← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

"واللام" في "للمسافر": لام الملك أي أن الرخصة له لا لغيره، مثل قولك: الثوب لزيد، ويجوز أن تكون اللام لام أجل، أي أرخص المسح لأجل المسافر؛ وفي جعلها لام أجل زيادة معنى؛ وذلك أنه يكون قد يعرض لذكر العلة الداعية إلى الرخصة وهو السفر؛ بخلاف الأول. فأما اللام التي في "المقيم" فلا يحسن إلا أن تكون لام الملك، لأن سبب الرخصة في حقه منتفٍ وهو السفر، ومع ذلك فقد رخص له، فجعل اللامين معنى لمعنىً واحد أولى من جعلها لمعنيين مختلفين. "واليوم": الزمان الذي تكون الشمس فيه ظاهرة على وجه الأرض وهو والنهار بمعنىً، هذا هو الأصل. وقد جعل الشرع أول النهار منذ طلوع الفجر الثاني إلى أن تغيب الشمس هذا هو النهار عنده. "والليل" خلاف "النهار" وهو: الزمان الذي تكون الشمس فيه غائبة عن وجه الأرض. وقوله في النهار والليل وجه الأرض: إنما هو بالنسبة إلينا وجهها، وإلا فكل سطح الأرض وجهها، وإنما يخص كل قطر منها قومًا هم ساكنوه، فما كان عندهم فهو وجه الأرض، وما كان في مقابل جهتهم فهو ظهرها، وهذا اسم إضافي. وإنما قال: "لياليهن" ولم يقل لياليها, لأن نون التأنيث تَخُصُّ جَمْع القِلَّة، وحيث كان الأيام ثلاثة جاء بما يقتضي العدد القليل. "والليالي" جمع ليلة على غير قياس، لأنهم زادوا فيه ياء ولا ياء في الأصل، كما قالوا في أهل أَهلل، وقيل: إن الأصل فيه ليلات فحذفت. وأما "ليلة": فهو واحدة وجمعها ليل، مثل: تمرة وتمر، وهذا وإن كان

стр. 282

جمعًا فإن المحققين من النحويين لا يسمونه جمعًا، ويقولون: هو جنس ولهذا يقع على القليل والكثير، وجمعها الحقيقي ليلات. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: رأيت أنس بن مالك أتى قباء، فبال، وتوضأ، ومسح على الخفين، وصلى. هذا الحديث: أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك، وقد أخرجه مالك في الموطأ بالإسناد قال: إنه أتى قباء فبال؛ ثم أتي بوضوء فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ومسح على الخفين؛ ثم جاء المسجد فصلى. وقد أخرجه من رواية المزني، عن سفيان، عن رباح بن محمد العجلاني، عن أبيه قال: (رأيت) (١) أنس بن مالك بقباء فبال؛ ثم مسح ذكره بالجدار وتوضأ ومسح على خفيه، ثم دخل مسجد قباء. مسجد مشهور (٢) وهو الذي أسس على التقوى في قول. وقباء يعرف ولا يصرف، فإن ذهب ذاهب إلى أنه قد روى (عن بعض) (٢) أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنه قال: سبق الكتاب المسح على الخفين. فالمائدة نزلت قبل المسح المثبت بالحديث في غزوة تبوك. فإن زعم: أنه كان فرض الوضوء قبل الوضوء الذي مسح رسول اللَّه ﷺ بعده أو فرض وضوءه بعده فنسخ المسح، فليأتنا بفرض وضوءين في القرآن، فإنا لا نعلم فرض الوضوء إلا واحدًا. أو إن زعم: أنه مسح قبل أن يفرض عليه الوضوء، فقد زعم أن الصلاة بلا وضوء، ولا نعلمها كانت قط إلا بوضوء، فأي كتاب سبق المسح على الخفين؟ قلت: هذا الصحابي الذي ذكر الشافعي أنه روى عنه هذا الكلام، هو:

стр. 283

علي ابن أبي طالب ﵁ ولم يرو هذا الكلام عنه بإسناد موصول صحيح تقوم به الحجة (١)، وقد روى عنه من وجه صحيح تقوم به الحجة خلاف [....] (٢):. الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر. وقال الأزهري: أراد بالجلاب هنا ماء الورد، وهو فارسي معرب, لأن الورد كل والماء أب، فلما عربوه أبدلوا الكاف جيمًا لقرب المخرجين. قال الأزهري: وذهب بعض أصحاب المعاني؛ إلى أنه الحلاب -بالحاء- وهو تحلب فيه الغنم. يعني أنه كان يغتسل في ذلك الحلاب، فصحف في هذا الحديث. في كتاب صحيح البخاري، إشكال ربما ظن الظان أنه قد تأوله على الطيب لأنه ترجم الباب فقال: من بدأ بالحلاب والطيب عند الغسل (٣)، وفي بعض النسخ أو الطيب، ولم يذكر في هذا الباب غير هذا الحديث (٤). وهذا يدل منه على أنه يجوز أن يكون أراد الجلاب -بالجيم- ويعضده ما فسره الأزهري في كتاب التهذيب وإنكاره على من ذهب إلى أنه بالحاء. وأما باقي الأئمة الذين أخرجوه، فإن مسلمًا (٥) لم يترجم عليه بابًا يخصه، إنما جمع أحاديث الغسل في باب واحد، وذلك من فعله يدل على أنه أراد الآنية لا الطيب. وأما أبو داود (٦) فأخرجه في باب الغسل من الجنابة، وذكره مع غيره من الأحاديث، فلا تعلق له بذكر الطيب. وأما النسائي (٧): فأخرجه في باب استبراء البشرة في الغسل من الجنابة، وذكره مع غيره من الأحاديث، ولم يعرض لذكر الطيب.

стр. 284

إلا أن الحاء أشبه من الجيم وأولى، فإن العادة لمن أراد أن يستعمل الطيب؛ إما أن يستعمله بعد الغسل ليبقى أثره وفائدته حاصلة بعد الغسل؛ ومتى قَدَّمَ الطِّيبَ على الغسل؛ ذهبت فائدته بالغسل بعده لأنه يزيله. ويعضد ذلك: ما ذكره الخطابي في معالم السنن (١)، فإن الحلاب إناء يسع قدر حَلْبَةِ ناقةٍ، قال: وذكره محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، قال: وأحسبه توهم أنه أراد المحلب الذي يستعمله الناس في غسل الأيدي، وليس هذا من الطيب في شيء، وإنما هو على ما فسرته لك. انتهى كلام الخطابي. وقوله: "ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه" أي أفاض بهما الماء على رأسه. فأجرى قال: مجرى فعل و "وسط الشيء" -بفتح السين وسكونها- ما كان بعده من جميع أطرافه سواء؛ إلا أنه بالفتح مخصوص بما لايتبين أجزاؤه بعضها من بعض؛ كالحلقة من الناس والعقد والسبحة، تقول: جلست وَسَطَ الدار والسفينة فتفتح، وجلست وَسْطَ الحلقة، والدُّرَّة وسط العقد فتسكن. وقيل: بالسكون هو طرف الشيء فلا يختص حينئذ بشيء، ويجرى في المتصل الأجزاء والمنفصل. وبالفتح: هو اسم لما بين طرفي كل شيء، قالوا: وكل شيء صلح فيه بين هو ساكن السين، ولم يصلح فيه بين فهو بالفتح، وربما سكن وليس بالوجه. "وأروى": أفعل من الرِّيِّ خلاف العطش، تقول: رَوِيتُ من الماء -بالكسر- أَرْوَي -بالفتح- رِيًّا وَريَّا ورِوىً وأرويتُه أنا. "والبشرة والبشر": ظاهر جلد الإنسان. ويريد بقوله: "أروى البشرة"، أنه أوصل الماء إلى جميع جلده؛ إلا وقد

стр. 285

وصل الماء إلى ما عليه من الشعر. "وأَنْ" في قوله: "حتى إذا ظن أَنْ قد أروى"، هي المخففة من الثقيلة، التقدير: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته. "والظن" هنا يجوز أن يكون بمعنى العلم، وبمعنى الظن، فإنه من الأضداد؛ فإن كان بمعنى "العلم": فقد استيقن الطهارة، وإن كان بمعنى "الظن": فقد أتى بما يجب عليه شرعًا؛ فإنه لا يكلف زيادة على ذلك. "وسائر الشيء": باقيه وهو من "السؤر": البقية، وبعض من لا علم عنده يضعها موضع الجميع وليس بصحيح، وإن كان قد كثر استعمال ذلك في الألسنة قال الشنفري:- إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري. أي جسدي، وهو الباقي منه بعد الرأس. "والاستبراء": استفعال من البرء، وهو طلب براءة الشيء وخَلَاصُهُ مما يتهم به ويظن فيه، ومنه "استبرأت الجارية" إذا طلبت براء رحمها من الحمل، فالمعنى حتى إذا رأى أنه قد أزال ما كان [....] (١). وللتطهر به صورة تخصه والتراب به وله صورة تخصه وهذه كذلك للتطهر بها صورة تخصها؛ وهي التمسح بها وتتبع بها أثر الدم. وقوله "توضئي بها": يريد تطهري، فإن الوضوء طهارة. "والسِّدْرُ": وَرَقُ النبق، وهو غسُولٌ معروف. وقوله: "فتطهر" الأصل فتتطهر: فأدغم إحدى التائين في الأخرى. وقوله: "تَطَهَّرين وتَتَبِّعينَ" الأصل فيهما تَتَطَهَّرين وتَتَتَبَّعِين فأدغم طلبًا للخفة، ويجوز أن يكون بتخفيف الطاء من تطهرين، والتاء الثانية من تتبعين

стр. 286

ويكون قد حذف التاء الواحدة تخفيفًا. وقوله: "أو تبلغ الطهور" أي تنتهي وهو معطوف على فتحسن. وهذا الشك من أحد الرواة؛ كأنه شك هل قال: فتحسن أو تبلغ؛ ويجوز أن يكون من لفظ الحديث، أي أنه لما قال: فتحسن الطهور توهم أنها ربما لا تأتي به حسنًا فقال: أو تبلغ الطهور، فإن البلوغ إليه قد يكون حسنًا وقد لا يكون حسنًا. ويريد "بالحسن": الكمال والإتيان بجميع فرائضه وسننه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن غُسْلَ الحيض كغسل الجنابة، وتزيد عليه بالطيب فإن لم تجد طِيبًا فالماء كاف فيه. والمرأة التي سألت النبي ﷺ عن الغسل هي: أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، وتكنى أم عامر، وقيل أم سلمة وقيل: اسمها فكيهة، وهي مدنية مِن المُبايعات، ويقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل أو بنت عمته، وكانت من ذوات العقل والدين، شهدت اليرموك وقتلت من الكفار بعمود فسطاط. وروى عنها: محمود بن عمر، ومهاجر، وشهر بن حوشب. ***

стр. 287

الباب السابع من كتاب الطهارة في التيمم وفيه ثلاثة فروع:- الفرع الأول: في ابتداء التيمم وكيفيته أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنا مع النبي ﷺ [في بعض أسفاره، فانقطع عقد لي فأقام النبي ﷺ ] (١) على التماسه وليس معهم ماء فنزلت آية التيم". هذا حديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه بطوله الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد: قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش؛ انقطع عقد لي، فأقام رسول اللَّه ﷺ على التماسه وأقام الناس معه؛ وليسوا على ماء وليس معهم ماء؛ فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة! أقامت برسول اللَّه ﷺ وبالناس؛ وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه ﷺ واضع رأسه على فخذي وقد نام، فقال: حبست رسول اللَّه ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما يمنعني من التحريك (٣) إلا مكان رسول اللَّه ﷺ على فخذي، فنام رسول اللَّه ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل اللَّه تعالى آية التيمم،

стр. 288

فتيمموا؛ فقال أُسَيْدُ بن حُضَيْر: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. وأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك بالإسناد واللفظ. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك إسنادًا ولفظًا. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن أبي معاوية [عن هشام بن عروة] (٤) عن أبيه، عن عائشة قالت: بعث رسول اللَّه ﷺ أسيد ابن حضير وأناسًا معه؛ في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزل اللَّه آية التيمم، زاد النفيلي: فقال أسيد: يرحمك اللَّه ما نزل بك أمر تكرهينه إلا [جعل اللَّه وللمسلمين ولك فيه فرجًا] (٥) [....] (٦)، وللاستراحة. و"ظِفَار" بوزن فِطَام مكسورًا غير منون، موضع باليمن وهذا الجَزْعُ ينسب إليه. وأما أظفار فهو اسم لنوع من الجزع معروف (٧). "والصعيد": التراب وقيل: هو وجه الأرض. وأراد "بالطَّيَّبِ" الطاهر، ومنه الاستطابة للاستنجاء وهو: تطييب الرجل نفسه بإزالة الأذى عنه. "والابتغاء": الطلب، ويجوز أن يكون منصوبًا ومرفوعًا، فأما النصب فلأنه

стр. 289

مفعول، أي حبس رسول اللَّه ﷺ الناس لابتغاء العقد، وأما الرفع فلأنه فاعل أي حَبَسَ ابتغاء العُقْدِ الناسَ. و"يعيط" من العيط، تقول اعياط ويعيط بمعنى. وقد جاء في رواية أبي داود: ولم يقبضوا من التراب شيئًا. وفي رواية النسائي: ولم ينفضوا. فإن صح الخلاف، فألأول: أراد أنهم لم يأخذوا بأيديهم من التراب شيئًا يقبض، إنما أخذوا منه ما علق بأكفهم عند ضربها بالتراب. والثاني: أراد أنهم لما ضربوا أكفهم في التراب، وعلق بها ما علق منه لم ينفضوها؛ ليذهب بعض التراب المتعلق بها، إنما أبقوها على حالتها. وكلا الأمرين سنة في التيمم، فإنه يستحب أن لا يتكلف أحد شيئًا من التراب بيده؛ أكثر مما يتعلق بها عند الضرب؛ وأن لا ينفض ما علق منه بها؛ وبيان المذهب في التيمم قد ذكرناه في حديث عائشة. وقال الشافعي عند ذكر هذا الحديث: لا يجوز على عمار إذ كان ذكر تيممهم مع النبي ﷺ عند نزول الآية إلى المناكب إن كان من أمر النبي ﷺ إلا أنه منسوخ عنده، إذ قد روى هو أن النبي ﷺ أمر بالتيمم على الوجه والكفين، أو يكون لم يرو عنه إلا تيمُّمًا واحدًا، فاختلفت رواياته فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت -ويريد برواية ابن الصمة الحديث الذي يجيء بعد-. قال: وإذا لم يختلف فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق لكتاب اللَّه تعالى من الروايتين اللتين رويتا مختلفتين، أو يكونوا لما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة فتيمموا، فاحتاطوا فأتوا على عامة ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى مسأله النبي ﷺ أخبرهم أنه يجزئهم عن التيمم أقل مما فعلوا.

стр. 290

وهذا أولى المعاني عندي، فرواية ابن شهاب من حديث عمار بما وصفت لك من الدلائل -واللَّه أعلم- وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد عليَّ؛ حتى قام إلى جدار فَحَتَّه بعصًا كانت معه ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليَّ السلام. قال الشافعي: وروى أبو الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة أن رسول اللَّه ﷺ بال فتيمم. أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث: عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة أن رسول اللَّه ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه. وأخبرنا الشافعي بإلإسناد قال: مررت بالنبي ﷺ -وهو يبول فتمسح بجدار، ثم تيمم وجهه وذراعيه. ذكر الشافعي هذا الحديث في ثلاثة مواضع من المسند، الرواية الأولى وهي أتمها: ذكرها في باب ذكر اللَّه على غير وضوء. والثانية: ذكرها في باب التيمم. والثالثة: ذكرها في كتاب اختلاف الحديث. والحديث في نفسه صحيح (١) متفق عليه،

стр. 291

أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣) والنسائي (٤). إلا أن رواية الشافعي هكذا وقعت، وفيها اختصار من جهة إبراهيم بن محمد، أو أبي الحويرث (٥)، لأن الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة؛ وسنبين ذلك في روايات البخاري ومسلم وغيرهما. فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى بن كثير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد اللَّه بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري فقال أبو الجهيم: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فَلقِيَهُ رجل فسلم عليه، فلم رد النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه؛ ثم رد ﵇. وأما مسلم: فأخرجه تعليقًا عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة بإسناد البخاري ولفظه. وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، عن جعفر بإسناد البخاري ولفظه.

стр. 292

وأما النسائي: فأخرجه عن الربيع سليمان، عن شعيب بن الليث عن أبيه مثل البخاري. وفي الباب: عن ابن عمر، وجابر، والبراء، ومهاجر بن قنفذ، وعبد اللَّه بن حنظلة. قال الترمذي: وأحسن شيء روي في هذا الباب حديث ابن عمر. "الجدار": الحائط وجمعه جُدُر، والجَدْرُ كذلك وجمعه جُدْران. "والحتّ": أخو الحك، وقد تقدم بيانه. وفي هذا الحديث فوائد منها: تعيين المسح على الذراعين، ومنها: أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب، لأن النبي ﷺ حت الجدار بالعصا, ولو كان مجرد الضرب كافيًا لكان لا يحتاج أن يحته. ومنها: استحباب الطهارة لذكر اللَّه تعالى، فإنه قد صرح به في حديث ابن عمر أنه قال له النبي ﷺ : "لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهارة". ولذلك جاء في حديث المهاجر بن قنفذ. ومنها: أن السلام وإن كان واجبًا؛ فالمسلم على الرجل في مثل هذه الحالة مضيع حظ نفسه، فلا يستحق رد سلامه. وفيه دليل: على كراهية الكلام عند قضاء الحاجة. وفيه دليل: على أن من أراد ذكر اللَّه في الحضر؛ وهو على غير طهارة ولا ماء معه فله أن يتيمم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن

стр. 293

يسار: "أن النبي ﷺ ذهب إلى بئر جمل لحاجة، ثم أقبل فسلم عليه رجل، فلم يرد عليه حتى مسح يده بجدار ثم رد ﵇". هذا الحديث هكذا جاء مرسلًا، وهو طريق من طرق حديث ابن عمر، وقد تقدم في باب الاستطابة ذكره؛ وذكرنا ما يتعلق به فلا حاجة إلى إعادته. وقد أخرج الشافعي: من رواية الزعفراني عنه، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: كان يقول: التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين. وأخرج الشافعي أيضًا: في كتاب علي وعبد اللَّه -بلاغًا- عن هشيم، عن خالد، عن أبي إسحاق أن عليًّا قال: في التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين. وقد روي ذلك عن علي وقال: وضربة للذراعين (١). ...

стр. 294

الفرع الثاني في التيمم في السفر القريب أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر "أنه أقبل من الجرف؛ حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد الصلاة". قال الشافعي: "الجرف" قريب من المدينة. وأخبرنا الشافعي بالإسناد، أن ابن عمر تيمم بمربد "النَّعَمِ". وفي نسخة، "الغنم" وصلى العصر ثم دخل المدينة الحديث. ذكر الشافعي الرواية الأولى في كتاب التيمم. والثانية: في كتاب اختلافه مع مالك. وقد أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد، أنه أقبل هو وعبد اللَّه بن عمر من الجرف، حتى إذا كانا بالمربد؛ نزل عبد اللَّه فتيمم صعيدًا طيبًا فمسح بوجهه ويديه إلى المرففين ثم صلى. وقد أخرج الشافعي أيضًا: هذه الرواية عن مالك في غير المسند. "المربد": بكسر الميم وفتح الباء- موقف الإبل، من ربد بالمكان إذا أقام فيه. وفي رواية الشافعي: "مسح وجهه" وفي رواية مالك: "مسح بوجهه"، والمراد منهما سواء، وقد تقدم القول في ذلك بما فيه كفاية. وفي هذا الحديث من الفقه:

стр. 295

أن السفر القريب يجوز فيه التيمم، وإن كان الماء قريبًا منه. وفيه: أن المسافر إذا كان قريبًا من الماء؛ وقد دخل وقت الصلاة؛ فالأولى أن يتيمم ويصلي؛ ولا يؤخر الصلاة إلى أن يصل الماء. وفيه أيضًا: أن المسافر إذا دخل عليه الوقت؛ وليس عنده ماء فتيمم وصلى؛ ثم وجد الماء والوقت باق أنه لا إعادة عليه. وقد روي عن ابن عمر "أن النبي ﷺ تيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة، بمكان يقال له مربد النعم" (١). ...

стр. 296

الفرع الثالث في تيمم الجنب أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ "أمر [رجلًا] (١) كان جنبا أن يتيمم، ثم يصلي فإذا وجد الماء اغتسل". قال الربيع: وذكر حديث أبي ذر: "وإذا وجدت الماء فأمسه جلدك". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) والنسائي (٤). فأما البخاري: فأخرجه عن عبدان، عن عبد اللَّه، عن عوف، عن أبي رجاء بالإسناد، أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول اللَّه، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". وأخرجه: عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عوف أطول من هذا، وفيه: ذكر سَفْرَةً سافرها مع النبي ﷺ وأنهم ناموا عن صلاة الصبح، وطلبوا الماء فلم يجدوه. والحديث مشهور بطوله وفيه: "فلما انفتل من صلاته؛ إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم"؛ وذكر الحديث بتمامه. وأما مسلم: فأخرجه عن أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، عن عبيد اللَّه

стр. 297

ابن عبد المجيد، عن [سَلم] (١) بن زَرِير العُطَاردي، عن أبي رجاء، عن عمران، وذكر الحديث بطوله مثل البخاري؛ وذكر فيه "فصلى بنا الغداة؛ فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا؛ فلما انصرف قال له رسول اللَّه ﷺ : "يا فلان، ما منعك أن تصلي معنا" قال: يا نبي اللَّه، أصابتني جنابة، فأمره رسول اللَّه ﷺ فتيمم بالصعيد فصلى". وأما النسائي: فأخرجه عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه، عن عوف، عن أبى رجاء، مثل رواية البخاري المختصرة، إلا أنه أبدل لفظة "في" بـ "مع". وأما حديث أبي ذر، الذي أشار إليه الربيع، فإنه حديث صحيح؛ قد أخرجه أبو داود (٢): في كتاب السنن, واحتج به على جواز تيمم الجنب إذا عدم الماء،

стр. 298

وهذا لفظه، قال: حدثني عمر بن عون، ومسدد قالا: أخبرنا خالد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر قال: اجتمعت غنيمة عند رسول اللِّه ﷺ فقال: يا أبا ذر، اُبْدُ فيها" فبدوتُ إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: "أبو ذر" فَسَكَتُّ، فقال: "ثكلتك أمك أبا ذر لأمك الويل" فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بِعُسٍّ فيه ماء، فسترني بثوب، واستترت بالراحلة، واغتسلت فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير". [قال] (١) مسدد: "غنيمة" من الصدقة. "الاعتزال": الانفراد من الجماعة والتَّنَخّي عنهم، اعتزل وتعتزل والعزل كله بمعنى، والاسم: العُزْلة. وقوله: "فأمسه جلدك": يريد به الاغتسال من الجنابة، فذكر لفظ الإمساس في موضع الغسل؛ لأنه إذا مس جلده الماء فقد فعل ما يجب عليه من إيصال الماء إلى بشرته وشعره، تقول: مسست الشيء وأمسه، فلما أراد أن يعديه إلى مفعول ثان عَدَّاه بالهمزة فقال: "أَمِسَّه جِلْدَكَ". وقوله: "ولا ماء" يريد ولا ماء عندي، أو ولا ماء أجد، فحذف ذلك ليكون النفي أبلغ وأعم، ويكون عذره عند رسول اللَّه ﷺ أتم، لأنه إذا قال: ولا ماء فكأنه نفى وجوده نفيًا عامًّا؛ أي ليس له وجود البتة؛ إذ لو كنت أظن له وجودًا أو أعرف له مكانًا لقصدته فاغتسلت وصليت، فقال له رسول اللَّه ﷺ حينئذ "عليك بالصعيد"، أي: اقصده وتعمده، تقول: عليك زيدًا؛ وعليك بزيد، أي خذه والزمه. وأما الفرق بين قوله: "في القوم"، و "مع القوم":

стр. 299

فإن معنى "مع" المصاحبة، ومعنى "في" [الظرفية] (١)، وكلا المعنيين مستعمل في هذا المقام. فمعنى "مع" أي ما منعك أن تصاحبهم في فعلهم وتتابعهم عليه؟. ومعنى "في" أي ما منعك أن تكون في جملة المصلين؟ فجعل اجتماع المصلين ظرفًا قد خرج هو منه. وقوله "اُبْدُ فيها" أي اخرج بها إلى البادية، تقول بَدَا الرجلُ يبدو بدوًا فهو بادٍ، إذا خرج إلى البادية وهي: البرية التي لاعمار فيها؛ والأمر منه "ابد" بحذف الواو للجزم. "والبداوة": -بفتح الباء- الإقامة في البادية -وقد تكسر- وكأنه من الظهور، وتقول: بدا الأمر إذا ظهر، وأبديته: أظهرته. "والمكث": الإقامة على الشيء واللبث تقول: مَكَث ومكُث بالفتح والضم، والاسم: المُكْث بضم، والمصدر: بالفتح. وقوله: فقال: "أبو ذر فسكت"، هذا كلام يقوله المنكر على الإنسان فعله الذي لا يرضى له به؛ فكأنه لما قدم عليه عرفه ما كان منه، فقال له ذلك، أي مثلك لا يؤتى من هذه الجهة؛ وقد دل عليه الرواية الأخرى لهذا الحديث؛ فإنه قال فيها: هلكتُ يا رسول اللَّه، ويعضده أنه ﷺ أردفه بقوله: "ثكلتك أمك ولأمك الويل". "والثكل": فقد الأم ولدها، وامرأة ثاكل وثكلى وثكول بفتح الثاء. "والويل": كلمة عذاب ودعاء على المخاطب بها، تقول: ويل زيد وويل لزيد، وقد تقدم شرح ذلك مستوفيًا.

стр. 300

"والعس": القدح الضخم. "والراحلة": البعير القوي على الأسفار والأحمال، هذا هو الأصل ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل بعير. ومعنى قوله: "كأني ألقيت عني جبلًا"، يريد ما كان نحوه من ثقل الجنابة التي كانت تمنعه من العبادة؛ وتحول بينه ويين الطاعة. وهذا هل يختص بالأرواح دون الأجسام؟ ألا تراه جعل نفسه هالكًا فقال: هلكتُ يا رسول اللَّه؟! فسمى ترك الغسل وفوات الصلاة على الوجه المشروع هلاكًا, ولا ثقل أثقل من الهلاك. وقوله: "الصعيد الطيب" يريد الذي ينبت، كذا ذكر أهل التفسير (١). وفي ذلك دليل: على المنع من التيمم بغير التراب، كالجص والحجر وأشباه ذلك لأنه لا ينبت. وقيل: أراد "بالطيب": الطاهر. والذي ذهب إليه الشافعي وأكثر الأئمة من الصحابة والتابعين والمجتهدين: أن الجنب إذا لم يجد الماء تيمم وصلى. وقد حكي عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي: أنه لا يجوز له

стр. 301

التيمم، وقيل: إنهم رجعوا عن ذلك، وهو الصحيح. وقوله: "فإذا وجد الماء اغتسل" وهو المذهب وعليه الإجماع في الجنابة والحدث، أنه متى وجد المتيمم الماء؛ اغتسل إن كان جنبًا؛ وتوضأ إن كان مُحْدِثًا. وحكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي أنهما قالا: لا يلزمه استعمال الماء. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي خفاف ناجية بن كعب قال: قال عمار بن ياسر لعمر: أتذكر إذ مكثت أنا وأنت في الإبل، فأصابتني جنابة فتمعكت كما تتمعك الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له فضحك ثم قال: "يكفيك من ذلك التيمم". وهذا حديث صحيح، قد أخرجه أطول من هذا البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، النسائي (٤). وأخرج الشافعي: في كتاب على وعبد اللَّه فيما خالف العراقيون عبد اللَّه بن مسعود، بلاغًا عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه قال: الجنب لا يتيمم. قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا ويقولون: لا نعلم أحدًا يقول به. قال الشافعي: ونحن نروي عن النبي ﷺ أنه أمر الجنب أن يتيمم. يعني حديث عمران بن حصين المقدم ذكره.

стр. 302

الباب الثامن في الحيض والأستحاضة وفيه فصلان:- الفصل الأول في الحيض وفيه ثلاثة (١) الفرع الأول في أقل الحيض وأكثره أخبرنا الشافعي قال: أخبرني (٢) ابن عُلَيَّة، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية ابن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: "قرء المرأة، أو قرء حيض المرأة ثلاث أربع، حتى انتهى إلى عشر". قال الشافعي: وقال لي ابن علية: الجَلْدُ أعرابي لا يعرف الحديث. هذا الحديث ذكره الشافعي، في كتاب الحيض، أورده على لسان بعض من كلمه في أمر الحيض، فقال: ألست تريد حديث الجلد بن أيوب؟ قال: بلى، فأورد الحديث بإسناده، ثم ذكر أن الجلد ضعيف أعرابي لا يعرف الحديث، قال: وقال -يعني ابن علية- قد استحاضت امرأة من آل أنس بن مالك، فسئل ابن عباس عنها فأفتى فيها وأنس حي، فكيف يكون عند أنس بن مالك ما قلت مِنْ عِلْم الحيض؛ ويحتاجون إلى مسأله غيره فيما عنده فيه علم؟.

стр. 303

وقد ضَعَّفَ الجَلْدَ بن أيوب جَمَاعَةٌ من العلماء منهم: حماد بن زيد، وابن عيينة، وابن المبارك، وأبو عاصم، وسليمان بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم (١). "القَرْء": جمع قروء بفتح القاف -وهو الطهر عند الشافعي، والحيض عند أبي حنيفة، وهو من الأضداد. وقوله: "ثلاث أربع حتى انتهى إلى عشر"، أي ثلاث، أربع، خمس، ست سبع، ثمان تسع، عشر، وذلك أنه يريد أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن أقل الحيض يوم وليلة، هذا هو المشهور، وبه قال أحمد، وأبو ثور. وقيل عنه: إنه يوم، وبه قال داود. وقال أبو حنيفة والثوري: ثلاثة أيام. وقال أبو يوسف: يومان، وأكثر الثالث. وقال مالك: ليس لقلته حد، فيجوز أن يكون ساعة.

стр. 304

والشافعي إنما رجع في قوله إلى الموجود فإنه قال: "رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يومًا لا تزيد عليه". قال: وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام. وعن نساء أنهن لم يزلن يحضن خمسة عشر، وعن امرأة -إذا كثر- أنها لم تزل تحيض ثلاثة عشر. وأما أكثر الحيض: فخمسة عشر يومًا، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والأخرى سبعة عشر، وبه قال أبو ثور، وداود، وروى ذلك عن علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح. وقال أبو حنيفة والثوري: عشرة أيام. وقال ابن جبير: ثلاثة عشر يومًا (١).

стр. 305

الفرع الثاني في ترك الصلاة أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة؛ فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". وأخبرنا الشافعي بالإسناد، عن عائشة وذكرت إحرامها مع النبي ﷺ وأنها حاضت؛ فأمرها أن تقضي ما يقضي الحاج؛ غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر. أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب الحيض (١)، والثانية في كتاب الرسالة (٢). والحديث حديث صحيح متفق عليه (٣)، له عدة طرق كثيرة طويلة مختصرة وقد أخرجه الجماعة كلهم من طرق عدة، فليس هذا موضع ذكرها، فإنه بكتاب الحج أشبه، وسيجيء باختلاف طرقه هناك إن شاء اللَّه تعالى. وإنما أخرجه الشافعي في كتاب الحيض إشارة، ليستدل به على ترك الحائض الصلاة. وذكره أيضًا: في كتاب ذكر اللَّه على غير وضوء, لأن الحائض ليست على وضوء، وقد نهاها النبي ﷺ عن الطواف وفيه ذكر اللَّه تعالى. وَأَمْرُ رسول اللَّه ﷺ عائشة أن "لا تطوفي بالبيت حتى تطْهُري": يدل على أن لا تصلي حائضًا لأنها غير طاهر ما كان الحيضُ قائمًا، وكذلك قال اللَّه

стр. 306

﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١). وبيان ذلك: أن الطواف بالبيت كالصلاة إلا أنه يجوز فيه الكلام؛ ومن شرط صحته أن يكون الطائف على وضوء، ولأن الطواف فيه إذا كان فخصوصة بكل ركن من أركان البيت. وأخرج الشافعي في كتاب حرملة، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة ويزيد الرشك، عن معاذة، أن امرأة سألت عائشة فقالت: "أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول اللَّه ﷺ لا تؤمر بقضاء". وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة (٢) إلا الموطأ. ...

стр. 307

الفرع الثالث في مباشرة الحائض أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه (١) أرسل إلى عائشة يسألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: [لتشد] (٢) إزارها على أسفلها؛ ثم يباشرها إن شاء. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (٣) بالإسناد واللفظ هكذا موقوفًا على عائشة. وقد أخرجه الجماعة عن عائشة مسندًا؛ فيما تحكيه عن رسول اللَّه ﷺ ومباشرة نسائه. فأما البخاري (٤): فأخرجه عن إسماعيل بن الخليل، عن علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تتزر في فور حيضتها؛ ثم يباشرها؛ قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي ﷺ يملك إربه؟ ". وأما مسلم (٥): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب،

стр. 308

وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا؛ أمرها رسول اللَّه ﷺ فتأتزر بإزار، ثم يباشرها. وفي أخرى: عن أبي بكر، وعلي بن حجر، عن علي بن مسهر، بإسناد البخاري ولفظه. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود نحو مسلم مختصرًا. وقال: ثم يضاجعها زوجها، وقال مرة: ثم يباشرها. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن بندار [عن] (٣) عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مختصرًا نحوه. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم [و] (٥) عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، عن عائشة. وفي الباب: عن أنس بن مالك، وميمونة، وزيد بن أسلم، وعكرمة. "المباشرة": مفاعلة من إلصاق البشرة -وهي ظاهر جلد الإنسان- بشرة غيره، هذا هو الأصل؛ ثم استعير للجماع ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ﴾ (٦) أي: لا تجامعوهن، وذلك أن الحائض

стр. 309

لا يجوز جماعها، ويجوز مباشرتها. "والإزار": يريد به ما تشده على وسطها؛ مما يستر محل الجماع من منديل أو ثوب أورغيره. والسراويل في معناه، لأنه يختص بلباس ذلك المحل. وفي رواية البخاري: تتزر -بتشديد التاء- وإنما اللفظ تأتزر بالهمز لأنه تفعل من الإزار؛ و"فاء" الكلمة إنما هي همزة لا تاء، وهذا من تحريف الكُتَّابِ أو جهلة الرواة (١). وأما رواية مسلم: فلم تجىء فيها إلا "تأتزر"، وفي رواية للبخاري أيضًا (٢). "في فَوْر حيضها": فور كل شىء أوله وابتداؤه. "والإِرْب": الذكر. وقوله: "أيكم يملك إربه" تريد: أن النبي ﷺ كان يغلب هواه ويكف شهوته وأنتم لا تقدرون، وكان يباشر نساءه وهُنَّ حُيَّضٌ ولا يقع فيما هو حرام؛ وغيره لو هَمَّ بذلك ربما وقع في الحرام، تعني: إتيان الفرج في حال الحيض. ويُروى الأَرَب: بالفتح أي الحاجة. وهذا الحديث: أخرجه الشافعي في كتب أحكام القرآن (٣). قال الشافعي: قال بعض أهل العلم بالقرآن في قول اللَّه ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٤) أن تعتزلوهن يعني في مواضع

стр. 310

الحيض، وكانت الآية محتملة لما قال، ومحتملة أن اعتزالهن اعتزال جميع أبدانهن؛ فدلت سنة رسول اللَّه ﷺ على اعتزال ما تحت الإزار منها وإباحة فوقه وذكر الحديث. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الاستمتاع بما فوق الإزار؛ وهو ما فوق السرة وبما تحت الركبة جائز بالإجماع، وأما بينهما هو داخل تحت الإزار فإن الوطء فيه محرم؛ نص عليه في الأم وأحكام القرآن. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وذهب الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، وغيرهم: إلى جواز ذلك. وقد أخرج الشافعي من رواية المزني عنه، عن مالك؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أُرَجِّلُ رأس رسول اللَّه ﷺ وأنا حائض". "الترجيل": التسريح والغسل. وقد أخرج في كتاب حرملة، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ معتكفًا في المسجد؛ فأخرج إليَّ رأسه فغسلته وأنا حائض". وهاتان الروايتان من حديث عائشة. وهو حديث صحيح له طرق كثيرة؛ وقد أخرجه الجماعة (١) بأسرهم على اختلاف ألفاظهم واتفاقها.

стр. 311

الفصل الثاني في المستحاضة أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول اللَّه ﷺ : إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصَلِّي". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما الموطأ (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه. وفي أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن عبد العزيز بن محمد، وأبي معاوية، عن قتيبة، عن جرير، وابن نمير، عن أبيه، عن خلف بن هشام، عن حماد بن زيد، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن يونس، وعبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن زهير، عن هشام بن عروة. وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن هنَّاد، عن وكيع وعبدة وأبي معاوية، عن هشام بن عروة. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة ووكيع وأبي معاوية، عن هشام بن عروة.

стр. 312

وله روايات كثيرة لهذا الحديث؛ بزيادة ألفاظ ونقص. قولها: "إني لا أطهر" تريد أن الدم لا ينقطع عنها وأنه متصل فلا تزال حائضًا وطهارة الحائض إنما هي مع انقطاع الدم، فكَنّتْ بعدم الطهر عن اتصال الدم وجريانه، وهذا من أحسن آداب الخطاب، ثم لما كانت قد علمت أن الحائض تدع الصلاة؛ وأنها ليست واجبة عليها؛ ورأت أن ذلك الحكم مقرون بالدم؛ استفتَتْهُ قالت: "أفأدع الصلاة؟ " ظَنًّا منها أن هذا حكم مطرد مع رؤية الدم، فقال لها النبي ﷺ "إنما ذلك عرق" سائل قد انفجر، وليست بالحيضة المعتادة التي تعرفها النساء عامة. "والحيضة" هاهنا مكسورة الحاء، تريد بها الحالة المألوفة. فأما بالفتح: فإنها المرة الواحدة والأول أشبه. وقوله: "إذا أقبلت الحيضة" يريد: الحيض المعتاد المألوف الذي هو من عادتها، فاتركي الصلاة ولا تصلي، فإن ذلك هو الحيض الذي تسقط معه الصلاة، فإذا ذهب قدرها من الأيام التي كنت تحيضين فيها قبل هذه الحالة فاغسلي الدم وصلى. والشافعي ذكر هذا الحديث في الحيض؛ وذكره في كتاب "ذكر (١) اللَّه تعالى على غير وضوء", لأن الصلاة أكثرها [ذكر] (٢) اللَّه تعالى. وقول رسول اللَّه ﷺ : "فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة" إنما قاله عن علم منه أنها تميز بين دفع دمها؛ فتراه زمانًا أسود ثخينًا وذلك في إقبال حيضها؛ ثم تراه مشرقًا رقيقًا وذلك حين إدبار حيضها؛ ولا يقول ذلك إلا وهو يعرف إقبالها وإدبارها، بعلامة تفصل لها بين الأمرين، ولذلك قد جاء في حديث آخر قال لها: "إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف" وهذا القول يبين لها أن الدم

стр. 313

إذا تميز كان الحكم له، وإن كانت لها أيام معلومة فإن اعتبار الشيء بذاته وبخاص صفاته أولى من اعتباره بغيره من الأشياء الخارجة عنه؛ فأما إذا عدمت التمييز فالاعتبار بالأيام. وبيان المذهب: أن من رأت الدم واتصل بها أكثر من خمسة عشر يومًا في سن المحيض، فقد اختلط حيضها باستحاضتها, وللمستحاضة أربعة أحوال. أحدها: أن تكون مميزة لا عادة لها. والثانية: أن تكون معتادة لا تمييز لها. والثالثة: أن تكون لها عادة وتمييز. والرابعة: أن تكون مُبْتَدَأة لا عادة لها ولا تمييز. أما المميزة: فإن كان يختلف دمها فترى بعضه أسود شديدًا، وبعضه مشرقًا أو يكون بعضه أحمر وبعضه أصفر؛ فإن هذه ترد إلى تمييزها ويكون الدم الأسود حيضها؛ بشرط أن لا يزيد على خمسة عشر يومًا ولا ينقص عن يوم وليلة؛ والأصل في التمييز حديث فاطمة هذا. فأما المعتادة التي لا تمييز لها: فهي امرأة لها أيام تحيضها في كل شهر فلما كان بعض الشهور اتصل بها الدم وعم خمسة عشر يومًا بصفة واحدة؛ فإنها ترد إلى أيام عادتها؛ فيكون حيضها تلك الأيام والباقي استحاضة؛ والأصل فيه حديث أم سلمة الثاني بهذا الحديث (١). وأما التي لها عادة وتمييز: فظاهر مذهب الشافعي أن التمييز يقدم على العادة؛ وهو مذهب الأوزاعي، ومالك، وأبي إسحاق. وقال قوم من أصحاب الشافعي: بل ترد إلى العادة، وهو مذهب أبي حنيفة

стр. 314

والثوري. وأما من لا عادة لها ولا تمييز ففيه قولان:- أحدهما: ترد إلى أقل الحيض يوم وليلة، وتقضى صلاة أربعة عشر يومًا، وبه قال أحمد -في إحدى الروايات عنه- وأبو ثور وزفر. والثاني ترد إلى غالب عادة النساء ست أو سبع، وإليه ذهب عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وإحدى روايات أحمد. وقال مالك: نقول: عادةُ لِدَاتها، وتستظهر بثلاثة أيام. وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول اللَّه ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول اللَّه ﷺ فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر؛ قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل؛ ثم لتستثفر بثوب ثم [تصلي] (١) ". أخرج الشافعي هذا الحديث في كتاب اختلافه مع مالك، وفي كتاب الحيض، وهو حديث صحيح، أخرجه الموطأ (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤). فأما الموطأ: فأخرجه بالإسناد واللفظ. وأما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، [و] (٥) عن قتيبة ويزيد بن

стр. 315

خالد بن عبد اللَّه بن موهب، عن الليث. وعن القعنبي، عن أنس بن عياض، عن عبيد اللَّه. وعن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن مهدي، عن صخر بن جويرية كلهم عن نافع، عن سليمان، إلا أنه قال في الأولى: عن سليمان، عن أم سلمة، وفي الباقي: عن سليمان، عن رجل، عن أم سلمة. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بالإسناد واللفظ. وهذا الحديث هكذا جاء مرسلًا، فإن سليمان بن يسار لم يسمعه عن أم سلمة؛ إنما سمعه من رجل من أم سلمة كما ذكره أبو داود. وفي بعض الطرق عن مرجانة، عن أم سلمة (١). تقول: "هرقت الماء" أهريقه -بفتح الهاء- هراقة أي صببته، وأصله أراق يريق إراقة، وتقول: أهراق يهراق إهراقًا فهو مُهْرَقٌ، ويريد بقوله: "يهراق الدم": الاستحاضة. وقوله: "تحيضهن" أي تحيض فيهن، فأضاف الفعل إلى الظرف نفسه، فجعل الظرف هو الحيض اتساعًا، لأن الحيض يقع فيه، على ذلك قول اللَّه تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) وقوله ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣) أي في يوم الدين، والمكر في الليل والنهار.

стр. 316

و "من" في قوله: "من الشهر" للتبعيض لأن الحيض في بعض الشهر، ويجوز أن تكون التي للتبيين؛ يريد الأيام التي كانت تحيض فيهن من كل شهر. وقوله: "قبل أن يصيبها الذي أصابها" يريد الاستحاضة, لأن دم الحيض كان يأتيها قبل حدوث ذلك بها؛ فاعتبارها بأيام حيضها المعتاد أولًا. "وخَلَفْتُ الشيء" أخلفه -مخففًا-: إذا جئت بعده، وخَلَّفْتُه أخلِّفه -مشددًا- إذا تركته بعدك. والمراد في الحديث: له أول وذلك أنها أذهبت تلك الأيام وقضتها؛ وانفصلت عنها وبقيت بعدها، لأن الأيام تبقى بعدها. "والاستثفار": مِن الثفر وهو الذي يجعل تحت ذنب الدابة ليحفظ الرَّحْل على ظهرها. وصورة الاستثفار: أن تشد المرأة وسطها بخرقة أو حبل ونحو ذلك، ثم تحشو فرجها قطنًا أو خرقة أو ما يجري مجراها؛ ثم تضع فوق ذلك منديلًا على فم الفرج؛ وتشد طرفيها في الخرقة أو الحبل الذي شدت به وسطها من بين يديها ومن خلفها ليمنع بذلك الدم أن يجري أو يقطر، وقد تبدل من الثاء ذال فيقال: تستذفر وكذلك الذفر. والذي ذهب إليه الشافعي في حكم المستحاضة؛ قد ذكرناه في حديث عائشة قبل هذا، ونحن نزيده هاهنا بيانًا:- وذلك أنا قد قلنا إنها المعتادة التي لاتمييز لها، وأنها تُرَدُّ إلى عادتها في أيام حيضها؛ فيكون حيضها تلك الأيام والباقي استحاضة، ثم إنها تغتسل مرة واحدة ويصير حكمها حكم الطواهر في وجوب الصلاة والصوم؛ وسائر الأحكام الشرعية التي لا يجوز للحائض فعلها؛ إلا أنها تتوضأ لكل صلاة، فإذا المستفاد من العادة قدر الحيض ووقته -واللَّه أعلم.

стр. 317

أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد اللَّه بن محمد ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فجئت إلى النبي ﷺ أستفتيه فوجدته في بيت أختي زينب فقلت: يا رسول اللَّه، إن لي إليك حاجة [.......] (١). في شعره من الجنابة بالتخلل. "والحفن": أخذك الشيء براحة الكف والأصابع مضمومة، وملء كل كف حفنة؛ قاله الأزهري. وقال الجوهري: "الحفنة" ملء الكف من طعام، و"حفنت الشيء" إذا جَرَفْتَهُ بِكِلْتَىْ يديك، ولا يكون إلا من الشيء اليابس كالدقيق ونحوه. وهذا التخصيص غير معروف بدليل هذا الحديث؛ فإنه قال: "حفن على رأسه ثلاث حفنات"، و"الحفنات" جمع سلامة الحفنة وفاؤها في الواحد ساكنة، وفي الجمع مفتوحة، وهو قياس مطرد في الاسم الصحيح دون المعتل؛ والحفنة يجوز أن تكون اسمًا للمأخوذ بالكف، ويجوز أن تكون المرة الواحدة. "والأذي": كناية عن النجاسة التي تعلق بالجسد. ومعنى قوله "غسل عنه بشماله" أي غسل الأذي عن جسده بشماله. "والغرفات": جمع غرفة؛ فإن كانت غينها وراؤها مفتوحتين فهي جمع غرفة مفتوحة الغين مثل: قصَعَة وقصَعَات، كما قلنا في حفنة وحفنات. وإن كانت غينها مضمومة فهي جمع غُرفة مضمومة الغين. وفيها ثلاث لغات: غُرُفات -بضم الغين والراء- وغُرْفات بضم الغين وسكون الراء، وغُرَفات بضم الغين وفتح الراء. والذي ذهب إليه الشافعي في كيفية غسل الجنابة: فيه ما هو واجب وسنة. فأما الواجب: فهو النية، واستيعاب الجلد بالماء.

стр. 318

أما النية: فحكمها في الغسل حكم الوضوء. وأما الاستيعاب:- فيجب إيصال الماء إلى جميع بشرة الإنسان، وإلى جميع شعره، ولا يجب المضمضة والاستنشاق في الجنابة. وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى: هما واجبتان فيهما. وقال داود (١) وأبو ثور: الاستنشاق واجب دون المضمضة. وأما السنة: فالأكمل في الغسل هو أن يبتدئ فيسمى اللَّه تعالى، ثم يغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يصب الماء بيمينه على شماله؛ فيغسل ما على بدنه من أذى إن كان ثم يتمضمض ثلاثًا؛ ويستنشق ثلاثًا؛ ويتوضأ وضوء للصلاة. وقيل: إنه يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة (٢) ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء؛ فيأخذ الماء بها فيُشْرب بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من الماء، ثم يفيض على سائر جسده؛ ويتعهد معاطف (٣) بدنه، ويبتدئ بميامنه ثم بمياسره، ثم يمر يديه على

стр. 319

جميع بدنه ليصل الماء إلى جميع شعره وبشره، ثم يتحول من موضعه فيغسل قدميه، ويستحب له التكرار ثلاثًا مثل الوضوء. وحكي عن مالك، والمزني أنهما قالا: إمرار اليد إلى حيث يصل واجب. وأما نقض الضفائر فسيرد بيانه في حديث أم سلمة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي ﷺ كان يغرف على رأسه ثلاثًا وهو جنب". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣). فأما البخاري: فأخرجه عن محمد بن بشار قال: حدثني غندر، عن شعبة، عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثاً". وفي أخرى: عن أبي نعيم، عن معمر بن يحيى، عن أبي جعفر قال: قال لي جابر: أتاني ابن عمك -يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية- فقال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: "كان النبي ﷺ يأخذ ثلاث أكف ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده". فقال لي الحسن: إنى رجل كثير الشعر، فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا. وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر نحو رواية البخاري الثانية، وقال: كان شعر رسول اللَّه ﷺ [] (٤) فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟

стр. 320

فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا". وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، بإسناد البخاري الأول ولفظه. وفي الباب: عن جبير بن مطعم. إنما قال ثلاثًا ولم ويعين من أي شيء هي، لأنه قال: "كان يغرف على رأسه"، فعلم أن الثلاث هي عدد المرات من الغرف، ولذلك حذف منها التاء, لأنه الغرفات وهي مؤنثة. وقوله: "كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا" أي أنه مع كثرته كان يكتفي بثلاث غرفات، فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه. وقد جاء في رواية "وأطيبهم بدنًا" أطيب هنا للمبالغة في الطهارة والنظافة، وأنه كان مع كثرته واكتفائه بالغرفات الثلاث وقلتها أنظف وأطهر؛ فعبر بالطيب عن ذلك. وقوله في رواية مسلم الأخرى: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا" من أحسن الأجوبة وألطفها وأبلغها وأكفاها مع الزيادة التي فيها من تسهيل الأمر عليهم بالإقتداء به والاتباع لفعله، وإنه -مع كونه مشرعًا ومحتاطًا في أمور دينه أكثر من كل أحد من أمته- يكتفي بهذه الإفراغات الثلاث ولا يزيد عليها فما الظن بكم فأنتم المقتدون بي والسالكون طريقتي، والمهتدون بهديي. قولهم بهذا الجواب أقل ما يجب عليهم في الغسل؛ وأن ذلك لا يضر مع برد البلاد لعلته حتى لا يظنوا لو قال لهم: يجب عليكم استيعاب الشعر والبشر غسلًا؛ أن الواجب عليهم الإكثار من الماء فكانوا يفعلونه فيتضرَّرون به لشدة البرد.
следующие страницы →