← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وفي هذا الحديث: دليل على أن العلة ذهب إليها الشافعي، من تعليل أخذ الجزية من المجوس وهي: أنهم أهل كتاب، ولا اعتبار بمخالفتهم مذهبهم، ولا برفع الكتاب من بين أظهرهم، فإن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل، وخالفوا ما أمروا به فيهما، ومع ذلك فالجزية مأخوذة منهم، ثم نص الكتاب إنما قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ولم يشترط العمل بما فيه والوفاء به، هؤلاء قد أوتوا كتابًا كما أوتي النصارى واليهود؛ فلذلك جاز أخذ الجزية منهم -والله أعلم. وقال الشافعي ﵁: حديث نصر بن عاصم، عن علي متصل وبه نأخذ، وفيه دليل على أن عليًا أخبر أن رسول الله ﷺ لم يأخذ الجزية منهم إلا وهم أهل كتاب ولا من بعده، ولو كان يجوز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب لقال علي: الجزية تؤخذ منهم كانوا أهل كتاب أو لم يكونوا أهله، ولم أعلم من سلف من المسلمين أحدًا أجاز أن تؤخذ الجزية من غير أهل الكتاب والله أعلم. قال الشافعي ﵁ في القديم: ظهر رسول الله ﷺ على البحرين فاستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث إليه بمال من جزيتهم، ومن بالبحرين من أهل الكتاب مجوس. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن: "أن على كل إنسان منكم دينارًا كل سنة أو قيمته من المعافر". يعني: أهل الذمة منهم. هذا الحديث هكذا جاء في المسند مرسلًا في كتاب الجزية (١)، وقد أخرج أبو داود هذا المعنى مسندًا عن معاذ بن جبل.

стр. 2557

والمعافر: ثياب تكون باليمن منسوبة إلى معافر، وهي موضع باليمن تسمى بمعافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب ابن زيد بن كهلان. والذمة والذمام: العهد، وقيل: الأمان، وأهل الذمة يقع على أهل الكتاب ممن عقد له منهم ذمام وعهد. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن أقل ما يجب على الذمي من الجزية دينار، والغني والفقير فيه سواء، فإن أدى زيادة عليه أو عقد له الذمام على أكثر منه جاز. وقال أبو حنيفة: يجب على الغني ثمانية وأربعون درهمًا من صرف اثنى عشر درهما بدينار، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل اثنى عشر درهمًا. وروي ذلك عن أحمد. وقال مالك: الغنى أربعون درهمًا أو أربعة دنانير، والفقير عشرة دراهم أو دينار. وقال الثوري: ليست مقدرة، وإنما هي إلى رأي الإمام. وروي ذلك عن أحمد أيضًا. قال الشافعي ﵁: قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) وكان معقولًا أن الجزية شيء يؤخذ في أوقات، وكانت الجزية محتملة القليل والكثير، وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله -تعالى- معنى ما أراد، فأخذ رسول الله ﷺ جزية أهل اليمن دينارًا في كل سنة، أو قيمته من المعافر وهي: الثياب، وكذلك روي أنه أخذ من أهل أيلة ومن نصارى بمكة دينارًا دينارًا عن كل إنسان، وأخذ الجزية من أهل نجران فيها

стр. 2558

كسوة، ولا أدري ما غاية ما أخذ منهم، وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار، وأخذه من أكيدر دومة، ومن مجوس البحرين، لا أدري كم غاية ما أخذ منهم؛ ولم أعلم أحدا حكى عنه قط أنه أخذ من أحد أقل من دينار. وأخبرنا الشافعي قال: أخبرني مطرف بن مازن وهشام بن يوسف بإسناد لا أحفظه غير أنه حسن أن النبي ﷺ فرض على أهل الذمة من أهل اليمن دينارًا كل سنة، فقلت لمطرف بن مازن: فإنه يقال: وعلى النساء، فقال: ليس، إن النبي ﷺ أخذ من النساء ثابتًا عندنا. قال الشافعي ﵁: فسألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعددًا من علماء أهل اليمن، فكلهم حكى لي عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن عدد مضوا كلهم ثقة أن صلح النبي ﷺ لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن النساء كن فيمن تؤخذ منهم الجزية، وقال عامتهم: ولم تؤخذ من زروعهم وقد كانت لهم زروع، ولا من مواشيهم شيء علمناه، وكل من وصفت أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من حمير. قال: وسألت عددًا كثيرًا من أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن، فكلهم أثبت لي ما يختلف قولهم أن معاذًا أخذ منهم دينارًا عن كل بالغ وسموا البالغ: حالمًا، قالوا: وكان في كتاب النبي ﷺ مع معاذ أن على كل حالم دينارًا, ولا خلاف بين الأئمة أن النساء لا جزية عليهن، فإن بذلت امرأة من نفسها جزية قبلت منها وكانت هبة لا جزية. أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث أن النبي ﷺ ضرب على نصراني بمكة يقال: موهب دينارًا كل سنة، وأن النبي ﷺ ضرب على نصارى أيلة ثلثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من

стр. 2559

مر بهم من المسلمين ثلاثًا ولا يغشوا مسلمًا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن إسحاق بن عبد الله أنهم كانوا يومئذ ثلثمائة، فضرب عليهم النبي ﷺ يومئذ ثلثمائة دينار كل سنة. قال الشافعي: ثم صالح أهل نجران على حلل يؤدونها إليه، فدل صلحه إياهم على غير الدنانير على أنه يجوز ما صالحوا عليه، وصالح عمر بن الخطاب ﵁ أهل الشام على أربعة دنانير، وروى عنه بعض الكوفيين أنه صالح الموسر من ذمتهم على ثمانية وأربعين، والوسط على أربعة وعشرين، والذي دونه على اثنى عشر، فلا بأس بما صالح عليه أهل الذمة إن كان أكثر من هذا، إذا كان العقد على شيء مسمى بعينه. وفي هذا الحديث: دليل على عدم التفرقة بين الغني والفقير في الجزية لأهل أيلة، الذين قد حصرهم ثلثمائة نفر ولم يكونوا أغنياء ولا كلهم فقراء، وقد سوى بينهم في ضرب الجزية. وأما الضيافة: فإنها من الشروط التي يجوز أن تشترط عليهم عند عقد الذمة، وأن ذلك جائز أن يلزمهم به ويكون مدة الضيافة ثلاثة أيام، لعدد معلوم من المارين بهم من المسلمين بطعام معلوم أيضًا، وتكون الضيافة زائدة على دينار الجزية. والغش: الخيانة والغدر. أخرج الشافعي ﵁ في القديم: حديث روح بن عبادة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل على الغني من أهل الذمة ثمانية وأربعين، وعلى الوسط أربعة وعشرين، وعلى الفقير اثنى عشر درهما. وأخرج أيضًا: عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن

стр. 2560

الخطاب ﵁ ضرب على أهل الشام أربعة دنانير ومدين من قمح، وعلى أهل مصر أربعة دنانير وأردبًا من قمح، وعلى أهل العراق أربعين درهما وخمسة عشر صاعًا من حنطة. وأخرج أيضًا: عن مالك، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام. هكذا رواه وقد سقط من متن الحديث: وعلى أهل الورق أربعين درهما. وأخرج أيضًا: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب أن عمر بن الخطاب ﵁ فرض على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حبسه مطر أو مرض أنفق من ماله. قال الشافعي: وحديث أسلم بضيافة ثلاث أشبه، لأن رسول الله ﷺ جعل ثلاثًا، وقد يجوز أنه جعلها على قوم ثلاثًا؛ وعلى قوم يومًا وليلة، ولم يجعل على آخرين ضيافة كما يختلف صلحه لهم، فلا يرد بعض الحديث بعضًا. وأخرج أيضًا في القديم: عن مالك، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب: أن لا تؤخذ الجزية من النساء والصبيان. وأخرج أيضًا: عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن أسلم أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: أن لا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان، ولا يأخذون إلا من جرت عليه الموسى. وأخرج أيضًا: حديث أبي معاوية ويعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق قال يعلى [عن معاذ] (١)، وقال أبو معاوية: أن النبي ﷺ

стр. 2561

بعث معاذًا فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافري. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر. وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب ابن يزيد أنه قال: كنت غلامًا مع عبد الله بن عتبة على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب ﵁ فكان يأخذ من النبط العشر قال الشافعي ﵁: لعل السائب حكى أمر عمر أن يؤخذ من النبط العشر في القطنية؛ كما حكى سالم، عن أبيه، عن عمر فلا يكونان مختلفين، أو يكون السائب حكى العشر في وقت آخر؛ فيكون أخذ منهم مرة في الحنطة والزيت عشرًا ومرة نصف العشر، ولعله كله يصلح يحدثه في وقت برضاه ورضاهم. وهذا الحديث هكذا أخرجه مالك في الموطأ (١)، وقال: إنه سأل ابن شهاب: على أي وجه كان يأخذ عمر بن الخطاب ﵁ من النبط العشر؟ فقال ابن شهياب: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية فالزمهم ذلك عمر. النبط: جيل معروف من الناس ويقال لهم: النبيط أيضًا. وقوله: "يكثر الحمل" يريد: الجلب. والقطنية بكسر القاف والتشديد واحدة القطاني، كالعدس والماش والدحن والحمص واللوبيا وما أشبه ذلك. وقيل: هي اسم جامع لما كان سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن من دخل من أهل الحرب إلى بلاد الإِسلام بتجارة فعليه العشر؛ والذمي لا شيء عليه اكتفاء بالجزية، إلا

стр. 2562

إن اعتبر في الحجاز فإنه يؤخذ منه نصف العشر. وقيل: إن للإمام أن يزيد علي العشر إن رأى، وله أن يقتصر على نصف العشر, فأما إسقاط هذه الضريبة عنهم بالكلية ففيه خلاف، ولا يؤخذ العشر في سنة إلا مرة واحدة. وقد اختلف في تردد مال التجارة في الحجاز: هل يكرر أخذ العشر منها أم؟ وقال أبو حنيفة: ينظر إن كانوا يأخذون في بلادهم من تجار المسلمين شيئًا أخذنا من تجارهم عندنا وإلا فلا. ثم أهل الذمة إن كانوا قد صولحوا عند عقد الذمة على تعشيرهم لزمهم ذلك وإلا فلا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله، بن دينار, عن سعد البخاري أْو عبد الله بن سعد -مولى عمر بن الخطاب- ﵁ أن عمر قال: ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم وما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم. الذين يجوز عقد الذمة لهم وأخذ الجزية منهم هم: أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، وهم اليهود والنصارى هذا لا خلاف فيه، وألحق قوم بهم المجوس بناء على أنهم أهل كتاب وقد تقدم ذكر ذلك. فأما من دخل من العرب في دين اليهود والنصارى؛ فقد كان دخل في اليهودية من العرب قبل الإسلام: من حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، ودخل في النصرانية: من ربيعة وغسان، ودخل في المجوسية: من تميم، وكانت عبادة الأوثان والزندفة في العرب وخاصة في قريش وبني حنيفة، وهؤلاء الذين تهودوا أو تنصروا إن كانوا دخلوا في دين ما لم يبدل لم يقروا، وإن كانوا دخلوا قبل النسخ والتبديل أقروا، فأما ما عدا التوراة والإنجيل من

стр. 2563

الكتب: كالزبور وصحف إبراهيم وآدم وإدريس (عليهم الصلاة والسلام) فقد اختلف العلماء فيها: هل يقر القائلون فيها بالجزية أم لا؟. قال الشافعي ﵁ صالح رسول الله ﷺ أكيدر الغساني وكان نصرانيًا عربيًا على الجزية، وصالح نصارى نجران على الجزية وفيهم عرب وعجم، وصالح ذمة اليمن على الجزية وفيهم عرب وعجم، فاختلفت الأخبار عن عمر في نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب، فروي عنه أنه صالحهم على أن يضاعف عليهم الصدقة، ولا يكرهوا على غير دينهم، ولا يصبغوا أبناءهم في النصرانية، وعلمنا أنه كان يأخذ جزيتهم نعمًا، ثم روي أنه قال بعد: نصارى العرب بأهل الكتاب. وذكر هذا الحديث ثم قال: فأرى للإمام أن يأخذ منهم الجزية لأن رسول الله ﷺ أخذها من النصارى من العرب كما وصفت، فأما ذبائحهم فلا أحب أكلها خبرًا عن عمر وعلي ﵄، وكذلك لا يحل لنا نكاح نسائهم لأن الله -جل ثناؤه- إنما أحل لنا أهل الكتاب الذين عليهم نزل وجعلهم شبيهًا بالمجوس. وأما أبو حنيفة فإنه قال: تؤخذ الجزية من جميع المشركين إلا من عبدة الأوثان من العرب. وقال مالك: لا تؤخذ من كفار قريش خاصة. وقال أبو يوسف: لا يؤخذ من عربي، وإنما يؤخذ من العجم. وقوله: "حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم" هذا بناء على أن من لا يصح أخذ الجزية منه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل، فأما من يجوز أخذ الجزية منه فإنه إذا بدلها قبلت منه وعقدت له الذمة، لا يقتل ولا يلزم بالإسلام، وروي عن عمر أنه دعا قبائل من العرب انتقلت إلى النصرانية وهم: تنوخ وبهراء وبنو تغلب إلى إعطاء الجزية، فقالوا: إنا نحن عرب لا نؤدي الجزية؛ فخذ منا الصدقة كما تأخذ من المسلمين، فأبى، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن

стр. 2564

عروة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة فلا تعن عدوًا بهم، فبعث عمر في طلبهم وردهم وضرب عليهم الصدقة، فأخذ من كل خمس من الإبل شاتين، وأخذ مكان العشر الخمس، ومكان نصف العشر العشر، ولم يخالفه أحد من الصحابة فليس لأحد بعد ذلك ذمة، لأن عقد الذمة يكون على التأبيد. وقد أخرج الشافعي هذا المعنى: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الشيباني، عن رجل أن عمر صالح نصارى بني تغلب على أن لا يصبغوا أبناءهم، ولا يكرهوا على غير دينهم، وأن تضاعف عليهم الصدقة. والله أعلم. ***

стр. 2565

كتاب الصيد والذبائح أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: قلنا: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مدي، أنذكي بالليط؟ فقال النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر عليه اسم الله -تعالى- فكلوا، إلا ما كان من سن أو ظفر؛ فإن السن عظم من الإنسان، والظفر مدي الحبشة". هذا حديث [] (١). المدى: جمع مدية وهي القشرة والسكين. والتذكية: الذبح. والليط: القصب، قال الأزهري والجوهري: الليط: قشرة القصبة والجمع الليط، والمراد به في الحديث نفس القصبة لا قشرها لأن القشر لا يذبح. وقوله: "ما أنهر الدم" أي: أجراه وأسأله فهو من النهر مجرى الماء، تقول: نهر النهر: إذا حفزته، ونهر الماء: إذا جرى في الأرض وجعل لنفسه بجريانه نهرًا. والاستثناء في قوله: "إلا ما كان من سن أو ظفر"، ومن قوله: "ما أنهر الدم" أي: ما ذبح من الأشياء كلها فكلوه، إلا ما كان من السن والظفر. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه كل آلة لها حد يقطع الحلقوم ويفري الأوداج، فإنه يجوز الذكاة به؛ سواء كان حديدًا، أو حجرًا، أو خشبًا أو غير ذلك.

стр. 2566

وقال أبو حنيفة: إِذا كان منفصلًا جازت التذكية به، وإذا كان متصلًا لم يجز، لأنهما مع الاتصال لا يمكن التذكية بهما، ومع الانفصال يمكن. قال الشافعي ﵁ في رواية حرملة: ومعقول في حديث النبي ﷺ أن السن إنما يذكى بها إذا كانت منتزعة؛ فأما وهي ثابتة فلو أراد الذكاة بها كانت منخنقة، وإذا قال رسول الله ﷺ : "إن السن عظم من الإنسان"، وقال: "إن الظفر مدي الحبش" ففيه دلالة على أنه لو كان ظفر الإنسان قاله كما قال في السن, ولكنه أراد الظفر الذي هو طيب من بلاد الحبشة يجلب، وإذا نهى عن الظفر وكان المعقول أنه ما وصفت فحرام ذلك الظفر والأسنان وعظمه قياس على سنه، فلا يجوز أن يذكى من الإنسان بعظم لأن السن عظم، ولا بظفر لأنه من الإنسان. وهذا القول ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار (١)، ولم أجده في كتاب من كتب الفقه التي وقفت عليها، على اختلاف القائلين بها والمصنفين لها، على أن الظفر هو طيب الحبشة قاله الأزهري فيه. والأظفار: شيء من العطر أسود؛ شبيه بصفر مقتلف من أصله يجعل في الدخنة، ولا يفرد منه الواحد، وربما قال بعضهم: أظفار واحدة. وليس بجائز في القياس. ويجمعونها على الأظافير، وهذا في الطيب إذا أفرد شيء من نحوها ينبغي أن يكون ظفرًا، وهذا التفسير من الأزهري في هيئة الظفر وصورته تمكن الزكاة به، وإنما جعله مدي الحبشة: لأنهم ربما كانوا يكثرون الذبح به وغلب ذلك على عادتهم، أو هو سنة بينهم يتداولونها فنسبت إليهم. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا حاتم بن إسماعيل والدراوردي أو أحدهما، عن

стр. 2567

جعفر بن محمد، عن أبيه قال: النون والجراد ذكي. هذا الحديث هكذا في الموطأ وزاد في آخره: كله، وقد رواه الثوري في "الجامع" عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: الحيتان والجراد ذكي كله. والنون: هو الحوت. والذكي: الذبيح من الذكاة: الذبح. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الجراد حلال وموته ذكاته؛ وكل ما هو من حيوان الماء ولا يعيش إلا في الماء فإنه حلال كله -فيما نقله المزني- وسواء منه ما كان من جنس السمك وغيرها. وكذلك نص في الأم وفي اختلاف العراقيين. وقال الربيع: سئل الشافعي ﵁ عن خنزير الماء؟ فقال: يؤكل. قال أصحاب الشافعي ﵁: فعلى هذا يحل جميعه إلا الضفدع، لأن النبي ﷺ نهى عن قتله ولو حل أكله جاز قتله. قال أبو حامد: السرطان مثله. وبه قال مالك وأحمد. ومن الأصحاب من قال: لا يحل منه إلا السمك وما كان من جنسه، ولا يحل كلب الماء ولا خنزيره. وهو قول أبي حنيفة. وقد أخرج المزني: عن الشافعي ﵁ عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أبي أيوب الأنصاري أنه أكل سمكًا طافيًا. قال الشافعي ﵁: فقال -يعني من كره السمك الطافي-:

стр. 2568

القياس أنه كله سواء، ولكنه بلغنا أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ -سمى جابرا أو غيره- كره الطافي، فاتبعنا فيه الأثر، قلنا: لو كنت تتبع الآثار والسنن حتى تفرق بين المجتمع منها بالاتباع حمدناك، ولكنك تتركها ثابتة لا مخالف عن النبي ﷺ ، وتأخذ -زعمت- برواية عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه كره الطافي، وقد أكل أبو أيوب سمكًا طافيًا وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومعه زعمت القياس وزعمنا السنة. والله أعلم. وأخرج المزني (١): عن الشافعي، عن سفيان قال: حدثنا أبو يعفور العبدي قال: أتيت ابن أبي أوفى فسألته عن أكل الجراد؟ فقال: غزوت مع النبي ﷺ ست غزوات أو سبع غزوات، وكنا نأكل الجراد. هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان -أحسبه- قال: الكبد والطحال". هكذا رواه إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد الرحمن وعبد الله وأسامة ابني زيد بن أسلم، عن أبيهم مرفوعًا. ورواه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفًا (٤). أما قوله: "الميتتان: الحوت والجراد" فقد تقدم ذكر ذلك في حديث جعفر بن محمد.

стр. 2569

وأما قوله: "والدمان: الكبد والطحال" فإنهما دم جامد مستمسك فيهما مع ذلك حلال دون غيرهما من الدماء، وتثنية الدم في الأكثر الأفصح: الدميان، وبعضهم يقول: دمان على الحذف، وبعضهم يقول: دموان والله أعلم. وأخرج المزني: عن الشافعي ﵁ قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". قال الشافعي ﵁: كمال الذكاة بأربع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وأقل ما يكفي من الذكاة إتيان الحلقوم والمريء. قال: وكل ما كان مأكولاً من طائر أو دابة، فإنه يرح أحب إلي وذلك سنة، ودلالة الكتاب فيه، والبقر داخلة في ذلك لقول الله -تعالى- ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلا الإبل فقط فإنها تنحر. قال: وموضع النحر في الاختيار في السنة في اللبة، وموضع الذبح في الاختيار في السنة أسفل اللحيين، والذكاة في جميع ما ينحر ويذبح ما بين اللبة والحلق. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي -كرم الله وجهه- أنه قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم [لم] (١) يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر. هكذا جاء هذا الحديث في المسند (٢)، عن الثقفي في كتاب الصيد، وأخرجه في كتاب السير قال: أخبرنا الثقة سفيان أو عبد الوهاب أو هما، عن

стр. 2570

أيوب وقال: لم يتمسكوا من نصرانيتهم -أو دينهم- الشك من الشافعي ﵁. قال البيهقي (١): رواه في كتاب "تحريم الجمع" عن الثقفي، ولم يجاوز به عبيدة وشك في تبليغه به عليًا ورواه في كتاب "الضحايا" عن الثقفي وقال: عن عبيدة، عن علي ولم يشك فيه. قال الشافعي ﵁: أحل الله -جل ثناؤه- طعام أهل الكتاب، وكان طعامهم عند بعض من حفظت من أهل التفسير: ذبائحهم، يسمونها لله فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله مثل: اسم المسيح لم يحل هذا من ذبائحهم. قال الشافعي ﵁: والذي يروى من حديث ابن عباس في إحلال ذبائح نصارى العرب، إنما هو من حديث عكرمة أخبرنيه ابن الدراوردي وابن [أبي] (٢) يحيى، عن ثور الديلي، عن عكرمة، عن [ابن] (٢) عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال قولًا حكي هو إحلالها وتلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ [مِنْكُمْ] (٢) فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣) ولكن صاحبنا سكت عن عكرمة وثور لم يلحق ابن عباس ﵁. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاريًا، نقص من عمله كل يوم [قيراطان] (٤) ". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري، ومسلم والترمذي والنسائي. فأما مالك (٥): فأخرجه بالإسناد وقال: "إلا كلبا ضاريًا أو كلب ماشية".

стр. 2571

وأما البخاري (١): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع. اقتنى الشيء تقتنيه اقتناء من القنية: إذا تملكه لنفسه ليبقى لا للتجارة. والماشية: الغنم، وكلبها الذي جرت به: أن يكون يتبع الغنم ليحفظها ويحرسها. والضاري: الصائد، تقول: ضري الكلب بالصيد ضارة أي: تعود، وكلب ضار وأضراه صاحبه أي: عوده، وأضراه به أي: أغراه. وقوله: "ضاريا" منصوب لأنه صفة لمنصوب محذوف تقديره: أو كلبًا ضاريًا. والقيراط: جزء من اثنى عشر جزءًا من الدرهم، وجزء من عشرين جزءًا من الدينار، فإن جعلت بالنقص من قراريط الدرهم فهو: سدس العمل، وإن جعلته من قراريط الدينار فهو: عشر العمل، والمراد بنقص العمل: نقص الأجر والثواب عليه. والمذهب: أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا للصيد أو لحفظ الماشية أو للحرث

стр. 2572

وما كان في معناها، فأما اتخاذه لحفظ البيوت فقد اختلف القول فيه، والظاهر في كلام الشافعي ﵁ أنه قد ألحقه بهذه الأشياء المستثناه المذكورة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن يزيد بن خصيفة، أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير -وهو رجل من شنؤة من أصحاب رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا نقص من عمله كل يوم قيراطان، قالوا: أنت سمعت من رسول الله؟ قال: إي ورب هذا المسجد". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد المذكور وقال في الحديث بعد قوله: من أصحاب رسول الله ﷺ : وهو يحدث ناسًا معه عند باب المسجد، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كل يوم قيراطان". وأما البخاري (٢): [فأخرجه] (٣) عن عبد الله بن يوسف. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى كليهما عن مالك. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة. فقد جاء في رواية الشافعي: "من اقتنى كلبًا" مطلقًا ولم يستثن والظاهر أنه إغفال من الكتاب، فإن مذهب الشافعي قد ذكر تحريم اقتناء الكلاب لغير ما استثناه.

стр. 2573

والضرع: كناية عن الماشية فإنها ذات الضرع، والضرع للشاة كالثدي للمرأة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. فأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية، قيل له: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال: إن أبا هريرة له زرع. وقد أخرج مسلم هذه الرواية. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. ...

стр. 2574

كتاب الأطعمة والمكاسب أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني: "أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع". وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب بالإسناد الحديث. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان الحديث. أخرج الرواية الأولى في كتاب "الرسالة" (١)، وأخرج الثانية والثالثة في كتاب "الطعام" (٢) وهو مما لم يسمعه الربيع من الشافعي. وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. أما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد قال: أكل كل ذي ناب من السباع حرام. وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك مثل الشافعي. وأما مسلم (٥): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر، عن سفيان. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما النسائي (٧): فأخرجه عن إسحاق بن منصور وابن المثنى، عن سفيان.

стр. 2575

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن أحمد بن الحسن، عن القعنبي، عن مالك. وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وجابر وخالد بن الوليد والعرباض بن سارية والمقدام. الناب: السن المعروفة وهي التي بين الرباعيات والضواحك، والجمع: أنياب ونيوب، وبه يكون القطع. والسباع: اسم يقع على ما يفترس من الوحوش كالأسد والنمر والذئب وابن آوى والكلاب ونحوها. وقوله: "عن كل ذي ناب من السباع" يدل أن الحرام من ذوي الأنياب ما كان سبعا، لأنه خصصه بذلك. وفرق ما بين رواية الجماعة ولفظ مالك: أن مالكا حكى لفظ النبي ﷺ الوارد في أمر ذي الناب من السباع، وهو قوله: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" فهذا هو النص. وأما الجماعة: فإنما حكوا لفظ أبي ثعلبة الذي حكى به معنى ما سمعه من النبي ﷺ ، وذكر صريح لفظ مالك. أو أن أبا ثعلبة قد سمع من النبي ﷺ ينهى عن أكلها بلفظ النهي كأنه قال: أنهاكم عن أكلها أو لا تأكلوها، فحكى أبو ثعلبة معنى اللفط بقوله: نهى عن أكلها, ولم يحك لفظ النبي ﷺ كما سمعه. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن كل ماله ناب يعدو به على الناس ويتقوى به؛ فإنه حرام وإن كان طاهرًا. وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: يكره وليس بمحرم. واستثنى الشافعي ﵁ منها الضبع والثعلب. وبه قال أحمد

стр. 2576

وإحداهما أبو حنيفة في عموم التحريم. قال الشافعي ﵁: قال الله -جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ (١) يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢). قال: وإنما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها وهم العرب؛ الذين سألوا عن هذا ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث الماء كل ما لا يكرهها غيرهم، فأهل التفسير -أو من سمعت منهم- يقول في قول الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ في مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٣) يعني: مما كنتم تأكلون، فإن العرب قد كانت تحرم أشياء على أنها من الخبائث؛ وتحل أشياء على أنها من الطيبات، فأحلت لهم الطيبات عندهم إلا ما استثنى، وحرمت عليهم الخبائث عندهم، قال الله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة ابن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام". وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁ بالإسناد المذكور والحديث. هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي والنسائي. أما مسلم (٤): فأخرجه عن زهير بن حرب، عن ابن مهدي، عن مالك.

стр. 2577

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن مالك قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام. والفرق بين رواية الشافعي ومن وافقه ورواية النسائي: أنه لما كان الأهم في الحديث والغرض المسوق لأجله هو الأكل، قدم في الذكر فقيل: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" وهو أولى الروايتين. وأما الفاء التي في رواية النسائي: فإنها التي تدخل على أخبار المبتدأ ودخولها عليها في موضعين:- أحدهما: لازم، والآخر: غير لازم، فاللازم في موضعين:- أحدهما: أن يكون المبتدأ شرطًا جازمًا، والخبر جملة اسمية، أو أمرية، أو نهييهّ كقولك: من يأتني فله درهم، ومن يأتك فاضربه، ومن يقم فلأضربه. والموضع الثاني: دخولها في قولك: أما زيد قائم، لابد من دخول الفاء في خبر "أما". وأما غير اللازم: ففي موضعين:- أحدهما: في خبر الأسماء الموصولة إذا كانت علتها فعلًا أو ظرفًا، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، والذي في الدار فله درهم. والموضع الثاني: النكرات الموصوفة إذا كانت صلتها فعلًا أو ظرفًا، كقولك كل رجل يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فله درهم. والفرق بين وجود الفاء وعدمها: أن الدرهم مع الفاء يستحق بالإتيان، ومع

стр. 2578

عدمها لا يستحق ويتنزل منزلة الأخبار، كقولك: زيد له درهم. وما عدا هذه المواضع لا تدخل الفاء في أخبارها, لا تقول: زيد فقائم. قال الشافعي ﵁: قال الله -جل ثناؤه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) وهو -جل ثناؤه- لا يحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالًا لهم قبل الإحرام -والله أعلم- فلما أمر رسول الله ﷺ المحرم بقتل الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، وقتل الحيات دل ذلك على أن لحوم هذه محرمة، لأنها لو كانت داخلة في جملة ما حرم الله قتله من الصيد في الإحرام لم يحل رسول الله ﷺ قتله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سئل عن الضب فقال: "لست بآكله ولا محرمه". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي ﷺ نحوه. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا أبا داود. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد أن رجلاً نادى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما ترى في الضب؟ فقال: "لست بآكله ولا بمحرمه". وأما البخاري (٣): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار نحوه. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن قتيبة وابن رمح، عن الليث، عن نافع.

стр. 2579

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن ابن دينار. وأما النسائي (٢): فأخرجه مثل الترمذي. وفي الباب عن عمر وأبي سعيد وابن عباس وثابت بن وديعة وجابر وخالد بن الوليد وعبد الرحمن بن حسنة. قوله: "سئل عن الضب" إنما يريد: عن أكله، وقد جاء ذلك مفسرًا في رواية مسلم والثوري، وإنما اكتفى عن ذكر الأكل بقوله في الجواب "لست آكله" فعرف من الجواب أنه أراد السؤال عن الأكل، وآكله: خبر لست وليس فعلًا مستقبلاً، وإنما هو اسم بدليل ما عطف عليه وهو قوله: "ولا محرمه"، فلما عطف عليه اسمًا علم أنه اسم لأن الاسم لا يعطف على الفعل، وقد جاء في رواية مالك: "لست بآكله ولا بمحرمه"، وفي ذلك أوفى دليل علم أنه اسم لا فعل بدخول الباء عليه، وقد جاء في رواية الباقين "لست آكله ولا أحرمه"، على أنهما فعلان فجاز عطف الفعل على الفعل، والاسمية في هذا المقام أوقع من الفعلية من وجهين:- أحدهما: أنه مع الاسمية يفيد أنه هو غير متصف بأكله، وأن غيره هو الذي يأكله، كما تقول: لست أنا بالقائم يريد: أن القائم غيري، ولا يوجد هذا المعنى في قولك: لست أقوم، أيفيد إخبارك عن نفسك بنفي القيام في المستقبل، من غير تعرض إلى إثباته لغيرك. والثاني: أنه مع الاسمية يعم جميع الأزمنة: ماضيها وحاضرتها ومستقبلها ومع الفعلية مختص بالاستقبال لا غير. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الضب حلال يجوز أكله، وبه قال مالك

стр. 2580

وأحمد والأوزاعي، وروي عن عمر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يحل أكله. وروري ذلك عن علي -كرم الله وجهه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس. قال الشافعي: أشك أقال مالك: عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد. أو عن ابن عباس وخالد بن المغيرة؟ أنهما دخلا مع النبي ﷺ بيت ميمونة، فأتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال له بعض النسوة التي في بيت ميمونة: أخبرن رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو؟ فقال: "لا, ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد بن المغيرة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن القعنبي. وأما مسلم (٣): فعن يحيى بن يحيى. وأما أبو داود (٤): فعن القعنبي جميعا عن مالك. وقال مسلم مرة: عن ابن عباس، عن خالد. ومرة: عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد.

стр. 2581

وأما النسائي (١): فأخرجه عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي والزهري، عن أبي أمامة، عن ابن عباس، عن خالد. المحنوذ: المشوي، وهو محنوذ وحنيذ. وقيل. هو الذي يشوى على الرضف وهي الحجارة المحماة. وأهوى بيده إلى الشيء: مدها إليه. وعفت الشيء أعافه: إذا كرهته واستقذرته. والاجترار: الجذب والأخذ؛ وهو افتعال من: الجر السحب. وفي هذا الحديث من تأكيد إباحة أكل الضب ما لا خفي به، لأنه قال: أحرام هو؟ قال: "لا" وهذا صريح في النص، وأنه أكله بين يديه ولم ينكر عليه، وأنه ذكر علة امتناعه من أكله وهو: أنه لم يكن بأرض قومه، وإنما قال: فقالوا: هو ضب، لأنه كان في البيت ابن عباس وخالد وهما رجلان، فإذا اجتمع رجال ونساء غلب الرجال على النساء ولذلك لم يقل: فقلن. وإنما دخل ابن عباس وخالد بيت ميمونة لأنها خالتهما. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم وعبد المجيد وعبد الله بن الحارث، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير [عن ابن أبي عمار] (٢) قال: سألت جابر ابن عبد الله عن الضبع: أصيد هي؟ قال: نعم، فقلت: أتؤكل؟ قال: نعم، قلت. أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قد تقدم هذا الحديث في فصل الصيد من كتاب "الحج" وشرحناه هناك ونزيده ها هنا بيانًا. قال الشافعي ﵁: وفي مسألة ابن أبي عمار جابرا: أصيد

стр. 2582

هي؟ قال: نعم، ومسألته أتؤكل؟ قال: نعم. دليل على أن الصيد الذي نهى الله المحرم عن قتله ما كان يحل أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه لا عبثا بقتله، وفيه دلالة على إحلال ما كانت العرب تأكل ما لم ينص فيه خبر تحريم ما كانت تحرمه بما يعدوا على الناس، من قبل أنها لم تزل إلى اليوم تأكل الضبع والثعلب، وتأكل الضبع والأرنب وحمار الوحش، ولم تزل تدع أكل الأسد والنمر والذئب. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر. حديث صحيح المتن، قال البيهقي: إلا أنه في هذه الرواية مرسل، فإن عمرو ابن دينار لم يسمعه من جابر إنما سمعه محمد بن علي بن الحسين، عن جابر. وقد أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر قال: نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل. وأما مسلم (٢): فعن يحيى بن يحيى وقتيبة، عن حماد، عن عمرو. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن عمرو. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن قتيبة ونصر بن علي، عن سفيان مرسلًا. قال الترمذي: كذا روى غير واحد عن عمرو، عن جابر.

стр. 2583

قال: وروى حماد بن زيد، عن عمرو، عن محمد، عن جابر. ورواية ابن عيينة أصح. قال: وسمعت محمدا -يعني البخاري- يقول-: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد. وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة وأحمد بن عبدة، عن حماد، عن عمرو، عن محمد، عن جابر. وأخرجه عن قتيبة عن سفيان، عن عمرو، عن جابر. قوله: "أطعمنا" لم يرد أنه هو عمل لهم طعامًا من لحوم الخيل فأكلوا، إنما يريد أنه أذن في أكل لحوم الخيل فأكلناها، فهو الذي أطعمنا إياها أي: أباح لنا أكلها. ولحوم الحمر: يريد بها الأهلية، ويدل على ذلك في الموضعين روايات باقي الأئمة، فإن بعضهم قال: أذن لنا، وبعضهم قال: رخص لنا. والذي ذهب إليه الشافعي: أن لحوم الخيل حلال أكلها. وبه قال شريح والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يكره كراهة يتعلق بها إثم، ولا نقول إنها محرمة وبه قال مالك. وأما لحوم الحمر الأهلية: فإنها حرام. وبه قالت الجماعة، وحكي عن ابن عباس أنه قال: هي حلال. وأما البغال: فإنها محرمة، وحكي عن الحسن أنه قال: هي حلال.

стр. 2584

وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: نحرنا فرسًا على عهد النبي ﷺ فأكلناه. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. أما البخاري (١): فأخرجه عن إسحاق، عن عبدة. وعن قتيبة، عن جرير. وعن الحميدي، عن سفيان. وعن خلاد بن يحيى، عن سفيان. كلهم عن هشام بن عروة. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن ابن نمير، عن أبيه وحفص بن غياث ووكيع. وعن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية. وعن أبي كريب، عن أبي أسامة كلهم عن هشام. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن عيسى بن أحمد العسقلاني -عسقلان بلخ- عن ابن وهب، عن سفيان، عن هشام. هذا الحديث مؤكد لتحليل لحوم الخيل، وهو صريح في الدلالة لأنها قالت: نحرنا فرسًا فأكلناه، وفيه دليل على أن ما ذبح يجوز أن ينحر. وقد أخرج الشافعي ﵁: عن سفيان، عن عبد الكريم -أبي أمية- قال: أكلت فرسا في عهد ابن الزبير فوجدته حلوا. وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن بني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي -كرم الله وجهه- أن النبي ﷺ نهى عام خيبر عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية.

стр. 2585

هذا حديث صحيح، وقد تقدم ذكره في كتاب النكاح [مشروحًا] (١). قال الشافعي ﵁: ففي هذا الحديث دلالتان -يعني فيما يتعلق بالخبر: إحداهما: تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، والأخرى: إباحة لحوم الحمر الوحشية، لأنه لا صنف من الحمر إلا أهلي أو وحشي، فإذا قصد رسول الله ﷺ بالتحريم قصد الأهلي، ثم وصفه دل على أنه أخرج الوحشي من التحريم، مع أنه قد جاء عن النبي ﷺ إباحة أكل حمر الوحش، أمر أبا بكر ﵁ أن يقسم حمارًا وحشيًا قتله أبو قتادة بين الرفقة، وحدث أبو طلحة أنهم أكلوا معه لحم حمار وحشي. قال البيهقي: قوله: قتله أبو قتادة، زيادة وقعت في الكتاب أو حديث داخل في حديث، فإن الذي قتله أبو قتادة أتى به أصحابه وهم محرمون وهو غير محرم حتى أكلوا منه، والذي أمر أبا بكر بقسمته بين الرفاق وهو في حمار وحشي وجدوه عقيرًا في الروحاء، فقال النبي ﷺ : "دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه" فجاء البهزي -وهو صاحبه- فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر أبا بكر فقسمه بين الرفاق. وهذا الحديث مما لم يسمعه الربيع من الشافعي، ولو كان قرئ عليه لأمر -والله أعلم- بتغييره. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان، عن أبي إسحاق عن ابن أبي أوفى قال: أصبنا حمرًا خارجة من القرية يوم خيبر فنحرناها، فنادى منادي النبي ﷺ [أن اكفؤوا القدور بما فيها فكفأناها وإن القدور لتغلي] (٢). قال أبو إسحاق: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: إنما تلك حمر كانت تأكل القذر.

стр. 2586

وقد أخرج في سنن حرملة أيضًا: عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس قال: جاءَ جاءٍ إلى رسول الله ﷺ فقال، أكلت [الحمر] (١)، ثم جاء في الثانية فقال: أكلت الحمر، ثم جاء في الثالثة فقال: أفنيت الحمر، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى في الناس: أن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الأهلية فإنها رجس، قال: فكفئت القدور وإنها لتفور باللحم. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله سمع ابن عباس يخبر عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن فماتت فيه، فسئل رسول الله ﷺ فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه". أخرجه البخاري (٢): عن الحميدي، عن سفيان. ورواه الحجاج بن المنهال، عن سفيان وزاد فيه: وهو جامد. قال الشافعي ﵁: فدل أمره بأكل ما سواه -يعني في الجامد- على أن ما حولها ما لصق بها دون ما كان دونه مائل على اللصوق. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه أنه استأذن رسول الله ﷺ في إجارة الحجام فنهاه عنه، فلم يزل يسأله ويستأذن حتى قال: "اعلفه ناضحك ورقيقك". وفي نسخة: "أو رقيقك". هذا الحديث أخرجه مالك وأبو داود والترمذي. أما [مالك] (٣) فأخرجه بالإسناد إلا أنه قال: عن ابن شهاب، عن ابن

стр. 2587

محيصة أنه استأذن النبي ﷺ ، فيكون الذي استأذن ابن محيصة وهو سعد، ولم يقل عن ابن شهاب؛ عن محيصة؛ عن أبيه كما أخرجه الشافعي عنه، وفي ذلك نظر لأنه قد رواه ابن شهاب عن سعد ابن محيصة، وإنما رواه الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن حرام، عن سعد. وإن كان عنى بابن محيصة حراما فنسبه إلى جده فلا يصح لأنه يكون قد قال: أن حرامًا استأذن رسول الله ﷺ ، وحرام تابعي والرواية الأولى التي أخرجها الشافعي: عن سفيان فيها عن حرام بن سعد أن محيصة سأل النبي ﷺ ، فيكون قد خالف رواية مالك، لأن الذي سأل النبي ﷺ قد اختلف فيه على ابن شهاب فجعله تارة: سعدًا، وتارة: ابن سعد، وتارة: محيصة. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة. كليهما عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن محيصة، عن أبيه. وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري [عن] (٣) حرام بن سعد، عن محيصة، عن أبيه أن محيصة فذكر بنحوه. وأخرجه المزني أيضًا: عن الشافعي، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ . وأخرجه المزني أيضًا: عن الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن محيصة -أحد بني حارثة- عن أبيه ... الحديث. الكسب: المعاش وطلب الرزق، وأصله الجمع، تقول: كسبت مالاً،

стр. 2588

وكسبتُ زيدًا مالاً. وهذا الفعل أحد ما جاء على فعلته ففعل تقول: كسبته ما فكسب هو. والحجام: معروف وهو فعال من حجمت الرجل أحجمه فأنت حاجم، وحجام للكثرة، والاسم الحجامة، والمحجم -بالكسر-: القارورة التي للحجام. وقوله: "فلم يزل يكلمه" يريد: في المسألة منه والاستفسار عن الحكم فيه. والناضح: البعير الذي يستقي الماء، والأنثى ناضحة، وفلان يسقي بالنضح. والرقيق: اسم يقع على العبيد والإماء، وهو فعيل بمعنى مفعول من الرق أي: مرقوق ويقع على الواحد والجمع. وقوله: مع الرقيق "أطعمه" ومع الناضح: "اعلفه"، لأن الإطعام اسم عام يقع على كل من يأكل، وأما العلف فخاص يقع على الدواب، تقول: علفت الدابة أعلفها علفًا ساكنة اللام والاسم بالفتح، وقد تستعمل في غير الدواب قليلاً كما جاء في الرواية الثانية، قال: "اعلفه ناضحك ورقيقك"، إلا أنه لما أراد أن يجمع بينهما قدم ما هو أولى بالعلف وهو الدواب. والإجارة: فعالة من الأجرة وهي العوض من الانتفاع بالشيء المستأجر والذي ذهب إليه الشافعي: أن كسب الحجام حلال لا بأس به، ولا يحرم على الحر ولا على العبد. وحكي عن بعض أصحاب الحديث: أنه حلال للعبد حرام على الحر لهذا الحديث. وهو مئول على التنزه والكراهة لأنه من المكاسب الدنيئة ولأن حديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجرته، قال: ولو كان حرامًا ما أعطاه، ولو كان حرامًا لم يجز للرقيق أكله لأن الحرام يستوي فيه الحر والعبد. قال الشيخ أبو حامد: يكره للحر سواء كسبه الحر أو العبد، ولا يكره للعبد

стр. 2589

سواء كسبه حر أو عبد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، أخبرنا حميد، عن أنس قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ ، فأمر له بصاع من تمر، وأمره أن يخفف عنه من خراجه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس أنه قيل له: احتجم رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، حجمه أبو طيبة فأعطأه صاعين، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من ضريبته، وقال: "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري لصبيانكم من العذرة ولا تعذبوهم بالغمز". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا النسائي. فأما مالك (١): فأخرج الرواية الأولى إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرج الأولى عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. والثانية: عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله، عن حميد. وأما مسلم (٣): فأخرج الأولى عن أحمد بن الحسن بن خراش، عن شبابة، عن شعبة، عن حميد. وأخرج نحو الثانية: عن ابن أبي عمر، عن مروان الفزاري. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد. وذكر الثانية إلى قوله: "الحجامة".

стр. 2590

وأما أبو داود (١): فأخرج الأولى عن القعنبي، عن مالك. الصاع الذي أمر به النبي ﷺ لأبي طيبة، وأجر حجامته، والخراج، وقد تقدم ذكره. وهو الخراج الذي كان يكون على عبيدهم يكسبون ويؤدونه كل يوم، أو كل شهر. وفي هذا من الفقه: حل كسب الحجام للعبد والحر، وجواز ضرب الخراج على العبيد وحله لمواليهم، لأنه لو لم يكن حلالًا لهم لما أمرهم بالتخفيف منه؛ ولكان منعهم عنه بالكلية. والضريبة والخراج سواء في المعنى كأنها قد ضربها عليه أي: أوجبها وألزمه إياها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. والأمثل: الأجود والأفضل، تقول: فلان أمثل من فلان. والقسط: عقار معروف من عقار البحر. والعذرة: وجع يعرض في الحلق من غلبة الدم. والغَمْز والكبس بالإصبع، يريد: أن القسط ينفع من العذرة فداووهما به ولا تعذبوا صبيانكم بغمز حلوقهم فتؤلموهم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين. هكذا جاء في المسند ذكر الإسناد ولم يذكر المتن، وقد أخرجه المزني (٢): عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة ومحمد بن سيرين، عن ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان خبيثًا لم يعطه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس احتجم رسول الله ﷺ وقال للحجام: "اشكموه".

стр. 2591

هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأما البخاري (١): فأخرجه عن موسى ومعلى بن أسد، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: احتجم وأعطى الحجام أجره واستعط. وفي أخرى: ولو يعلم كراهية لم يعطه. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر، عن عفان. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن المخزومي، عن وهيب، عن ابن طاوس. مثل البخاري. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن خالد عن عكرمة، عن ابن عباس. وذكر رواية المزني. الخبيث: الحرام. والشكم: الجزاء، تقول منه: شكمته أشكمه شكمًا بالفتح، والاسم بالضم، فإذا كان العطاء ابتداء فهو الشكد بالدال عوض الميم. قال الأصمعي: الشكم والشكد: العطية، والاستعاط: افتعال من السعوط وهو ما يتداوى به في الأنف أسعطته فاستعط. واللام في قوله: "للحجام" لام أجل، أي: قال لأجل الحجام اشكموه، وليس القول منه واقعًا مع الحجام؛ وإنما هو مع أهل النبي ﷺ ومن أمره بعطاء الحجام أجرته، التقدير: وقال: اشكموا الحجام، فلما قدم الحجام على الفعل أدخل عليه اللام؛ لتخصيص أن الشكم راجع إليه ومخصوص به وزيادة في البيان.

стр. 2592

قال الشافعي ﵁: وليس في شيء من هذه الأحاديث مختلف ولا ناسخ ولا منسوخ؛ فإنهم قد أخبروا قد رخص لمحيصة أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه، ولو كان حرامًا لم يجز رسول الله ﷺ لمحيصة أن يملك حرامًا ولا يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه، ورقيقه ممن عليه فرض الحلال والحرام، ولم يعط حجامًا على الحجامة إلا ما يحل له أن يعطيه وما يحل لمالكه ملكه. والمعنى في نهيه عنه وإرخاصه في أن يطعمه الناضح والرقيق: أنه من المكاسب دنيًّا وحسنًا، فكان كسب الحجام دنًّيا فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه، فلما زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه تنزيهًا له ولا تحريمًا عليه. وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن عبد الله بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: كسب الحجام من السحت. أورده فيما ألزم العراقيين من خلاف علي. قال: وليسوا يأخذون بهذا. قال: ونحن نروي عن النبي ﷺ أنه أعطى الحجام أجره، ولو كان سحتًا لم يعطه إياه. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه أنه سمع عثمان ابن عفان يقول في خطبته: لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلفتموه الكسب سرق، ولا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب، فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها. والله أعلم. ***

стр. 2593

كتاب السبق والرمى أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، [عن ابن أبي ذئب] (١)، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو خف". وأخبرنا الشافعي: عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا سبق إلا في حافر أو خف". هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. فأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن ابن أبي ذئب. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أبي كريب، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب. السَبَق بفتح الباء: الجعل الذي يقع السباق عليه، وبسكونها المصدر سبقت أسبق سبقًا، قالوا: والرواية الصحيحة في هذا الحديث بالفتح، يريد: أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في هذه الأشياء، ويجوز بالسكون أي: لا يسابق إلا بين هذه الأشياء المثلثة. والنصل: يريد به: السهم، فكنى عنه ببعضه لأن النصل: الحديدة التي

стр. 2594

تجعل في السهم. فأما الخف: فإنه يريد به: الإبل. والحافر يريد به: الخيل، فكنى ببعض أعضائه عنها. وهذا على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: ذو نصل، وذو خف، وذو حافر. وقوله: "لا سبق" بالنفي العام المشتمل على معنى النهي؛ فيه دليل على حصر السبق في هذه الأشياء الثلاثة، وأنه لا يجوز أن يسابق بين غيرها. هذا في الرواية الأولى. وقد أسقط النصل في الرواية الثانية: فلأن حقيقة السباق إنما يكون بن ذوات الروح كالخيل والإبل، وما من شأنه أن يعدو ويسبق الآخر، وإن كان استعمال هذا المعنى في غير الحيوانات؛ فإنما هو على سبيل المجاز والاتساع، فذكر في الرواية الثانية ما هو حقيقة في بابه؛ وأضاف في الأولى إليه ما هو مجاز في بابه، ويجوز أن يكون قد قال أحد الحديثين فحصر الحديث الجائز في الحافر والخف وأضاف إليه النصل (١). قال أهل اللغة: النصل في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق فيهما. وتفصيل المذهب: أن السهام عبارة عن النشاب والنبل، وقد أضيف إليهما كل ما ينكأ العدو نكايتهما كالمزراق (٢) والمروتين، والرمح والسيف. وقال قوم: لا يجوز إلا بهما. وبه قال أحمد. والأول أولى لاشتراكهما في أن لها نصلاً، والخبر إنما قال: "نصل" ولم يفصل.

стр. 2595

وأما الخف: فيجوز المسابقة على الإبل وفي الفيل خلاف. وأما الحافر: فالذي نقله المزني عنه: أنه الخيل خاصة. وقال غير المزني: الحافر: الخيل والبغال والحمير. فالمسألة على قولين عند بعضهم، والمنصوص الجواز عليهما لعموم الخبر في الحافر. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سبَّق بين الخيل التي أضمرت. هكذا جاء في المسند. وقد أخرج المزني، عن الشافعي بهذا الإسناد أنه سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، فكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. وأخرج المزني أيضًا: عنه، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر. وذكر نحو الثانية. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرج رواية المزني وزاد في آخرها: وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن محمد، عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن نافع وزاد في حديثه: فقلت لموسى: وكم بين ذلك؟ فقال: ستة أميال أو سبعة. وقال في غير المضمرة: ميل أو نحوه. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك.
следующие страницы →