← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأما البخاري (١): فأخرجه عن موسى ومعلى بن أسد، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: احتجم وأعطى الحجام أجره واستعط. وفي أخرى: ولو يعلم كراهية لم يعطه. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر، عن عفان. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن المخزومي، عن وهيب، عن ابن طاوس. مثل البخاري. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن خالد عن عكرمة، عن ابن عباس. وذكر رواية المزني. الخبيث: الحرام. والشكم: الجزاء، تقول منه: شكمته أشكمه شكمًا بالفتح، والاسم بالضم، فإذا كان العطاء ابتداء فهو الشكد بالدال عوض الميم. قال الأصمعي: الشكم والشكد: العطية، والاستعاط: افتعال من السعوط وهو ما يتداوى به في الأنف أسعطته فاستعط. واللام في قوله: "للحجام" لام أجل، أي: قال لأجل الحجام اشكموه، وليس القول منه واقعًا مع الحجام؛ وإنما هو مع أهل النبي ﷺ ومن أمره بعطاء الحجام أجرته، التقدير: وقال: اشكموا الحجام، فلما قدم الحجام على الفعل أدخل عليه اللام؛ لتخصيص أن الشكم راجع إليه ومخصوص به وزيادة في البيان.

стр. 2592

قال الشافعي ﵁: وليس في شيء من هذه الأحاديث مختلف ولا ناسخ ولا منسوخ؛ فإنهم قد أخبروا قد رخص لمحيصة أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه، ولو كان حرامًا لم يجز رسول الله ﷺ لمحيصة أن يملك حرامًا ولا يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه، ورقيقه ممن عليه فرض الحلال والحرام، ولم يعط حجامًا على الحجامة إلا ما يحل له أن يعطيه وما يحل لمالكه ملكه. والمعنى في نهيه عنه وإرخاصه في أن يطعمه الناضح والرقيق: أنه من المكاسب دنيًّا وحسنًا، فكان كسب الحجام دنًّيا فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه، فلما زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه تنزيهًا له ولا تحريمًا عليه. وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن عبد الله بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: كسب الحجام من السحت. أورده فيما ألزم العراقيين من خلاف علي. قال: وليسوا يأخذون بهذا. قال: ونحن نروي عن النبي ﷺ أنه أعطى الحجام أجره، ولو كان سحتًا لم يعطه إياه. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه أنه سمع عثمان ابن عفان يقول في خطبته: لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلفتموه الكسب سرق، ولا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب، فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها. والله أعلم. ***

стр. 2593

كتاب السبق والرمى أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، [عن ابن أبي ذئب] (١)، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو خف". وأخبرنا الشافعي: عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا سبق إلا في حافر أو خف". هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. فأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن ابن أبي ذئب. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أبي كريب، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب. السَبَق بفتح الباء: الجعل الذي يقع السباق عليه، وبسكونها المصدر سبقت أسبق سبقًا، قالوا: والرواية الصحيحة في هذا الحديث بالفتح، يريد: أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في هذه الأشياء، ويجوز بالسكون أي: لا يسابق إلا بين هذه الأشياء المثلثة. والنصل: يريد به: السهم، فكنى عنه ببعضه لأن النصل: الحديدة التي

стр. 2594

تجعل في السهم. فأما الخف: فإنه يريد به: الإبل. والحافر يريد به: الخيل، فكنى ببعض أعضائه عنها. وهذا على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: ذو نصل، وذو خف، وذو حافر. وقوله: "لا سبق" بالنفي العام المشتمل على معنى النهي؛ فيه دليل على حصر السبق في هذه الأشياء الثلاثة، وأنه لا يجوز أن يسابق بين غيرها. هذا في الرواية الأولى. وقد أسقط النصل في الرواية الثانية: فلأن حقيقة السباق إنما يكون بن ذوات الروح كالخيل والإبل، وما من شأنه أن يعدو ويسبق الآخر، وإن كان استعمال هذا المعنى في غير الحيوانات؛ فإنما هو على سبيل المجاز والاتساع، فذكر في الرواية الثانية ما هو حقيقة في بابه؛ وأضاف في الأولى إليه ما هو مجاز في بابه، ويجوز أن يكون قد قال أحد الحديثين فحصر الحديث الجائز في الحافر والخف وأضاف إليه النصل (١). قال أهل اللغة: النصل في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق فيهما. وتفصيل المذهب: أن السهام عبارة عن النشاب والنبل، وقد أضيف إليهما كل ما ينكأ العدو نكايتهما كالمزراق (٢) والمروتين، والرمح والسيف. وقال قوم: لا يجوز إلا بهما. وبه قال أحمد. والأول أولى لاشتراكهما في أن لها نصلاً، والخبر إنما قال: "نصل" ولم يفصل.

стр. 2595

وأما الخف: فيجوز المسابقة على الإبل وفي الفيل خلاف. وأما الحافر: فالذي نقله المزني عنه: أنه الخيل خاصة. وقال غير المزني: الحافر: الخيل والبغال والحمير. فالمسألة على قولين عند بعضهم، والمنصوص الجواز عليهما لعموم الخبر في الحافر. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سبَّق بين الخيل التي أضمرت. هكذا جاء في المسند. وقد أخرج المزني، عن الشافعي بهذا الإسناد أنه سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، فكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. وأخرج المزني أيضًا: عنه، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر. وذكر نحو الثانية. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرج رواية المزني وزاد في آخرها: وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن محمد، عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن نافع وزاد في حديثه: فقلت لموسى: وكم بين ذلك؟ فقال: ستة أميال أو سبعة. وقال في غير المضمرة: ميل أو نحوه. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك.

стр. 2596

وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن محمد بن الوزير، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان [عن] (٣) عبيد الله بن عمر، عن نافع. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. قوله: "سبق" هكذا جاء في هذه الرواية بالتشديد وهو بمعنى سابق. قال: الأزهري: يقال: سبق: إذا أخذ السبق، وإذا أعطى السبق فهذا من الأضداد. قال: تقول العرب للذي يسبق من الخيل: سابق وسبوق، وإذا كان يسبق فهو مسبق، قال الفرزدق:- من المحرزين المجد يوم رهانه ... سبوق إلى الغايات غير مسبق فعلى هذا يكون معنى سبق بين الخيل: أي طلب أيها يكون مسبقا أي: مسبوقًا، وهذا أيضًا موجود في سابق، فإن المسابقة إنما تراد ليعلم السابق من المسبوق. والضُمْرُ والضُمُرُ مثل: العسر والعسر: الهزال وخفة اللحم وقد ضمر الفرس بالفتح يضمر ضمورًا، وضمر -بالضم- لغة فيه، وأضمرته أنا فضمرته تضميرًا فأضمر هو، وتضمير الفرس قيل: هو أن يعلفه حتى يسمن ثم يرده إلى القوت وذلك في أربعين يومًا، وهذه المدة تسمى المضمار، والموضع الذي يضمر فيه الخيل يسمى أيضًا: مضمارًا.

стр. 2597

قال الأزهري: الضمر من الهزال ولحوق البطن. قال: والضمار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل فيه، وقد يكون للضمار وقتًا للأيام التي يضمر فيها الخيل للسباق، أو الركوض إلى العدو. قال: وتضميرها: أن يشد عليها سروجها ويجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها؛ فيذهب رهلها ويشتد لحمها؛ ويحمل عليها غلمان خفاف يجرونها البردين بكرة وعشية ولا يعنفون بها، فإذا أضمرت واشتدت لحومها أمن عليها القطع عند حضرها ولم يقطعها الشد. فذلك التضمير الذي يعرفه ويسمونه مضمارًا وتضميرًا. والله أعلم. وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن حميد، عن أنس قال: كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمى العضباء وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجوههم فقالوا: يا رسول الله ﷺ : سبقت العضباء، فقال رسول الله ﷺ : "حق على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه". وأخرج المزني عنه أيضًا: عن سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: سابقت رسول الله ﷺ فسبقته، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني. كذا رواه ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه. وخالفه أبو أسامة فرواه عن هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة. والله أعلم. ***

стр. 2598

كتاب الأيمان أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله. هكذا أخرجه في كتاب خلاف مالك (١)، وأخرجه في كتاب "الأيمان" عن سفيان، عن عمرو [عن] (٢) ابن جريج، عن عطاء قال: ذهبت أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة [وهي] (٢) معتكفة [في] (٢) بثير فسألناها عن قول الله -تعالى- ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾؟ قالت: هو لا والله، وبلى والله. هذا حديث صحيح، أخرجه مالك والبخاري وأبو داود. فأما مالك (٣): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٤): فأخرجه عن ابن المثنى، عن يحيى، عن هشام بالإسناد قلت: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾ (٥) قالت: هو لا والله، وبلى والله. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن حميد بن مسعدة، عن حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم، عن عطاء [في] (٧) اللغو في اليمين قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ [قال:] (٧) هو كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله. قال أبو داود: روى هذا الحديث داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، وكذلك رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول كلهم عن عطاء، عن عائشة موقوفًا.

стр. 2599

وقال مالك بن أنس: أحسن ما سمعت في ذلك: أن اللغو حلف الإنسان في الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه. قال: والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب، ليرضي به أحدًا، أو يعتذر لمخلوق، أو يقتطع به مالاً فهذا أعظم [من] (١) أن تكون فيه كفارة. قال: وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله أو يفعله ثم لا يفعله، مثل: إن حلف لا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بذلك، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه. قال الشافعي ﵁: اللغو في لسان العرب: هو الكلام غير المعقود عليه فيه، وما وقع منه من غير قصد. قال: فكانت عائشة أولى أن تتبع لأنها أعلم باللسان مع علمها بالفقه. وقال أبو حنيفة: لغو اليمين: هو الحلف على الماضي من غير أن يقصد الكذب في يمينه. وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وحكى أصحاب مالك عنه أنه قال: هي اليمين الغموس. فعلى ما قلناه من مذهب الشافعي؛ أن اللغو في اليمين يقع على الماضي، والمستقبل، وما جرى على لسانه من غير قصد؛ إلا أن يكون بالطلاق أو العتاق؛ فيلزمه في الحكم ولا يقبل قوله أنه لم يقصد ذلك. وقد أخرج الشافعي في كتاب حرملة (٢): عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع سمع ابن عمر يقول: أدرك رسول الله ﷺ عمر في بعض أسفاره وهو يقول: وأبي، وأبي، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن

стр. 2600

تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". وأخرجه الربيع عنه بإسناده مثله، وهو حديث صحيح. وأخرجه أيضًا الربيع: عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ [عمر] (١) يحلف بأبيه فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، قال عمر: والله ما حلفت بها بعد ذاكرا ولا آثرا. معنى آثرا: أي: حاكيًا وراويًا عن أحد أنه حلف بأبيه. وأخرج المزني (٢): عن الشافعي، عن سفيان [عن] (٣) أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بيمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى". رواه وهيب بن خالد وعبد الوارث وحماد بن سلمة وابن علية، عن أيوب مرفوعًا، ثم شك أيوب في رفعه فتركه. قاله حماد بن زيد: ورواه مالك وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وأخبرنا الشافعي قال: أخبرني عبد الله بن مؤمل، عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس من الطائف في جارتين -وفي نسخة جاريتين- ضربت إحداهما الأخرى ولا شاهد عليها؟ وكتب إليَّ: احبسهما بعد العصر ثم اقرأ عليهما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٤)، ففعلت، فاعترفت. هذا الحديث مسوق لبيان تغليظ اليمين بالزمان، وأن حكم النساء فيه حكم الرجال، وتغليظ اليمين يكون بأربعة أشياء: بالزمان، والمكان، واللفظ، والعدد:

стр. 2601

فأما تغليظ الزمان: فهو أن يؤخر الاستحقاق لها بعد صلاة العصر أخذًا بقوله -تعالى-: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، جاء في التفسير أنها صلاة العصر، ومعنى الحبس: الصبر والتأخير. وفيه من الفقه: أن المتداعيين إذا لم يكن لكل واحد منهما بينة فإنهما يتحالفان. وقوله: "اقرأ عليهما الآية" فيه تخويف وتحذير من اليمين الفاجرة، والحلف على الباطل، ولذلك لما خوفها بالآية اعترفت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن [هاشم بن] (١) هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن نسطاس، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة؛ تبوأ مقعده من النار". هذا الحديث أخرجه مالك وأبو داود. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد قال: "من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار". وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن هاشم ابن هاشم بالإسناد. وذكر الحديث وزاد فيه بعد قوله: "آثمة ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار". أثم الرجل يأثم إثمًا فهو آثم، وأثيم وأثوم: إذا أذنب، الإثم الذنب. وقوله: "بيمين آثمة" هذا على طريق المجاز، وإنما الآثم الحالف ولكن لما كانت اليمين الكاذبة هي سبب إثم الحالف بها، جاز أن يوصف بها مجازًا، تقول: ليل نائم، ونهار صائم. ويدل على ذلك رواية مالك: "من حلف على

стр. 2602

منبري آثما" فجعل الإثم صفة للحالف وهو نصب على الحال، فمعنى قوله: "بيمين آثمة" أي: بيمين كاذبة. والتبوء: اتخاذ الموضع منزلاً، من المباءة المنزل، تقول: تبوأت هذه الدار منزلاً، أي: اتخذها مقامًا. والمقعد: موضع القعود. وفي ذكر المنبر نهاية في تأكيد اليمين، لأنا قد قلنا: إن تغليظ اليمين يكون بالزمان، والمكان، واللفظ، والعدد. والزمان تقدم ذكره. وأما المكان: فإن كان بمكة: فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة: فعلى منبر رسول الله ﷺ أو عنده. عملًا بالروايتين، فإن رواية مالك: "على المنبر"، ورواية أبي داود: "عند المنبر"، وإن كان ببيت المقدس: فعند الصخرة، وإن كان فيما عدا ذلك من البلاد: ففي جوامعها، وعند المنبر وغيره سواء. وقال أبو حنيفة: لا تغلظ في الزمان والمكان. وقال مالك (١): لا أرى أن يحلف أحد على المنبر على أقل من ربع دينار وذلك ثلاثة دراهم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن داود بن الحصين أنه سمع أبا غطفان بن طريف المُري قال: اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع إلى مروان بن الحكم في دار، فقضى باليمين على زيد بن ثابت على المنبر، فقال زيد: أحلف له مكاني، فقال مروان: لا والله، إلا عند مقاطع الحقوق، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك. قال مالك: كره زيد صبر اليمين.

стр. 2603

هذا حديث صحيح، أخرجه مالك (١) بالإسناد المذكور في الموطأ، وزاد في ذكر مروان: وهو أمير المؤمنين على المدينة. وأخرج البخاري هذا الحديث في ترجمة باب من كتاب اليمين. قوله: "عند مقاطع الحقوق" يريد: مفاصلها؛ والموضع الذي يبت أمرها عنده ويقطع الحكم فيها لديه؛ وذلك لأنه مجلس رسول الله ﷺ والموضع الذي كان يحلف فيه الناس. وأما امتناع زيد من الحلف على المنبر: فيشبه أن يكون تعظيمًا لشأنه، وهربًا من التسرع إلى اليمين عليه، خوفًا أن يصادف ذلك قضاء فيظن أنه كذب في يمينه، فحلف به القضاء حيث حلف على منبر رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان يعلم أن اليمين على المنبر تغليظ لها وليس بواجب عليه، ومروان كان يظن ذلك أو يراه واجبًا, ولم يكن تنبه لغرض زيد في امتناعه، وهو ما ذكرناه من تعظيم أمر المنبر وخوفه، فلذلك كان يعجب من امتناعه لأنه أمر خفي عليه سببه، وقد قال مالك في آخر الحديث: كره زيد صبر اليمين، أي: حبسه ووقوفه لها وإلزامه بها في هذا الموضع الشريف بمشهد من الناس، فإن طلوعه إلى المنبر وحلفه عليه يشهد من أمره ما كان يخفى على أكثر الحاضرين؛ ويراه من لم يره لو حلف مكانه، تقول: صبر الحاكم فلانًا على اليمين، أي ألزمه بها ووقفه في مكانه ليحلف بها. وقد أخرج الشافعي ﵁: عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله". قال ابن شهاب: ولم يبلغني أنه ذكر وضوءًا.

стр. 2604

أخرجه الشافعي في باب: ما ينقض الوضوء (١)، قال: لا وضوء من كلام وإن عظم ولا ضحك في صلاة ولا غيرها، واحتج بهذا الحديث. وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣). أراد بالكلام العظيم: الحلف باللات والعزى. وأخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين سمعا أبا وائل يخبر عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان"، ثم قرأ علينا النبي ﷺ من كتاب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ (٤) الآية. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦). وأخرج المزني أيضًا: عن الشافعي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن معبد بن كعب [عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك] (٧)، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار"، قالوا: وإن كان [شيئًا] (٨) يسيرا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك" قالها ثلاثا. وفي أخرى: عن ابن عيينة، عن محمد بن إسحاق، عن معبد وقال: "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان"، قيل: يا رسول الله، وإن كان [شيئًا] (٨) يسيرا؟ قال: "وإن كان سواكا من أراك". حديث صحيح، أخرجه مسلم (٩).

стр. 2605

وأخبرنا الشافعي ﵁، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: من حلف على يمين فوكدها، فعليه عتق رقبة. أورده الشافعي في كتاب خلاف مالك، فيما ألزم أصحابه من خلاف ابن عمر، وهو طرف من حديث قد أخرجه مالك في الموطأ (١) بالإسناد أن ابن عمر كان يقول: من حلف بيمين فوكدها ثم حنث فعليه: عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف بيمين فلم يؤكدها ثم حنث فعليه: إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وفي أخرى: أنه يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة، وكان يعتق المراد إذا وكد اليمين. قوله: "من حلف على يمين" يريد بيمين فأقام على مقام الباء، أو أنه سمى المحلوف عليه -يمينًا مجازًا. والحنث: نقض اليمن وفعل ما حلف أن لا يفعله، أو ترك ما حلف أن يفعله. وتأكيد اليمين: تحقيقها والجزم بها وعقد القلب عليها، وذلك بخلاف لغو اليمين. والذي ذهب إليه الشافعي في كفارة اليمين: أنها كفارة مخيرة بين: الإطعام، والعتق فإن لم يجد واحدًا منهما عدل إلى الصوم وليس في الكفارات ما جمع بين التخيير والترتيب؛ إلا كفارة اليمين والكفارة التي تجب بنذر اللجاج، وتحريم الزوجة.

стр. 2606

كتاب النذور أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله -تعالى- فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله -تعالى- فلا يعصه". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. فأما البخاري (١): فأخرجه عن أبي نعيم. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة. كلهم عن مالك. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن الحسن الخلال، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن طلحة بن عبد الملك. والذي ذهب إليه الشافعي: أن النذر على ضربين:- نذر لجاج وغضب، ونذر طاعة وبر. فأما نذر اللجاج: فهو أن يخرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره بالنذر شيئًا أو يحثها على شيء، مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا فعلي كذا وكذا، وإن دخلت الدار فمالي صدقة. وهذا يسمى نذر اللجاج، وهو مخير فيه: بين أن يفي بما أوجب على نفسه، وبين أن يكفر كفارة يمين. ومن أصحاب الشافعي من يقول: الواجب الكفارة.

стр. 2607

والمذهب الأول، وروي مثله عن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة، وإليه ذهب طاوس والحسن البصري وعبيد الله بن الحسن العنبري وشريك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: تلزمه الصدقة بالمال، وإن كان غير المال لزمه فعله. وقال مالك: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله. وإليه ذهب الزهري. وقال ربيعة: يلزمه أن يتصدق من ماله بقدر الزكاة. وفيه أقوال للعلماء غير هذا. وأما نذر الطاعة والبر فضربان:- أحدهما: ما لزم نفسه في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها، مثل أن يقول: إن شفى الله مريض فلله علي كذا وكذا، وإن قدم غائبي فلله على كذا وكذا، فمتى اندفع ما استدفعه، أو وجد ما استجلبه لزمه ما ألزم نفسه. والضرب الثاني: ما يلزمه بغير عوض، مثل أن يقول: لله علي أن أتصدق بكذا وكذا، أو أصلي كذا وكذا، ظاهر المذهب أنه يلزمه، وبه قال أهل العراق. وحكى عن بعض أصحاب الشافعي أنهم قالوا: لا يلزمه شيء. وأما نذر المعصية: فلا يلزمه شيء من الوفاء به ولا ببعضه. وحكى الربيع: أنه يلزمه به كفارة يمين. قال أصحاب الشافعي: هذا من كيس الربيع وليس بمذهب الشافعي. وقال مالك بقول الشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا نذر في معصية فكفارته كفارة يمين، واستدلوا بحديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا

стр. 2608

نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". وهذا الحديث لو صح لكان القول به واجبًا، والضمير إليه لازما إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب، وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة فحمله عنه الزهري وأرسله عن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير، والحديث فيما قاله أحمد بن حنبل حديث ابن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين. ومحمد بن الزبير هو الحنظلي، وأبيه مجهول لا يعرف، فالحديث من طريق الزهري مقلوب، ومن هذا الطريق فيه رجل مجهول والاحتجاج به ساقط. قال الشافعي ﵁: ومن نذر نذرا في معصية لم يكن عليه قضاؤه ولا كفارة، وذلك أن يقول: لله علي إن شفى فلانًا أن أنحر ابني، أو أفعل كذا، من الأمر الذي لا يحل له أن يفعله. قال: وإنما أبطل الله النذر في البحيرة والسائبة لأنها معصية؛ ولم يكن في ذلك كفارة وبذلك جاءت السنة، ثم ذكر حديث عائشة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة وعبد الوهاب بن عبد المجيد، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن أبي قلابة، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: "لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم". قال الشافعي ﵁: وكان في حديث عبد الوهاب بهذا الإسناد أن امرأة من الأنصار نذرت وقد هربت على ناقة رسول الله ﷺ . إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فقال النبي ﷺ هذا القول، فأخذ ناقته ولم يأمرها بأن تنحر مثلها ولا تكفر. قال: فبذلك نقول أن من نذر تبررًا أن ينحر مال غيره، فهذا نذر فيما لا يملك فالنذر ساقط عنه. والله أعلم.

стр. 2609

وقد تقدم في باب الجهاد حديث عمران بن حصين بطوله، الذي هذا القدر طرف منه يتعلق بالنذر فذكرناه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس "أن النبي ﷺ مر بأبي إسرائيل وهو قائم في الشمس، فقال: "ما له"؟ فقالوا: نذر أن لا يستظل، ولا يقعد، ولا يكلم أحدًا، ويصوم، فأمره النبي ﷺ أن يستظل، ويقعد، ويكلم الناس، ويتم صومه ولم يأمره بكفارة". هذا حديث صحيح، أخرجه الشافعي هكذا مرسلاً، وقد أخرجه مالك والبخاري وأبو داود. أما مالك (١): فأخرجه منقطعًا عن حميد بن قيس وثور بن زيد الديلي، عن النبي ﷺ ، قال: وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه وذكر نحوه. وأما البخاري (٢): فأخرجه مسندًا عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، يعني مرسلًا. وأما أبو داود (٣): فأخرجه مسندًا بإسناد البخاري. قد تضمن نذر هذا الرجل أمرين: نذر طاعه، ونذر معصية، فأمره النبي ﷺ بالوفاء بما كان منهما طاعة وهو الصوم، وأن يترك ما ليس بطاعة من: القيام في الشمس، وترك الكلام، والقعود. وذلك لأن هذه الأمور شاقة تتعب البدن وتؤذيه، وليس في شيء منها قربة إلى الله -سبحانه- وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان، عن أبي الزناد، عن

стр. 2610

الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ . وعن ابن عجلان، عن ابن المقبري (١)، عن أبي هريرة -يزيد أحدهما على صاحبه- قال: قال الله ﵎: "إن النذر لا يأتي على ابن آدم شيئًا لم أقدره عليه [وإنما هو شيء أستخرج به من البخيل يؤتيني عليه] (٢) ما لا يؤتيني على البخل". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عروة بن أذينة قال: خرجت مع جدة لي عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كانت ببعض الطريق عجزت فسألت عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: مرها فلتركب ثم تمشي -وفي رواية: ثم لتمش من حيث عجزت. قال مالك: وعليها هدي. هذا حديث صحيح، أخرجه مالك (٥) في الموطأ بالإسناد إلا أنه قال: فأرسلت مولى لها يسأل ابن عمر فخرجت معه، فسأل ابن عمر فقال: مرها وذكر الحديث. قوله: "عليها مشي" يريد: أنها نذرت أن تمضي إلى بيت الله -تعالى- ماشية. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ إن نذر المشي إلى بيت الله الحرام انعقد نذره.

стр. 2611

وفي لزوم المشي قولان بناء على أن الأفضل هو الركوب أو المشي؟ قال ذلك الغزالي. وقال ابن الصباغ: يلزمه أن يمشي إليه حاجًا أو معتمرًا، لأن المشي ليس بقربة إلا أن يكون للحج أو العمرة، فإذا أطلقه حُمِل على المعهود الشرعي ولزمه أن يأتيه ماشيًا، والمشي إلى العبادة أفضل، فإن ركب فلا يخلو أن يكون من عذر أو من غير عذر، فإن كان من غير عذر فقد أساء وعليه دم، وإن كان من عجز فله الركوب؛ وفي وجوب الدم عليه قولان. وحكى الغزالي عن الشافعي قال: لو ركب في بعض الطريق ومشى في بعض، قال الشافعي: مشى حيث ركب وركب حيث (١). قال: وهذا تفريع على لزوم القضاء، فكأنه وقع الحج الأول عنه وبقي المشي الواجب، فلم يمكن قضاؤه مفردًا فقضى بالحج له وكفاه بعض المشي لذلك، وهذا معنى قوله: مرها فلتركب، ثم تمشي من حيث عجزت، يريد: مشيها في القضاء. والله أعلم. ...

стр. 2612

كتاب القضاء وما يتعلق به من: آداب القاضي، والدعاوي، والبينات والشهادات . وفيه ستة فصول:- الفصل الأول في آداب القضاء أخبرنا المزني في الجامع (١): عن الشافعي قال: أخبرنا الثقة، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين" هذا لما فيه من الخطر، ولذلك كره من كره التسرع إلى طلبه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحكم الحاكم - ولا يقضي القاضي- بين اثنين وهو غضبان". هكذا أخرجه في كتاب "أحكام القرءان"، وعاد أخرجه في كتاب "أدب القاضي" (٢) بالإسناد وقدم ذكر القضاء على الحكم. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (٣): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن عبد الملك، عن عبد الرحمن قال: كتب أبو بكرة إلى ابنه -وكان بسجستان-: أن لا تقض بين

стр. 2613

اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان". وأما مسلم (١): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة. وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم. وعن شيبان، عن حماد بن سلمة. وعن أبي بكر، عن وكيع، عن سفيان. وعن ابن المثنى، عن غندر. وغير هؤلاء كلهم عن عبد الملك بن عمير. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن عبد الملك. وأما الترمذي (٣) والنسائي (٤): فأخرجاه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن عبد الملك. والذي جاء في روايات هذا الحديث على اختلافها، بحكم الحاكم أو لا يقضي بالشك، وجاء في رواية أخرى: "لا يحكم الحاكم ولا يقضي" فجمع بينهما. وجاء في رواية أخرى: "لا يقضي القاضي" بغير شك، فأما الشك فإنما يكون الراوي الأول أن النبي ﷺ قال: "الحاكم أو القاضي" والمعنى فيهما سواء. فأما الجمع بين اللفظين وإن كان القاضي والحاكم في أصل الوضع بمعنى، وهو: من يمضي الحكم على الناس وينفذ أمره، فإن الاستعمال وكثرته قد خصص اسم القاضي [لمن] (٥) ينتصب لفصل الأحكام الشرعية، كالنكاح،

стр. 2614

والطلاق، والبيع، والشراء، والديون، والدعاوى، والبينات، وإثبات السجلات، وبقي اسم الحاكم مشتركًا بين القضاء والإمارة، فإذا قيل: فلان قاضي البلد، فلا يراد به السلطان والأمير، وإذا قيل: حاكم البلد، أجاز العرف والاستعمال إضافته إلى كلا الرجلين. والله أعلم. والشافعي ﵀ استدل بهذا الحديث على تثبت الحاكم في حكمه قال: قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) الآية، فأمر الله من يمضي أمره على أحد من عباده، أن يكون متثبتا قبل أن يمضيه، ثم أمر رسول الله ﷺ في الحكم خاصة أن لا يحكم الحاكم وهو غضبان، لأن الغضب مخوف على أمرين:- أحدهما: قلة التثبت، والآخر: أن الغضب قد يتغير معه العقل، ويقدم به صاحبه على ما لم يقدم عليه لو لم يكن غضب. وتفصيل المذهب: أنه يكره للقاضي أن يقضي وهو غضبان، وكل ما هو جاري مجرى الغضب فله حكمه مثل: الجزع الشديد، والعطش الشديد، والهم الشديد، والفزع الشديد، ومدافعة الأخبثين لأن هذه الأشياء تمنع التثبت في الحكم، وإن حكم في هذه الأحوال نفذ حكمه. وأخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ علمني كلمات أعيش بهن، ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله ﷺ : "لا تغضب". هكذا جاء مرسلًا عن مالك، ورواه معمر، عن الزهري، عن حميد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . وأخرجه البخاري (٢) من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة.

стр. 2615

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . قال الشافعي: وقال الله : ﴿وأمرُهُم شُورَى بينهُمْ﴾ (١). قال: وقال الحسن: إن كان رسول الله ﷺ عن مشاورتهم لغنيا, ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده. قال: وإنما أمر به -يعني الحاكم- بالمشورة: لأن المشير ينبهه لما يغفل، ويدله من الأخبار على ما لعله أن يجهله، فأما أن يقلد مستنيرًا فلم يجعل الله هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ . وبيان تفصيل المذهب: أن الحاكم إذا أراد أن ينفذ حكمًا ثابتًا بالكتاب والسنة والإجماع لم يحتج فيه إلى المشاورة، وإن كان حكمًا بالاجتهاد فيستحب له أن يشاور اقتداءً برسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ومن بعدهما من الأئمة، ولا يشاور إلا أمينًا، عالمًا بالكتاب والسنة والآثار، وأقاويل الناس، ولسان العرب، ولا يقبل منه وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه. والشورى: مصدر بمعنى التشاور، والتقدير: وأمرهم بينهم ذو شورى. ...

стр. 2616

الفصل الثاني في اجتهاد الحاكم أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن [يزيد] (١) بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد. فحدث بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. هكذا أخرجه في كتاب "الرسالة" (٢) عند ذكر الاجتهاد، وعاد أخرجه في كتاب "جماع العلم" إسنادًا ولفظًا. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن يزيد، عن حيوة، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد بالإسناد. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن عبد العزيز. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن عبيد الله بن عمرو بن ميسرة، عن عبد العزيز.

стр. 2617

الاجتهاد: افتعال من الجهد: الوسع والطاقة، أي أنه أعمل فكره ووسعه في الوقوف على حقيقه هذه الحال؛ التي يريد فصلها والحكم فيها. ومنه المجتهد: وهو العالم الذي يجتهد في [الأحكام] (١) العامة والخاصة، فاسم المجتهد المطلق لا يراد به إلا: الناظر في الأحكام الكلية والجزئية من أحكام الشرع أصلاً وفرعًا. والمجتهد الخاص: هو الناظر في مسألة بعينها على الخصوص. وقوله: "فأصاب" يريد: وجد الحق الذي طلبه باجتهاده، ولذلك قابله بالخطأ الذي هو ضد الصواب. والناس في هذه المسألة مختلفون على طريقين:- فمنهم من قال: كل مجتهد في الظنيات مصيب. ومنهم من قال: المصيب واحد والباقون مخطئون، إلا أنهم مثابون على الاجتهاد لا على الخطأ الذي أوصله الاجتهاد إليه. ولذلك قال في المصيب: "فله أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته"، وقال في المخطئ: "فله أجر على أحد قسمي المصيب وهو الاجتهاد. وقال الغزالي ﵀: والمختار عندنا وهو الذي يقطع به وبخطأ المخالف أن كل مجتهد في الظنيات مصيب؛ وأنه ليس فيها حكم لله معين. وقد اختلفت الروايات عن الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما من الأئمة ﵃ في ذلك. والله أعلم. قال الشافعي -رحمة الله عليه-: قال الله جل ثناؤه-: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢) قال: قال الحسن

стр. 2618

ابن أبي الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا, ولكن الله حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده. قال الشافعي ﵁ في المجتهدين إذا اختلفوا وكان ممن له الاجتهاد وذهبوا مذهبًا محتملاً: لا يجوز على واحد منهم أن يقال له أخطأ مطلقًا, ولكن يقال لكل واحد منهم: قد أطاع فيما كلف وأصاب فيه، ولم يكلف علم الغيب الذي لم يطلع عليه. وجعل مثال ذلك: القبلة إذا اجتهدوا فيها واختلفوا، قال: فإن قيل: فيلزم أحدهما اسم الخطأ، قيل: أما فيما كلف [فلا] (١)، وأما خطأ عين البيت فنعم، لأن البيت لا يكون في جهتين مختلفتين، فإن قيل: فيكون مطيعا بالخطأ؟ قيل: هذه مسألة جاهل يكون مطيعا بالصواب لما كلف من الاجتهاد، وغير آثم بالخطأ إذا لم يكلف صوابه بمغيب العين عنه. وقال الشافعي ﵁: من حكم أو أفتى بخبر لازم أو قاس عليه، فقد أدى ما كلف وحكم وأفتى من حيث أمر، كان في النص مؤديًا ما أمر به نصًا، وفي القياس مؤديًا ما أمر به اجتهادًا وكان مطيعًا لله تعالى بالأمرين، ثم لرسول الله ﷺ فإنه أمرهم بطاعة الله، ثم رسوله، ثم الاجتهاد. وقد أخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣)، وأورده الشافعي فيما إذا اجتهد الحاكم ثم رأى اجتهاده خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو شيئًا في معنى هذا، رده لا يسعه غير ذلك.

стр. 2619

قال: وإن كان مما يحتمل ما ذهب إليه ويحتمل غيره لم يرده، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄: إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق ولا نفاذ له، واسٍ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس [ضعيف] (١) في عدلك، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، ومن ادعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمرًا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطيته حقه، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى، ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت لرشدك؛ أن تراجع الحق فإن الحق قديم لا يبطل الحق شيء؛ ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل؛ والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادات، إلا مجلود في حد، أو مدرك (٢) عليه شهادة الزور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فإن الله تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلى؟ إليك مما ليس في كتاب أو سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال والأشباه بالحق، وإياك والغضب والقلق أو الضجر والتأذي للناس عند الخصومة والتنكر، فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين لهم بما ليس في قلبه شأنه الله -تعالى- فإن الله ﵎ لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا، وما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته. وقد أخرج المزني في "الجامع" قال الشافعي: أخبرني الثقة، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أد

стр. 2620

حق الضعيفين: الأرملة، والمسكين". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة -زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من النار". هكذا أخرجه في كتاب "اليمين والشاهد"، وعاد أخرجه في كتاب "إبطال الاستحسان" (١) بالإسناد واللفظ وفيه: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (٢): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وعن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري، عن عروة. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن هشام.

стр. 2621

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن هارون بن إسحاق الهمداني، عن عبدة بن سليمان، عن هشام. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن هشام. البشر: الخلق من الأناس، ولذلك قيل لآدم ﵇: أبو البشر. وقوله: "إنما أنا بشر" أي: إنما أنا إنسان مخلوق يجري علي ما يجري على الناس من النسيان والخطأ، ولست أعلم الغيب فأطلع على خفايا السرائر فأحكم بمقتضاها، إنما أحكم بما يظهر لي وأسمعه من المتحاكمين. وقوله: "ألحن بحجته" أي: أقوم بدليله؛ وأعرف بما يدفع عنه دعوى خصمه، وأفطن من غريمه بما له وعليه وبما يضره وينفعه، تقول: لحنت -بالفتح- ألحن لحنًا: إذا قلت له قولًا يفهمه عنك ويخفى على غيره. ولحنه هو -عني بالكسر- يلحنه لحنًا -بالفتح- أي: فهمه، وألحنته أنا إياه. والحجة: الدليل والبرهان الذي يفهمه صاحب الدعوى على صحة دعواه، تقول: حاجه فحاجه أي: عليه بالحجة، والتحاج: التخاصم. والنحو في الأصل: القصد والطريق، تقول: نحوت نحو فلان أي: قصدت قصده وسلكت طريقه. فقوله: "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" أي: على الظاهر لي من كلامه، والقصد الذي ذهب إليه؛ والطريق الذي سلكها في خصامه واعترافه وإنكاره. وقوله: "إنما أقطع له قطعة من النار" شبه ما يحكم به في ظاهر القول بقطعة يقطعها للمدعي من النار، وهذا كقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٣) الآية، لأنه لما كان

стр. 2622

ذلك سببا لدخولهم النار كأنه بعض النار. ومساق هذا الحديث لوجوب الحكم بالظاهر، وفيه من الفقه:- أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالاً، وأنه متى أخطأ الحاكم في حكمه ومضى كان ذلك في الظاهر؛ وأما الباطن وحكم الآخرة فإنه غير ماض، وفيه: أنه لا يجوز للمقضي له أن يأخذ ما قضى له به إذا علم أنه لا يستحقه؛ ولا يحل له فيما بينه وبين الله ألا تراه قال: "فلا يأخذ منه شيئًا، إنما أقطع له قطعة من النار" وهذا الحكم مطرد بين الأئمة في الأموال والدماء والفروج؛ لأن ذلك كله حق أخيه وقد حرم عليه أخذه، وهذا مجمع عليه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ ذهب إلى: أن حكم الحاكم في الفروج ينفذ ظاهرًا وباطنًا، ويحل الحرام ويحرم الحلال، حتى إنه إذا ادعى رجل على امرأة أجنبية أنها زوجته وأقام شاهدي زور، فشهدا له بذلك وهما يعلمان أنها ليست زوجته، وقضى الحاكم بالزوجية بشهادتهما، قال: إن الرجل المدعي زوجيتها يحل له نكاحها بمجرد الحكم؛ فإن ذلك عند الله حلال مع علم الرجل والشهود بطلان القضية وكذلك لو شهد شاهدا زور لامرأة على زوجها أنه طلقها ولم يكن قد طلقها، ثم حكم الحاكم بطلاقها بشهادة شاهدي الزوجان، لكل واحد من الشاهدين أن يزوجها، مع علمه أن زوجها لم يطلقها وأنه شهد بطلاقها زورًا. والله أعلم. ***

стр. 2623

الفصل الثالث في الشهادات أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: سمعت الزهري قال: زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز، فأُشهد لأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأبي بكرة: تب تقبل شهادتك، وإن تبت قبلت شهادتك. وسمعت سفيان بن عيينة يحدث به هكذا مرارًا، ثم سمعته يقول: شككت فيه قال سفيان: أشهد لأخبرني فلان -ثم سمى رجلاً فذهب على حفظ اسمه- فسألت، قال لي عمر بن قيس: هو عن سعيد بن المسيب، فكان سفيان لا يشك أنه سعيد بن المسيب. قال الشافعي ﵁: وغيره يرويه عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن عمر. قال الربيع بهذا الإسناد في كتاب آخر، وقال: إن شهادة المحدود لا تجوز، قال فيه: قال سفيان: الزهري الذي أخبرني فحفظته ثم نسيته، قال: فلما قمت فسألت من حضر، قال لي عمر بن قيس -وحضر المجلس معي-: هو سعيد بن المسيب، قلت لسفيان: أشككت حين أخبرك سعيد بن المسيب؟ قال: هو كما قال غير أنه قال: كان قد دخلني الشك. قال الشافعي: وأخبرني من أثق به من أهل المدينة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب ﵁ لما جلد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان فقبل شهادتهما وأبي أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته. القاذف إذا قذف وصح قذفه لم يجب عليه الحد، ولا يفسق، ولا ترد

стр. 2624

شهادته، فإن لم يصح قذفه فعليه: حد القذف، حكم بفسقه، وترد شهادته، فإن تاب زال فسقه وقبلت شهادته ولم يسقط عنه الحد. وقد اختلف في قبول شهادته:- فروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال عطاء وطاوس والشعبي ومجاهد والزهري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقال الحسن البصري وشريح والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقبل شهادته. والاعتبار في سقوط الشهادة بالقذف إذا لم يصح، وعند أبي حنيفة بالجلد، فإذا لم يجلده الحاكم لم تسقط شهادته. وكيفية توبة القاذف: هو أن يقول: القذف باطل حرام ولا أعود إلى ما قلت، وقيل هو أن يقول: كذبت فيما قلت. وقول الشافعي في لفظ الحديث: قال سفيان: أشهد لأخبرني، يريد به سفيان أن الزهري قال: أشهد لأخبرني فلان، لا أن سفيان قال: أشهد -يعني نفسه- وإنما الشافعي حكى قول سفيان حيث حكى الزهري، لأن سفيان هو الشاك في الاسم لا الشافعي، والاسم المشكوك فيه هو سعيد بن المسيب وقد رده ذلك في الحديث. وهذا الذي تضمنته هذه القضية من حديث أبي بكرة. والشهود الذين استتابهم عمر: هو شهادتهم على المغيرة بن شعبة بالزنا، وذلك أن عمر بن الخطاب كان ولى المغيرة بن شعبة أميرًا على البصرة، وكان يخرج من دار الإمارة نصف النهار، وكان أبو بكرة: نفيع بن الحارث الثقفي يلقاه فيقول: أين يذهب الأمير؟ فيقول: في حاجة، فيقول: إن الأمير يزار ولا يزور، قالوا: وكان يذهب إلى امرأة يقال لها أم جميل بنت عمر، وتخبأ أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له: شبل بن معبد،

стр. 2625

وكانت غرفة هذه أم جميل بحذا غرفة أبي بكرة؛ وضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته، ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم بها فانظروا، فنظروا حتى أثبتوا، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، قال: وذهب المغيرة ليصلي بالناس الظهر، ومضى أبو بكرة وقال: لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت، فقال الناس: دعوه فليصل فإنه الأمير، واكتبوا بذلك إلى عمر، فكتبوا إليه، فأمرهم أن يقدموا عليه جميعًا المغيرة والشهود، فلما قدموا عليه جلس عمر فدعى بالشهود والمغيرة، فتقدم أبو بكرة، فقال: رأيته بين فخذيها؟ قال: نعم والله لكأني انظر إلى تشريم جدري بفخذيها، فقال له المغيرة: لقد ألصقت في النظر، فقال له أبو بكرة: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به، فقال له عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، قال: نعم، أشهد على ذلك، قال: فاذهب عنك مغيرة، ذهب ربعك، ثم دعا نافعًا فقال: على ما تشهد؟ فقال له: مثل شهادة أبي بكرة. فقال: لا حتى تشهد أنه ولج فيها ولوج المرود في المكحلة. قال: نعم، حتى بلغ قدده. فقال له عمر: اذهب عنك مغيرة، ذهب نصفك، ثم دعى الثالث فقال له: على ما تشهد؟ فقال: على مثل شهادة صاحبي، فقال له عمر: اذهب عنك مغيرة، وذهب ثلاثة أرباعك، ثم كتب إلى زياد وكان غائبا فقدم، فلما رآه في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار فلما رآه مقبلا قال: إني لا أرى رجلاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين، ثم إن عمر رفع رأسه إليه فقال: ما عندك يا سلح الحيارى؟ وقيل: إن المغيرة قام إلى زياد فقال له -مخبأ لعطر بعد عروس- فقال له: يا زياد، اذكر الله، واذكر موقف القيامة، فإن الله وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين، قد حقنوا دمي إلا أن تتجاوز إلى ما لم تراءيت فلا يحملنك سوء منظر رأيته على أن تتجاوز إلى ما لم تره، فوالله لو كنت بين بطني نأيت أن يسلك ذكري فيها، قال: فدمعت عينا

стр. 2626

زياد، واحمر وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، إما أن أحق ما حق القوم فليس عندي، ولكن رأيت مجلسًا وسمعت نفسًا سيئًا وانتهارًا، ورأيته مستبطنها، فقال عمر: أرأيته يدخل كالميل في المكحلة؟ قال: لا، وقال زياد: رأيته رافعا رجليها، فرأيت خصييه يتردد إلى بين فخذها، ورأيت خبرا شديدا، وسمعت نفسًا عاليا، فقال عمر: رأيت يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا قال عمر: الله أكبر، قم إليهم فاضربهم. فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحد عن المغيرة، فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا، فهم عمر أن يضربه حدًّا ثانيا، فقال له علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: إن ضربته فارجم صاحبك، فنهاه عن ذلك، يعني: إن ضربت أبا بكرة حدًا ثانيًا جعلت شهادته الثانية شهادة أخرى؛ فكملت أربع شهادات فوجب بذلك الرجم على المغيرة، فتركه واستتاب عمر أبا بكرة، فقال أبو بكرة: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي؟ فقال: أجل، قال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. فلما ضربوا الحد قال المغيرة: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم، فقال عمر: بل أخزى مكانا رأوك فيه، ثم إن أم جميل هذه وافقت عمر بن الخطاب ﵁ بالموسم والمغيرة هناك، فقال عمر: أتعرف هذه يا مغيرة؟ فقال: نعم، هذه أم كثلوم بنت علي، فقال له عمر: أتتجاهل علي؟ والله ما أظن أن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت إلا أن ترمى بحجارة من السماء. وفي هذه الواقعة من الفقه:- أنه إذا شهد ثلاثة على إنسان بالزنا ولم يتم الرابع، أو شهد واحد أو اثنان ففيها قولان-: أحدهما وهو المنصوص المشهور: أنهم يحدون، وبه قال مالك وأبو حنيفة.

стр. 2627

والثاني: لا يحدون لأنه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم، فلم يجب عليه الحد، كما لو شهد الأربعة ثم رجع واحد منهم لم يحد الباقون. وفيها: أن أحد الشهود إذا حد ثم عاد وشهد بعد الحد بما شهد أولاً لم يحد عليه ولكن يعذر للأذى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: لا تجوز شهادة النساء لا رجل معهن في أمر النساء أقل من أربع عدول. قال الشافعي: الولادة وعيوب النساء مما لم أعلم مخالفًا لقيته؛ في أن شهادة النساء فيه جائزة لا رجل معهن، ثم ذكر هذا الحديث وقال: وبهذا نأخذ، وذكر قول من خالفه وأجاز شهادة المرأة الواحدة، وزعم أن عليًا ﵁ أجاز شهادة القابلة وحدها. قال الشافعي: قلت: لو ثبت عن علي -كرم الله وجهه- صرنا إليه -إن شاء الله- ولكنه لا يثبت عندكم ولا عندنا عنه هذا، إنما رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن نجي، عن علي. وعبد الله مجهول، وجابر ضعيف مطعون فيه. وقوله: "أربع عدول" يريد: أربع نساء عدول، لأن شهادة كل امرأتين برجل، والقضية الشرعية تحتاج إلى شاهدين واحتاج أن يكون أربعًا. وتفصيل المذهب فيه: أن الولادة، والاستهلال، والعيوب تحت الثياب، والرضاع تقبل فيه شهادة النساء على الانفراد (١). وقال الشافعي: لا يقبل فيه إلا أربعًا. وبه قال عطاء. وقال الثوري ومالك: أقبل امرأتين. وقال الحسن وأحمد: يقبل قول المرضعة.

стр. 2628

وقال أبو حنيفة: أقبل في ولادة الزوجيات واحدة، ولا أقبل في ولادة الملطقات. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس في شهادة الصبيان: لا تجوز. وزاد ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: لأن الله -تعالى- يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ (١) مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). هذا الحديث ذكره الشافعي فيمن يجوز قبول شهادته. قال الشافعي: قال الله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا (٣) شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، وكان الذي يعرف من خوطب بهذا أنه أريد به الأحرار المرضيون المسلمون، وأن الرضى إنما يقع على العدول منا ولا يقع إلا على البالغين، لأنه إنما خوطب بالفرائض البالغون دون من [لم] (٤) يبلغ غير أن أصحابنا من ذهب إلى من يجيز شهادة الصبيان في الجراح ما لم يتفرقوا، وقول الله : ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يدل على أن لا تجوز شهادة الصبيان في شيء والله أعلم. فإن قال قائل: أجازها ابن الزبير، فابن عباس ردها بالامتناع من قبول شهادة الصبيان. قاله ابن أبي ليلى وأبو حنيفة والأوزاعي وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال مالك: تقبل في الجراح إذا كانوا قد اجتمعوا لأمر مباح قبل أن يتفرقوا. وروي ذلك عن ابن الزبير وعن أحمد.

стр. 2629

وروي عن أحمد: أنه تقبل شهادتهم في كل شيء. وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن [ابن] (١) أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". قيل: هذا يكون في الرجل يكون عنده لإنسان شهادة وهو لا يعلمها. والله أعلم. وقد أخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن مالك، عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري. وعن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي [هند] (٢)، عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله". قال الشافعي: ويكره من وجه الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي، ولا نحب اللعب بالشطرنج وهو أخف من النرد. وقد أخرج الشافعي: عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﷺ فقال: "هل معك من شعر أمية ابن الصلت شيء"؟، قال: قلت: نعم قال: "هيه"، قال: فأنشدته بيتا، فقال: "هيه" قال: فأنشدته حتى بلغ مائة بيت. رواه مسلم في الصحيح (٣): عن ابن أبي عمر، عن سفيان. قال الشافعي: فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به كثر أو قل،

стр. 2630

وكذلك استماع الشعر، وسمع رسول الله ﷺ الحداء والرجز، وأمر ابن رواحة في شعره فقال: "حرك بالقوم" فاندفع يرتجز. وأخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن سفيان، عن سليمان التميمي، عن أنس قال: كان للنبي ﷺ حاد يقال له: أنجشة، وكانت أمي مع أزواج النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "يا أنجشة رفقًا بالقوارير". ***
следующие страницы →