← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والثالثة: لم يحضرها أبو بكر ولا عمر؛ وإنما كان في ركب ثمانية أو نحوها. و"اقتادوا": أَمْرٌ بِقَوْدِ الإبل، وهو جذبها لتسير. و"بعثوا الرواحل": إذا ثوروها من مباركها وساقوها. وإنما أمرهم بقود الإبل ومسيرهم عن مكانهم وصلاتهم في غيره، لترتفع الشمس قليلًا عن الأفق؛ ويذهب وقت الكراهة. وقيل: إنما أمرهم بالمسير عن ذلك المكان بعدًا منه؛ حيث أصابتهم فيه الغفلة والنسيان. وقد جاء هذا المعنى مرويًّا عن أبي داود، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وذكر القصّة قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة". وقيل: لانتظار أمر اللَّه كيف يكون العمل في ذلك. وقيل: ليعم الانتباه والنشاط إذا رحلوا جميعهم. والذي ذهب إليه الشافعي في قضاء الصلاة الفائتة سواء فاتت تعمدًا، أو سهوا، أو عن نوم أو غير ذلك: أنه يصلِّيها إذا ذكرها أي وقت كان؛ إلا إن كان يخاف فوات فريضة حاضرة مثل أن يكون قد ذكرها في آخر وقت الصلاة الحاضرة؛ فلو قدمها وبدأ بها فاتته الحاضرة؛ فحينئذ يقدم الحاضرة على الفائتة. وذكر ذلك عن علي ﵁ وعن غير واحد من الصحابة، وبه قال أبو العالية، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور وقال غيرهم: إذا ذكرها في الأوقات المكروهة المنهي عن الصلاة فيها لا يصليها؛ وسيجيء بيان ذلك في الفصل الثالث.

стр. 352

قال [الشافعي] (١) في استدلاله بحديث عمران بن حصين؛ وابن المسيب على أن وقتها لا يضيق لتأخيره الصلاة بعد الاستيقاظ، ولا يجب التتابع في قضائين (٢). [قال الشافعي] (٣) من قبل أن تأخير [الظهر] (٤) لغير صلاة ليس بأكثر من تأخيرها لصلاة. قال [وحديث] (٥) ابن المسيب من أوضحها معنى، وذلك أن فيه: "لم يستيقظوا حتى ضربتهم الشمس"، وضرب الشمس لهم أن يكون لها حر، وذلك بعد أن يتعالى النهار. وقد أخرج الشافعي: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مسير له فنمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس؛ فأمر المؤذن فأذن ثم صلينا ركعتي الفجر، حتى إذا أمكنتنا الصلاة صلينا" قال الشافعي: يعني -واللَّه أعلم- إذا اتسع لنا الموضع وأمكنتنا جميع (٦) الصلاة ولا ضيق علينا، وإذا تتامَّ أصحابه الذين تفرقوا في حوائجهم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير (٧)، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان رسول اللَّه ﷺ في سفر فَعَرَّسَ فقال: "ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة لا نرقد عن الصلاة" فقال بلال: أنا يا رسول اللَّه. قال: فاستند بلال إلى راحلته، واستقبل الفجر فلم يفزعوا إلا بِحَرِّ

стр. 353

الشمس في وجوههم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا بلال" فقال: يا رسول اللَّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: فتوضأ رسول اللَّه ﷺ ثم صلى ركعتي الفجر، ثم اقتادوا شيئًا، ثم صلى الفجر". هذا الحديث أخرجه النسائي (١): عن أبي عاصم، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال في سفر له: "من يكلؤنا الليلة؛ لا نرقد عن الصلاة من صلاة الصبح" قال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس الفجر فضرب على آذانهم؛ حتى أيقظهم حر الشمس؛ فقالوا: توضئوا، ثم أذن بلال فصلى ركعتين فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر". قوله: "لا نرقد عن صلاة الصبح" زيد لئلا نرقد أي لئلا يستمر نومنا حتى يقربنا الصبح. وباقي ألفاظ الحديث قد تقدم شرحها في الحديث قبله. وفي هذا الحديث زيادة: أنه صلى ركعتي الفجر في مكانه، وصلى الفريضة في مكان آخر لما قلناه في الحديث قبله، وفرقًا بين أداء الفريضة وأداء النافلة. وقوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ كناية عن النوم، وحقيقته كأنها ضرب عليها حجاب من أن تسمع، يريد أنهم ناموا نومة ثقيلة؛ لا ينبههم فيها الصوت كما يجيء المثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب، وبني الفعل لما لم يسم فاعله، وقد حذف المفعول مع إبقاء الفعل المسمى فاعله؛ وذلك قوله تعالى ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الْكَهْفِ﴾ (٢) وفي رواية النسائي أنه أذن، والأذان فيه خلاف وسنذكره في الحديث الثاني لهذا الحديث. أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري،

стр. 354

عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد قال: "حُبِسْنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بُعَيْدَ المغرب هَوِيًّا" (١) من الليل حتى كُفِينا، وذلك قول اللَّه تعالى ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٢) فدعا رسول اللَّه بلالًا فأمره فأقام الظهر. فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها؛ ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك قال: وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣). هذا الحديث أخرجه النسائي (٤): عن عمرو بن علي، عن يحيى [عن] (٥) ابن أبي ذئب، بالإسناد قال: "شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة [الظهر] (٦)؛ حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل اللَّه ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول اللَّه ﷺ بلالًا؛ فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها ثم أقام العصر فصلاها كما كان يصليها لوقتها". وفي الباب: عن علي، وابن مسعود. "الحبس": المنع والصد، ومنه الحبس -السجن- لأنه يمنع الإنسان من التصرف في نفسه، وتقول: حبسته أحبسه حبسًا. "ويوم الخندق": يريد به غزوة الأحزاب، لما جاء المشركون: أهل مكة وغيرهم إلى المدينة لقتال النبي ﷺ في سنة أربع من الهجرة في شوال؛ قاله البخاري عن موسى بن عقبة (٧)؛ وأمر النبي ( ﷺ ) بحفر الخندق، فشغله

стр. 355

المشركون عن الصلاة يومئذ حتى غربت الشمس. و"بعيد": تصغير بعد، وهذا تصغير تقريب؛ أي أن الزمان الذي كان قد عبر المغرب؛ كان قريبًا ولم يكن بعيدًا؛ والتصغير ينقسم إلى أقسام:- تصغير هو تصغير على الحقيقة، وذلك يختص بالأجسام نحو: جَبَل وجُبَيْل. وتصغير تحقير: ويختص بالأقدار والأنفس، نحو: مَلِك ومليك. وتصغير تقريب: مثل ما ذكرناه ويختص بالظروف من المكان والزمان. وتصغير تقليل: ويختص بالأعداد نحو: مال ومويل. وتصغير تعظيم: كقوله ﷺ "كنيف مُلِئ علمًا" في حق عبد اللَّه بن مسعود (١). "الهوي": بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء -الطائفة من الليل. وقوله: "حتى كفينا" أي اندفع المشركون عنا؛ وكفانا اللَّه شرهم وهو قوله

стр. 356

تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١). "ورجالًا": جمع راجل كقائم وقيام. "والركبان": الجماعة على الإبل، ولا يقال راكب إلا لمن يكون على بعير، هذا هو الأصل، ثم اتسع فيه لكثرة الاستعمال؛ فأطلق على راكب الفرس والبغل والحمار مجازًا واتساعًا. وفي رواية "كما كان يصليها في وقتها" وفي الأخرى "يصليها لوقتها" وهما بمعنى واحد. اللام تقع موقع في, لأن حروف الجر يقع بعضها موقع بعض، إلا أن اللام هي التي في قولك: جئت لخمس بقين ولعشر خلون، كأنه خص مجيئه بهذا الوقت، وخص صلاته بهذا الوقت، واللام للتخصيص. وأما "في" فإنه ظرف صريح لصلاته. والمراد بقوله "وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢) أنه لم يكن قد شرع لهم صلاة الخوف، فلهذا لما شغلهم المشركون عن الصلاة، أخروها عن وقتها, ولو كان قد نزل الأمر [في صلاة] (٣) الخوف؛ لصلوها في وقتها ولم يؤخروها. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا فاتته صلاة حتى دخل وقت الأخرى؛ فإن كان وقت الحاضرة يسع الصلاتين؛ بدأ بالفائتة ثم صلى الحاضرة؛ فإن خالف وبدأ بالحاضرة جاز؛ وإن كان وقت الحاضرة يضيق عنهما؛ بدأ بالحاضرة ثم بالفائتة؛ فإن ذكر الفائتة وهو في الحاضرة تَّممَ الحاضرة وصلَّى الفائتة وإن اجتمع عليه فوائت فلا ترتيب عليه فيها.

стр. 357

وبه قال الحسن البصري، وطاوس، وشريح، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة ومالك: إن ذكر الفائتة وهو في الحاضرة، بطلت الحاضرة ويجب عليه أن يقضي ما فاته، ثم يصلي الحاضرة فإن اجتمع عليه فوائت؛ فإن الترتيب واجب عليه؛ ما لم تبلغ ست صلوات فصاعدًا. وقال أحمد وإسحاق: يتم التي هو فيها ثم يصلي الفائتة ثم يعيد التي صلاها. وقال أحمد: إذا اجتمع عليه فوائت، وجب عليه فيها الترتيب إلا أن يخاف ضيق الوقت. وأما الأذان والإقامة للفوائت، فللشافعي فيه ثلاثة أقوال في الأم. والبويطي: لا يستحب لها أذان ويقيم لكل صلاة، وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق. وقال في القديم: يؤذن للأولى ولا يؤذن للتي بعدها. وبه قال أحمد، وأبو ثور، واختاره ابن المنذر. وقال في الإملاء: إن رجي اجتماع الناس أذن، وهذا إنما يكون في الأولى من الفوائت. وقال أبو حنيفة: يؤذن لكل فائتة ويقيم. والذي اعتمد عليه الشافعي في الأم، وهو حديث ابن عمر، وأبي سعيد، في ترك الأذان عند الجمع بين الصلاتين، وفي وقت الثانية منها وفي الفائتة.

стр. 358

وأما ما قاله في الإملاء فهذا لفظه قال: إذا جمع المسافر في المنزل ينتظر أن يثوب الناس، أذن للأولى من الصلاتين فأقام وأقام للأخرى ولم يؤذن، وإذا جمع في موضع لا ينتظر فيه أن يثوب إليه الناس، أقام لهما جميعًا ولم يؤذن. وخرج الأحاديث في عرفة ومزدلفة والخندق على اختلاف هاتين الحالتن. ***

стр. 359

الفصل الثالث في المواقيت وفيه ستة فروع الفرع الأول في تعيين أوقات الصلاة أخبرنا الشافعي: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء بقدر ظله، وصلى المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح حين حرم الطعامُ والشراب على الصائم، ثم صلى المرة الآخرة الظهر حين كان كل شيء قدر ظله قدر العصر بالأمس ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب للقدر الأول ولم يؤخرها، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". قال الشافعي: وبهذا نأخذ؛ وهذه المواقيت في الحضر.

стр. 360

وهذا حديث صحيح (١)، أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣). فأما أبو داود: فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن عبد الرحمن، بالإسناد واللفظ، وفيه: "في الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك"، وفيه " في العصر كان ظله مثله" ولم يقل "ظل كل شيء"، وكذلك في المرة الثانية في الظهر والعصر، ولم يذكر باب البيت (٤). وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد بن السري، عن عبد الرحمن، عن ابن أبي

стр. 361

الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال في المغرب: "حين وجبت الشمس وأفطر الصائم"، وقال في الفجر: "حين بزق الفجر"، وقال في اليوم الثاني: "حين أسفرت الأرض". وفي الباب: عن أبي موسى، وأبي هريرة، وبريدة، وابن مسعود، وأبي سعيد، وجابر، وعمرو بن حزم، والبراء، وأنس. "أممتَ" القوم في الصلاة إمامة: أي كنتَ لهم إمامًا يقتدون بك، وأمَّني فلان أي صار لي إمامًا، وائتمَّ بفلان اقتدى به وجمع الإمام أئمة، وهو من الأمام -بفتح الهمزة- قدام الشيء وبين يديه. "الفيء": مهموزًا معروف وهو ما كان من لدن زوال الشمس إلى حين المغيب؛ لأنه فاء يفيء إذا رجع. و"الظل": ما كان من لدن طلوع الشمس إلى حين الزوال، والظل يفيء من الجانب الغربي بعد الزوال إلى الجانب الشرقي. قال ابن السكيت: "الفيء" ما نسخ الشمس، والظل ما نسخته الشمس. وقال غيره: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل؛ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل. والجمع أفياء، وفيوء. و"الشِّرَاك"سير من سيور النعل التي تكون على وجهها، وقدر الشراك في هذا الموضع ليس هو على طريق التحديد؛ وإنما أراد أن يدل به على زوال الشمس أنه هو أول وقت الظهر، وقد جاء مصرحًا به في رواية أبي داود، ولا يكاد يَبِينُ الزوالُ في أول الأمر إلا بأقل ما يُرى من الفيء الذي يستبين بما قبل الزوال؛ وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلاد؛ إنما يظهر آثار

стр. 362

ذلك في مثل مكة من البلاد التي تجتاز الشمس برؤوس أهلها؛ ولا يبقى حينئذ لشيء من الأشخاص ظل عند كون الشمس في خط نصف النهار، وهو ما تسامت الرؤوس من السماء، فإذا زالت الشمس ظهر للشخص القائم ظل من جهة الشمال، فأما ما عدا هذا الحد من البلاد مما لا يجتاز الشمس برؤوس أهله؛ فإن الظل من جهة الشمال لا ينعدم؛ بل يقل ويكثر بأحد أمرين. إما ببعد تلك البلدة من معدل النهار من جهة الشمال وإما بانحطاط الشمس إلى البروج الجنوبية. فإن الظل يكثر في جهة الشمال بكل واحد من هذين الأمرين وبهما جميعًا، فإنهما يجتمعان لبعض البلاد دون البعض. ورسول اللِّه ﷺ إنما أخبر عن صلاة جبريل ﵇ وذلك بمكة هذا حكمها في هذا الظل عند الزوال؛ وذلك إذا كانت الشمس في الجوزاء والسرطان؛ لأنها إذا كانت في هذين البرجين فإنها تنحدر عن سمت رؤوس أهل مكة، ويظهر الفيء في الشمال كثيرًا، وزوال الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جهة الغرب. وقوله: "حين كان كل شيء بقدر ظله" هذا من مقلوب الكلام لأن الأصل حين كان ظل كل شيء بقدره؛ وقد جاء في رواية أبي داود كذلك غير مقلوب فإنه قال: حين كان ظله مثله. و"الهاء" في "ظله": راجعه إلى جبريل ﵇.

стр. 363

وكذلك جاء في سياق حديث الشافعي في ذكر وقت العصر قال: "حين كان ظل كل شيء مثليه" فإن الشخص هو الذي يتقدر به الظل لا يتقدر هو بالظل؛ ولكن لما كان المراد في هذا الحديث إنما هو بيان الظل إذ به يحصل الاعتبار لا بالشخص فكأن الشخص وإن كان هو سبب الظل؛ فقد سقط النظر إليه باعتبار [....] (١). في الجو قَلَّ جرمه وصفى وشف تكاثفه، فإذا كانت الشمس قريبة من الأفق؛ وحال الغبار والبخار بين الناظرين وبينها، تكدر لونها وانكسر نورها ومال إلى الحمرة والاصفرار؛ فأراد بقوله: "والشمس بيضاء" أنها كانت عالية مرتفعة، وقد صرح به في بعض روايات هذا الحديث. والغرض من ذلك تعجيل صلاة العصر، والمبادرة إليها في أول وقتها. وأما قوله: "حية" فقد تقدم بيانه في حديث ابن عباس. وقد جاء في بعض روايات الحديث قال: "حية وحياتها أن يتحد حرها". و"العوالي": أماكن قريبة من المدينة، ولكنها عالية، وقد جاء في بعض الروايات: أنها من المدينة على أربعة أميال، وفي بعضها على ميلين أو ثلاثة ونحوه. ووجه الجمع بين هذه التقديرات: أن ما كان منها قريبًا فهو على ميلين، وما كان منها أبعد من ذلك فثلاثة، وما بَعُدَ أكثر منه فأربعة. وأما "قباء" فهو الموضع المعروف قريبًا من المدينة، وفيه المسجد الذي أسس على التقوى في قولٍ؛ وهو في مساكن بني عمرو بن عوف الأنصاري. وقوله: "محلقة": أي مرتفعة، ومنه حلَّق الطائر إذا ارتفع في طيرانه. وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كتب إلى [أبي] (٢) موسى أن صَلِّ العصر والشمس بيضاء

стр. 364

نقية؛ قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ. وأخرج: عن مالك، عن نافع، عن عمر بن الخطاب: كتب إلى عماله؛ أن صلوا العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة. وأخرج أيضًا بلاغًا: عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان , عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: صَلِّ العصر قدر ما يسير الراكب فرسخين. وأخرج أيضًا: عن أبي منصور، عن ابن أبي ذئب، عن أبي حازم التمار، عن ابن حديدة صاحب النبي ﷺ قال: لقيني عمر بن الخطاب بالزوراء، فسألني أين تذهب؟ فقلت: الصلاة. فقال: طففت وتسرع (١)، فذهبت المسجد، ثم رجعت فوجدت جاريتي قد احتبست من الاستقاء فذهبت إليها برومة، فجئت بها والشمس طالعة. وأخرج أيضًا: عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس ابن مالك بعد الظهر، فقام فصلى العصر، فلما فرغ من صلاته، ذكرنا تعجيل الصلاة أو ذكرها، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين - ثلاثاً- يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس؛ فكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان؛ قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلاً". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، النسائي (٥). و"التطفيف": النقصان، يريد أنك أخَّرْتَ الصلاة وبخست نفسك بفوات فضيلة الوقت.

стр. 365

المغرب: أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي نعيم، عن جابر قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة ننظر إلى مواقع النبل من الإسفار" وأخبرنا الشافعي: عن ابن أبي فديك، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن سعيد (٢)، عن القعقاع بن حكيم قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه، وقال جابر: كنا نصلي مع النبي ﷺ ثم ننصرف فنأتى بني سلمة، فنبصر مواقع النبل. متن هذا الحديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) عن رافع بن خديج. وأخرجه أبو داود (٥): عن أنس بن مالك. وأخرجه النسائي (٦): عن رجل من أسلم لم يسمه. والشافعي: قد أخرجه عن جابر من الطريقين. فالحديث في نفسه حديث صحيح، وإن اختلفت طرقه. "التناضل" و"النضال": الترامي، و"الرماء بالسهام": المسابقة فيها، تقول: ناضَلْتُ فلانًا فنضلته، إذا غلبته ومنه قيل: فلان يناضل عن فلان؛ إذا تكلم عنه يعزره، وحامَى عنه.

стр. 366

و"مواقع": جمع موقع، وهو الموضع يقع فيه السهم، ومنه قوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (١) أي مساقطها في الغرب. و"النبل": السهام الصغار العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها؛ فإذا رجعوا إلى الواحد قالوا: سهم؛ وقد جمعوها على نبال وأنبال. و"الإسفار": وقد تقدم ذكره وهو الإضاءة، والمراد به في هذا الحديث بقاء ضوء النهار، وهو غرض الشافعي من الاستدلال بهذا الحديث، لأن الذي ذهب إليه: هو القول بتعجيل صلاة المغرب؛ وليس عنده إلا وقت واحد، فإذا أخرها فرط في وقتها. وإليه ذهب الصحابة والتابعون، ولا خلاف بين الفقهاء أن تعجيلها هو الأولى، وإن ذهب منهم ذاهبون إلى أن لها وقتين. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ المغرب ثم ننصرف، فنأتى السوق ولو رُمِيَ نَبْلٌ لرئي مواقعها. وهذا الحديث أيضًا مذكور لما ذهب إليه الشافعي من تعجيل صلاة المغرب؛ وأن النبي ﷺ كان كثير المحافظة على ذلك حتى أنه مع طول صلاته وتأنيه فيها -على ما قد ثبت عنه من ذلك- كان الإنسان إذا رمى سهمًا رأى أين يقع من الأرض، مع بعد المدى وصغر السهم، وأن الرمى في السوق؛ وفيه ما جرت به عادة الأسواق والجدر من إسراع الظلمة إليها، وأنها تحجب الضوء من الجانب الغربي عن الأرض؛ فاجتمع مع هذه الأوصاف رؤية النبل؛ وذلك من أوضح شيء في بقاء ضوء النهار؛ وتعجيل صلاة المغرب. والأحاديث إذا تعاضدت على الحكم كان أثبت له. وأخرج الشافعي في القديم: عن سفيان، سمع أبا عبيدة بن عبد اللَّه يقول: كان ابن مسعود يصلي المغرب إذا غاب حاجب الشمس ويحلف:

стр. 367

والذي لا إله إلا هو إنه الوقت الذي قال الله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) قال الشافعي: وقد حفظ غير سفيان هذا الحديث عن ابن مسعود؛ أنه قال: ما لها وقت غيره. ...

стр. 368

الفرع الثاني في تأخير صلاة الصبح أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن [عمر] (١) ابن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "أسفروا بالصبح فإن ذلك أعظم لأجوركم" وقال "للأجر". هذا حديث صحيح (٢)، أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). فأما أبو داود: فأخرجه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان، قال: "أصبحوا بالصبح" الحديث. وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بالإسناد، وقال: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". وأما النسائي: فأخرجه عن عبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى [عن] (٦) ابن عجلان بالإسناد، قال: "أسفروا بالفجر" لم يزد. والشافعي أخرج هذا الحديث في كتاب اختلاف الحديث؛ مع حديث عائشة

стр. 369

الذي تقدم في التغليس بالفجر. "أسفر الصبح": يسفر إسفارًا؛ إذا أضاء وانتشر ضوؤه. وكذلك: أصبح يصبح إصباحًا، إذا أضاء. و"الصبح" اسم للفجر أول ما يطلع، ولذلك قال: "أصبحوا به" و "أسفروا به". وقوله: "أعظم لأجوركم" أو قال: "للأجر" هذا الشك من أحد الرواة، وأولى الروايات وأشبهها بكلام النبي ﷺ رواية الشافعي؛ لأنه خلص من كلفة السجع وتعمده؛ لأنه إذا قال: "بالفجر" و "الأجر" كان كالقاصد للسجع، وذلك غير مقصود في كلام النبي ﷺ غالبًا، فقد جاء السجع في كلام النبي ﷺ في مواضع، فإن ما لم يجئ فيه أكثر، ولذلك قال في روايته "أسفروا بالصبح" وهو أحسن من أن تقول: أصبحوا بالصبح لاختلاف اللفظتين ولفائدة المعنيين، وكذلك "أسفروا بالفجر" أحسن من "أصبحوا بالصبح"، لولا ما في السجع من مقالة "الفجر بالأجر"؛ والكل جائز مستعمل؛ والذي ذهب إليه الشافعي في أول الوقت بالصلاة قد تقدم. قال الشافعي: وقال بعض الناس: الإسفار بالفجر أحب إلينا، وذكر حديث رافع هذا؛ ثم إنه رجح حديث عائشة في الغلس؛ بأنه أشبه بكتاب اللَّه لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وحديث عائشة أشهر رجالا بالثقة والحفظ، ومع حديث عائشة جماعة كلهم يروون عن النبي ﷺ مثل معنى عائشة؛ منهم زيد بن ثابت، وسهل بن سعد وغيرهما. قال: والذي لا يجهله عالم أن تقديم الصلاة في أول الوقت أولى بالفضل؛ لما يعرض للآدمين من الأشغال، والنسيان، والعلل، ولحديث رافع وجه يوافق

стр. 370

حديث عائشة ولا يخالفه؛ وذلك أن النبي ﷺ لما حض الناس على تقديم الصلاة؛ وأخبر بالفضل فيها؛ احتمل من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر؛ فقال: أسفروا بالفجر حين يتبين الفجر الآخر معهما، فإن ابن عمر صلى بمكة مرارًا كلما بان له أنه صلاها أعاد، وإن أبا موسى فعل ذلك بالبصرة، فلعل الناس في زمان رسول اللَّه ﷺ قد كانوا يفعلون شبيهًا بفعلهما حين أخبر بفضيلة الوقت، فأراد النبي ﷺ -فيما نرى- الخروج من الشك؛ فأمرهم بالإسفار أي بالتبين. قال: فإذا احتمل أن يكون موافقًا للأحاديث؛ كان أولى بنا أن لا ننسبه إلى الاختلاف، وإن كان مخالفًا. وقد قيل في معنى الإسفار في هذا الحديث أقوال: منها: أنه قال: ربما قاله في وقت مخصوص؛ كالليالي المقمرة أو الليالي المغيمة التي لا يكاد الفجر يتضح فيها إلا بالإسفار. ومنها: أنه أراد بالإسفار الطلوع، وتحقيق الظهور أي أنه لا يصلي إلا بعد أن يتيقن طلوع الفجر وإيضائه. ومنها: أنه محمول على ما رواه أبو مسعود الأنصاري: "أن رسول اللَّه ﷺ غلس بالصبح ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه اللَّه وهو حديث صحيح (١). وقد ذكر الشافعي في ترجيح ما ذهب إليه؛ حديث: "أول الوقت رضوان

стр. 371

اللَّه وآخره عفو اللَّه" (١). وهو لا يؤثر على رضوان اللَّه شيئًا، والعفو لا يحتمل إلا معنيين عفو عن تقصير أو توسعة، والتوسعة يشبه أن يكون الفضل في غيرها، وقد سئل رسول اللَّه ﷺ [أي] (٢) الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها" (٣) وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به.

стр. 372

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦). فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ. وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال في الصبح: "من أدرك من الصبح ركعة".

стр. 373

وفي أخرى: عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتم صلاته". وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، بالإسناد واللفظ. وفي أخرى: عن حسن بن الربيع، عن ابن المبارك، عن معمر، عن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة نحوه، إلا أنه قدم العصر على الصبح، وقال: فقد أدرك، فقد أدرك ولم يقل الصبح ولا العصر. وأما أبو داود: فأخرجه بإسناد مسلم في هذه الرواية ولفظها. وأما الترمذي: فأخرجه عن [الأنصاري] (١)، عن معن، عن مالك، مثل البخاري. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، إسنادًا ولفظًا. وفي أخرى: عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله. وله رواية أخرى: نحو من رواية البخاري الثانية، إلا أنه قال: "إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر". "أدركت الشيء" أدركه إدراكًا، إذا بلغته ووصلت إليه ولحقته. "الركعة": عبارة عن الركوع المعروف مرة واحدة، ركع يركع ركعة، وهي في هذا الحديث عبارة عن مجموع: القراءة، والقيام، والركوع، والسجود،

стр. 374

إلى أن يعود قائمًا للركعة الثانية، أو إلى أن يجلس للتشهد إن كانت الركعة الثانية؛ هذا في حق المنفرد، فإن المأموم إذا أدرك الإمام راكعًا فركع معه؛ اعتدت له ركعة وإن لم يقرأ شيئًا؛ ولهذا يقال: إن صلاة الصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات؛ بهذا التقدير. وهذه التسمية مجاز واتساع وهو من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه، وكذلك قوله في رواية البخاري: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة الصبح" إنما يريد هذا المعنى؛ فعبر بالسجدة في هذه الرواية كما عبر بالركعة في تلك الرواية. وقوله في رواية النسائي: "إذا أدرك أحدكم أول السجدة" فإنما أريد به السجدة الأولى لا أول السجود، فإن الإجماع على خلافه. وقد جاء في بعض الروايات "من أدرك ركعة من الصبح". وفي أخرى: "من أدرك من الصبح ركعة". وبينهما فرق: وذلك أن من قَدَّمَ الركعة؛ فلأنها هي السبب الذي يحصل به الإدراك، وأن الحكم بصحة الصلاة مبني على إدراكها؛ فلما كانت بهذه الحال قدمها في الذكر؛ للعناية بها وأن الفائدة مقرونة بها. وأما من قدم الصبح والعصر قبل الركعة، فلأن هذين الاسمين هما اللذان يدلان على هاتين الصلاتين دلالة خاصة تتناول جميع أوصافها بخلاف الركعة. فلهذا تدل على أوصاف الصلاة، فقدم اللفظ الأهم الجامع لما يريد أن ينوط الحكم به؛ وهو صحة الصلاة وإدراكها. وكذلك جاء في رواية: "فقد أدرك الصبح" وفي رواية "فليتم صلاته" وكلاهما بمعنى، إلا أن أحدهما كناية، والآخر صريح. فإن أدرك الصبح لم يرد به أن تلك الركعة التي أدركها قبل طلوع الشمس أجزأته عن صلاته الصبح؛ إنما يريد أنها أجزأته عن الأداء؛ وإن خرج الوقت

стр. 375

بدخوله في الركعة الثانية إلا أنها إنما تجزئه عن الصلاة إذا صلى الركعة الثانية وإن كانت الشمس غاربة؛ وبهذا القدر استغني عن التصريح به بقوله: "فقد أدرك الصبح". وأما قوله: "فليتم صلاتة" فإنه صريح في الإجزاء، ألا تراه كيف أبان عن الوصف الذي به يحصل الإجزاء، وهو الإتمام والمجيء بالركعة الأخرى في الصبح والثلاث في العصر، ولم يحتج هنا أن يقول: "فقد أدرك" لأنه إذا أمره بإتمام الصلاة مع وقوع بعضها في وقتها، وبعضها في غير وقتها؛ فقد أجاز له ذلك وأمضاه، ولذلك قد جاء في بعض الروايات بتقديم الصبح على العصر وفي بعضها بالعكس، فأما تقديم الصبح؛ فلأنها أول صلاة يبتدئ بها الإنسان في أول يومه وأول أعماله، ولأن هذا الحكم الذي تعرض لذكره هو مقرون بطلوع الفجر، وكان الابتداء به أولى؛ لأن الطوع قبل الغروب. وأما تقديم صلاة العصر في الذكر، فلأن لها شرفًا على غيرها، بقوله ﷺ : "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (١). فلذلك جعلها الأكثرون الصلاة الوسطى, لأن حفظ وقتها ومعرفته فيه صعوبة، وليس كوقت غيرها من باقي الصلوات؛ ألا ترى أن كل واحدة من الصلوات يُدْرَكُ وقتها الخاص والعام؟، فإن الصبح وقتها بطلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، والظهر بالزوال، والمغرب بمغيب الشمس، والعشاء بمغيب الشفق وهذه حدود يشترك فيها كل بصير. وأما العصر فيحتاج في معرفة وقتها إلى معرفة الظل وزيادته ونقصانه وحفظ مقدار ظل الزوال، لبسطه (٢) من الظل، وهذا إنما يعرفه الخواص من العارفين بالأوقات، فحيث كانت بهذه الصفة من الإشكال؛ قدمها في الذكر اهتمامًا

стр. 376

بشأنها، وتوفرًا على المحافظة عليها. وهذا الوجه من ألطف ما قيل في تعليق قول من ذهب إلى أنها الصلاة الوسطى، وأن التخصيص بالمحافظة عليها؛ إنما كان لهذا السبب الذي ذكرناه. وأما تخصيص هاتين الصلاتين بالذكر من بين سائر الصلوات فعنه جوابان:- أحدهما: أنه ليس هذا الحكم خاصًّا لهما، بل يعم جميع الصلوات عند أكثر العلماء، فإنه قد جاء في حديث آخر عن أبي هريرة مما اتفق على إخراجه مالك (١) والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". وجاء في حديث عبد اللَّه بن عمر مما أخرجه النسائي (٧)؛ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات؛ فقد أدركها كلها إلا أنه يقضي ما فاته". والجواب الثاني: أن هاتين الصلاتين؛ هما طرفا النهار أولًا وآخرًا، وآخر وقتيهما هو طلوع الشمس وغروبها، وهو ظاهر لا لبس فيه، بحيث إن المصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت عليه الشمس أو غربت؛ عرف خروج الوقت، فلو لم يعين ﷺ هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه؛ لظن فوات الصلاة

стр. 377

وبطلانها بخروج الوقت، وليس كذلك آخر أوقات باقي الصلوات، فإنها لا تعرف حقيقة إلا بعد الاعتبار والتدقيق، فإذا صلى المصلي بعض صلاة الظهر آخر وقتها؛ ودخل عليه وقت العصر ولم يتم صلاته، فإنه لا يحس بدخول وقت العصر ما لم يهتبر الظل، وكذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء، إذا أخر صلاة العشاء إلى آخر الليل؛ فإنه لا يكاد يدرك أول جزء يطلع من الفجر؛ لأنه إذا لم يضئ له الشرق ويتسع؛ لم يكد يدرك طلوعه، وحيث كانت صلاة الفجر وصلاة العصر مخالفتين لها في الصلوات بهذا الوصف الذي ذكرناه؛ خصصهما بالذكر. واللَّه أعلم- ولأنها قد جاء لهاتين الصلاتين من الفضيلة ما لم يأت لغيرهما لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١) وقوله -عز من قائل- ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ . "فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" (٣)، ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الغروب، وقد سماهما صلاة البردين، والعصرين، وحث عليهما في غير موضع، وقال. "يتعاقب فيها ملائكة الليل وملائكة النهار" (٤) ونحو ذلك، ولأن النبي ﷺ قد نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلو لم يبين لهم صحة صلاة من أدرك ركعة من هاتين الصلاتين، لظن أن الصلاة تفسد بدخول هذين الوقتين وهو يصلي، فعرفهم ذلك ليزول هذا الوهم.

стр. 378

والذي ذهب إليه الشافعي العمل بهذا الحديث في هاتين الصلاتين وفي غيرهما من الصلوات، أنه متى أدرك المصلي من وقت الصلاة ركعة؛ أتم ما بقي منها وإن خرج الوقت. وإليه ذهب: مالك، وأحمد، وإسحاق. وكان أبو ثور يقول: إنما ذلك لمن نام أو سهى، ولو تعمد ذلك أحد كان مخطئًا مذمومًا بتفريطه. وقد روي ذلك عن الشافعي، وهو غير مشهور من مذهبه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يَصِحُّ ذلك في العصر دون الصبح، فإذا أدرك ركعة من صلاة الصبح وطلعت الشمس، فسدت صلاته وعليه القضاء ولا يلزمه ذلك. قال الشافعي: ومن أخر العصر حتى صار كل شيء مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء، فقد فاته الاختيار، ولا يجوز أن يقال: قد فاته وقت العصر مطلقًا، واحتج بهذا الحديث. وفي هذا الحديث: دليل على أن من أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة من المعذورين كالمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ، والنفساء، والحائض إذا طهرت؛ فإن الصلاة تجب عليه. وللأئمة في ذلك خلاف مذكور في كتب الفقه. الإبراد بالظهر. أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" وقال: "اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربّ أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسَينْ: نفس في الشتاء، ونفس في

стр. 379

الصيف، فأشد ما تجدون من الحر فمن حرها، وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها". وفي رواية: عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله إلى قوله: "جهنم" إلا أنه قال "فأبردوا على الصلاة". وفي أخرى: عن الثقة، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. وأخرجه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك": عن مالك، عن أبي الزناد، إلى قوله: "جهنم". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه بالرواية الثانية إلى قوله: "جهنم". وفي أخرى: عن عبد اللَّه بن زيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [و] (٢) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة مثله إلى قوله: "في الصيف". وقال: "أبردوا عن الصلاة" ولم يقل: "أكل بعضي بعضًا". وأخرج الشافعي هذه الرواية: عن مالك، من رواية المزني عنه، وأخرجها في القديم: من رواية الزعفراني عنه. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن علي بن [عبد] (٤) اللَّه، عن سفيان، إلى قوله: "في الصيف" ثم قال: "أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير".

стр. 380

وفي أخرى: عن أيوب بن سليمان، عن أبي بكر، عن سليمان، عن صالح ابن كيسان، عن الأعرج وغيره، عن أبي هريرة. وعن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنهما حدثاه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم". وله روايات أخرى تتضمن شكوى النار خاصة، فلم يذكرها (١). وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن الزهري، بالإسناد عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة مثل الشافعي إلى قوله: "جهنم". وفي أخرى: عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وابن المسيب، مثله. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن يزيد بن خالد بن موهب، وقتيبة بن سعيد، عن الليث، بالإسناد، إلى قوله "جهنم". وقال قتيبة: فأبردوا عن الصلاة. وقال ابن موهب: بالصلاة. وأما الترمذي (٤) والنسائي (٥): فأخرجاه عن قتيبة، عن الليث، بالإسناد، إلى قوله: "جهنم" وقال: "عن الصلاة". وفي الباب: عن أبي ذر، وأبي سعيد، وأبي موسى، وأنس.

стр. 381

"اشتد": افتعل من الشدة: القوة، أي إذا قوى الحر، وأصل اشتد اشتدد فسكنت الدال الأولى وأدغمت في الثانية. "والإبراد": من البرد تقول منه: أبرد الرجل إذا فعل فعلًا، وقد انكسر الحر وضعفت شدته. قال الأزهري: يقول الركب في السفر إذا زاغت الشمس فقد أبردتم فروحوا، "وأبرد القوم" إذا صاروا في آخر القيظ. "والإبراد في الصلاة": هو تأخير صلاة الظهر عن أولها في شدة الحر إلى أن ينكسر الحر قليلًا، وله أحكام نذكرها في آخر الكلام على هذا الحديث. "والفَيْح": سطوع شدة الحر وانتشاره، وأصله من كلامهم السعة والانتشار، ومنه قولهم: مكان أفيح، فجعل شدة الحر من فيح جهنم، ولذلك أردفه بقوله "اشتكت النار إلى ربها". "والزمهرير": شدة البرد، والميم أصلية، ويجوز أن يكون قد أخرج الكلام مخرج التشبيه، أي كأنه من نار جهنم. والوجه الأول. "والصيف والشتاء": معروفان، والذي كان عند العرب في تقسيم السنة أنهم كانوا يجعلون كل ثلاثة أشهر منها قسمًا، فقسم منها هو عندهم الربيع، والذي يسميه الناس الخريف, لأن الثمار تخترف فيه أي تجتني؛ وأوله عند حلول الشمس في أول برج الميزان, وذلك نصف أيلول، وآخره عند خروج الشمس من برج القوس، وذلك نصف كانون الأول، وله من المنازل العقرب، والزبان، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة. والقسم الثاني: هو الشتاء، وأوله عند حلول الشمس أول برج الجدي، وذلك نصف كانون الأول، وآخره عند خروجها من برج الحوت وذلك نصف آذار، وله من المنازل سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية

стр. 382

وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، والرشا. والقسم الثالث: الصيف وهو عند الناس الربيع، وأوله عند حلول الشمس في برج الحمل في نصف آذار، وآخره عند خروج الشمس من برج الجوزاء، وذلك نصف حزيران وله من المنازل، السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع. والقسم الرابع: القيظ وهو عند الناس الصيف، وأوله عند حلول الشمس في برج السرطان، في نصف حزيران وآخره عند خروجها من برج السنبلة؛ في نصف أيلول وله من المنازل: النثرة والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك. ومنهم من يقسم السنة أربعة أقسام أخرى:- الأول: أيلول، وتشرين، وتشرين (١). والثاني: كانون، وكانون (٢)، وشباط. والثالث: آذار، ونيسان، وأيار. والرابع: حزيران، وتموز، وآب. وكأن هذه القسمة أقرب إلى الاعتدال، وتلك أقرب إلى قسمة البروج ومسير الشمس. ومنهم من قسم السنة قسمين:- الصيف، الشتاء، فجعل الصيف ستة أشهر أولها نيسان وآخرها آذار، والذي أراد به النبي ﷺ من الصيف؛ فإنما هو القيظ لأنه هو الزمان الذي يستحب فيه الإبراد.

стр. 383

وقد جاء في بعض الروايات "فأبردوا بالصلاة" وفي بعضها "فأبردوا عن الصلاة" والفرق بينهما أن الباء لا تخلو أن تكون للإلصاق؛ أو للاستعانة، أو زائدة، وكل هذه الأوجه لائقة بهذا الموضع صالحة له، إلا أن بعضها أحسن من بعض. وأما "الإلصاق": فنحو قولك: مررت بزيد، فإن الباء ألصقت المرور بزيد، وكذا هذا كأن الباء ألصقت الإبراد بالظهر. وأما التي للاستعانة: فكقولك: كتبت بالقلم، فكأن صلاة الظهر هي التي استعنت بها على الإبراد، فصرت مبردًا بسببها إلا أن الإبراد إنما هو لشدة الحر لا للصلاة، ولكن صار خاصًّا بها للاستعمال؛ لأنه لما جعل الإبراد في هذا الوقت لأجل تأخيرها، صارت كأنها هي التي فعلته وحملت عليه. وأما الزيادة: فكقولك: "بحسبك قول السوء، أي: حسبك" فإذا جعلنا في الحديث زائدة، صار المعنى أبردوا الظهر أي أخروها إلى أن يذهب شدة الحر لكن مع إثباتها يكون الإبراد فعلا قاصرًا لازمًا للمصلي، ومع حذفها يكون متعديًا أي: احملوها على أن تبرد هي، وفيه بعد، وأولى هذه الأوجه الثلاثة، أن تكون للاستعانة. وأما قوله: "فأبردوا عن الصلاة" فإن معناها المجاوزة، تقول: صفحت عن فلان أي جاوزته فلم أعاقبه، فهي في هذا الحديث بمعنى تجاوزوا وقتها المختص بها، واعبروه إلى أن ينكسر الحر. وفي هذا دليل على أن الوقت الأخص والأولى في الصلوات هو الأول, لأنه أَمْرٌ بالترخص أو بالتخصيص في شدة الحر، ومجاوزة الوقت الخصيص بها لأجل الحر؛ وما يتجاوز الإنسان أمرًا إلا وقد ترك ما هو أولى به، لاسيما إذا كانت المجاوزة رخصة أو تخصيصًا لهذه، ويجوز أن يكون التقدير في "أبردوا عن الصلاة"، أخروا الصلاة لكنه أراد أن لا يقرن لفظ التأخير بالصلاة، صيانة لها

стр. 384

عن هجنة التأخير، فقال: أبردوا عن الصلاة. وإنما قلنا: إن معنى "أبردوا" "أخروا" من قبيل المجاز, لأن التأخير من ثمرة الإبراد، فكنى عن الشيء بما يؤول إليه، كقول الشاعر: وما العيش إلا نومة وتشرق ... وتمر على رأس النخيل وماء. فسماه "تمرًا" وإنما يكون وهو على رأس النخيل رُطَبًا فما قبله. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "أخر عني" أي تأخر عني وأخر عني تمسك. وفي قوله: "اشتكت النار إلى ربها" مسألة أصولية هل هذه الشكوى حقيقية بكلام أم هي مجاز عبَّر فيه بلسان الحال عن لسان المقال؟ كما قال الراجز: يشكو إلىّ جملي طول السرى ... وأي الأمرين قدّر كان جائزًا لأن الكلام عند المحققين من الأصوليين وأهل السنة؛ ليس من شرطه وشرط العلم في القيام بالجسم؛ إلا الحياة. فأما الهيئة والبنية واللسان، فليس من شرطه، فإذا خلق اللَّه في النار حياة؛ وُجِدَ منها الكلام الذي هو الكلام الحقيقي، ولو قلنا: إنه الكلام العرفي الذي هو الأصوات والحروف، لكان خلق اللَّه لها لسانًا تنطق به، ألا ترى أنه قد جعل لها عينين، قال النبي ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ بين عَيْنَيْ جهنم مقعدًا"، قالوا يا رسول اللَّه: أو لجهنم عينان؟! قال:

стр. 385

أو ما سمعتم إلى قول اللَّه : ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١) " (٢). وإن قلنا إنه مجاز عن لسان الحال، فالأمر فيه ظاهر. وقوله: "فأذن له بنفسين" إشارة إلى أنها مطبقة محاط عليها بجسم مكتنفها من جميع نواحيها؛ لم يتصور باضطرامها أن تتنفس، وكانت الحكمة في التنفس عنها، إعلام الخلق بأنموذج منها. وأما قوله في البرد: "إنه من بردها"، والنار لا توصف بالبرد، فلأن مذاب الأجسام إما أن يكون حارًّا أو باردًا، فلما جمع اللَّه نوعي العذاب المعد للأجسام، عبر بأحدهما عن الآخر وأطلق عليه مجازًا واتساعًا، كقولهم: القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإبراد إنما يجوز بأربعة شرائط: الأولى: أن تكون الصلاة جماعة في مساجد الجماعات. والثانية: أن يكون شدة الحر. والثالثة: أن يكون في البلاد الحارة، كالحجاز، والعراق، واليمن وما يقرب منها مما يشتد فيه الحر.

стр. 386

والرابعة: أن يقصد الناس الصلاة من الأماكن البعيدة. وقيل: إن البعيد والقريب سواء. وحد البرد: هو أن ينكسر الحر ويحصل للحيطان فيء يجوز الساعي إلى الصلاة فيه. وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها حتى يصير الفيء قَدْرَ ذراع. وقال أبو حنيفة: تعجيلها في الشتاء أفضل، وتأخيرها في الصيف أفضل، ولم يراع ما ذكرنا من الشروط، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقد اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد: فقال بعضهم: إنه سنة للأمر الوارد فيه بقوله: "أبردوا" ولأن شدة الحر تذهب بالخشوع فسنه لمراعاة ذلك. وقال بعضهم: إنه رخصة، لأن الشافعي قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بتأخيرها في الحر توسعًا منه ورفقًا، مثل توسعته في الجمع بين الصلاتين. وأما "الإبراد بالجمعة"، فقد اختلف أصحاب الشافعي. فقال قوم: يبرد بها كما يبرد بالظهر. وقال قوم: لا يبرد بها, لأنهم أمروا بالتبكير إلى الجمعة، وانتظارها في الجامع يشق عليهم ويؤذيهم حره. تأخير صلاة العشاء لم يرد في المسند حديث، وإنما المزني روى عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء".

стр. 387

أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤). وأخرج أيضًا المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ وذكر مثله أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦). ...

стр. 388

الفرع الرابع في أولى الأوقات بالصلاة لم يرد في المسند عن الشافعي في هذا المعنى حديث, ولكن قد قال الزعفراني: قال الشافعي: أخبرنا أبو صفوان بن سعيد بن عبد الملك، عن عبد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة -وكانت ممن بايع النبي ﷺ - أن رسول اللَّه ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها". هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي (١). وفي الباب: عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة. وقد ذكرنا في الفرع الأول بيان المذاهب في اختيار الأئمة وأقوالهم في المواقيت وأولى الأوقات بالصلاة فلم نعده. ...

стр. 389

الفرع الخامس في الأوقات المكروهة أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه الصنابحي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها؛ فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها؛ فإذا غربت فارقها" ونهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات. هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، والنسائي (٢). فأما مالك فأخرجه هكذا عن عبد اللَّه الصنابحي. ورواه معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي عبد اللَّه الصنابحي (٣). قال الترمذي: -الصحيح رواية معمر وهو أبو عبد اللَّه: عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي (٤).

стр. 390

وقد أشبعنا القول في بيانه، واختلاف الأئمة فيه، في كتابنا كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" (١). فأما النسائي فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بالإسناد. وفي الباب: عن عتبة بن عامر، وابن عمر، وأبي سعيد، وعمرو بن عبسة، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة؛ إلا أن حديث عمرو ابن عبسة كالمبين المفسر لهذا الحديث، وهو: قال: قلت يا رسول اللَّه، أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر فصل ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي الصبح؛ ثم اقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان فيصلي لها الكفار، ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى يعدل الرمح ظله ثم اقصر، فإن جهنم تُسَجَّرُ وتفتح أبوابها، فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر، ثم
следующие страницы →