها ولذلك أثبت الواو التي كانت عاطفة في الحديث وقوله: "لم يكن" فعل مستقبل اللفظ ماضي المعنى بدخول حرف النفي عليه، ثم أتبعه بفعل ماضي اللفظ والمعنى؛ وفي ذلك نفي عام للأخذ لأنه صريح في باب النفي؛ وكأن النفي كان مستمرًا لنزول عمرًا لأمر إلى أن شهد عبد الرحمن.
والمحرم من النساء والرجال: من لا يجوز بينهما نكاح، والمرأة محرم على بعلها أيضًا، والمراد الأول.
وفي امتناع عمر من أخذ المجوس إلى أن شهد عبد الرحمن؛ دليل على أنه كان رأي الصحابة أن لا يقبل الجزية من كل مشرك. كما ذهب إليه الأوزاعي.
وقد اختلف العلماء في سبب قبول الجزية من المجوس:-
فذهب الشافعي ﵁ في أغلب قوليه: أنها إنما قبلت منهم لأنهم من أهل كتاب. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.
وقال أهل العلم: ليسوا من أهل الكتاب؛ وإنما أخذت الجزية من أهل الكتاب بالكتاب، ومن المجوس بالسنة وهو حديث عبد الرحمن.
واتفق عامة أهل العلم على تحريم نكاح نسائهم وذبائحهم.
قال الشافعي ﵁: حديث بجالة متصل ثابت لأنه أدرك عمر، وكان رجلاً في زمانه كاتبا لعماله، وقد روي من حديث الحجاز حديثان
стр. 2553
منقطعان بأخذ الجزية من المجوس. فذكرهما وهما هذان الحديثان:-
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهدت لسمعت رسول الله ﷺ [يقول] (١): "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
هذا حدث منقطع، هكذا رواه في المسند، وقد جاء في الموطأ (٢) هكذا.
وقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أي: اسلكوا معهم مسلكهم وهم اليهود والنصارى.
والسنة: السيرة وأصلها من السنن وهو: الطريق، يقال: فلان على سنن واحد أي: على طريقة واحدة.
قال الشافعي ﵁: إن كان هذا الحديث ثابتًا فيغني في أخذ الجزية، لا في أن تنكح نساؤهم وتؤكل ذبائحهم.
قال: ولو كان أراد جميع المشركين غير أهل الكتاب لقال -والله أعلم-: سنوا جميع المشركين سنة أهل الكتاب، ولكن لما قال رسول الله ﷺ : "سنوا بهم" فقد خصهم وإذا خصهم فغيرهم مخالف لهم ولا يخالفهم إلا غير أهل الكتاب.
وأما الحديث الثاني: فإنه أخرجه عن مالك، عن ابن شهاب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عثمان بن عفان ﵁ أخذها من البربر، وأن عمر بن الخطاب ﵁ أخذها من مجوس فارس.
стр. 2554
ورواه يونس، عن ابن شهاب , عن [سعيد بن] (١) المسيب أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر وأن عمر بن الخطاب ﵁ أخذها من مجوس السواد، وأن عثمان بين عفان ﵁ أخذها من مجوس البربر.
قال الشافعي ﵁: وكانت المجوس يدينون غير دين أهل الأوثان, ويخالفون أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بعض دينهم، وكان المجوس في طرف من الأرض لا يعرف السلف من أهل الحجاز من دينهم، ما يعرفون من دين اليهود والنصارى حتى عرفره وكانوا -والله أعلم- أهل كتاب.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان، عن نصر ابن عاصم قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي: علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب؟!، فقام إليه المستورد فأخذ يلببه فقال: يا عدو الله، تطعن على أبي بكر وعمر وعلى أمير المؤمنين -يعني عليًا-؟! وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب له إلى القصر [فخرج علي عليهما فقال: اتئدا، فجلسا في ظل القصر] (٢) فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته [أو] (٣) أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد وامتنع منهم، فدعا أهل مملكته فقال: تعلمون دينا خيرًا من دين آدم؟ وقد كان ينكح بنيه من بناته، فأنا على دين آدم وما يرغب بكم عن دينه، فتابعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم وهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية.
стр. 2555
قال البيهقي (١): هكذا رواه الشافعي ﵁ وغيره: عن سفيان ابن عيينة، عن نصر بن عاصم. والصواب عيسى بن عاصم الأسدي.
كذا قاله محمد بن إسحاق بن خزيمة، وكذلك رواه الفضل بن موسى وابن فضيل، عن أبي سعيد، عن عيسى بن عاصم.
قال محمد بن إسحاق: توهمت أن الشافعي ﵁ أخطأ في حديث سفيان، فرأيت الحميدي تابعه في ذلك، فعلمت أن الخطأ من ابن عيينة.
قال أبو داود السجستاني: ما من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في حديثه، غير ابن علية وبشر بن المفضل، وما أعلم للشافعي حديثًا خطأً.
وقال أبو زرعة الرازي: ما عند الشافعي حديث غلط فيه.
تلبيب الإنسان: مجمع ثوبه من مقدمه، وأخذ تلبيبه: إذا أخذ بمجامع ثوبه وجره، ولبه تلببة: إذا أخذ بتلبيبه.
والطعن: العيب والإنكار على الإنسان في قول أو فعل، طعن يطعن طعنًا: إذا عابه.
والقصر: يريد به دار الإمارة بالكوفة.
وقوله: "اتّئدا" أي: تأنيا وارفقا، وهو أمر من التؤدة.
ورغبت عن كذا خلاف رغبت فيه.
وقوله: "أسري على كتابهم" كناية عن رفعه وأخذه من بينهم كما يسرى على المال من الليل فيؤخذ وينهب وأهله غافلون؛ ويصبحون وقد أخذت أموالهم ومواشيهم، والسري: سير الليل.
стр. 2556
وفي هذا الحديث: دليل على أن العلة ذهب إليها الشافعي، من تعليل أخذ الجزية من المجوس وهي: أنهم أهل كتاب، ولا اعتبار بمخالفتهم مذهبهم، ولا برفع الكتاب من بين أظهرهم، فإن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل، وخالفوا ما أمروا به فيهما، ومع ذلك فالجزية مأخوذة منهم، ثم نص الكتاب إنما قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ولم يشترط العمل بما فيه والوفاء به، هؤلاء قد أوتوا كتابًا كما أوتي النصارى واليهود؛ فلذلك جاز أخذ الجزية منهم -والله أعلم.
وقال الشافعي ﵁: حديث نصر بن عاصم، عن علي متصل وبه نأخذ، وفيه دليل على أن عليًا أخبر أن رسول الله ﷺ لم يأخذ الجزية منهم إلا وهم أهل كتاب ولا من بعده، ولو كان يجوز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب لقال علي: الجزية تؤخذ منهم كانوا أهل كتاب أو لم يكونوا أهله، ولم أعلم من سلف من المسلمين أحدًا أجاز أن تؤخذ الجزية من غير أهل الكتاب والله أعلم.
قال الشافعي ﵁ في القديم: ظهر رسول الله ﷺ على البحرين فاستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث إليه بمال من جزيتهم، ومن بالبحرين من أهل الكتاب مجوس.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن: "أن على كل إنسان منكم دينارًا كل سنة أو قيمته من المعافر".
يعني: أهل الذمة منهم.
هذا الحديث هكذا جاء في المسند مرسلًا في كتاب الجزية (١)، وقد أخرج أبو داود هذا المعنى مسندًا عن معاذ بن جبل.
стр. 2557
والمعافر: ثياب تكون باليمن منسوبة إلى معافر، وهي موضع باليمن تسمى بمعافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب ابن زيد بن كهلان.
والذمة والذمام: العهد، وقيل: الأمان، وأهل الذمة يقع على أهل الكتاب ممن عقد له منهم ذمام وعهد.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن أقل ما يجب على الذمي من الجزية دينار، والغني والفقير فيه سواء، فإن أدى زيادة عليه أو عقد له الذمام على أكثر منه جاز.
وقال أبو حنيفة: يجب على الغني ثمانية وأربعون درهمًا من صرف اثنى عشر درهما بدينار، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل اثنى عشر درهمًا. وروي ذلك عن أحمد.
وقال مالك: الغنى أربعون درهمًا أو أربعة دنانير، والفقير عشرة دراهم أو دينار.
وقال الثوري: ليست مقدرة، وإنما هي إلى رأي الإمام. وروي ذلك عن أحمد أيضًا.
قال الشافعي ﵁: قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) وكان معقولًا أن الجزية شيء يؤخذ في أوقات، وكانت الجزية محتملة القليل والكثير، وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله -تعالى- معنى ما أراد، فأخذ رسول الله ﷺ جزية أهل اليمن دينارًا في كل سنة، أو قيمته من المعافر وهي: الثياب، وكذلك روي أنه أخذ من أهل أيلة ومن نصارى بمكة دينارًا دينارًا عن كل إنسان، وأخذ الجزية من أهل نجران فيها
стр. 2558
كسوة، ولا أدري ما غاية ما أخذ منهم، وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار، وأخذه من أكيدر دومة، ومن مجوس البحرين، لا أدري كم غاية ما أخذ منهم؛ ولم أعلم أحدا حكى عنه قط أنه أخذ من أحد أقل من دينار.
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرني مطرف بن مازن وهشام بن يوسف بإسناد لا أحفظه غير أنه حسن أن النبي ﷺ فرض على أهل الذمة من أهل اليمن دينارًا كل سنة، فقلت لمطرف بن مازن: فإنه يقال: وعلى النساء، فقال: ليس، إن النبي ﷺ أخذ من النساء ثابتًا عندنا.
قال الشافعي ﵁: فسألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعددًا من علماء أهل اليمن، فكلهم حكى لي عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن عدد مضوا كلهم ثقة أن صلح النبي ﷺ لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن النساء كن فيمن تؤخذ منهم الجزية، وقال عامتهم: ولم تؤخذ من زروعهم وقد كانت لهم زروع، ولا من مواشيهم شيء علمناه، وكل من وصفت أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من حمير.
قال: وسألت عددًا كثيرًا من أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن، فكلهم أثبت لي ما يختلف قولهم أن معاذًا أخذ منهم دينارًا عن كل بالغ وسموا البالغ: حالمًا، قالوا: وكان في كتاب النبي ﷺ مع معاذ أن على كل حالم دينارًا, ولا خلاف بين الأئمة أن النساء لا جزية عليهن، فإن بذلت امرأة من نفسها جزية قبلت منها وكانت هبة لا جزية.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث أن النبي ﷺ ضرب على نصراني بمكة يقال: موهب دينارًا كل سنة، وأن النبي ﷺ ضرب على نصارى أيلة ثلثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من
стр. 2559
مر بهم من المسلمين ثلاثًا ولا يغشوا مسلمًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن إسحاق بن عبد الله أنهم كانوا يومئذ ثلثمائة، فضرب عليهم النبي ﷺ يومئذ ثلثمائة دينار كل سنة.
قال الشافعي: ثم صالح أهل نجران على حلل يؤدونها إليه، فدل صلحه إياهم على غير الدنانير على أنه يجوز ما صالحوا عليه، وصالح عمر بن الخطاب ﵁ أهل الشام على أربعة دنانير، وروى عنه بعض الكوفيين أنه صالح الموسر من ذمتهم على ثمانية وأربعين، والوسط على أربعة وعشرين، والذي دونه على اثنى عشر، فلا بأس بما صالح عليه أهل الذمة إن كان أكثر من هذا، إذا كان العقد على شيء مسمى بعينه.
وفي هذا الحديث: دليل على عدم التفرقة بين الغني والفقير في الجزية لأهل أيلة، الذين قد حصرهم ثلثمائة نفر ولم يكونوا أغنياء ولا كلهم فقراء، وقد سوى بينهم في ضرب الجزية.
وأما الضيافة: فإنها من الشروط التي يجوز أن تشترط عليهم عند عقد الذمة، وأن ذلك جائز أن يلزمهم به ويكون مدة الضيافة ثلاثة أيام، لعدد معلوم من المارين بهم من المسلمين بطعام معلوم أيضًا، وتكون الضيافة زائدة على دينار الجزية.
والغش: الخيانة والغدر.
أخرج الشافعي ﵁ في القديم: حديث روح بن عبادة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل على الغني من أهل الذمة ثمانية وأربعين، وعلى الوسط أربعة وعشرين، وعلى الفقير اثنى عشر درهما.
وأخرج أيضًا: عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن
стр. 2560
الخطاب ﵁ ضرب على أهل الشام أربعة دنانير ومدين من قمح، وعلى أهل مصر أربعة دنانير وأردبًا من قمح، وعلى أهل العراق أربعين درهما وخمسة عشر صاعًا من حنطة.
وأخرج أيضًا: عن مالك، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.
هكذا رواه وقد سقط من متن الحديث: وعلى أهل الورق أربعين درهما.
وأخرج أيضًا: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب أن عمر بن الخطاب ﵁ فرض على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حبسه مطر أو مرض أنفق من ماله.
قال الشافعي: وحديث أسلم بضيافة ثلاث أشبه، لأن رسول الله ﷺ جعل ثلاثًا، وقد يجوز أنه جعلها على قوم ثلاثًا؛ وعلى قوم يومًا وليلة، ولم يجعل على آخرين ضيافة كما يختلف صلحه لهم، فلا يرد بعض الحديث بعضًا.
وأخرج أيضًا في القديم: عن مالك، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب: أن لا تؤخذ الجزية من النساء والصبيان.
وأخرج أيضًا: عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: أن لا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان، ولا يأخذون إلا من جرت عليه الموسى.
وأخرج أيضًا: حديث أبي معاوية ويعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق قال يعلى [عن معاذ] (١)، وقال أبو معاوية: أن النبي ﷺ