← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

زياد، واحمر وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، إما أن أحق ما حق القوم فليس عندي، ولكن رأيت مجلسًا وسمعت نفسًا سيئًا وانتهارًا، ورأيته مستبطنها، فقال عمر: أرأيته يدخل كالميل في المكحلة؟ قال: لا، وقال زياد: رأيته رافعا رجليها، فرأيت خصييه يتردد إلى بين فخذها، ورأيت خبرا شديدا، وسمعت نفسًا عاليا، فقال عمر: رأيت يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا قال عمر: الله أكبر، قم إليهم فاضربهم. فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحد عن المغيرة، فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا، فهم عمر أن يضربه حدًّا ثانيا، فقال له علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: إن ضربته فارجم صاحبك، فنهاه عن ذلك، يعني: إن ضربت أبا بكرة حدًا ثانيًا جعلت شهادته الثانية شهادة أخرى؛ فكملت أربع شهادات فوجب بذلك الرجم على المغيرة، فتركه واستتاب عمر أبا بكرة، فقال أبو بكرة: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي؟ فقال: أجل، قال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. فلما ضربوا الحد قال المغيرة: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم، فقال عمر: بل أخزى مكانا رأوك فيه، ثم إن أم جميل هذه وافقت عمر بن الخطاب ﵁ بالموسم والمغيرة هناك، فقال عمر: أتعرف هذه يا مغيرة؟ فقال: نعم، هذه أم كثلوم بنت علي، فقال له عمر: أتتجاهل علي؟ والله ما أظن أن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت إلا أن ترمى بحجارة من السماء. وفي هذه الواقعة من الفقه:- أنه إذا شهد ثلاثة على إنسان بالزنا ولم يتم الرابع، أو شهد واحد أو اثنان ففيها قولان-: أحدهما وهو المنصوص المشهور: أنهم يحدون، وبه قال مالك وأبو حنيفة.

стр. 2627

والثاني: لا يحدون لأنه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم، فلم يجب عليه الحد، كما لو شهد الأربعة ثم رجع واحد منهم لم يحد الباقون. وفيها: أن أحد الشهود إذا حد ثم عاد وشهد بعد الحد بما شهد أولاً لم يحد عليه ولكن يعذر للأذى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: لا تجوز شهادة النساء لا رجل معهن في أمر النساء أقل من أربع عدول. قال الشافعي: الولادة وعيوب النساء مما لم أعلم مخالفًا لقيته؛ في أن شهادة النساء فيه جائزة لا رجل معهن، ثم ذكر هذا الحديث وقال: وبهذا نأخذ، وذكر قول من خالفه وأجاز شهادة المرأة الواحدة، وزعم أن عليًا ﵁ أجاز شهادة القابلة وحدها. قال الشافعي: قلت: لو ثبت عن علي -كرم الله وجهه- صرنا إليه -إن شاء الله- ولكنه لا يثبت عندكم ولا عندنا عنه هذا، إنما رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن نجي، عن علي. وعبد الله مجهول، وجابر ضعيف مطعون فيه. وقوله: "أربع عدول" يريد: أربع نساء عدول، لأن شهادة كل امرأتين برجل، والقضية الشرعية تحتاج إلى شاهدين واحتاج أن يكون أربعًا. وتفصيل المذهب فيه: أن الولادة، والاستهلال، والعيوب تحت الثياب، والرضاع تقبل فيه شهادة النساء على الانفراد (١). وقال الشافعي: لا يقبل فيه إلا أربعًا. وبه قال عطاء. وقال الثوري ومالك: أقبل امرأتين. وقال الحسن وأحمد: يقبل قول المرضعة.

стр. 2628

وقال أبو حنيفة: أقبل في ولادة الزوجيات واحدة، ولا أقبل في ولادة الملطقات. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس في شهادة الصبيان: لا تجوز. وزاد ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: لأن الله -تعالى- يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ (١) مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). هذا الحديث ذكره الشافعي فيمن يجوز قبول شهادته. قال الشافعي: قال الله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا (٣) شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، وكان الذي يعرف من خوطب بهذا أنه أريد به الأحرار المرضيون المسلمون، وأن الرضى إنما يقع على العدول منا ولا يقع إلا على البالغين، لأنه إنما خوطب بالفرائض البالغون دون من [لم] (٤) يبلغ غير أن أصحابنا من ذهب إلى من يجيز شهادة الصبيان في الجراح ما لم يتفرقوا، وقول الله : ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يدل على أن لا تجوز شهادة الصبيان في شيء والله أعلم. فإن قال قائل: أجازها ابن الزبير، فابن عباس ردها بالامتناع من قبول شهادة الصبيان. قاله ابن أبي ليلى وأبو حنيفة والأوزاعي وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال مالك: تقبل في الجراح إذا كانوا قد اجتمعوا لأمر مباح قبل أن يتفرقوا. وروي ذلك عن ابن الزبير وعن أحمد.

стр. 2629

وروي عن أحمد: أنه تقبل شهادتهم في كل شيء. وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن [ابن] (١) أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". قيل: هذا يكون في الرجل يكون عنده لإنسان شهادة وهو لا يعلمها. والله أعلم. وقد أخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن مالك، عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري. وعن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي [هند] (٢)، عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله". قال الشافعي: ويكره من وجه الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي، ولا نحب اللعب بالشطرنج وهو أخف من النرد. وقد أخرج الشافعي: عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﷺ فقال: "هل معك من شعر أمية ابن الصلت شيء"؟، قال: قلت: نعم قال: "هيه"، قال: فأنشدته بيتا، فقال: "هيه" قال: فأنشدته حتى بلغ مائة بيت. رواه مسلم في الصحيح (٣): عن ابن أبي عمر، عن سفيان. قال الشافعي: فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به كثر أو قل،

стр. 2630

وكذلك استماع الشعر، وسمع رسول الله ﷺ الحداء والرجز، وأمر ابن رواحة في شعره فقال: "حرك بالقوم" فاندفع يرتجز. وأخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن سفيان، عن سليمان التميمي، عن أنس قال: كان للنبي ﷺ حاد يقال له: أنجشة، وكانت أمي مع أزواج النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "يا أنجشة رفقًا بالقوارير". ***

стр. 2631

الفصل الرابع في القضاء باليمين مع الشاهد أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي، عن سيف بن سليمان المكي، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". قال عمرو: في الأموال. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان، عن معاذ ابن عبد الرحمن، عن ابن عباس -ورجل آخر سماه فلا يحضرني ذكر اسمه من أصحاب النبي ﷺ : "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود. فأما مسلم (١): فأخرجه عن ابن أبي شيبة وابن نمير، عن زيد بن الحباب، عن سيف. وفي أخرى (٢): عن محمد بن يحيى وسلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار. وقال عمرو: في الحقوق. قوله: "قضى باليمين مع الشاهد" أي: باجتماعهما واتفاقهما معا. والأموال: تطلق على كل ما يقتنى من الذهب والفضة والأنعام وغيرهما،

стр. 2632

وعلى البساتين، فأما الدور والأملاك غير البساتين فلا أعلمه. والحقوق: جمع حق، وهو ما يستحقه الإنسان من الأموال. قال الشافعي ﵁: حديث ابن عباس ثابت عن رسول الله ﷺ ؛ لا يرد أحد من أهل العلم مثله لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما يشده. والذي ذهب إليه الشافعي: العمل باليمين والشاهد. ورُوي مثل ذلك عن: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وابن عباس. وزيد بن ثابت وابن عمر وسعد بن عبادة وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وسهل بن سعد وعامر بن ربيعة والمغيرة وأنس وتميم الداري وعمرو بن حزم وسلمة بن قيس وبلال بن الحارث ومعاوية وشريح وابن المسيب وعروة والشعبي والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار وأبي سلمة والزهري وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن يعمر ومالك وابن أبي ليلى وأحمد. وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنه لا يقضى بالشاهد واليمين حتى قال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد نقضت حكمه. وروي مذهب أبي حنيفة عن النخعي والزهري وابن شبرمة والأوزاعي والثوري. وعلى ذلك فإنما يقضي بالشاهد واليمين على الحقوق المالية عينًا ودينًا، وما يقصد به المال مثل: البيع، والإجارة، والهبة، والصلح، والمساقاة، والقراض، والجناية الموجبة للمال كالخطأ، والعمد الذي لا يوجب القصاص كبعض الجراح. وما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا يثبت بشاهد ويمين كالنكاح والخلع، والطلاق، والرجعة، والقذف، والقصاص، والنسب، والعتق، والتدبير، والكتابة.

стр. 2633

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني جعفر بن محمد قال: سمعت الحكم بن عتيبة يسأل أبي -وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم- أقضى النبي ﷺ باليمين مع الشاهد؟ قال: نعم، وقضى بها علي بين أظهركم. قال مسلم: قال جعفر: في الدين. وأخبرنا الشافعي أنه قال لبعض من يناظره: روى الثقفي -وهو ثقة- عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن النبي ﷺ قضى باليمين. هذا الحديث أخرجه مالك والترمذي. فأما مالك (١) فأخرج الأولى بالإسناد واللفظ. وأما الترمذي (٢): فأخرجه مسندًا عن محمد بن بشار ومحمد بن أبان، عن عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر الحديث. وأخرجه في أخرى مرسلاً: عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن أبيه: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد"، قال: وقضى بها علي فيكم. قال الترمذي: وهذا أصح، وهكذا روي عن سفيان الثوري، عن جعفر، عن أبيه مرسلاً، وروى عبد العزيز بن أبي سلمة ويحيى بن سليم هذا الحديث عن جعفر، عن أبيه، عن علي عن النبي ﷺ . قوله: "بين أظهركم" يريد: فيما بينكم، والأظهر: جمع ظهر الإنسان،

стр. 2634

والأصل في هذه اللفظة: أن الإنسان إذا التجأ إلى أحد حماه وتركه ظهره ليلتقي دونه من يريده، ثم كثر ذلك حتى صار يقال لنزيل القوم: فلان بين ظهراني القوم، وبين أظهرهم: إذا استبقوه بأنفسهم وأنزلوه منزلة بعضهم. وقوله: "في الدين" يريد: الحقوق المالية، وخص الدين: لأن أكثر المطالبات التي تحتاج إلى البينة واليمين، إنما تكون بالدين وبما هو في ذمة المدعى عليه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إِبراهيم، عن عمرو بن أبي عمرو -مولى المطلب-، عن ابن المسيب: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". هذا الحديث حديث مرسل، وقد جاء به زيادة في تأكيد ما سبق من الأحاديث. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمر وابن شعيب أن النبي ﷺ قال في الشهادة: "فإن جاء شاهد حلف مع شاهده". وجاء في نسخة: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه وقال: "احلف مع شاهده" حلفت أحلف حلفًا وحلفًا ومحلوفًا: إذا أقسمت، ومحلوف أحد ما جاء من المصادر على مفعول مثل: المجلود والمعقول والمعسور، وأحلفته أنا وحلفته واستحلفته كله بمعنى، وأحلف لما لم يسم فاعله. وقوله: "فحلف مع شاهده" أي: حلف مع شهادة شاهده، لأن ظاهر اللفظ يعطي أن يشترك الشاهد والمدعي في اليمين، تقول: قمت مع زيد، فقد وجد القيام منكما، وكذلك: حلفت مع زيد، وليس الغرض ذلك إنما الغرض ما قلناه؛ التقدير: فإن شهد له شاهد حلف مع شهادة شاهده.

стр. 2635

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". أبو جعفر: هو عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي، وقد تكلموا فيه، والحديث مرسل. ***

стр. 2636

الفصل الخامس في الدعاوى أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدعي -وأحسبه قال ولا أثبته أنه قال- واليمين على المدعى عليه". هكذا أخرج الشافعي الحديث في كتاب "اختلاف الحديث" (١)، وقد رواه جماعة عن ابن جريج منهم: الوهاب بن عطاء، وابن وهب، وعبد الله بن داود وعبد الله بن إدريس وعثمان بن الأسود والوليد بن مسلم، وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي الفصل الثاني وهو قوله: "اليمين على المدعى عليه"، ولم يخرج أحد منهم الفصل الأول وهو قوله: "البينة على المدعي". فأما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي نعيم، عن نافع [ابن] (٣) عمر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن نافع [ابن] (٥) عمر مثل البخاري. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن القعنبي، عن نافع [ابن] (٥) عمر.

стр. 2637

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن سهل بن عسكر البغدادي، عن محمد بن يوسف، عن نافع عمر. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن علي بن سعيد بن مسروق، عن يحيى بن أبي زائدة، عن نافع [بن] (٣) عمر أطول من هذا. وقد أخرج الترمذي (٤): عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر وغيره، عن محمد بن عبيد الله، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال في خطبته: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". البينة: الظاهرة الواضحة، من قولك: بين الشيء يبين بيانًا فهو بائن وبين وهما بمعنى، وتاء التأنيث فيها لرجوعها إلى الشهادة، هذا هو الأصل، ثم اتسع فيها لكثرة الاستعمال فصارت من الأسماء الغالبة على الصفات، حتى إذا قيل: بينة علم أنها الحجة والشهادة. والمدعي: اسم فاعل من ادعى يدعي فهو مدع، والدعوى الاسم وهي الطلب، والمدعي في اللغة: من ادعى شيئًا لنفسه، سواء كان في يده أو في يد غيره أو في ذمته. والمدعى عليه: هو من ادعي عليه شيء في يده أو في ذمته لغة وشرعًا، وقد يكونان متداعيين بأن يختلفا مثلًا في العقد، ويدعي كل واحد منهما أن الثمن غير الذي يذكره الآخر. وحجة المدعي: البينة لتحقق ما يدعيه، وحجة المدعى عليه: اليمين لينفي بها ما يدعى عليه.

стр. 2638

فإن أقام المدعي البينة حكم بها له فكانت أولى من يمين المدعي، واليمين من جهة المدعى عليه، فكانت التهمة من البينة أبعد، فإن لم يكن للمدعي بينة كان القول قول المدعى عليه مع يمينه، فكانت يمينه [أولى من يمين] (١) [المدعي] (٢) لأن يده على العين المدعى بها في الغالب، وإن كانت دينًا: فالأصل براءة الذمة، وعلى هذا قول الأئمة الفقهاء والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن إسحاق بن أبي فروة، عن عمر ابن الحكم، عن جابر بن عبد الله: أن رجلين تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها، فقضى بها رسول الله ﷺ للتي هي في يده. وقد رواه الزعفراني عنه قال: أخبرنا رجل، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة بإسناده ومعناه. قال الشافعي في القديم: هذه رواية صالحة ليست بالقوية ولا بالساقطة، ولم نجد أحدًا من أهل العلم يخالف القول بهذا، مع أنها رويت من غير هذا الوجه وإن لم تكن قوية. قال البيهقي: روينا هذا عن محمد بن الحسين، عن أبي حنيفة، عن هشيم الصيرفي، عن الشعبي، عن جابر أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ناقة، وروي ذلك عن شريح في قضائه. قوله: "تداعيا" أي: ادعى كل واحد منهما ما يدعيه الآخر. وقوله: "نتجها" أي: ولدت عنده. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا ادعى رجل على رجل عينًا في يده فأنكره، ثم أقام كل منهم (٣) البينة، فإن بينة من الشيء في يده تقدم على بينة

стр. 2639

المدعي، وتسمى بينة المدعى عليه بينة الداخل، وبينة المدعي بينة الخارج. وإلى قول الشافعي ذهب شريح والنخعي والحكم ومالك وأبو ثور وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أن كان المدعى ملكًا مطلقًا لم تسم بينة، إلا أن يدعي النتاج في ملكه، أو النتاج فيما لا يتكرر نتجه، فأما ما يتكرر نتجه كالخز والصوف فلا يسمع بينته. واختلف فيه عن أحمد. وقد أخرج الشافعي في القديم: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن ليث بن سعد قال: أخبرنا بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ في أمر، فجاء كل واحد منهما بشهداء عدول على عدة واحدة، فأسهم رسول الله ﷺ بينهما وقال: "اللهم أنت تقضي بينهما". قال الشافعي بالقرعة في مثل هذه القضية عملًا بحديث ابن المسيب، وله قول آخر: أنه يقسم بينهما نصفين لأن حجة كل واحد منهما فيها سواء. قال البيهقي: وقد قال الشافعي ﵁ في مثل هذه المسألة -بعد ذكر القولين-: وهذا مما أستخير الله فيه، وأنا فيه واقف. ثم قال: لا يعطى واحد منهما شيء ويوقف حتى يصطلحا. ***

стр. 2640

الفصل السادس في القافة ودعوى الولد أخبرنا الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رجلين تداعيا ولدا، فدعى له عمر القافة فقالوا: قد اشتركا فيه، فقال له عمر: والِ أيهما شئت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار عن عمر مثل معناه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عمر بن [الخطاب مثل معناه] (١). أخرج الموطأ (٢) من هذا الحديث رواية سليمان وهذا لفظه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا عمر قائفًا فنظر إليهما فقال القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه بالدرة وقال: يديك (٣)، ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك؟ فقالت: كان هذا -لأحد الرجلين- يأتيها في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن وتظن أن قد استمر بها الحمل، ثم انصرف عنها فهريقت عليه الدماء، ثم خلفه الآخر، فلا أدري من أيهما هو، فكبرَّ القائف، فقال عمر للغلام: وال أيهما شئت. وقد أخرج الشافعي هذه في القديم: عن مالك بالإسناد واللفظ.

стр. 2641

القافة: جمع قائف وهو الذي يعرف الآثار، تقول: قفت أثره أقفوه: فأنا [قائف] (١) أي: اتبعته، وهم في الشريعة: قوم معروفون من العرب يعرفون الناس بالشبه، فيلحقون إنسانا بإنسان لما يدركون من المشابهة التي يدركونها بينهما مما يخفى على غيرهم. وقوله: "وال أيهما شئت" أي: أَتبع من أردت منهما وكن أنت لمن شئت منهما. ولاط بالشيء يليط به ويلوط به ليطًا ولوطًا: إذا ألصق به. وقوله: "هريقت عليه الدماء" أي: حاضت، والغالب من حال الحامل أنها لا تحيض، فإن ظن أنها حيض فيكون ذلك نادرا السبب. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا اشترك اثنان في وطء امراة على وجه يلحق الولد كل واحد منهما ويكونان سواء، وهو أن يكون وطئا بنكاح فاسد، أو شبهة، أو صحيح وفاسد، أو شبهة وقد بانت من النكاح الصحيح، فأما إذا وطئها بشبهة ولها زوج: فإن الولد يلحق بالزوج لأن فراشه قائم وهو أقوى من الشبهة، فإذا زال فراشه بالطلاق كان هو والواطئ بشبهة أو نكاح فاسد سواء، فإذا أتت بولد يمكن أن يكون لكل واحد منهما: فإنه يرى القافة وإن ألحقوه بأحدهما لحق، وكذلك إذا وطئ السيدان جارية مشتركة بينهما، وكذلك إذا تنارعا في اللقيط يرى القافة. وبه قال علي وأنس وإحدى الروايتين عن عمر، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد، وبه قال مالك في ولد الأمة إذا وطئها سيد بعد سيد. وقال أبو حنيفة: وألحقه بهما. وحكى الطحاوي عنه: أنه يلحقه باثنين ولا يلحقه بأكثر.

стр. 2642

وحكي عن أبي يوسف: أنه يلحقه مثله وأكثر. وقال المتأخرون: يجوز أن يلحق بمائة أب. وقال أبو حنيفة في الزانيين يتنازعان الولد: ألحقه بهما. وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت على رسول الله ﷺ أعرف السرور في وجهه فقال: "ألم ترى أن مجززًا المُد لجَّي؛ نظر إلى أسامة [و] (١) زيد وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها [من بعض] (٢). هذا حديث صحيح متفق عليه، "البخاري" (٣) ومسلم (٤). قال الشافعي: ورسول الله ﷺ إنما يسر بالحق ويقبله ولو كان أمر [القافة] (٥) باطلاً لقال: لا تقل في هذا شيئًا فإنك إن أصبت في بعض فلعلك تخطئ في بعض، ولم يطلع الله على الغيب أحدًا ولكنه -والله أعلم- رآه علمًا أوتيه من أوتيه، وأصحاب رسول الله ﷺ يستعملونه، وهو الذي أدركت عليه أهل العلم والحكام ببلدنا لا اختلاف فيه، فلو لم يكن في القافة إلا هذا؛ كان ينبغي أن يكون فيه دلالة لمن سمعه، وأخبرني عدد من أهل العلم من أهل المدينة ومكة: أنهم أدركوا الحكام يقضون بقول القافة، وأخبرهم من كان قبلهم: أنهم أدركوا مثل ما أدركوا, ولم يروا بين أحد يرضونه من أهل العلم تنازعًا في القول بالقافة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن علية، عن حميد، عن أنس أنه شك في ابن له

стр. 2643

فدعا له القافة. هذا الحديث مؤكد لحديث القول بالقافة، وقد روي عن يحيى بن أيوب وغيره، عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أنس أنه مرض فشك في حمل جارية له فقال: إن مت فادعوا له القافة. ***

стр. 2644

كتاب العتق والولاء أخرج المزني قال: حدثنا الشافعي، عن سفيان، عن شعبة الكوفي قال: كنت مع أبي بردة بن أبي موسى على ظهر بيت فدعى بنيه فقال: يا بني إني سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أيما عبد كان بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسرًا فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة أو قيمة عدل، ليست بوكس ولا شطط، ثم يغرم لهذا حصته". هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة إلا النسائي. فأما مالك (١): فأخرج الرواية الأولى بإسنادها. وأما البخاري (٢): فأخرج الأولى عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأخرج الثانية: عن علي بن عبد الله، عن سفيان أخصر منهما. وأما مسلم (٣): فأخرج الأولى عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأخرج الثانية: عن الناقد وابن أبي عمر، عن سفيان نحوها.

стр. 2645

وأما أبو داود (١): فأخرج الأولى عن القعنبي، عن مالك. وأخرج الثانية: عن أحمد بن حنبل، عن سفيان. وأما الترمذي (٢): فأخرج نحو الأولى عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع. وأخرج نحو الثانية: عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم. تقول: أعتقت العبد أعتقه إعتاقًا فهو معتق، وعتق العبد يعتق -بالكسر- عتقًا وعتاقًا وعتاقة -بالفتح فيهما- فهو عتيق وعاتق. والشرك: الشركة، تقول: شركت فلما نافى البيع وغيره أشركه شركة، والاسم: الشرك، والجمع: أشراك. وقوله: "من أعتق شركًا له" أي: نصيبًا. والهاء في قوله: "فكان له مال" راجعة إلى المعتق. والتقويم: التثمين من القيمة وهو ما يساوي الشيء المقوم، وأصله من قام يقوم مقام الشيء، كأنهما اشتركا في مقام واحد أحدهما مسد الآخر، تقول: قومت السلعة أقومها تقويمًا، وأهل مكة يقولون: استقمت السلعة وهما بمعنى. والعدل -بالفتح-: السواء وخلاف الجور أيضًا، وهو مصدر عدلت بها عدلاً فجعله اسمًا للمثل. والعدل -بالكسر-: المثل، وقيل: العدل -بالفتح-: ما عادل الشيء من غير جنسه، فعلى هذا القول يكون المراد في القيمة بالفتح.

стр. 2646

والحصص: جمع حصة، وهي القسم والنصيب. وقوله: "عتق عليه" أي: صار عتقه عليه واجبًا. وقوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" يعني: إن لم يكن مال يقوم عليه حصص شركائه؛ عتق من العبد نصيبه الذي أعتقه وبقي نصيب شركائه على ما كان عليه في الرق. والموسر: اسم فاعل من أيسر يوسر يسارًا: إذا كان غنيًا ذا سعة، والاسم اليسار واليسارة والميسارة بالفتح والضم. والوكس: النقص، وقد وكس الشيء يكِس، ووكست فلانًا: إذا نقصته. والشطط: مجاوزة القدر في كل شيء، يريد: لا ينقص من ثمنه ولا يزاد عليه وإنما يقوم تقويم الحق. والإشارة بقوله: "ثم يُقَّوم لهذا حصته" إلى صاحب الحصة الباقية والذي ذهب إليه الشافعي: العمل بهذا الحديث والأخذ به، وذلك أنه إن كان لمعتق معسرا؛ استمر العتق في نصيبه وبقي النصيب الآخر مملوكا لصاحبه يتصرف فيه كيف يشاء، وإن كان المعتق موسرًا وجب تقويمه عليه وأدى قيمة نصيب شريكه إليه. فأما متى يعتق نصيب شريكه؟ ففيه ثلاثة أقوال:- أحدها: أنه يسري العتق إليه في الحال. وبه قال أحمد. والثاني: أنه يسري بأداء القيمة. وهو القديم، وبه قال مالك، ويكون قبل أداء القيمة مالكًا لصاحبه، إلا أنه لا ينفذ تصرفه فيه لأنه قد استحق عتقه. الثالث: أن العتق مراعى، فإن دفع القيمة تبينا أنه كان عتق من حين أعتق نصيبه، وإن لم يدفع القيمة إليه تبينا أنه لم يكن عتق.

стр. 2647

وقال أبو حنيفة: العتق لا يسري وإنما يستحق به إعتاق النصيب الآخر، فإن كان المعتق معسرًا كان شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيب نفسه ويكون الولاء بينهما، وبين أن يستسعيه في قيمة نصيبه، فإذا أداه إليه عتق ويكون الولاء أيضًا بينهما، وإن كان موسرًا كان شريكه أيضًا مخيرًا بين ثلاث خيارات: هذان المذكوران في المعسر، والثالث: أن يضمن شريكه في نصيبه ويكون جميع الولاء لشريكه؛ ويرجع الشريك بما غرمه في سعاية العبد. وقال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف: يسري العتق في الحال بكل حال، فإن كان المعتق موسرًا غرم قيمة نصيبه، وإن كان معسرًا استسعى في قيمة نصيبه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مماليك وليس له مال غيرهم -أو قال- أعتق عند موته ستة مماليك و [ليس] (١) له شيء غيرهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال فيهم قولًا شديدًا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، أخبرني قيس بن سعد أنه سمع مكحولًا يقول: سمعت سعيد بن المسيب يقول: أعتقت امرأة -أو رجل- ستة أعبد لها, ولم يكن لها مال غيرهم، فأتى النبي ﷺ فأقرع بينهم فأعتق ثلثهم. قال الشافعي ﵁: كان ذلك في مرض المعتق الذي مات فيه. هذا حديث سعيد بن المسيب مرسل، وجائز أن يكون رواية من الحديث الأول، وجائز أن يكون غيره، فذكرنا الروايتين معًا ها هنا وهو حديث صحيح،

стр. 2648

أخرجه الجماعة إلا البخاري. فأما مالك (١): فأخرجه عن يحيى بن سعيد، عن غير واحد، عن الحسن بن أبي الحسن البصري. وعن محمّد بن سيرين أن رجلاً في زمان رسول الله ﷺ . وذكر نحوه وفيه: فأسهم فيما بينهم. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن علي بن حجر وأبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب. وزاد في رواية أخرى: "ولو شهدته قبل أن يدفن في مقابر المسلمين". وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن [] (٦). وفيه (٧): لقد هممت أن لا أصلي عليه. القول الشديد: يريد به القوي الغليظ المشتمل على الإنكار والتوبيخ والتهديد ونحو ذلك. وقد جاء في نسخة: وقال فيهم، وفي نسخة: وقال فيه، فالجمع راجع إلى المماليك أي: قال في أمرهم وعتقهم، والواحد راجع إلى السيد أي: قال في شأنه وما فعله عن عتقه.

стр. 2649

والتجزئة مهموز: القسمة والتقطيع وجعل الشيء أجزاء، تقول: جزأت الشيء تجزئةً إذا قسمته. والأقراع والإسهام سواء، تقول: أقرعت بين القوم وأسهمت وقوله: "وأرق أربعة" أي: أبقاهم في الملكة وهم الذين لم تقع القرعة [عليهم] (١). والذي ذهب إليه الشافعي: أن السيد إذا أعتق عبيدًا له في مرضه المخوف الذي يتصل به الموت، وكانوا جميع ماله، وأعتقهم دفعة واحدة، ولم تجز الورثة العتق فيما زاد على الثلث، أنهم يجزءون ثلاثة أجزاء: جزءًا للعتق، وجزأين للرق ويقرع بينهم، فمتى لم يوجد شرط من هذه الشروط الأربعة التي هي: مرض الموت، واستغراق المال، والعتق دفعة، وامتناع الورثة. لم يجزؤا ثلاثة، لأنه أن أعتقهم في حال صحته، أو مرضه الذي لم يمت فيه فإنهم يعتقون جميعًا، وإن أعتق واحدًا بعد واحد قدمنا الأول ولم يقرع بينهم، وإن كان له مال آخر يخرجون به من الثلث عتقوا جميعهم، وإن أجازت الورثة عتق جميعهم، فإذا وجدت الشروط أقرعنا بينهم. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وعمر بن عبد العزيز. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعتق من كل واحد منهم ثلثه ويستسعى في قيمة باقيه. ويروى ذلك عن الشعبي والنخعي. قد تضمن هذا الحديث: أن حكم العتق في المرض الذي يموت فيه المعتق حكم الوصايا، وأن ذلك من الثلث، وفيه إثبات القرعة في تمييز الأمور الشائعة في الأعيان. وقوله: "فجزأهم" إنما يريد به التجزئة في القيمة لا في الأعيان وعدد الرؤوس، وهكذا هو الحكم.

стр. 2650

وإنما قال: "أعتق اثنين وأرق أربعة" لأن قيمتهم وافقت عددهم، فإن عبيد أهل الحجاز إنما كانوا الزنوج والحبش، والقيم تتساوى فيهم غالبًا أو تتقارب، ولذلك إذا اختلفت [القيم] (١) والعدد عدل إلى القيمة ولم يبال بتفاوت العدد، حتى لو كانوا أربعة وقيمة اثنين مائة، وقيمة الاثنين الباقين مائتان؛ جعل الاثنان اللذان قيمتهما مائة جزءًا واحدًا، والاثنان الآخران اللذان قيمتهما مائتان جزئين، ثم يقرع بينهم. وتفريق العتق في أجزاء العبد يؤدي إلى الضرر في الملَّاك والمماليك معًا، وعتق الجميع يرفع الضرر ويبقى سوء المشاركة. وقد اعترض قوم على هذا فقالوا: في هذا ظلم للعبيد، لأن السيد إنما قصد إيقاع العتق عليهم جميعًا، فلما منع حق الورثة من استغراقهم وجب أن يقع القدر الجائز منه شائعًا فيهم؛ لينال كل واحد منهم حصته منه كما لو وهبهم ولا مال له غيرهم، وكما لو أوصى بهم. فإن الهبة تصح في جزء كل واحد منهم قبل. هذا قياس ردته السنة الثابتة، فإن صاحب الشريعة ﷺ إذا قال قولًا وحكم بحكم لم يجز الاعتراض عليه برأي ولا بأصل آخر، بل يجب عليه تقريره على حاله واتخاذه أصلاً في بابه، والوصايا والهبات مخالفة للعتق، لأن الورثة لا يتضررون بوقوع الوصية والهبة شائعتين في العبد ويتضررون بوقوع العتق شائعا، وأمر العتق مبني على التغليب والتكميل إذا وجد إليه السبيل، وحكم الدين قد منع من إكماله في جماعتهم فأكمل من خرجت له القرعة منهم. قال الشافعي: وهذا الحديث أصل في أن الوصية في المرض بالثلث للأجانب، لأن عتقه إياهم في معنى الوصية لهم وهم أجانب. قال: وكانت العرب لا تستعبد من بينها وبينه نسب. يريد بها أن الوصية

стр. 2651

للأقربين منسوخة بآية الميراث. وأما كيفية القرعة؟ فتختلف باختلاف عدد العبيد ممن لهم ثلث، ومن لا ثلث لهم، وأن تتساوى فيهم، وأن لا تتساوى. وهذا شيء مستقصى في كتب الفقه، إلا أن للقرعة وجوها أحسنها: هو أن يؤخذ ثلاث رقاع مثلا ويكتب في واحدة منها حر وفي اثنتين عبد أو رق ويجعل في ثلاث بنادق من طين أو شمع ونحو ذلك، ثم تغطى بثوب ويقال لمن يحضر ذلك: أخرج واحدة منها على اسم واحد منهم، فما كان فيها من حرية أو رق فهو له، فإن خرج في الأولى حر فلا يحتاج إلى إخراج شيء آخر، وإن خرج رق عاد أخرج أخرى باسم واحد من الاثنين الباقيين، فإن خرج حر عتق وبقي الثالث عبدًا، وإن خرج في المرة الثانية عبد لم يحتج إلى إخراج الثالثة لأنها تبقى للثالث فيكون حرا. قال الشافعي عقيب حديث ابن عمر وعمران بن حصين وسعيد بن المسيب: وبهذا كله نأخذ، كل واحد من هذه الأحاديث ثابت عندنا عن رسول الله ﷺ . ثم ذكر مذهب نفسه، ثم مذهب غيره في استسعاء العبد في باقيه وأطال القول فيه، محتجًا على إبطال من ذهب إليه بإبطال ما رووا فيه وبعضه والطعن في رواته، فطال الكتاب بنقل ما ذكره. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن [أبي] (١) نجيح، عن مجاهد أن عليًا ﵁ قال: الولاء بمنزلة الحلف أقره حيث جعله الله تعالى هكذا رواه الشافعي عن سفيان، ورواه عباس النرسي عن سفيان: الولاء بمنزلة النسب لا يباع ولا يوهب أقره حيث جعله الله تعالى. ورواه عبد الله بن مغفل، عن علي -كرم الله وجهه- قال: الولاء شعبة من النسب. الحِلْف -بكسر الحاء وسكون اللام-: العهد يكون بين القوم وقد حالفه أي نصره، وفي الحديث: أنه حالف بين قريش والأنصار، يعني: آخى بينهم لأنه

стр. 2652

حلف في الإسلام، ومعنى جعل الولاء بمنزلة الحلف: يريد في المناصرة والمعاقدة وأنه يجب على المولى لزوم مواليه وأن لا يوالي غيرهم، كما يجب على المخالف لزوم مخالفته. وقوله: "أقره حيث جعله الله تعالى" يريد أنه لا يغيره عما أجراه الإسلام عليه من الالتزام به فإن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام"، وكان الحلف في الجاهلية على معان، فما كان منه على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي نهى النبي ﷺ عنه وقال: "لا حلف في الإسلام" يريد: على مثل هذا، وما كان منه على نصر المظلوم وصلة الأرحام واصطناع المعروف فذلك الذي قال فيه: "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده في الإسلام إلا شدة" يريد: المعاقدة على الخير ونصر الحق، والمشابهة بين الولاء والحلف من هذا الوجه والله أعلم. قال الشافعي: قال الله -تعالى-: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ في مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (٢) فنسب إبراهيم إلى أبيه وأبوه كافر، ونسب ابن نوح إلى أبيه وابنه كافر، وقال الله ﵎ لنبيه ﷺ في زيد بن حارثة: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾ (٤)، فنسب الموالي بنسبين: أحدهما: إلى الآباء، والآخر إلى الولاء، وجعل الولاء بالنعمة، وقال رسول الله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق"، وقال: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" فدل الكتاب والسنة على أن الولاء إِنما يكون بتقدم فعل من المعتق، كما يكون

стр. 2653

النسب بتقدم ولاء من الأب. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة أنها أرادت أن تشتري جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، إنما الولاء لمن أعتق". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة يعني نحوه ولم يقل عن عائشة وذلك مرسل. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وذكر الحديث بطوله. هذا حديث صحيح متفق عليه، وسيرد في كتاب "المكاتب"، وقد تقدم ذكره بطوله في كتاب "البيع" أيضًا مع شرح ألفاظ الحديث ومعناه، وإنما ذكر هنا ليستدل به على أن الولاء لمن أعتق. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن، عن يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا تباع ولا توهب". هذا الحديث هكذا رواه الشافعي في كتاب "البحيرة والسائبة" (١) عن محمد ابن الحسن الفقيه، عن أبي يوسف القاضي صاحبي أبي حنيفة. وكأن محمد ابن الحسن قد رواه للشافعي من حفظه فتركه في إسناده عبيد الله بن عمر، وقد رواه محمد بن الحسن في كتاب "الولاء" عن أبي يوسف، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن دينار، وهذا اللفظ الذي رواه محمد بهذا الإسناد غير محفوظ، فإن رواية الجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن

стр. 2654

بيع الولاء وعن هبته. هكذا رواه عبيد الله بن عمر في رواية عبد الوهاب الثقفي ومالك والثوري وشعبة والضحاك بن عثمان وسفيان بن عيينة وسليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر وغيرهم. ورواه عمير بن النحاس، عن ضمرة، عن الثوري على اللفظ الذي رواه أبو يوسف وقد اجتمع أصحاب الثوري على خلافه، وأصح ما روي فيه حديث هشام بن حسان، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب لا تباع ولا توهب" وهذا مرسل، وروي عن عمر بن الخطاب من قوله: اللحمة في القرابة والنسب -بضم اللام- وقد جعل النبي ﷺ الولاء بمنزلة القرابة والنسب، لا يمكن الانفصال منه كما لا يمكن الانفصال من النسب، وكما أن النسب لا يباع ولا يوهب فكذلك الولاء. أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح أن طارق بن المرقع أعتق أهل بيت سوائب فأتى بميراثهم، فقال عمر بن الخطاب: أعطوه ورثة طارق فأبوا أن يأخذوه، فقال عمر: اجعلوه في مثلهم من الناس. هكذا أخرجه في كتاب "جراح العمد"، وأخرجه في كتاب "الولاء" (١) قال: أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء أن طارق بن المرقع أعتق أهل أبيات من أهل اليمن سوائب فانقطعوا عن بضعة عشر ألفًا، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فأمرني أن أدفع إلى طارق أو ورثة طارق -أنا شككت- في الحديث هكذا. السوائب: جمع سائبة، والسائبة: هو الذي يترك يسيب أي: يمشي ويذهب حيث شاء، من ساب يسيب إذا ذهب مستمرا, ولذلك سميت الدابة سيبة أي: ذاهبة حيث أرادت.

стр. 2655

وقولهم: أعتق فلان عبده سائبة أي: أعتقه وقطع ما بينه وبينه من العلاقة، فلا يلتزم به، ولا عقل بينهما ولا ميراث ولا شيء، ومنه السائبة التي كانوا يسيبونها في الجاهلية من الإبل. وقوله: "أعطوه ورثة طارق" لأن طارقًا كان قد أعتق هؤلاء سوائب والسوائب كان لا يرثهم معتقهم فامتنعوا من أخذ المال لذلك، فقال عمر: اجعلوه في مثلهم من الناس، أي: فيمن كان سيبه من الناس، وأن يشتري به عبيدًا فيعتقوا سوائب. قوله: "فانقلبوا عن بضعة عشر ألفا" أي: ماتوا عن هذا القدر المعروف من المال. وقوله: "فأمرني" هكذا جاء في نسخ السنن (١) وكأنه سهو من النساخ، لأن الحديث مرسل عن عطاء، وعطاء لا يقول: فأمرني عمر، إنما يقول فأمر عمر، ويعضد ذلك رواية البيهقي (٢) فإنه قال: فأمر أن يدفع إلى طارق أو ورثة طارق. قال الشافعي: كان أهل الجاهلية يبحرون البحيرة، ويسيبون السائبة ويوصلون الوصيلة، ويعتقون الحاكم وهذه من الإبل والغنم السائبة كانوا يقولون: قد أعتقناك سائبة، ولا ولاء لنا عليك، ولا ميراث يرجع منك، ليكون أعظم لتبررنا فيك. وكانوا يقولون في الحام إذا ضرب الفحل في إبل الرجل عشر سنين، وقيل له نتج له عشرة: حام أي: حمى ظهره لا يحل أن يركب، ويقولون في الوصيلة وهي من الغنم إذا وصلت بطونا توأما ونتج لنتاجها، وكانوا يمنعونها مما يفعلون بغيرها فأنزل الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ

стр. 2656

وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١) فرد الله ثم رسوله الغنم إلى مالكها؛ إذا كان العتق لا يقع على غير الآدميين، وكذلك لو أنه أعتق بعيره لم يمنع بالعتق منه، إذ حكم الله أن يرد ذلك ويبطل الشرط، وكذلك أبطل الشرط في السائبة ورده إلى ولاء من أعتقه. قال الشافعي ﵁: ونحن نقول: إن أعتق رجل سائبة فهو حر وولاؤه له. ثم ذكر هذين الحديثين عن عطاء. والذي ذهب إليه الشافعي: أن من أعتق سائبة فهو عتيق وولاؤه له. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يعتق ولا يكون له عليه ولاء، إنما يكون ولاءه للمسلمين فإذا قال لعبده: أنت سائبة، كان ذلك كناية، فإن لم يكن له نية لم يعتق، وإذا أراد به العتق عتق. وقد أخرج الشافعي: عن سفيان قال: أخبرنا أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر قال: كان سالم -مولى أبي حذيفة- مولى لامرأة من الأنصار يقال لها: عمرة بنت يعار أعتقته سائبة، فقتل يوم اليمامة فأتي أبو بكر ﵁ بميراثه فقال: أعطوه عمرة فأبت [أن] (٢) تقبله. وعن الشافعي: عن سفيان، عن سليمان بن مهران، عن النخعي أن رجلاً أعتق سائبة فمات، فقال عبد الله: هو لك، قال: لا أريده، قال: فضعه إذًا في بيت المال فإن له وارثًا كثيرًا. وقد روي حديث ابن مسعود موصولاً عن علقمة بن عبد الله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن

стр. 2657

أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه أنه أخبره: أن العاص بن هشام هلك وترك [بنين له ثلاثة، اثنان لأم، ورجل لعله، فهلك أحد الذين لأم وترك] (١) مالًا وموالي، فورثه أخوه الذي لأمه وأبيه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الذي ورث ولاء الموالي وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: قد أحرزت المال وولاء الموالي، وقال أخوه: ليس كذلك إنما أحرزت المال، فأما ولاء الموالي فلا، أرأيت لو هلك أخي اليوم ألست أرثه أنا؟، فاختصما إلى عثمان فقضى لأخيه بولاء الموالي. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٢) إسنادًا ولفظًا. إذا كان الأخوة لأب واحد وأم واحدة فهم الأعيان، وهذه الأخوة تسمى: المعاينة، وإن كانوا بني أب واحد وأمهات شتى فهم العلات، والواحد ابن على -بفتح العين- لأن الذي تزوج كل واحدة من أمهاتهم تزوج قبلها أخرى ثم حل من هذه الثانية، ومنه العلل الشرب الثاني بعد النهل، وإن كانوا لآباء شتى وأم واحدة فهم: الأخياف، قيل: سموا بذلك لاختلاف آبائهم فكأنه من قولهم: الناس أخياف أي: هم مختلفون. والذي ذهب إليه الشافعي: أن من أعتق عبدًا فله ولاؤه، فإذا مات العبد ولم يخلف وارثًا كان ميراثه للمعتق، فإن كان له وارثًا من قرابة أو صهر ورثه صهره وقرابته، فإن فضل من أنصبائهم شيء كان للمعتق، وسواء كان المعتق ذكرًا أو أنثى، ثم ينتقل الميراث عن المعتق إلى عصابة المذكور دون الإناث. وحكي عن طاوس أنه قال: يرثه قرابة ذكرهم وأنثاهم، ثم الولاء للكبر الأكبر في الدرجة لا في السن، ومثاله ما جاء في هذا الحديث فإن أخا الميت أكبر من ابنه وأعلى في الدرجة.

стр. 2658

وقوله: "أو هلك أخي الآن ألست أرثه أنا" يعني: الأخ الأول لو مات وخلف أخا لأب وابن أخ لأب وأم، فإن الميراث للأخ دون ابن الأخ لأن الأخ يحجب ابن الأخ، وذلك أن الولاء ورث أبو هذا الولد من أخيه لأبيه وأمه، فأما الذي مات عنه الأخ الثاني فإنه لابنه خاصة دون أخيه والولاء لأخيه دون ابنه. والله أعلم. وأخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أعتقت في الجاهلية أربعين محررا، فقال لي رسول الله ﷺ : "أسلمت على ما سبق لك من خير". هكذا رواه سفيان، وقد رواه أبو معاوية عن هشام أتم من هذا وفيه: فقال يا رسول الله ﷺ ، لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا صنعت لله في الإسلام مثله، قال: وكان أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وساق مائة بدنة، فأعتق في الإِسلام مائة رقبة، وساق مائة بدنة. وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢). ...

стр. 2659

كتاب التدبير أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد [عن] (١) ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: إن أبا مدكور -رجل من بني عذرة- كان له غلام قبطي فأعتقه عن دبر منه، وأن النبي ﷺ سمع بذلك العبد فباع العبد فقال: "إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد بعد ذلك فضلاً فليتصدق". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر: أن رجلاً أعتق غلامًا له عن دبر لم يكن له مال غيره، فقال رسول الله ﷺ : "من يشتريه مني"؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم وأعطاه الثمن. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن حسان، عن الليث وحماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا عن دبر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألك مال غيره"؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "من يشتريه مني"؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فجاء بها النبي ﷺ فدفعها إليه ثم قال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل عن نفسك شيء فلأهلك، فإن فضل شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذوي قرابتك شيء فهكذا وهكذا" يريد: عن يمينك وشمالك. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار وعن أبي الزبير سمعا جابر بن عبد الله يقول: دبر رجل منا غلامًا له ليس له مال غيره، فقال النبي ﷺ : "من يشتريه مني"؟ فاشتراه نعيم بن النحام قال عمرو: سمعت جابرا يقول: عبدًا قبطيًا مات عام أول في إمارة ابن الزبير. وزاد أبو الزبير: يقال له: يعقوب.

стр. 2660

قال الشافعي: هكذا سمعته منه عامة دهري، ثم وجدت في كتابي دبر رجل منا غلامًا له فمات. فإما أن يكون خطأ من كتابي أو خطأ من سفيان، فإن كان من سفيان فابن جريج أحفظ لحديث أبي الزبير من سفيان، ومع ابن جريج حديث الليث وغيره، وأبو الزبير يحد الحديث تحديدًا يخبر فيه حياة الذي دبره، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم أحفظ لحديث عمرو من سفيان وحده، وقد يستدل على حفظ الحديث من خطئه بأقل مما وجدت في حديث ابن جريج والليث عن أبي الزبير، وفي حديث حماد عن عمرو وغير حماد يرويه عن عمرو كما رواه حماد بن زيد، وأخبرني غير واحد ممن لقي سفيان بن عيينة قديمًا، أنه لم يكن يدخل في حديثه "مات"، وعجب بعضهم حين أخبرته، أني وجدت في كتابي "مات"، قال: ولعل هذا خطأ منه أو زللًا منه حفظتها عنه. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (١): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن عمرو بن دينار. وعن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن عمرو. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد. وعن زهير، عن أبي بكر وأحمد بن عبدة، عن سفيان كليهما عن عمرو. وعن قتيبة وابن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي الزبير. وعن أحمد بن حنبل أيضًا، عن هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن

стр. 2661

عطاء وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر. وقال فيه: بسبعمائة أو تسعمائة. وأما الترمذي (١): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث. ح وعن زياد بن أيوب، عن إسماعيل، عن أيوب كليهما عن أبي الزبير. قبطي: منسوب إلى القبط، وهم هذا الجيل المعروف من الناس، وأكثرهم الآن سكان ديار مصر ويدينون اليوم دين النصارى. وقوله: "عن دبر منه" يريد: علق عتقه بموته، أي: أنه يعتق بعد ما يدبر سيده أن يولي ويموت، والعبد مدبر. والتدبير على ضربين: مطلق، ومقيد. فالمطلق: أن يقول: أنت حر بعد موتي ونحو ذلك من الألفاظ. والمقيد: أن يقول: إن من من مرضي هذا فأنت حر، أو قال: في سنتي هذه، أو سفري هذا وأشباه ذلك. وقوله: "فليبدأ مع نفسه بمن يعول" في هذا الكلام لطافة وحسن إيراد، وذلك قال أولاً: "فليبدأ بنفسه ثم إن فضل شيء" وكان القياس أن يقول: فإن فضل شيء فليعطه من يعول فعدل عن هذا اللفظ إلى قوله: "فليبدأ مع نفسه بمن يعول" فجعل الابتداء له ولمن يعول معا، وإنما الابتداء لنفسه لا لعياله، ولكن لما كانت نفقة من يعوله واجبة عليه ممتزجة بنفقته ومؤنته، جعل الابتداء لنفسه ولمن يعول مشتركين فيه، فكأنه قال: "فليبدأ بنفسه وبمن يعول" فجعل ما يتعلق بمن يعول ابتداء المعنى، ولولا قوله: "مع نفسه" لجاز أن يكون أراد بالابتداء حق من

стр. 2662

يعول ابتداء على من بعده، ولكن قوله: "مع نفسه" يمنع من ذلك، فإن لفظة "مع" تنفي أن يكون الابتداء بنفسه وبمن يعول معًا في حالة واحدة، وذلك لامتزاج النفقتين واتحاد المؤنتين. وقوله: "لم يكن له مال غيره" بغير واو قيل: إنه لم يفيد أنه في موضع الصفة للغلام، كأنه قال: أعتق غلامًا منفردًا بالمالية التي له، وفي بعض الروايات بإثبات الواو وهي عاطفة على ما قبلها. وأما اللفظة -التي ذكرها الشافعي أنه وجدها في كتابه، وهي لفظة "مات" فإن الحفاظ لم يثبتوها ولم يعرفوها في هذا الحديث، لا من طريق سفيان ولا من غيره، وقد أنكرها الشافعي واستقصى القول فيها، ويشبه أن يكون هذا الوهم إنما وقع لبعض من رواه الآن لأن في بعض الروايات: أن رجلاً أعتق مملوكه إن حدث به حدث فمات، قوله: "فمات" من شرط العتق وهو من قول المعتق يوم التدبير، وليس بإخبار عن موت المعتق. والذي ذهب إليه الشافعي: أن تدبير العبد لا يمنع من التصرف فيه، ويجوز فسخ التدبير وبيع العبد متى شاء. وروي مثل ذلك عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد، وعن أحمد روايتان. أحدهما: يجوز بيعه على الإطلاق. والثانية: يباع لأجل الدين. وقال أبو حنيفة: إن كان التدبير مقيدًا جاز بيعه، وإن كان مطلقًا لم يجز التصرف فيه. وقال مالك: لا يجوز بيعه، مطلقا كان التدبير أو مقيدا. قال الشافعي: ويجوز الرجوع في التدبير بالقول، مثل أن يقول: فسخت

стр. 2663

التدبير أو أبطلته ونحو ذلك، وبالفعل كالبيع والهبة. وقال في أكثر كتبه الجديدة: ولا يزول التدبير إلا بالفعل كالبيع والهبة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة أن عائشة دبرت جارية لها، فسحرتها، فاعترفت بالسحر، فأمرت بها عائشة أن تباع من الأعراب ممن يسيء مِلكها فبيعت. هذا الحديث قد أخرجه مالك في الموطأ (١) بهذا الإسناد أن عائشة -زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دبر منها، ثم إن عائشة اشتكت بعد ذلك ما شاء الله أن تشتكي، ثم دخل عليها رجل سندي فقال لها: أنت مطبوبة، فقالت عائشة: ومن طبني؟ قال: امرأة من نعتها كذا وكذا فوصفها، وقال: إن في حجرها الآن صبيًا قد بال، فقالت عائشة: ادعو لي فلانة - لجارية لها كانت تخدمها- فوجدوها في بيت جيران لهم في حجرها صبي قد بال، فقالت: حتى أغسل هذا الصبي، فغسلته ثم جاءت فقالت لها عائشة: أحببت العتق فوالله لا تعتقين أبدًا، ثم أمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكتها، قالت: ثم ابتع لي بثمنها رقبة فأعتقها ففعل. وهذا المعنى رواه الشافعي في القديم عن مالك. الأعراب: ساكنوا البادية ممن لا يأوي إلى المدر والقرى، وهو جمع لا واحد له من لفظه. وسوء الملكة: خلاف حسنها وهو أن يستعمل العبد فيما يشق عليه، ويكلف ما ليس في وسعه من الخدمة، وأن يجاع ويعرى ويضرب ونحو ذلك من أنواع الأذى. والسندي: منسوب إلى السند وهم ناس معروفون من جنس الهنود أو قريب

стр. 2664

منهم، وبلادهم جميعًا متصلة من جهة المشرق. والمطبوب: المسحور. وقوله: "والله لا تعتقين أبدا" يعني: أنها تنقض تدبيرها وتبيعها فلا تعتق بسبب التدبير. وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: باع النبي ﷺ مدبرًا احتاج صاحبه إلى ثمنه. وأخرج الشافعي قال: أخبرنا علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: المدبر من الثلث. قال الشافعي: قال لي علي بن ظبيان: كنت أخذته مرفوعًا، فقال لي أصحابي: ليس بمرفوع وهو موقوف على ابن عمر فوقفته، والحفاظ الذين حدثوه يقفونه على ابن عمر، وقد رواه عثمان بن أبي شيبة في آخرين عن علي ابن ظبيان مرفوعًا، والصحيح موقوف كما رواه الشافعي وروى أيضًا عن علي وابن مسعود مرسلًا موقوفًا. وأخرج الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه دبر جاريتين له، فكان يطأهما وهما مدبرتان. ***

стр. 2665

كتاب المكاتب أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن بريرة جاءت لتستعين عائشة، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فقالوا: إلا أن يكون ولاؤها لنا، قال مالك: قال يحيى: فزعمت عمرة أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، فاشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق". هذا الحديث صحيح متفق عليه، وقد تقدم له طرق في كتاب "البيع"، وفي كتاب "العتق"، وله روايات كثيرة إلا أن مالكا أرسله في أكثر الروايات وأسنده عنه مطرف بن عبد الله، وأسنده الشافعي عنه في كتاب "اختلاف الحديث"، وفي كتاب "البحيرة والسائبة"، وأرسله المزني عنه وغيره وهو المحفوظ من حديث مالك، وقد رواه غير مالك موصولاً منهم: سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وجعفر بن عون وعبد الوهاب الثقفي كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة، عن عائشة (١). وأخرجه المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: أردت أن أشتري بريرة فأعتقها، فاشترط علي مواليها أن أعتقها ويكون الولاء لهم، قالت عائشة: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق"، ثم خطب الناس فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ فمن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط". قال الشافعي: حديث يحيى، عن عمرة، عن عائشة أثبت من حديث هشام وأحسبه غلط في قوله: واشترطي لهم الولاء، بغير أمر رسول الله ﷺ . وهي
следующие страницы →