و "من" في قوله: "من الشهر" للتبعيض لأن الحيض في بعض الشهر، ويجوز أن تكون التي للتبيين؛ يريد الأيام التي كانت تحيض فيهن من كل شهر.
وقوله: "قبل أن يصيبها الذي أصابها" يريد الاستحاضة, لأن دم الحيض كان يأتيها قبل حدوث ذلك بها؛ فاعتبارها بأيام حيضها المعتاد أولًا.
"وخَلَفْتُ الشيء" أخلفه -مخففًا-: إذا جئت بعده، وخَلَّفْتُه أخلِّفه -مشددًا- إذا تركته بعدك.
والمراد في الحديث: له أول وذلك أنها أذهبت تلك الأيام وقضتها؛ وانفصلت عنها وبقيت بعدها، لأن الأيام تبقى بعدها.
"والاستثفار": مِن الثفر وهو الذي يجعل تحت ذنب الدابة ليحفظ الرَّحْل على ظهرها.
وصورة الاستثفار: أن تشد المرأة وسطها بخرقة أو حبل ونحو ذلك، ثم تحشو فرجها قطنًا أو خرقة أو ما يجري مجراها؛ ثم تضع فوق ذلك منديلًا على فم الفرج؛ وتشد طرفيها في الخرقة أو الحبل الذي شدت به وسطها من بين يديها ومن خلفها ليمنع بذلك الدم أن يجري أو يقطر، وقد تبدل من الثاء ذال فيقال:
تستذفر وكذلك الذفر.
والذي ذهب إليه الشافعي في حكم المستحاضة؛ قد ذكرناه في حديث عائشة قبل هذا، ونحن نزيده هاهنا بيانًا:-
وذلك أنا قد قلنا إنها المعتادة التي لاتمييز لها، وأنها تُرَدُّ إلى عادتها في أيام حيضها؛ فيكون حيضها تلك الأيام والباقي استحاضة، ثم إنها تغتسل مرة واحدة ويصير حكمها حكم الطواهر في وجوب الصلاة والصوم؛ وسائر الأحكام الشرعية التي لا يجوز للحائض فعلها؛ إلا أنها تتوضأ لكل صلاة، فإذا المستفاد من العادة قدر الحيض ووقته -واللَّه أعلم.
стр. 317
أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد اللَّه بن محمد ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فجئت إلى النبي ﷺ أستفتيه فوجدته في بيت أختي زينب فقلت: يا رسول اللَّه، إن لي إليك حاجة [.......] (١).
في شعره من الجنابة بالتخلل.
"والحفن": أخذك الشيء براحة الكف والأصابع مضمومة، وملء كل كف حفنة؛ قاله الأزهري.
وقال الجوهري: "الحفنة" ملء الكف من طعام، و"حفنت الشيء" إذا جَرَفْتَهُ بِكِلْتَىْ يديك، ولا يكون إلا من الشيء اليابس كالدقيق ونحوه.
وهذا التخصيص غير معروف بدليل هذا الحديث؛ فإنه قال: "حفن على رأسه ثلاث حفنات"، و"الحفنات" جمع سلامة الحفنة وفاؤها في الواحد ساكنة، وفي الجمع مفتوحة، وهو قياس مطرد في الاسم الصحيح دون المعتل؛ والحفنة يجوز أن تكون اسمًا للمأخوذ بالكف، ويجوز أن تكون المرة الواحدة.
"والأذي": كناية عن النجاسة التي تعلق بالجسد.
ومعنى قوله "غسل عنه بشماله" أي غسل الأذي عن جسده بشماله.
"والغرفات": جمع غرفة؛ فإن كانت غينها وراؤها مفتوحتين فهي جمع غرفة مفتوحة الغين مثل: قصَعَة وقصَعَات، كما قلنا في حفنة وحفنات.
وإن كانت غينها مضمومة فهي جمع غُرفة مضمومة الغين.
وفيها ثلاث لغات: غُرُفات -بضم الغين والراء- وغُرْفات بضم الغين وسكون الراء، وغُرَفات بضم الغين وفتح الراء. والذي ذهب إليه الشافعي في كيفية غسل الجنابة: فيه ما هو واجب وسنة.
فأما الواجب: فهو النية، واستيعاب الجلد بالماء.
стр. 318
أما النية: فحكمها في الغسل حكم الوضوء.
وأما الاستيعاب:- فيجب إيصال الماء إلى جميع بشرة الإنسان، وإلى جميع شعره، ولا يجب المضمضة والاستنشاق في الجنابة.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى: هما واجبتان فيهما.
وقال داود (١) وأبو ثور: الاستنشاق واجب دون المضمضة.
وأما السنة: فالأكمل في الغسل هو أن يبتدئ فيسمى اللَّه تعالى، ثم يغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يصب الماء بيمينه على شماله؛ فيغسل ما على بدنه من أذى إن كان ثم يتمضمض ثلاثًا؛ ويستنشق ثلاثًا؛ ويتوضأ وضوء للصلاة.
وقيل: إنه يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة (٢) ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء؛ فيأخذ الماء بها فيُشْرب بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من الماء، ثم يفيض على سائر جسده؛ ويتعهد معاطف (٣) بدنه، ويبتدئ بميامنه ثم بمياسره، ثم يمر يديه على
стр. 319
جميع بدنه ليصل الماء إلى جميع شعره وبشره، ثم يتحول من موضعه فيغسل قدميه، ويستحب له التكرار ثلاثًا مثل الوضوء.
وحكي عن مالك، والمزني أنهما قالا: إمرار اليد إلى حيث يصل واجب.
وأما نقض الضفائر فسيرد بيانه في حديث أم سلمة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي ﷺ كان يغرف على رأسه ثلاثًا وهو جنب".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣).
فأما البخاري: فأخرجه عن محمد بن بشار قال: حدثني غندر، عن شعبة، عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر قال:
"كان رسول اللَّه ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثاً".
وفي أخرى: عن أبي نعيم، عن معمر بن يحيى، عن أبي جعفر قال: قال لي جابر: أتاني ابن عمك -يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية- فقال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: "كان النبي ﷺ يأخذ ثلاث أكف ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده". فقال لي الحسن: إنى رجل كثير الشعر، فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا.
وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر نحو رواية البخاري الثانية، وقال: كان شعر رسول اللَّه ﷺ [] (٤) فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟
стр. 320
فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا".
وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، بإسناد البخاري الأول ولفظه.
وفي الباب: عن جبير بن مطعم.
إنما قال ثلاثًا ولم ويعين من أي شيء هي، لأنه قال: "كان يغرف على رأسه"، فعلم أن الثلاث هي عدد المرات من الغرف، ولذلك حذف منها التاء, لأنه الغرفات وهي مؤنثة.
وقوله: "كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا" أي أنه مع كثرته كان يكتفي بثلاث غرفات، فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه.
وقد جاء في رواية "وأطيبهم بدنًا" أطيب هنا للمبالغة في الطهارة والنظافة، وأنه كان مع كثرته واكتفائه بالغرفات الثلاث وقلتها أنظف وأطهر؛ فعبر بالطيب عن ذلك.
وقوله في رواية مسلم الأخرى: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا" من أحسن الأجوبة وألطفها وأبلغها وأكفاها مع الزيادة التي فيها من تسهيل الأمر عليهم بالإقتداء به والاتباع لفعله، وإنه -مع كونه مشرعًا ومحتاطًا في أمور دينه أكثر من كل أحد من أمته- يكتفي بهذه الإفراغات الثلاث ولا يزيد عليها فما الظن بكم فأنتم المقتدون بي والسالكون طريقتي، والمهتدون بهديي.
قولهم بهذا الجواب أقل ما يجب عليهم في الغسل؛ وأن ذلك لا يضر مع برد البلاد لعلته حتى لا يظنوا لو قال لهم: يجب عليكم استيعاب الشعر والبشر غسلًا؛ أن الواجب عليهم الإكثار من الماء فكانوا يفعلونه فيتضرَّرون به لشدة البرد.
стр. 321
وأخبرنا الشافعي: عن ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن [سعيد] (١) بن أبي سعيد، عن عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه إني امرأة أشد ضفر رأسي؛ فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء؛ ثم تفيضين (٢) عليك الماء فتطهرين أو قال "إذا أنت قد طَهُرْتِ".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
فأما مسلم: فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، كلهم عن ابن عيينة. قال إسحاق: أخبرنا سفيان بالإسناد وذكر الحديث، إلا أنه قال: أفأنقضه [لغسل الجنابة] (٧).
وفي أخرى له: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: "لا" وفي أخرى: أفأحله فأغسله من الجنابة؟
وأما أبو داود: فأخرجه عن زهير بن حرب، وأحمد بن عمرو بن السرح، عن سفيان بالإسناد، عن أم سلمة: أن امرأة من المسلمين، وقال زهير: إنها قالت وذكره نحوه، وقال فيه: "ثم تفيضي [على سائر] (٨) جسدك فإذا أنت قد طهرت".
стр. 322
وفي أخرى: أن امرأة جاءت إلى أم سلمة قالت: فسألت لها رسول اللَّه ﷺ بمعناه قال فيه: "اغمزي فيه قرونك عند كل حفنة".
وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن أبي عمر، عن سفيان بإسناد الشافعي ولفظه، إلا أنه قال: "فإذا أنت قد تطهَّرْت".
وأما النسائي: فأخرجه عن سليمان بن منصور، عن سفيان بالإسناد، قالت: قلت يا رسول اللَّه، إني امرأة شديدة ضفيرة (١) رأسي أفانقضها عند غسلها من الجنابة؟ قال: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضين على جسدك".
وفي الباب: عن عائشة.
"الشد": الإيثاق، شده إذا أوثقه، وهو من الشدة القوة، والمراد به هنا: تقوية فتل الضفيرة؛ وإدخال بعض خصلها في بعض.
"والضفر": مصدر ضفرت الشعر أضفره ضفرًا، وهو نسجه وإدخال بعضه في بعض "والضفيرة" الذؤابة المضفورة، والضفائر جمعها.
"والنقض": خلاف البناء، والمراد به في الحديث حل الضفيرة، وقد جاء في رواية الشافعي والترمذي: فأنقضها بإسقاط حرف الاستفهام (٢)، وباقي الروايات بإثباتها والمعنى فيهما سواء، إلا أن الأصل إثبات حرف الاستفهام؛ لأنه حرف من حروف المعاني التي جيء بها لأجل المعنى المطلوب، وأما من حذفه فإنما حذفه لكثرة الاستعمال ودلالة الحال عليه وفهم المخاطب لغرض [.......] (٣).
قال الشافعي: وليسوا يقولون لهذا -يريد بعض العراقيين وإنما أورده فيما خالفوا عبد اللَّه بخبر آخر وغيره، ولا يقبلون منا أمثال ذلك.
стр. 323
الفرع الثالث (*)
في نوم الجنب
لم يرد في هذا المعنى في المسند حديث، وإنما الشافعي قال في القديم: أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، أنه قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول اللَّه ﷺ أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال رسول اللَّه ﷺ "توضأ واغسل ذكرك ثم نم".
هذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة (١).
وقال الشافعي أيضًا: وأخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل، فلا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة (٢).
وقال الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة".
وهذا حديث صحيح، أخرجه الجماعة (٣) كلهم.
قال الشافعي في البويطي: ومن أراد النوم وقد أصابته الجنابة؛ فليتوضأ قبل أن ينام وضوءه للصلاة، وليس ذلك على الحائض.
стр. 324
الفصل الثالث (*)
في غسل الحيض
أخبرنا الشافعي؛ أخبرنا سفيان، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن صفية بنت شيبة [عن عائشة ﵂] (١) قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض؟ فقال: "خذي فِرْصَةً من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "سبحان اللَّه سبحان اللَّه":- واستتر بثوبه -تطهري بها؛ فاجتذبتها وعرفت الذي أراد؛ فقلت لها: تتبعي بها آثار الدم -يعني: الفرج".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).
فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى، عن ابن عيينة بالإسناد نحوه.
وفي أخرى: عن وهيب [عن] (٦) منصور بالإسناد، أن امرأة من الأنصار قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل من الحيض؟
قال: "خذي فرصة مُمَسَّكَة وتوضئي ثلاثًا"، ثم إن النبي ﷺ استحيا فأعرض بوجهه وقال: "توضئي بها"، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ .
وأما مسلم: فأخرجه عن عمرو بن محمد الناقد، وابن أبي عمر جميعًا، عن
стр. 325
ابن عيينة وذكر الحديث وفيه: "أثر الدم"، "وآثار الدم" معًا.
وفي أخرى عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حِبَّان، عن وهيب، عن منصور بالإسناد نحو حديث البخاري.
وفي أخرى: عن محمد بن المثنى، وابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دَلْكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها؛ ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها" فقالت أسماء: فكيف أتطهر بها؟
فقال: "سبحان اللَّه! تطهرين بها" فقالت عائشة:- كَأنها تخفي ذلك تتَّبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟
فقال: "تأخذ ماءً فتطهَّر فتحسن الطهور" -أو "تبلغ الطهور"- ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء" فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وله روايات أخرى.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سلام بن سليم، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية، عن عائشة قالت: دخلت أسماء على رسول اللَّه ﷺ وذكر نحو رواية مسلم، إلا أنه لم يذكر الجنابة.
وفي أخرى: عن مسدد، عن أبي عوانة، عن ابن مهاجر بالإسناد وذكر نحوه، إلا أنه قال: "فرصة ممسكة" قال مسدد: كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: [قرصة] (١).
стр. 326
وأما النسائي: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان بالإسناد ونحوه.
وفي أخرى: عن [الحسن] (١) بن محمد، عن عفان، عن وهيب، عن منصور بالإسناد: أن امرأة سألت النبي ﷺ قالت: يا رسول اللَّه، كيف أغتسل عند الطهور؟ قال: "خذي فرصة ممسكة فتوضئ بها" قالت: كيف أتوضأ بها؟ قال: توضئيء بها" قالت: كيف أتوضأ بها؟ قالت: ثم إن رسول اللَّه ﷺ سبح وأعرض عنها، ففطنت عائشة لما يريد رسول اللَّه ﷺ .
فأخذتها، فجبذتها إلىَّ، فأخبرتها بما يريد رسول اللَّه ﷺ .
"الحيض": عبارة عن جريان الدم من فرج المرأة، في أوقات معلومة ونوب معتادة، ولا يكاد يختلف على المرأة، فإن اختلف أو دام جريانه؛ وتغيرت أوقاته فهو استحاضة.
قال الأزهري: ومسيل الاستحاضة عن عرق يقال له: العاذل، تقول: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا فهي حائض وحائضة.
أيضًا عن الفراء، ونساء حُيَّضٌ، فالمحيض يكون اسمًا ويكون مصدرًا.
"والحيضة": بالكسر الاسم وجمعها حيض وحيضات ساكنة الياء، فأما الحيضة بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض، والجمع حَيْضات -مفتوحة الحاء ساكنة الياء أيضًا- وقد تقدم بيان ذلك.
والفِرْصة: -بكسر الفاء وسكون الراء وبالصاد المهملة- قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، وهي من الفرص: القطع.
وقوله: "من مسك" ظاهره أن الفرصة هي من المسك أي قطعة منه، وعليه المذهب.
стр. 327
وقول الفقهاء: إن الحائض بعد انقطاع الدم إذا اغتسلت يستحب لها أن تأخذ يسيرًا من مسك فتطيب به مواضع الدم، ليذهب به ريحه، قالوا: "والفِرْصَة" القطعة من كل شيء.
وأهل اللغة: لم يطلقوا هذا القول، وإن كان القياس يقتضيه لأنه من الفرص: القطع.
فإن لم تجد المسك أخذت طيبًا غيره، وهذا من غسل الحيض عند الفقهاء، عملًا بهذا الحديث.
ولذلك قوله ﷺ : "فرصة ممسكة" أي مطيبة بالمسك وهذا ظاهر في اللغة، أي تأخذ قطعة من صوف أو قطن أو خرقة فتطيبها بالمسك، وتتبع بها أثر الدم فيحصل منه فوائد الطيب والتنشيف وإزالة الدم بالمسح.
وهذه الرواية أوضح من الأولى وأبين، واتفق عليها البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
والأولى لم يخرجها أبو داود، وقد حكى أبو داود في بعض طرقه عن أبي الأحوص قرصة -بالقاف- يعني شيئًا يسيرًا يؤخذ من المسك مثل: القرصة بطرف الإصبعين: الإبهام والسبابة، ولكنه لم يذكر "من المسك" لما أورده في آخر حديثه الذي ذكر فيه "فرصة ممسكة" كما سبق.
قال الخطابي في شرح هذا الحديث، في معالم السنن (١): وقد تأول بعضهم "الممسكة" على معنى الإمساك دون الطيب، يقال: أمسكت (٢) الشيء ومسكته يريد أنها تمسكها بيدها فتستعملها، وقال: متى كان المسك عندهم بالحال التي يمتهن؛ فيتوسع في استعماله وفي هذا الموضع (٣).
وهذا الأمر وإن كان حكاه الخطابي والحالة تناسبه، ولكن الصحيح الأول وهو الذي ذهب إليه الفقهاء والمحدثون من الصدر الأول، وهم أعرف بتأويل
стр. 328
الأحاديث ومعانيها, ولا يجوز مخالفتهم لقياس مناسب وأمر محتمل لا حاجة إليه ولا ضرورة -واللَّه أعلم.
وقوله: "تتبعي بها أثر الدم" يريد أن يعصر بالفرصة الأماكن التي نالها الدم فتنضحه بها؛ وتوصله إليها لتزيله منها.
ومعنى قوله: "سبحان اللَّه" في هذا المقام: التعجب من سؤالها وأن هذا ليس مما يخفى عن أحد حتى تكرر السؤال عنه.
وفيه معنى الاستحياء من سماع هذا السؤال لما فيه من إظهار حالة المرأة في حيضها وذِكْرِ فرجها، وكثيرًا ما يستريح المتعجب والمستحيي إلى أمثال هذا اللفظ، فيقول مرة: سبحان اللَّه، ومرة: لا إله إلا اللَّه، ونحو ذلك، من الألفاظ التي يستراح إليها في المخاطبات؛ ولهذا جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فأعرض بوجهه واستتر بيده" حياء من هذا الخطاب.
"والجبذ": لغة في الجذب، وقيل هو مقلوب منه.
"والشئون": هو أصل فتائل الرأس وملتقاها، وأحدها: شأن مهموز ومنها تجيء الدموع؛ قاله الجوهري.
وقال ابن السكيت: الشانآن عرقان ينحدران من الرأس إلى الحاجبين.
والمراد بالشئون في هذا الحديث: جميع منابت الشعر التي يجب إيصال الماء إليها في الغسل، فاستعمل بعض الرأس في معنى كله.
وقوله: "تطهري بها" يريد اعملي بها ما تعملين بما من شأنه أن يتطهر به، فإن الماء يتطهر به.
الضربة والدفعة: أي أن الشيطان قد عك (١) هذا الدم؛ وليس بدم حيض معتاد، يعني: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمرها وشأن دينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير كأنه ركضة نالها من ركضاته.
стр. 329
"والميقات": مفعال من الوقت، يريد الوقت الذي تعيده من الحيض.
وهذا الحديث بخلاف حديث عائشة وحديث أم سلمة، وإنما هو للتي لا عادة لها ولا تمييز.
فكذلك قد ذكر الشافعي على الأحكام الثلاثة ثلاثة أحاديث كل حديث لحكم منها؛ ورد النبي ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في محيضها في كل شهر مرة واحدة؛ على الغالب من عاداتهن ويدل على ذلك قوله: "كما تحيض النساء ويطهرن" ميقات حيضهن وطهرهن. وهذا أصل في قياس أمر النساء؛ بعضهن على بعض في باب الحيض، والحمل؛ والبلوغ، وما أشبه ذلك من أمرهن.
وقوله: "ستًّا أو سبعًا" يحتمل أن يكون ذلك على غير وجه التخيير بين الستة والسبعة؛ لكن على معنى اعتبار حالها بحال من مثلها؛ وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها؛ فإن كانت عادتها مثلها منهن أن تقعد سِتًّا قعدت ستًّا؛ وإن سبعًا فسَبْعًا؛ ويحتمل: أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم من أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتهما كانت؛ فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تتبينه من أحد العددين.
ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله: "في علم اللَّه" أي فيما علم اللَّه من أمرك من ستة أو سبعة -واللَّه أعلم.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة قال: أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين فسألت رسول اللَّه ﷺ فقال: "إنما هو عرق وليست بالحيضة" وأمرها أن تغتسل وتصلي؛ فكانت تغتسل لكل صلاة وتجلس في المركن فيعلو الدم".
وقد رواه المزني عن الشافعي نحوه، وقال في آخره: "وكانت تجلس في
стр. 330
مركن؛ فتعلو حمرة الدم، ثم تخرج فتصلي".
رواه الشافعي: عن عمرو بن أبي سلمة الدمشقي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير وعمرة.
ورواه المزني أيضًا: عن الشافعي، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن عمرة.
هذا حديث صحيح متفق عليه؛ أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن إبراهيم بن المنذر، عن معن، عن [ابن] (٢) أبي ذئب، عن ابن شهاب.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن جعفر بن زياد، عن إبراهيم بن سعد.
وعن ابن المثنى، عن سفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن عمرة.
وعن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريين، عن ابن [وهب] (٥)، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن عروة.
وفي رواية: عن عروة، وعمرة.
وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن عروة.
стр. 331
وأما النسائي (١): فأخرجه مثل الترمذي.
قال الشافعي: قد رواه [غير] (٢) الزهري هذا الحديث: "أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة".
ولكن رواه عن عمرة بهذا الإسناد والسياق، والزهري أحفظ.
قال: وقد روى فيه شيئًا يدل على أن الحديث غلط؛ قال: تترك الصلاة قدر أقرائها؛ وعائشة تقول: الأقراء: الأطهار. قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول اللَّه ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش؛ أن تغتسل عند كل صلاة؛ ولكن شيء فعلته هي.
قال الشافعي: في حديث حمنة أن النبي ﷺ قال لها: "إن قويت أن تجمعي بين الظهر والعصر بغسل؛ وبين المغرب والعشاء بغسل؛ وصلي الصبح بغسل"؛ وأعلمها أنه أحب الأمرين إليه؛ وأنه يجزئها الأمر الأول أن تغتسل عند الطهر من الحيض؛ ثم لم يأمرها بغسل بعده.
قال الخطابي: ليس كل مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة؛ وإنما هي فيمن تبتلي وهي التي لا تمييز لها؛ أو كانت لها أيام فنسيتها؛ فهي لا تعرف موضعها ولا عددها؛ ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة؛ فإذا كان كذلك فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة؛ وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة؛ لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الوقت صادف زمان انقطاع دمها؛ فالغسل عليها عند ذلك واجب ومَنْ كان هذا حالها من النساء؛ لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات لإمكان أن تكون حائضًا.
وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس؛ وتقضيه بعد ذلك؛ لتحيط
стр. 332
علمًا أنها قد استوفت عدد ثلاثين يومًا؛ في وقت كان لها أن تصوم فيه.
وإن كانت حاجَّةً؛ طافت طوافين بينهما خمسة عشر يومًا؛ لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة؛ وعلى مذهب من رأى أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن سُميّ مولى أبي بكر أن القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة؟ فقالت: تغتسل من ظهر إلى ظهر؛ وتوضأ لكل صلاة فإن غلبها الدم استثفرت.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) وقال: روى عن ابن عمر، وأنس بن مالك: تغتسل من ظهر إلى ظهر.
وكذلك رواه داود وعاصم، عن الشعبي، عن امرأته، عن قمير، عن عائشة، إلا أن داود قال: "كل يوم"، وفي حديث عاصم "عند الظهر"، وهو قول سالم ابن عبد اللَّه، والحسن، وعطاء. وقال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب "من ظهر إلى ظهر" إنما هو: "من طهر إلى طهر"؛ ولكن الوهم دخل فيه (٢).
فأخرج الشافعي في كتاب علي وعبد اللَّه: عن ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن علي قال: المستحاضة تغتسل لكل صلاة.
أورده الشافعي فيما ألزم العراقيين من خلاف على، فرع "في سلس البول"،
стр. 333
قال الشافعي: ذكر سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، أن زيد بن ثابت سلس عليه البول، فكان يتوضأ لكل صلاة.
وهذا هو المذهب، أنه لا يجوز له الجمع بين صلاتي فرض بوضوء واحد ولا طوافى فرض؛ وعليه أن يستطهر في شد رأس ذكره؛ أو يحشو في ثقبه قليل قُطْنٍ -إن أمكن- نحوًا مما تستعمله المستحاضة من الشد والاستثفار، واللَّه أعلم.
***
стр. 334
كتاب الصلاة
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في الفرائض وأحكامها
وفيه خمسة أبواب
الباب الأول في صلاة المنفرد وأحكامها
وفيه ثمانية فصول
الفصل الأول
في فرض الصلاة وكيفيتها
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد اللَّه يقول: جاء أعرابي من أهل نجد ثائر الرأس، يُسْمَعُ دَوِيُّ صوته ولا يُفْقَهُ ما يقول؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال: على غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" وذكر له رسول اللَّه ﷺ صيام شهر رمضان، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا إلا أن تَطَوَّعَ" فأدبر الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلح إن صَدَقَ".
وأخبرنا الشافعي بالإسناد، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ وذكر إلى قوله: "إلا أن تطوع" الأولى.
أخرج الرواية الأولى: في كتاب الرسالة (١).
والثانية: في كتاب استقبال القبلة مختصرة.
وقد روى الزعفراني عن الشافعي الرواية الأولى.
стр. 335
وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد ولفظ الرواية الأولى؛ وزاد "وذكر له رسول اللَّه ﷺ "الزكاة" فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع" قال: فأدبر الرجل وهو يقول. وذكر الحديث.
وأما البخاري: فأخرجه عن إسماعيل، عن مالك بالإسناد، وذكر "الزكاة" أيضًا.
وأخرجه أيضًا: عن قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، بالإسناد أن أعرابيَّا جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول اللَّه، أخبرني ماذا فرض اللَّه عليَّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس إلا أن تطّوَّع شيئًا" قال: أخبرني بما فرض اللَّه من الصيام؟ فقال: "شهر رمضان إلا أن تطوَّع" قال: أخبرني بما فرض اللَّه عليَّ مِن الزكاة؟ قال: فأخبره رسول اللَّه ﷺ بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك (٦) لا أتطوع شيئًا؛ ولا أنقص مما فرض اللَّه عليَّ شيئًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق".
وأما مسلم: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالأسناد وذكر رواية مالك.
وفي أخرى: عن يحيى بن أيوب، وقتيبة، عن إسماعيل، عن أبي سهيل، بالإسناد، قال في آخره: "أفلح إن صدق" أو "أدخل الجنة إن صدق".
وأما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بإسناده ولفظه وقال في الزكاة: فهل على غيرها؟ قال: لا [إلا] (٧) أن تطوع، وقال فيه: "أفلح وأبيه
стр. 336
إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق".
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد وبتمامه.
وفي الباب: عن عمر، وأنس، وأبي ذر، وأبي هريرة، وابن عباس.
"الأعرابي": واحد من الأعراب منسوبًا إليهم، وقد تقدم بيانه فيما سبق من الكتاب.
وقوله: "ثائر الرأس": أي شعث الشعر بعيد العهد بالتسريح والغسل والدهن؛ فهو منتفش الشعر قائم إلى جهة فوق.
"والدَّوِيّ": وَقْعُ الأصوات في الأذُنِ كدوي النحل، وهمهمة المتكلم إذا لم يفصح بالكلام، ولذلك إذا كان يتكلم أو يقول شيئًا عن بعد فلا يُفْهَمُ قوله، وهذا معنى قوله "ولا يُفْقَهُ ما يقول"، أي لا يفهمه.
"والفقه": الفهم، فَقُهَ الرَّجُلُ يَفْقُهُ -بالضم- فيهما، إذا صار فقيهًا أي عالماً فَهِمًا، فهو فعل قاصر.
فأما "فَقِهَ" -بالكسر- فمستقبله يَفْقَهُ -بالفتح-، وهو مُتَعَدٍّ تَقول: فقهت المسألة أي عرفتها وفهمتها.
و"الإسلام": معروف وهو في الأصل الانقياد والطاعة، وبينه وبين الإيمان فرق، وهو أن الإيمان ما كان بالقلب لأنه تصديق، والتصديق محله القلب، والإسلام باللسان.
وللعلماء فيهما خلاف كبير ومذاهب متنوعة، وقد يقع أحدهما موقع الآخر اتساعًا.
وقول النبي ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو خمس صلوات، أي الإسلام خمس صلوات؛ وهذا إخبار بأحد أنواع الإسلام.
ولما كان أحد أنواعه ذكر بعده الصومَ والزكاةَ؛ ولم يأت بجميع أنواع
стр. 337
الإسلام لوجهن:-
أحدهما: أن الذي ذكرهم أنواعه، ولذلك قدم الأهم منها وهو الصلاة؛ لأنها أشرف العبادات، ولأنها تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، ثم أردفها بالصوم الذي يتكرر كل سنة؛ ثم أردفه بالزكاة التي تجب على من له مال.
والظاهر من حال الأعراب أن الأكثر منهم لم تكن تجب عليهم الزكاة للفقر المستولي على أكثرهم، ولعل المخاطب قد كان يَعْلَمُ النبي ﷺ من حاله أنه لا مال له أو لأنه بزيّه وهيئته وكونه قد جاء من أهل نجد ثائر الرأس، وذلك يباين حال المترفين وأصحاب الأموال.
والوجه الثاني: أن هذا السائل كان مسترشدًا طالب هدى؛ والمرشد والهادي ينبغي له أن يوصل السائل إلى الغرض، بألطف وجه وأقرب طريق بما هو أنفع للسائل وأحسن عنده وقعًا وأن يرفق به ولا يبسط القول له ويعدد كل ما يلزمه فيثقل عليه وينفر منه، وأن يكون جوابه على حسب حال السائل؛ ألا تراه قد قال ﷺ وقد سأله رجل أي الإسلام أفضل؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (١).
وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢).
وقال -وقد سأله إنسان فقال له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك- فقال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (٣).
وقال: "من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا؛ فهو المسلم" (٤).
وأمثال هذه الأحاديث الدالة، على أنه قالها مناسبة للحال التي قالها فيه، ويجيب حسب ما يقتضيه حال السائل والسامع.
стр. 338
وقوله: "هل على غيرها؟ فقال: لا" يريد من الصلوات لا من غيرها من الفرائض، ولذلك أردفه بقول رسول اللَّه ﷺ : "الصيام".
وقوله: "إلا أن تطوع" أصله تتطوع فسكن التاء الثانية وأدغمها في الطاء لقرب المخرجين، ويجوز أن يكون قد حذف إحدى التائين اختصارًا، لتخف الكلمة وأبقى التاء الأخرى، فتكون الطاء مخففة وقبلها تاء واحدة؛ وهذا مطرد في الكلام.
و"التطوع": ما ليس بفرض ولا سنة راتبة، إنما هو تقرب من العبد إلى اللَّه تعالى بما يراه؛ من صلاة وصوم وغير ذلك من العبادات وإن كان كل ما عدا الفرض تطوعًا إلا أنه خص التطوع بما لم ترد به سنة معينة، وهو تَفَعُّلٌ من الطاعة: الانقياد والمتابعة.
وقوله: "شهر رمضان" فَعَلَان من الرمض؛ وهو شدة الحر ووقْع الشمس على الأرض، والأرض رمضاء؛ وقد رمض يومنا يرمض رمضًا.
قالوا: إنما سمي بذلك لأنهم لما نقلوا الأسماء من اللغة القديمة؛ سموا المشهور بأوقات الأزمنة؛ فصادف ذلك شدة الحر فسمي به، وقيل: بل هو اسم مرتجل لهذا الشهر.
وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى؛ ولهذا يقال فيه: "شهر رمضان" أي: شهر اللَّه ولا يقال رمضان بغير شهر (١).
و"الزكاة": اسم من التزكية وهي الطهارة، زَكَّى ماله تزكيةً إذا أدَّى عنه زكاته.
стр. 339
"والفَلَاح": الفوز والنجاة والنقاء، أفلح يفلح إفلاحًا، والفَلَاحُ الاسم.
و"الجنة": البستان والعرب تسمِّي النخيل جنة، وأصله من الالتفاف وطول الشجر، قالوا: جن النبت: إذا طال والتف وخرج زهرهُ، ثم خُصَّ بهذا الاسم جنة الدار الآخرة فصار لها كالعلم، فإذا قيل: الجنة علم أنه لا يراد إلا تلك، فصار الاختصاص لها وكثرة إطلاقه عليها كأنه لا يجوز أن يطلق على غيرها؛ لأجل اللبس في المراد.
وقوله: "أفلح إن صدق ودخل الجنة إن صدق" قد جاء في هذا اللفظ بفعل ماض، وفلاحه دخوله الجنة، إنما يكون مستقبلًا ولا سيما دخول الجنة فإنما يقع بعد الموت، وفي بيان ذلك ثلاثة أقوال:-
أحدها: وهو المعتبر أنه جعله لخلوصه في نيته وصدقه في قوله، بمنزلة من قد دخلها، حتى كأنه قد رآه فيها أو داخلًا إليها فأخبر عنه، ثم إنه أعقبه بقوله: "إن صدق" حتى لا يتكل الناس في أمر كوني إلى ظاهر هذا اللفظ، وعلقه على الشرط المتأخر، ليعلموا أن سبب دخوله إنما هو صدقه فيما أخبر عنه، ولأنه ﷺ وإن علم منه ذلك؛ فإنه يعلم أن أصحابه لم يكونوا يعلمونه فعرفهم ماجهلوا وعلمه دونهم.
القول الثاني: أنه فعل ماض أريد به مستقبل، وقد جاز ذلك في الثاني: كما جاءوا بفعل مستقبل وأرادوا به الماضي؛ والأول كقول الهذلي:
تقول له كفيتك كل شيء ... أَهَمَّكَ ما تخطتني الحتوفُ
أي: أكفيك.
والثاني كقول زياد بن الأعجم:
стр. 340
فإذا مررتَ بقبره فاغقِر له ... كوم الهجان وكل طِرف سابحِ
وَانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح
أي: فلقد كان.
والقول الثالث: أنه فعل تقدم على حرف الشرط، والنية فيه التأخير كما أن النية في قوله: "إن صدق" التقديم؛ ألا ترى أن "أفلح" و"دخل" هو جواب الشرط، لأن التقدير إن صدق أفلح وإن صدق دخل الجنة، وإنما قدم الجواب لفهم المعنى، [والنحويون] (١) يقولون: إن هذا وأمثاله ليس جوابًا للشرط، ولكنه دال على جواب الشرط سادٌّ مسَدَّهُ، والجواب محذوف تقديره أفلح إن صدق أفلح، لأن الجواب محله التأخير؛ وهو يتنزل منزلة الجزء من الجملة وجزء الجملة إذا كان متأخرًا لا يتقدم عليها؛ وإنما يظهر هذا إذا كان الجواب فعلًا مستقبلًا، حتى يظهر فيه الإعراب فإنه يرتفع بعد أن كان مجزومًا، تقول: أقوم إن قمت، فترفع أقوم وكان قبل التقديم مجزومًا، تقول: إن قمت أقم، فلما ارتفع في حالة التقديم دل على أنه غير الجواب وأنه ساد مسد الجواب.
وقد ذهب قوم من النحاة إلى أنه لا يجوز ذلك مع الماضي، قالوا: لا يقال: قمت إن قمت، ولا أخطأت إن خالفتني على هذا التقدير؛ الذي قلناه في التقديم والتأخير؛ ويجوز ذلك مع المستقبل تقول: أقوم إن قمت.
وهذا ليس بصحيح، فإن ذلك قد جاء في القرآن العزيز، قال اللَّه تعالى ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا في مِلَّتِكُمْ بَعْدَ [إِذْ] (٢) نَجَّانَا الله مِنْهَا﴾ (٣)، وكثيرًا ما قد جاء ذلك في الحديث.
وقد كان سبق لي قديمًا؛ كلام وجيز في رسالة ضمنتها مسألة سئلت عنها،
стр. 341
من مسائل الطلاق المعلق بالشرط، وهي إذا قال لزوجته: طلقتك إن دخلت الدار، هل يقع الطلاق وإن لم تدخل الدار، أو لا تطلق حتى تدخل الدار؟ وأشبعت القول فيها، فلتطلبه من هناك.
وأما قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" فأقسم بأبيه وقد جاء النهي عن القسم بالآباء؟، فقال ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم" حتى قال عمر بن الخطاب: ما حلفت بها [منذ] (١) سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهي عنها ذاكرًا ولا آثرًا" (٢).
ووجه الجمع بينهما: أن هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيراً في خطابها، تريد تارةً القسم، وتارة التوكيد، وتارة لا قَسَمًا ولا توكيدًا، إنما هو استمرار في جاري عاداتهم، ولا يخلو أن يكون النبي ﷺ نهى عنه بعد القسم به في هذا الحديث, فيكون النهي ناسخًا له، وإن كان قبله فيحتمل أمورًا:
أحدها: أن يكون من قِبَلِ اللَّغْوِ البخاري على اللسان المعفوِّ عنه مما لا يقصده المتكلم، وإنما جرى على العادة الطبيعية المألوفة في اللسان العربي.
قال بعضهم: إنما نهاهم عن ذلك لأنهم كانوا يضيفون القسم إلى آبائهم تعظيمًا لشأنهم، ولا يضمرون فيها مضافًا محذوفًا نحو قولك: لا ورب أبي، ويكون النبي ﷺ قد أضمر اسم اللَّه تعالى عند قوله: "أفلح وأبيه" وهذا فيه بُعْدٌ- وإن كان حَذْفُ المضاف شِرْعةٌ مَطْروقةٌ؛ وسنة مألوفة كثيرة الاستعمال في القرآن والحديث وفصيح الكلام.
ويجوز أن يكون لما كان القسم دأب الأعرابي؛ فالسامع كذلك يعلم من حال الأعرابي، ولأنه ليس في محل تعظيم النبي ﷺ لأبيه حتى يقسم به،
стр. 342
وكان القسم بأبيه كالقسم الذي لا يعتد به، ولا هو مؤكد للمحلوف عليه، لم يكن لذكره كثير فائدة، فكان كالملغي المُطَّرح الذي هو كما لم يذكر.
ويجوز أن يكون النبي ﷺ ذكر ذلك؛ تألفًا للأعرابي وتطييبًا لقلبه، وإعلامًا له أن له من المحل عنده أنه يقسم بأبيه، فيكون ذلك داعي إلى قبول قوله واستماع كلامه.
وقيل: إنما النهي إنما وقع إذا كان على جهة التوقير والتعطم؛ فأما إذا لم يكن الغرض ذلك؛ وإنما هو للتوكيد دون القسم فلا، وذلك في العربية كثير، قال ابن ميادة:
أظنَّتْ سِفاهًا من سفاهة رأيها ... لأهجوها لمَّا هجتني محاربُ؟
فلا وأبيها إنَّنِي بعشيرتي .... ونفسي عن ذاك المقام لراغبُ
وليس يجوز أن يقسم بأبي من هجوه على سبيل الإعظام لحقه.
وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وهو الفقيه المشهور وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة:-
لعمر أبي الواشين أيام نلتقي ... لَماَ لَا يلاقيها من الدهر أكثرُ
يَعُدُّون يومًا واحداً إن لقيتها ... وينسون ما كانت على النأي تهجرُ
وقال الآخر:-
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم ... لقد كلفتني خطة لا أنالُها.
والمحب لا يقسم بأبي الوشاة، وإنما يريد بأمثال هذا القسم التوكيد، وهذا
стр. 343
في كلامهم فاشٍ كثير.
و"الفرض": ما كتبه اللَّه على عباده من حقوقه، كالصلاة والصيام والحج، وغير ذلك مما ألزمهم بأدائه وحتم عليهم به، وأصله من (الفرض) (١): القطع، وإنما سمي هذا النوع من اللوازم فرضًا، لأن الفرائض لها حدود ومقاطع ينتهي إليها ويقف عندها؛ وهو والواجب عند الشافعي سواء في الحكم.
وفرق أبو حنيفة: بين الفرض والواجب.
وحد الفرض والواجب عند الشافعي أنه الذي يُذم تاركه، ويُلام شرعًا بوجه ما. والفرض عند أبي حنيفة: ما يقطع بوجوبه؛ والواجب ما لا يدرك إلا ظنًّا.
قال الغزالي ﵀: ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، فلا حجر في الاصطلاحات.
والذي أراده الشافعي من هذا الحديث: هو الاستدلال على أن الصلوات الواجبة هي خمس، بقوله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" وهذا بإجماع المسلمين كلهم أنه لا فرض إلا خمس صلوات، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة فإنه قال: الوتر واجب، وليس بفرض ولا نافلة، لأنه يفرق بين الفرض والواجب كما قلناه، والعجب كيف أوجب الوتر وقد صرح في لفظ الحديث بقوله: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع"، فجعل ما عدا الخمس تطوعًا ولا شبهة أن الواجب ليس هو عند أبي حنيفة تطوعًا, وليس الحديث الذي استدل به على وجوب الوتر مما يصادم هذا الحديث المجمع على صحته وهو صريح في الاستدلال وذلك غير صريح, لأنه حديث برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه زادكم صلاة فاحفظوها وهي الوتر" (٢).
стр. 344
قال الشافعي: سمعت من أثق بخبره وعلمه، يذكر أن اللَّه تعالى أنزل فرضًا في الصلاة ثم نسخه بفرض غيره ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس.
قال الشافعي: كأنه يعني قول اللَّه -تبارك وتعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ثم نسخه في السورة معه بقوله جل ثناؤه ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١) فنسخ قيام الليل ونصفه أو أقل أو أكثر بما تيسَّر.
قال الشافعي: وما أشبه ما قال بما قال، وإن كنت أحب أن لا يدع أن يقرأ بما تيسر من ليله.
قال: ويقال نسخ ما وصفت في المزمل يقول اللَّه ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ و"دلوك الشمس": زوالها ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ العتمة ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الصبح ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٢) فأعلمه أن صلاة الليل نافلة، وأن الفرائض فيما ذكر من ليل ونهار.
قال: ويقال في قول اللَّه ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الصبح ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ في السَّمَاوَاتِ
стр. 345
وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١) الظهر.
قال الشافعي: روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا؛ بحقهن كان له عند اللَّه عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد؛ إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة".
أخرج هذا الحديث مالك (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
стр. 346
وقال الشافعي: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء"؟ قالوا: لا، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللَّه بهن الخطايا".
أخرج هذا الحديث: البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
...
стр. 347
الفصل الثاني في القضاء
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أن رسول اللَّه ﷺ نام عن الصبح فصلاها بعد ما طلعت الشمس ثم قال: "من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١).
هذا طرف من حديث طويل صحيح، أخرجه مالك في الموطأ (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
فأما مالك: فأخرجه هكذا مُرْسَلًا، أن رسول اللَّه ﷺ حين قفل من خيبر أسرى؛ حتى إذا كان من آخر الليل عَرَّسَ؛ وقال لبلال: "اكلأ لنا الصبح" ونام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه وكلأ بلال ما قدر له ثم استند إلى راحلته، وهو مقابل الفجر، فغلبته عيناه فنام فلم يَستيقظ رسول اللَّه ﷺ ولا بلال ولا أحد من الرَّكْبِ حتى ضربتهم الشمس ففزع رسول اللَّه ﷺ فقال بلال: يا رسول اللَّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقتادوا" فبعثوا رواحلهم، واقتادوا شيئًا، ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بلالًا فأقام الصلاة؛ فصلى بهم رسول اللَّه ﷺ الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: "من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه ﵎ يقول في كتابه "وأقم الصلاة لذكري".
فأما مسلم: فأخرجه مسندًا إلى أبي هريرة، عن حرملة بن يحيى، عن ابن
стр. 348
وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، وذكر لفظ مالك بطوله، وزاد فيه: "ثم توضأ رسول اللَّه ﷺ وأمر بلالًا فأقام الصلاة".
وزاد في آخره، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرأها "لذكري" (١).
وأما أبو داود: فأخرجه مسندًا أيضًا عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، بإسناد مسلم ولفظه وزيادته.
وأما الترمذي: فأخرجه مسندًا مثل رواية مالك بطولها.
وأما النسائي: فأخرجه مسندًا عن [عبد الأعلى بن واصل بن] (٢) عبد الأعلى، عن يعلى، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، بالإسناد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا نسيت الصلاة فصل إذا ذكرت؛ فإن اللَّه يقول "وأقم الصلاة لذكري" قال يعلى: مختصرًا، يعني: من هذا الحديث بقوله.
وقد أخرج الشافعي الحديث بطوله، مثل رواية مالك من رواية المزني عنه (٣)، وأخرج قبله أيضًا من رواية المزني عنه؛ عن عمران بن حصين حديثًا بطوله في هذا المعنى.
ثم قال في كتاب حرملة: [وهذان] (٤) حديثان ثابتان.
وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلًا؛ فقد أخرجه الجماعة مسندًا كما ذكرنا.
وأما حديث عمران بن حصين؛ فقد أخرج الشافعي منه طرفًا في تيمم
стр. 349
الجنب، وقد ذكرنا هذا الطرف في كتاب التيمم.
وأما متن الحديث بطوله فلم يرد في المسند، وإنما جاء في رواية المزني.
وفي الباب: عن أنس بن مالك، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وعمرو بن أمية الضمري، وابن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وجابر، وزيد بن أسلم، ويزيد بن أبي مريم، وأبي سعيد، وابن عمر.
"الذِّكْرُ": مصدر ذكرت الشيء أذكره ذِكْرًا، إذا مَرَّ بخاطرك بعد أن كنت نسيته، أو إذا أجريته على لسانك، والذكرى مثله، تقول: ذكرته ذكرى غير مصروفة، وتقول: اجْعَلْني منك على ذِكْر، وذُكْر بالكسر والضم.
وقد اختلف المفسرون في معنى قوله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فالذي عليه أكثر المفسرين أن معناه: أقم الصلاة متى ذكرت أنك لم تصلها؛ وأنها قد فاتتك؛ سواء كان الوقت الذي ذكرتها فيه وقتها أو غير وقتها؛ وهذا التفسير مطابق للفظ هذا الحديث.
وقال جماعة من العلماء: معنى قوله "لذكري" أي لتذكرني فيها فإن ذكري أن أُعبد ويُصَلَّى لي، وقيل: لاشتمال الصلاة على الأذكار.
وقيل: لذكري خاصة لا يَشُوبُهُ ذكر غيري.
والأول الوجه, لأنه قال: فليصلها إذا ذكرها، ثم علل ذلك بقوله: يقول اللَّه تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١).
و"القفول": الرجوع من السفر، وكذلك القفل، واشتق اسم القافلة من ذلك.
قال الأزهري (٢): سُمِّيَت القافلة وإن كانت مبتدئة السفر "قافلة"، تفاؤلًا بقفولها عن سفرها.
стр. 350
وظن القتيبي أن عوام الناس يغلطون في تسميتهم المُنْشِيءَ سفرًا قافلة، وقال: لا تسمى قافلة إلا منصرفة إلى وطنها، وهو عندي غلط؛ لأن العرب لم تزل تسمي المنشئة للسفر قافلة على سبيل التفاؤل، وهو شائع في كلام فصحائهم إلى اليوم.
و"الإسراء": مسير الليل خاصة؛ يقال سَرَى وأَسْرَى لغتان. و"التعريس": نزول المسافر آخر الليل نزلة خفيفة للنوم والراحة.
و"الكلأة": الحفظ، تقول: كلأته أكلأه كلأة، إذا حفظته وحرسته، والمراد: أنه أمره أن يحفظ لهم الصبح، لئلا تطلع الشمس فتفوتهم الصلاة.
و"استند": استفعل من "الاستناد"؛ وهو الاتكاء على الشيء والاعتماد عليه.
و"الراحلة": البعير القوي المعد للأسفار والأحمال؛ ويقع على الذكر والأنثى.
و"فزع" النائم من نومه؛ إذا انتبه، يقال: أفزعته ففزع أي أنبهته فانتبه.
وقوله: "أخذ بنفسي" يجوز أن تكون الفاء ساكنة ويريد بها الروح، ويجوز أن تكون مفتوحة من التنفس؛ وأَخْذُ اللَّه إياها كناية عن النوم.
ويعضد الأول قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (١) ولأن نَفَسَ النائم غير مأخوذ ولا مسلوب عنه لأنه ينام، متصل لا ينقطع على حالته في اليقظة ولو أمسك نفسه لمات.
والذي روي عن النبي ﷺ أنه نام عن الصلاة ثلاث مرات:
الأولى: كان رسول اللَّه ﷺ أولهم استيقاظًا.
والثانية: استيقظ قبله أبو بكر وعمر، وكبر عمر حتى استيقظ رسول اللَّه ﷺ .
стр. 351
والثالثة: لم يحضرها أبو بكر ولا عمر؛ وإنما كان في ركب ثمانية أو نحوها.
و"اقتادوا": أَمْرٌ بِقَوْدِ الإبل، وهو جذبها لتسير.
و"بعثوا الرواحل": إذا ثوروها من مباركها وساقوها.
وإنما أمرهم بقود الإبل ومسيرهم عن مكانهم وصلاتهم في غيره، لترتفع الشمس قليلًا عن الأفق؛ ويذهب وقت الكراهة.
وقيل: إنما أمرهم بالمسير عن ذلك المكان بعدًا منه؛ حيث أصابتهم فيه الغفلة والنسيان.
وقد جاء هذا المعنى مرويًّا عن أبي داود، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وذكر القصّة قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة".
وقيل: لانتظار أمر اللَّه كيف يكون العمل في ذلك.
وقيل: ليعم الانتباه والنشاط إذا رحلوا جميعهم.
والذي ذهب إليه الشافعي في قضاء الصلاة الفائتة سواء فاتت تعمدًا، أو سهوا، أو عن نوم أو غير ذلك: أنه يصلِّيها إذا ذكرها أي وقت كان؛ إلا إن كان يخاف فوات فريضة حاضرة مثل أن يكون قد ذكرها في آخر وقت الصلاة الحاضرة؛ فلو قدمها وبدأ بها فاتته الحاضرة؛ فحينئذ يقدم الحاضرة على الفائتة.
وذكر ذلك عن علي ﵁ وعن غير واحد من الصحابة، وبه قال أبو العالية، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور وقال غيرهم: إذا ذكرها في الأوقات المكروهة المنهي عن الصلاة فيها لا يصليها؛ وسيجيء بيان ذلك في الفصل الثالث.
стр. 352
قال [الشافعي] (١) في استدلاله بحديث عمران بن حصين؛ وابن المسيب على أن وقتها لا يضيق لتأخيره الصلاة بعد الاستيقاظ، ولا يجب التتابع في قضائين (٢).
[قال الشافعي] (٣) من قبل أن تأخير [الظهر] (٤) لغير صلاة ليس بأكثر من تأخيرها لصلاة.
قال [وحديث] (٥) ابن المسيب من أوضحها معنى، وذلك أن فيه: "لم يستيقظوا حتى ضربتهم الشمس"، وضرب الشمس لهم أن يكون لها حر، وذلك بعد أن يتعالى النهار.
وقد أخرج الشافعي: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مسير له فنمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس؛ فأمر المؤذن فأذن ثم صلينا ركعتي الفجر، حتى إذا أمكنتنا الصلاة صلينا" قال الشافعي: يعني -واللَّه أعلم- إذا اتسع لنا الموضع وأمكنتنا جميع (٦) الصلاة ولا ضيق علينا، وإذا تتامَّ أصحابه الذين تفرقوا في حوائجهم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير (٧)، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان رسول اللَّه ﷺ في سفر فَعَرَّسَ فقال: "ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة لا نرقد عن الصلاة" فقال بلال: أنا يا رسول اللَّه. قال: فاستند بلال إلى راحلته، واستقبل الفجر فلم يفزعوا إلا بِحَرِّ
стр. 353
الشمس في وجوههم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا بلال" فقال: يا رسول اللَّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: فتوضأ رسول اللَّه ﷺ ثم صلى ركعتي الفجر، ثم اقتادوا شيئًا، ثم صلى الفجر".
هذا الحديث أخرجه النسائي (١): عن أبي عاصم، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال في سفر له: "من يكلؤنا الليلة؛ لا نرقد عن الصلاة من صلاة الصبح" قال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس الفجر فضرب على آذانهم؛ حتى أيقظهم حر الشمس؛ فقالوا: توضئوا، ثم أذن بلال فصلى ركعتين فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر".
قوله: "لا نرقد عن صلاة الصبح" زيد لئلا نرقد أي لئلا يستمر نومنا حتى يقربنا الصبح.
وباقي ألفاظ الحديث قد تقدم شرحها في الحديث قبله.
وفي هذا الحديث زيادة: أنه صلى ركعتي الفجر في مكانه، وصلى الفريضة في مكان آخر لما قلناه في الحديث قبله، وفرقًا بين أداء الفريضة وأداء النافلة.
وقوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ كناية عن النوم، وحقيقته كأنها ضرب عليها حجاب من أن تسمع، يريد أنهم ناموا نومة ثقيلة؛ لا ينبههم فيها الصوت كما يجيء المثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب، وبني الفعل لما لم يسم فاعله، وقد حذف المفعول مع إبقاء الفعل المسمى فاعله؛ وذلك قوله تعالى ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الْكَهْفِ﴾ (٢) وفي رواية النسائي أنه أذن، والأذان فيه خلاف وسنذكره في الحديث الثاني لهذا الحديث.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري،
стр. 354
عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد قال: "حُبِسْنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بُعَيْدَ المغرب هَوِيًّا" (١) من الليل حتى كُفِينا، وذلك قول اللَّه تعالى ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٢) فدعا رسول اللَّه بلالًا فأمره فأقام الظهر.
فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها؛ ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك قال: وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣).
هذا الحديث أخرجه النسائي (٤): عن عمرو بن علي، عن يحيى [عن] (٥) ابن أبي ذئب، بالإسناد قال: "شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة [الظهر] (٦)؛ حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل اللَّه ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول اللَّه ﷺ بلالًا؛ فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها ثم أقام العصر فصلاها كما كان يصليها لوقتها".
وفي الباب: عن علي، وابن مسعود.
"الحبس": المنع والصد، ومنه الحبس -السجن- لأنه يمنع الإنسان من التصرف في نفسه، وتقول: حبسته أحبسه حبسًا.
"ويوم الخندق": يريد به غزوة الأحزاب، لما جاء المشركون: أهل مكة وغيرهم إلى المدينة لقتال النبي ﷺ في سنة أربع من الهجرة في شوال؛ قاله البخاري عن موسى بن عقبة (٧)؛ وأمر النبي ( ﷺ ) بحفر الخندق، فشغله
стр. 355
المشركون عن الصلاة يومئذ حتى غربت الشمس.
و"بعيد": تصغير بعد، وهذا تصغير تقريب؛ أي أن الزمان الذي كان قد عبر المغرب؛ كان قريبًا ولم يكن بعيدًا؛ والتصغير ينقسم إلى أقسام:-
تصغير هو تصغير على الحقيقة، وذلك يختص بالأجسام نحو: جَبَل وجُبَيْل.
وتصغير تحقير: ويختص بالأقدار والأنفس، نحو: مَلِك ومليك.
وتصغير تقريب: مثل ما ذكرناه ويختص بالظروف من المكان والزمان.
وتصغير تقليل: ويختص بالأعداد نحو: مال ومويل.
وتصغير تعظيم: كقوله ﷺ "كنيف مُلِئ علمًا" في حق عبد اللَّه بن مسعود (١).
"الهوي": بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء -الطائفة من الليل.
وقوله: "حتى كفينا" أي اندفع المشركون عنا؛ وكفانا اللَّه شرهم وهو قوله