والرابعة: أن يقصد الناس الصلاة من الأماكن البعيدة.
وقيل: إن البعيد والقريب سواء.
وحد البرد: هو أن ينكسر الحر ويحصل للحيطان فيء يجوز الساعي إلى الصلاة فيه.
وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها حتى يصير الفيء قَدْرَ ذراع.
وقال أبو حنيفة: تعجيلها في الشتاء أفضل، وتأخيرها في الصيف أفضل، ولم يراع ما ذكرنا من الشروط، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقد اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد:
فقال بعضهم: إنه سنة للأمر الوارد فيه بقوله: "أبردوا" ولأن شدة الحر تذهب بالخشوع فسنه لمراعاة ذلك.
وقال بعضهم: إنه رخصة، لأن الشافعي قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بتأخيرها في الحر توسعًا منه ورفقًا، مثل توسعته في الجمع بين الصلاتين.
وأما "الإبراد بالجمعة"، فقد اختلف أصحاب الشافعي.
فقال قوم: يبرد بها كما يبرد بالظهر.
وقال قوم: لا يبرد بها, لأنهم أمروا بالتبكير إلى الجمعة، وانتظارها في الجامع يشق عليهم ويؤذيهم حره.
تأخير صلاة العشاء
لم يرد في المسند حديث، وإنما المزني روى عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه ﷺ :
"إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء".
стр. 387
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
وأخرج أيضًا المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ وذكر مثله أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦).
...
стр. 388
الفرع الرابع
في أولى الأوقات بالصلاة
لم يرد في المسند عن الشافعي في هذا المعنى حديث, ولكن قد قال الزعفراني: قال الشافعي: أخبرنا أبو صفوان بن سعيد بن عبد الملك، عن عبد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة -وكانت ممن بايع النبي ﷺ - أن رسول اللَّه ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها".
هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي (١).
وفي الباب: عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة.
وقد ذكرنا في الفرع الأول بيان المذاهب في اختيار الأئمة وأقوالهم في المواقيت وأولى الأوقات بالصلاة فلم نعده.
...
стр. 389
الفرع الخامس
في الأوقات المكروهة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه الصنابحي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها؛ فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها؛ فإذا غربت فارقها" ونهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات.
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، والنسائي (٢).
فأما مالك فأخرجه هكذا عن عبد اللَّه الصنابحي.
ورواه معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي عبد اللَّه الصنابحي (٣).
قال الترمذي: -الصحيح رواية معمر وهو أبو عبد اللَّه: عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي (٤).
стр. 390
وقد أشبعنا القول في بيانه، واختلاف الأئمة فيه، في كتابنا كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" (١).
فأما النسائي فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بالإسناد.
وفي الباب: عن عتبة بن عامر، وابن عمر، وأبي سعيد، وعمرو بن عبسة، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة؛ إلا أن حديث عمرو ابن عبسة كالمبين المفسر لهذا الحديث، وهو: قال: قلت يا رسول اللَّه، أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر فصل ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي الصبح؛ ثم اقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان فيصلي لها الكفار، ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى يعدل الرمح ظله ثم اقصر، فإن جهنم تُسَجَّرُ وتفتح أبوابها، فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر، ثم
стр. 391
اقصر حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها الكفار" (١).
وقد اختلف العلماء في معنى "قرني الشيطان".
فقال قوم: معناه مقارنة الشيطان لها في هذه الأوقات.
وقيل: معنى القرن قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا الأمر، أي مطيق له قوى عليه، وذلك لأن الشيطان لها يقوى أمره في هذه الأوقات، لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجد لها في هذه الأوقات.
وقيل: "قرنه" حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال:
هؤلاء قرن، أي قوم جاءوا بعد قوم.
وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم، وتسويفه وتزيين ذلك في قلوبهم، وذوات القرون من شأنها أنها تعالج الأشياء وترفعها بقرونها، فكأنهم لما دافعوا الصلاة وأخروها عن وقتها، بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس؛ صار ذلك بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها وتدفعه بها.
وقيل: إن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له.
"وقرنا الرأس" جانباه، ويجوز أن يكون المراد به: أنه شبه طلوع الشمس وهو ظهورها على العالم، بظهور الملوك والسلاطين على رعيتهم؛ وما يعاملونهم به من الخدم، والتحايا، والركوع، والسجود، وذلك على اختلاف أقدارهم ومراتبهم، وكذلك يفعلون معهم عند انفصالهم عنهم وعودهم إلى مساكنهم،
стр. 392
فشبه طلوع الشمس وغروبها بظهور الملوك ورجوعهم إلى أماكنهم، وأن الصلاة في هذين الوقتين؛ يشبه أن تكون مضافة إلى طلوع الشمس وغروبها, لحدوثها عند حدوثها فنهوا عنها.
فأما وقت توسطها السماء واستوائها في قبة الفلك، فلأن ذلك المكان هو أعلى أمكنتها وأرفعها، والسجود في هذا الوقت إذا توهم مضافًا إليها كان تعظيمًا لشأنها وإكبارًا لقدرها، فنهوا عن الصلاة حينئذ حتى لا يجري هذا الوهم، ولا يظن هذا الخيال.
الذي ذهب إليه الشافعي: أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها خمسة: ثلاثة متعلقة بالوقت وهي الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند الاستواء حتى تزول، وعند الغروب حتى تغرب، واثنان متعلقان بالفعل وهما: الصلاة بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى الغروب، وهذه الأوقات لا تجوز الصلاة فيها عنده، إلا أن تكون صلاة لها سبب، كقضاء فرض، أو صلاة جنازة، أو سجود قرآن، أو إدراك جماعة أو نذر.
وقال أبو حنيفة: الأوقات الثلاثة: الأول: لا يصلي فيها فرض ولا نفل إلا عصر يومه ولو عند اصفرار الشمس.
وأما الوقتان الآخران فلا يصلي فيهما، سواء كان لها سبب أو لم يكن.
وقال مالك: تقضي الفرائض في الأوقات المنهي عنها، دون النوافل.
وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز فيها الجماعة مع إمام الحي وركعتي الطواف.
وهذا النهي عند الشافعي عام إلا بمكة، وإلا يوم الجمعة عند الزوال، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، قال: لأن الناس ينتظرون الجمعة ويشق عليهم مراعاة الشمس، وفي ذلك قطع للنوافل.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن
стр. 393
الأعرج، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
هذا حديث صحيح، أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، ومسلم (٢).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وقد أخرج البخاري (٤) هذا المعنى في جملة حديث نَهى عن بيعتين، [وعن] (٥) لبْستين وعن صلاتين،، وذكر الحديث عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد اللَّه [عن] (٦) خُبيب [بن] (٧) عبد الرحمن، عن حفص [بن] (٧) عاصم، عن أبي هريرة.
قال الشافعي: وأعاد حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح" وكذلك في العصر.
وقد تقدم هذا الحديث في الفرع الثالث من هذا الفصل.
قال الشافعي: فالعلم محيط أن المصلي ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس،
стр. 394
والمصلي ركعة من العصر قبل غروب الشمس؛ قد صليا معًا في وقتين مجمعان تحريم وقتين، فلما جعله مدركًا للصبح والعصر، استدللنا على أن نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات على النوافل التي لا تلزم، وكان أبو هريرة يفتى بمثل ذلك فيما رواه المقبري عنه، فإذا كانت فتوى أبي هريرة هذه روايته، وهو أحد رواة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، فكيف يجوز دعوى نسخ ما رواه أبو هريرة في الإدراك بما رواه في النهي من غير تاريخ ولا سبب يدل على النسخ، فقد رُوي عن علي بن أبي طالب: أنه دخل فسطاطه بعد العصر فصلى ركعتين.
وروي ذلك عن الزبير، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأبي أيوب، وعائشة، وتميم الداري.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال:
"لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والنسائي (٤).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللِّه بن يوسف، عن مالك.
وأما [النسائي] (٥) فأخرجه عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا طلع حاجب
стр. 395
الشمس فأخروا الصلاة حتى تشرق، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب".
وقد أخرج الشافعي هذه الرواية في كتاب الرسالة (١).
"التحرك": القصد والتعمد لفعل الشيء وقوله وهذه لا في قوله.
"لايتحرى" ناهية ومن حقها أن تجزم الفعل الواقع بعدها، وعلامة جزم هذا الفعل المعتل هو حذف الياء، وقد جاءت في الرواية مثبتة، فإن لم يكن تحريفًا من الرواة والكتاب، فتكون "لا" نافية لا ناهية، وقد ضمَّنت معنى النهي، وقد جاء مثل هذا في الاستعمال كثيرًا.
والفاء في قوله: "فيصلي" عاطفة "ليصلي" على "يتحرى"، وحقها أيضًا أن تكون مجزومة محذوفة الياء مثل "يتحرى"، ولها حكمها.
"ولا" في قوله: "ولا عند غروبها" نافية، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها, ولأن النهي متعلق بالوقتين، وفي دخول "لا" فائدة وهو: أن لا يتوهم أن النهي متعلق بالصلاتين معًا في الوقتين معًا؛ وأنه إن صلى إحداهما ولم يصل الأخرى؛ لم يكن النهي متعلقًا بذلك؛ ومع دخول "لا" يزول هذا الوهم؛ لأنك إذا قلت: لم يقم زيد وعمرو، جاز أن يكون قد قام أحدهما، وأنك إنما أردت أن تخبر أنهما لم يقوما معًا في وقت واحد، فأما إذا قلت: لم يقم زيد ولا عمرو فإن اللفظ خاص لنفي القيام عن كل واحد منهما مجتمعين ومنفردين.
وفي تكرار لفظة "عند" زيادة تأكيد لنفي الفعل في هذا الوقت.
وبيان النهي متعلق بحالة الغروب.
وحاجب الشمس: أول ما يبدو منها، قال الجوهري: حاجب الشمس
стр. 396
طلوعها وإضاءتها، تقول: أشرقت الشمس إذا أضاءت وإذا طلعت.
فأما "شرقت الشمس" بغير ألف فإنما هو طلعت، والأحسن في الحديث أن يكون من أشرقت بمعنى أضاءت، لأنه قد نهى عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وعند ذلك يضيء نورها ويشرق.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي لبيد قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة؛ فبينا هو على المنبر إذ قال: يا كثير بن الصلت اذهب إلى عائشة فسلها عن صلاة رسول اللَّه ﷺ بعد العصر، قال أبو سلمة: فذهب معه إلى عائشة، وبعث ابنُ عباس عبدَ اللَّهِ بن الحارث بن نوفل معنا، فأتى عائشة وسألها عن ذلك؟ فقالت له: اذهب غسل أم سلمة، فذهبت معه إلى أم سلمة فسألها؟ فقالت أم سلمة: "دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ ذات يوم بعد العصر، فصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما، فقالت أم سلمة: فقلت يا رسول اللَّه، لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها؟ قال: "إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنه قدم عليَّ وفد بني تميم -أو صدقة- فشغلوني عنهما، فهاتان الركعتان".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عبد اللَّه بن أبي لبيد، بالإسناد واللفظ، وقال فيه، وبعث ابن عباس عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل معنا، فقال: اذهب فاسمع ما تقول أم المؤمنين، وفيه فقالت له عائشة: لا علم لي.
وذكرنا في الحديث الذي أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب الصلاة (١) والثانية في كتاب اختلاف الحديث.
стр. 397
وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، إلا أنهم لم يذكروا معاوية وقوله.
فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى بن [سليمان] (٥) عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن كريب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر؟ وقل لها: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي ﷺ ينهي عنهما، قال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها، قال كريب: فدخلت على عائشة، فبلغتها ما أرسلوني فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمه: "سمعت النبي ﷺ نهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول لك أم سلمة: يا رسول اللَّه، سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما؟ فإن أشار بيده فاستأخرى عنه، [ففعلتْ] (٦) الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، [فلما] (٧) انصرف قال: "يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس -زاد في رواية بالإسلام- فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان".
وأما مسلم: فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، بالإسناد ونحوه.
وأما أبو داود: فأخرجه عن [أحمد] (١) بن صالح، عن ابن وهب، بالإسناد،
стр. 398
مثل البخاري ومسلم.
وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن النبي ﷺ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، وإنها ذكرت ذلك له، فقال: "هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر؛ فشغلت عنهما حتى صليت العصر".
وله روايتان أخريان نحوهما مختصرًا.
وقد جاء في جواب بينا أداة بـ "إذ"، وقل ما تستعمل في العربية، إنما جوابها الفعل، تقول: بينا زيد قائم وصل عمرو، وقد سبق فيما مضى من الكتاب بيان هذه الكلمة مستوفيً فلم نعده.
وقوله: "ذات يوم" أي في يوم وهو من ظروف الزمان التي لا تتمكن، تقول: لقيته ذات يوم، وذات غداة، وذات العشاء، وذات مرة، وذات الزمين، وذات العريم.
وقالوا: لقيته ذا صباح، وذا مساء، وذا صبوح، وذا غبوق، فهذه الأربعة بغير تاء، وإنما سمع في هذه الأوقات المذكورة ولم يقولوا: ذات شهر، ولا ذات سنة.
"وهاتان" تثنية "هذه"، كما أن "هذان" تثنية "هذا".
"والوفد": القوم القادمون على الأمير، يسترفدون أو زائرين، ونحو ذلك.
وقوله: "أو صدقة" يريد أو صدقة بني تميم، وتقول: قرأ على فلان السلام، واقرأ ﵇ أي سلم عليه وأقرئ آل فلان السلام.
وقوله: "كنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما" أي كان ضربي
стр. 399
لهم صادرًا عن صلاتها وبسببها، يريد أن عمر بن الخطاب قد كان يمنع من يصليها وينهاه عنها؛ وكان ابن عباس ممن أمره عمر بذلك.
وفي هذا الحديث من الفقه:-
جواز الصلاة بعد العصر إذا كانت صلاة ذات سبب، لأن أم سلمة لما رأت النبي ﷺ يصلي بعد العصر وقد سمعت منه النهي عنها، سألته فقال في جوابه ما قال فأضافها إلى سببها، وهذا نص ظاهر في جواز الصلاة السببيَّة في الوقت المنهي عنه، فهو أيضًا صريح في أن صلاة هاتين الركعتين بعد العصر كان بعد النهي عن الصلاة بعد العصر، فلا يمكن ادعاء النسخ فيه، لأنه ثبت أنه بعد النهي، فكيف يكون منسوخًا وهو ناسخ.
وفيه من الفقه: أن الرواتب تُقْضَى.
وللشافعي فيها قولان:-
أحدهما: أنها تقضى، وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه وبه قال المزني.
والثانية: لا تُقضى، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، إذا فاتت الرواتب مع الفريضة قضيت جميعها.
стр. 400
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني إسحاق بن عبد اللَّه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة".
هكذا رواه الشافعي في كتاب "الجمعة" (١)، ورواه في كتاب اختلاف الحديث (٢)، عن إبراهيم بن محمد قال: وروي عن إسحاق بن عبد اللَّه ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد اللَّه بن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٣) وفي الباب: عن أبي قتادة، وأبي سعيد الخدري.
وقد أشار الشافعي إلى حديث أبي سعيد في رواية المزني عنه.
قد تقدم بيان الأوقات المكروهة، وأن الكراهة ساقطة للصلوات ذوات الأسباب، وفي يوم الجمعة خاصة نصف النهار لهذا الحديث، ولذلك أخرجه الشافعي في كتاب الجمعة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عامر بن مصعب أن طاوسًا أخبره أنه سأل ابن عباس عن الركعتين بعد العصر؟ فنهاه عنهما، قال طاوس: فقلت: ما أدعهما، قال ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤).
إنما قرأ ابن عباس هذه الآية في معرض الاحتجاج، والاستدلال على طاوس في إبطال قوله: إني ما أدعهما، وذلك أنه إذا كان اللَّه ورسوله قد قضى أن لا
стр. 401
صلاة بعد العصر، فلا فسحة لأحد من الناس أن يختار خلاف ما قضى به.
وإيراد هذه الآية في معرض الاحتجاج، على سبيل التعريض لا على سبيل الاستدلال من أبلغ أنواع البلاغة، وهذا النوع يسمى في علم البيان "التعليق"، لأنه قد حذف من الخطاب شيئاً كان يريد أن يذكره، ثم يعضده بذكر الآية، وذلك أنه كان عليه أن يقول لطاوس لما قال: ما أدعهما، لا يجوز لك ذلك، فيقول له: ولم؟ فيقول: لأن النبي ﷺ نهى عنهما، فيقول: وكيف نهى عنهما؟ فيقول: قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"، فيقول: ولم كان اتباع ذلك لازمًا؟ فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) فانظر كيف حذف هذه الأسئلة والأجوبة، واكتفى بذكر الآية فأغنت عن ذلك جميعه، وتلاوة القرآن "وما كان لمؤمن" بواو قبل "ما"، والذي جاء في هذا الحديث بحذفها، فإن صحت الرواية بها، فلأنها إنما ذكر الآية مبتدئًا ولم يتقدمها ما يعطفها عليه، فأسقط الواو لذلك.
والأولى إثباتها محافظةً على لفظ القرآن.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب الرسالة (٢)، في جملة أحاديث أُخَر في معناه، استدل بها على بعضٍ من كُلِّهِ، في جواز صلاة الأسباب في الأوقات المكروهة.
قال الشافعي في جملة قوله: فإذا وجدت عن رسول اللَّه ﷺ خبرًا مُجْمَلًا فهو على جملته وظاهره، لا يحيله عن جملته وظاهره شيء إلا أن يأتي عن رسول اللَّه ﷺ خبر يكون فيه دلالة على أنه خاص دون عام، وباطن دون ظاهر، فيستدل بخبر رسول اللَّه ﷺ على خبره، وذلك أن ينهى رسول اللَّه ﷺ عن الشيء فيأتي الخبر جملة بنهيه عنه، ثم يأتي خبر عنه بترخيص
стр. 402
بعض ما يدخل في معنى الجملة، فيعلم أنه لم هد بالجملة قطعًا أجل، وقد بينت بعض هذا في كتابي هذا، ثم قال:
ومن هذا الوجه من السنة، أن رسول اللَّه ﷺ من أن تصلي للصَّلواتِ كلها لمواقيت معلومة، وذكر أحاديث منها، حديث أبي هريرة: "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" وحديث ابن عمر: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها". قال الشافعي: بظاهر هذه الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ لا تحل في شيء من هذه الساعات، لا صلاة فائتة ولا صلاة لطواف، ولا صلاة على جنازة، ولا سجدة، ولا غيرها من الصلوات.
فإن قال قائل: فلم تقل هذه الأحاديث على عمومها وظواهرها؟
قلنا: بالدلالة البينة عن رسول اللَّه ﷺ وذكر حديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" وحديث ابن المسيب "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" وحديث جبير بن مطعم "لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" وسيجيء الحديث.
قال الشافعي: فدلت هذه الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ -واللَّه أعلم- أن رسول الله إنما أراد -بالنهي عن الصلاة في الساعات التي نهي عنها فيها- النافلة، فأما صلاة لزمت بوجه من الوجوه فلا, ولو كان على جملته ما كان لمن فاتته صلاة أن يصليها بعد الصبح، ولكان من كان في بقية من صلاته مع مغيب الشمس، أو طلوعها غير جائز الصلاة، ولما صلى أحد للطواف في شيء من هذه الأوقات، ولا على جنازة، ولم أر الناس اختلفوا في الصلاة على الجنازة بعد الصبح والعصر، ولو جاز لنا أن نزيل هذه الأحاديث بالأحاديث التي جاءت في النهي جاز لغيرنا أن يزيل هذا النهي بهذه الأحاديث. قال: وقد خالفنا بعض الناس في هذا، فقال -مع ظانة السنة فيه- قولًا متناقضًا، فزعم أن من صلى
стр. 403
ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فصلاته تامة، ومن صلى ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فصلاته فاسدة.
فقيل لبعض من قال هذا القول من أصحابه، أَرَأيْتَ لو قال رجل يستخف بخلاف السنة: أفسد التي زعمت أنها تامة، وأتم التي زعمت أنها فاسدة، ما الحجة عليه؟.
قال: الذي صلى الركعة من العصر، خرج إلى وقت تحل فيه الصلاة والذي صلى الركعة من الصبح؛ خرج إلى وقت تحرم فيه الصلاة.
قيل له: أرأيت ما أفسد أول الصلاة، أليس يفسد آخرها؟
وما أفسد آخرها يفسد أولها؟ قال: بلى، قيل: فما صلى (١) العصر في وقت تحرم فيه الصلاة من اصفرار الشمس، ومن مغيب حاجب الشمس؟ قال: بلى، قلت: فكيف لم تفسد الأولى وأفسدت الأخرى؟ ثم ذكر كلامًا كثيرًا، وقال في آخره: وفيما كتبت إن شاء اللَّه كفاية لك، فإذا ورد عليك غيره، قلت فيه واللَّه لنا ولك بالتوفيق (٢) على ما شرحت من الناسخ والمنسوخ وغيره.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير المكي، عن عبد اللَّه بن باباه عن جبير بن مطعم أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر المسلمين شيئًا، فلا ينفر (٣) أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد [المجيد] (٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناه لا يخالفه، وزاد عطاء: "يابني
стр. 404
عبد المطلب، أو يا بني هاشم، أو يا بني عبد مناف".
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١)، مع حديث أبي سلمة، عن معاوية، وعائشة، وهو حديث قد أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما أبو داود: فأخرجه عن ابن السرح، عن سفيان، بالإسناد عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت، ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار".
فأما الترمذي: فأخرجه عن أبي عمار، وعلي بن خشرم، عن سفيان، بالإسناد: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى" الحديث.
وأما النسائي: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان بالإسناد، مثل الترمذي، وقال: لا يمنَعَنَّ.
وفي الباب: عن أبي ذر، وابن عباس.
والشافعي لما أخرج رواية جبير بن مطعم وهي متصلة، أكدها برواية عطاء المرسلة.
وإنما خص النبي ﷺ من بني عبد مناف ولاة الأمر لأن الأمر والنهي خصوصًا في الأحكام الشرعية إنما هو منوط بأولي الأمر وإنما خصَّ بني عبد مناف لأنهم ألزم به من غيرهم، وذلك جاء في رواية "يا بني عبد مناف، أو يا بني هاشم", لأن بني هاشم أقرب إليه من بني عبد مناف، وبني عبد المطلب أقرب
стр. 405
إليه من بني هاشم.
وفي رواية أبي داود: "يطوف ويصلي" وفي رواية الباقين "طاف وصلى" ورواية أبي داود أحسن، لأن لفظ الحالية يقتضي التجدد والحدوث، بخلاف لفظ الماضي لأنه مقصور على الواقع دون المتوقع والمتجدد.
ورواية الشافعي: قد جاءت مصدرة بالشرط والجزاء، الذي هو "مَنْ وَلِيَ" "فلا يمنع" وهي آكد وأعم وأبلغ في وجوب الحكم من غيرها، إلا أنها مخصوصة بمن ولي منهم الأمر.
والرواية الباقية مطلق لبني عبد مناف، سواء ولوا أمرًا أو لم يلوا.
وفيها دليل على أن: حكم البيت والحرم؛ مفوض إليهم على اختلاف الحالين، لأن من يكون إليه المنع يكون حكم ذلك الممنوع إليه، فإنه قادر عليه.
ومع تخصيص من يلي منهم ينبغي ذلك، لأنه إنما أمرهم بترك المنع مع الولاية، إذ الولاة قادرون عليه، بخلاف من لم يَلِ منهم.
وهذا الحديث: يدل على ما ذهب إليه الشافعي، من كراهة الأوقات المنهي عنها إلا في مكة، وقد سبق القول في ذلك.
والصلاة في الأوقات المكروهة قد فعلها ابن عباس، وابن عمرو، وابن الزبير، والحسن والحسين بن علي بن أبي طالب، وعطاء، وطاوس، والقاسم بن محمد، ومجاهد، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وأنكرت ذلك طائفة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وروي عن أحمد أيضًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: رأيت أنا وعطاء بن أبي رباح ابن عمر "طاف بعد الصبح وصلى قبل أن تطلع الشمس".
هذا الحديث أخرجه في كتاب الرسالة (١)، في جملة الآحاديث التي أشرنا
стр. 406
إليها قبله، وأخرجه في كتاب الصلاة، عقيب اعتراض اعترضه على شيء رواه عن عمر، وأبي سعيد الخدري أنهما كانا يمنعان من الصلاة بعد العصر.
قال الشافعي: وإن قال قائل: فهل من أحد صنع خلاف ما منعا؟
قيل: نعم، ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والحسن، والحسين، وغيرهم وذكر إسناد حديث ابن عمر كما ذكرناه، ولم يذكر الأصم في المسند سوى حديث ابن عمر وقد ذكر الشافعي حديث الباقين في كتبه، عقيب حديث ابن عمر المذكور (١).
قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمار الدُهْنِيِّ، عن أبي شعبة: أن الحسن والحسين طافا بعد العصر وصليا.
فقال: أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، أن ابن عباس طاف بعد العصر وصلى (٢).
وهذا الحديث المذكور مؤكد لما ذهب إليه الشافعي، من جواز الصلاة (٣) السببية في الأوقات المكروهة.
وقد أخرج الشافعي فيما حكاه الزعفراني عنه قال:
قال الشافعي أخبرنا عبد اللَّه بن المؤمل، عن حميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: قدم أبو ذر مكة فأخذ بعضادتي الباب فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب أبو ذر، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس؛ إلا بمكة إلا بمكة" تابعه إبراهيم بن طهمان، عن حميد مولى عفراء.
стр. 407
وهذا حديث مرسل (١)، وهو مع حديث عطاء المرسل، وحديث ابن عمر الموصول حجة متأكدة.
قال الشافعي: سمع عمر بن الخطاب النهي عن الصلاة جملة بعد العصر، ولم يسمع ما يدل على أنه إنما نهى عنها؛ للمعني الذي وصفنا فكان يجب عليه ما فعل، وكذلك أبو سعيد الخدري حين صنع كما صنع، ويجب على عن علم المعنى الذي نهى عنه؛ والمعنى الذي أبيحت فيه إباحتها، بالمعنى الذي أباحتها فيه.
وقد أخرج الشافعي، فيما ألزم العراقيين من مخالفة علي -كرم اللَّه وجهه- حكايه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي، عن رسول اللَّه ﷺ قال:
"لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة".
وعن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي دبر كل صلاة ركعتين إلا العصر والصبح".
стр. 408
وعن ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم قال: كنا مع عليّ في سفر فصلى العصر، ثم دخل فسطاطًا فصلى ركعتين.
قال الشافعي. وهذه الأحاديث يخالف بعضها بعضا (١) - واللَّه أعلم.
...
стр. 409
الفرع السادس
في تسمية [العشاء] (١) بالعتمة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تغلبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم، هي العشاء ألا إنهم يعتمون بالإبل".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما مسلم: فأخرجه عن زهير بن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان، وقال فيه: "ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل".
وفي رواية له عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، بالإسناد قال: "لا تغلبنكم عن اسم صلاتكم (٥)؛ فإنها في كتاب اللَّه العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل".
وأما أبو داود: فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان، وقال: "ألا وأنها العشاء ولكنهم يعتمون بالإبل".
وأما النسائي: فأخرجه عن أحمد بن سليمان، عن أبي داود، عن سفيان، وفيه "فإنهم يعتمون على الإبل وإنها العشاء".
"الأعراب": جمع قد تقدم بيانهم، وهم سكان البادية من العرب.
وقوله: "لا تغلبنكم" هي كراهية، وسيرد بيان المذاهب فيه، والمراد بغلبتهم:
стр. 410
أن الأعراب كانوا [يسمون] (١) صلاة العشاء صلاة العتمة، والشرع سماها صلاة العشاء، وكلا التسميتين باسم الوقت، فحثهم ﷺ على حفظ الاسم الشرعي الذي لم يكن الأعراب تعرفه، لأنهم لما ألفوه أَحْفَظُ، وبما عرفوه آنس، ولم تكن الأعراب تجري هذا الاسم في خطابها؛ ويحتاج الصحابة أن يخاطبوهم بعد بها؛ لكثرة الملابسة والمجاورة، مالوا إلى الاسم الذي هو العتمة، وغلب على ألسنتهم وأهملوا الاسم الشرعي، فحرضهم على حفظه بطريق النهي، ثم لم يكتف بمجرد النهي حتى جعله من طريق [الغلبة] (٢)، لأن النفوس تنفر أن تغلب بالطبع، فأخرجه مخرج المغالبة، فإن الأعراب يريدون أن يقهروكم ويغلبوكم ويردوكم إلى موافقتهم في تسمية صلاتكم بالعتمة فإياكم أن تنقادوا لهم، ولا أن تسمحوا أن يغلبوكم وترضوا لأنفسكم أن يقهروكم.
ثم انظر إلى ما في قوله: "صلاتكم" وإضافتها إليهم، وتخصيصها بهم؛ حتى كأنها لهم خاصة دون الأعراب من التخصيص والتحريض والحث على المحافظة، لأن من قيل له: لا تنقهر لخصمك في أخذ مالك، ليس كمن يقال له: لا تقهر لخصمك في أخذ مالٍ ما، فإضافتها إليهم مما يؤكدهم على حفظ هذا الاسم، وترك الميل إلى غيره.
ثم قال ﷺ : "هي العشاء" بيانًا للتسمية الشرعية، لأنه قال أولًا: "على اسم صلاتكم" ولم يذكر الاسم، فعقبه بقوله: "هي العشاء" حتى لا يظن أن الاسم الذي أمرهم بالمحافظة عليه هو غيره ثم قال: "ألا إنهم يعتمون بالإبل". "العتمة": هي اسم للثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، قاله الخليل وهو اسم لوقت صلاة العشاء، وقد "عتم الليل" يعتم، وعتمه: ظلامه والمراد بقوله: "يعتمون بالإبل"
стр. 411
أي يؤخرون حلبها إلى أن يظلم الظلام، فسموا الصلاة باسم ذلك الوقت.
و"ألا" يجوز أن تكون مشددة، فتكون استثناء، ويجوز أن تكون مخففة فتكون استفتاحًا للكلام، ويعضد الاستثناء ما جاء في رواية أبي داود: "ولكنهم يعتمون بالإبل" فجاء بـ "لكن" التي للاستدراك، كما أن تلك للاستثناء، ويعضد الاستفتاح باقي الروايات، على ما فيها من إضافة "ألا" تارة إلى العشاء وتارة إلى العتمة.
ويشد من تخفيفها إدخال الواو بعد "إلا" في رواية أبي داود أيضًا.
والأشبه برواية الشافعي أن تكون للاستثناء، وكلا الوجهين جائز.
وأما دخول الواو بعد "ألا" المخففة، ففيه زيادة ليست مع عدمها وذلك كأنه لما استفتح الكلام بقوله: "ألا" أراد أن يذكر مقصوده، فأدخل الواو ليوهم المخاطب أن هذا القول معطوف على كلام قبله، كأنه قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها الصلاة التي يعهدون ويعرفون وأنها العشاء.
وأما قوله ﷺ : "فإنها في كتاب اللَّه العشاء" يريد قول اللَّه في سورة النور ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (١) وإنما نهاهم النبي ﷺ عن هذه التسمية: لئلا يرغبوا عما سماه اللَّه تعالى ورسوله، وليتأدبوا بآداب الشرع، ولا يميلوا إلى الأعراب محافظة على القانون الشرعي.
وقيل: أراد لا يغرنكم فعل الأعراب تأخير حلب الإبل، وتسميتهم هذه الصلاة بالعتمة فتؤخروها عن وقتها الذي عرفتموه، ولكن صلوها لوقتها واتركوا فعلهم.
والذي ذهب إليه الشافعي أنه قال: واجب أن لا تسمى صلاة العشاء بالعتمة لهذا الحديث.
стр. 412
وقد كره ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
وكان ابن عمر: إذا سمع رجلًا يقول: "العتمة" صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء.
وقال مالك بن أنس: واجب أن لا تسمى إلا بما سماها اللَّه ومنهم من لم يكره ذلك، لما جاء عن عائشة قالت: اعتم رسول اللَّه ﷺ بالعتمة، وفي رواية: اعتمّ بالعشاء (١)، ولما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" (٢) ويحتمل أن يكون النهي بعد حديث أبي هريرة.
قال الشافعي: وسمى اللَّه صلاة الصبح قرآنا في قوله -تعالى- ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣) وسماها رسول الله ﷺ صبحًا في قوله: "من أدرك ركعة من الصبح فقد أدرك الصلاة" (٤) فلا أحب أن يسمى بغير هذين الاسمين، فلا يقال: صلاة الغداة ولا غير ذلك.
...
стр. 413
الفصل الرابع
في الأذان والإقامة
وفيه فرعان
الفرع الأول
في صفتها
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد اللَّه بن محيريز أخبره، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حين جهزوه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم إني خارج إلى الشام، وإني أخشى أن أسأل عن تأذينك فأخبرني أبا (١) محذورة، قال: نعم، خرجت في نفر وكنا ببعض طريق حنين فقفل رسول اللَّه ﷺ من حنين، فلقينا رسول اللَّه ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول اللَّه ﷺ عند رسول اللَّه، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع النبي ﷺ فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بن يديه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ " فأشار القوم إليّ -وصدقوا- فأرسل كلهم وحبسني، قال: "قم فأذن بالصلاة" فقمت ولا شيء أكْره إليَّ من النبي ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فألقى علي رسول اللَّه ﷺ التأذين هو بنفسه، فقال قل: "اللَّه أكبر اللَّه أكبر، اللَّه أكبر اللَّه أكبر أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، ثم قال: ارجع فامدد من صوتك، ثم قال: قل "أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي
стр. 414
على الفلاح، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه"، ثم دعاني حين قضيّت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم مر بين ثديه، ثم على كبده، ثم بلغت يده سرة أبي محذورة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "بارك اللَّه فيك وبارك عليك" فقلت يا رسول اللَّه مرني بالتأذين بمكة، فقال: "أمرتك به" وذهب كل شيء كان لرسول اللَّه ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول اللَّه ﷺ ، فَقَدِمْتُ على عَتَّاب بن أسيد عامل رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن جريج: أخبرني بذلك من أدركت من آل أبي محذورة، على نحو مما أخبرني ابن محيريز. قال الشافعي: وأدركت إبراهيم بن عبد العزيز [بن] (١) عبد الملك [بن أبي] (٢) محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز، وسمعته يحدث عن أبيه عن ابن محيريز، عن أبي محذورة عن النبي ﷺ بمعنى ما حكى ابن جريج.
قال الشافعي: وسمعته يقيم فيقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه.
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، والترمذي (٦).
فأما مسلم: فأخرجه عن أبي غسان: مالك بن عبد الواحد المِسْمَعي، وإسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن عامر
стр. 415
الأحول، عن مكحول، عن عبد اللَّه بن محيريز، عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه هذا الأذان، وذكر لفظة رواية الشافعي إلى قوله: "حي على الفلاح" ثم قال: وزاد إسحاق: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه.
وأما أبو داود: فأخرجه من طرق كثيرة، وروايات عدة، وأطال فيها.
فمما أخرجه عن مسدد، عن الحارث [بن] (١) عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده قال: قلت يا رسول اللَّه! علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدّم رأسه (٢) قال: تقول: اللَّه أكبر وذكر لفظ رواية الشافعي إلى قوله: حي على الفلاح، ثم قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه.
وأما النسائي: فأخرجه عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد و [اللفظ] (٣) له -عن حجاج، عن ابن جريج، بإسناد الشافعي ولفظه، وله روايات أخرى.
وأما الترمذي: فأخرجه مجملًا عن بشر بن معاذ، عن إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، وجده جميعًا عن أبي محذورة أن رسول اللَّه ﷺ أقعده وألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً قال إبراهيم: مثل أذاننا، قال بشر: فقلت له: أعد عليَّ، فوصف الأذان بالترجيع.
وفي أخرى: عن محمد بن المثنى، عن عفان، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن [ابن] (٤) محيريز، عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.
стр. 416
"اليتم": مصدر يَتِمَ الصبُّي يَيْتْمُ فهو يتيم، إذا مات أبوه وهو دون البلوغ، وهو في الأناسي من قبل الأب، وفي الدواب من قِبَلِ الأم، وأيتمت المرأة فهي مؤتم إذا صار أولادها أيتامًا.
و"وحِجْرُ الإنسان": -بفتح الحاء وكسرها- معروف وبالفتح خاصة مصدر حجر عليه القاضي يحجر، إذا منعه من التصرف في ماله، واليتيم في حجر فلان يجوز أن يكون من كل واحد من الأمرين، ويجوز أن يكون منهما كليهما لصلاحة المعنيين فيه.
"وجهزت المسافر" والقارئ، والعروس، ونحو ذلك، إذا أعددت وهيأت له ما يحتاج إليه من آلة وركوب وزاد، وغير ذلك مما تجر حاجته إليه، وتختص به، والاسم الحار بالفتح والكسر.
وقوله: "فأخبرني أبا محذورة"، أي أخبرني يا أبا محذورة، فحذف حرف النداء وهذا جائز مع المنادى المضاف، والضابط فيه: أنه يجوز أن يحذف حرف النداء مع كل اسم لا يجوز أن يكون وصفًا لأي، تقول: زَيْدٌ أَقْبِلْ، وغلام زيد أقبل، لأنه لا يقال: يا أيها زيد أقبل، ويا أيها غلام زيد أقبل، ولا تقول: الرجل أقبل، لأنك تقول: يا أيها الرجل أقبل.
"والنفر": الجماعة من الرجال من الثلاثة إلى العشرة.
"وقفل المسافر": إذا رجع من سفره، والقافلة: اسم لجماعة المسافرين إذا رجعوا وإذا ذهبوا، قاله الأزهري.
وقد تقدم القول فيه مبسوطًا، وهو من الصفات التي غلبت عليها الإسمية، التقدير في الأصل جماعة قافلة أي راجعة.
وقوله "متنكبون" يجوز فيه تأويلان:-
أحدهما: أنهم كانوا قد تنكبوا عن طريق، أي: عدلوا عنه وانحازوا إلى
стр. 417
جهة أخرى يمينًا أو شمالًا.
والثاني: أن يكون من قولهم: تنكبت قوسي إذا ألقيتها على منكبك، وكأن الأول أشبه.
"والصراخ": رفع الصوت والصياح.
"والاستهزاء": السخرية، تقول: هزئت منه، وهزئت به، واستهزأت به، وتهزأت به، هزؤًا ومهزأة، ورجل هزأة بِسكون الزاي -يهزأ به، وبفتحها: يهزأ بالناس.
وقوله: "حبسني" لم يرد به أنه حبسه في سجن؛ كما يسبق إلى الوهم، ولكن أراد أنه خلَّفَهُ عنده بعد أن صرف رفقته.
وأما معنى كلمات الأذان فقوله: "اللَّه أكبر" معناه اللَّه كبير فوضع أفعل موضع فعيل، وذلك في العربية كثير.
وقيل: معناه: اللَّه أكبر من كل شيء، وفيه نظر إلا أن يريد به كبر المعاني لا كبر الحثث، فإن اللَّه تعالى عن ذلك.
وقيل: معناه اللَّه أكبر من أن يدرك عنه كبريائه، فخذف ذلك لفهم المعنى.
وقيل: معناه: اللَّه أكبر كبيرًا، قال الهروي: قال أبو بكر: عوام الناس يضمون راء أكبر.
وكان أبو العباس يقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر ويحتج بأن الأذان سمع موقوفًا غير معرب في مقاطعه، كقولهم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا القول كما تراه.
"والشهادة" في قوله: "أشهد" أصلها أنها خبر قاطع، تقول منه شهد الرجل على كذا، أو شهد له بكذا، أي أدى ما عنده من الشهادة فهو شاهد، والجمع
стр. 418
شَهْد، مثل: صاحب وصَحْب؛ وبعضهم ينكره، وجمع الشهد: شهود، وأشهاد، وقوله: "أشهد" فعل حال وإن شاركه في لفظه المستقبل، فهو هنا خاص للحال لأن المتلفظ به يُقْطع بإسلامه عقيب قوله، ولو كان مستقبلا لما قطع به فإنه كان يكون وعدًا بالشهادة.
وقوله "حي على الصلاة" أي تعالوا إليها، فإن "حي" بمعنى هَلُمَّ وأَقْبِلْ، وهي اسم لفعل الأمر.
"والفلاح": الفوز والبقاء.
"والناصية": شعر مقدم الرأس.
وقوله: "ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة" ولم يقل على ناصيتي لأنه لما طال الحديث وامتدت الحكاية عن نفسه، وجاء هذا المعنى المختص به، وفيه ما فيه من الفضيلة التي يفتخر بها؛ خاف لطول الكلام السابق أن يكون إذا قال: ثم وضع يده على ناصيتي، أن يتوهم السامع أن الحديث عن غيره، وأنه يحكي ذلك عن أحد سواه، فعاد من المضمر إلى المظهر ليزول هذا الوهم، ولما في الانتقال من المضمر إلى المظهر من تفنن الكلام، ولما فيه من إيقاظ السامع وتحريك فهمه للإصغاء مفان معانٍ إذا كان قد استمر سمعه على ذكر الرواية, وإسناد اللفظ إلى مضمر، ثم طرق سمعه الانتقال إلى مظهر تنبه للإصغاء، وألقى إليه سمعه فأدرك حينئذ تلك الفضيلة التي اخْتُصَّ بها أبو محذورة من [وضع] (١) يده ﷺ على ناصيته، فلما أصغى وسمع ما أراد أن يسمع عاد إلى المضمر، فقال: ثم أمرّها على وجهه، ثم من بين يديه، ثم على كبده، وفرق ما بين المضمرين: فإنه كان في الأول ضمير المتكلم، وفي الثاني ضمير الغائب، وهو راجع إلى أبي محذورة، ثم عاد لما أراد أن يختم الفضيلة التي خصه بها
стр. 419
رسول اللَّه ﷺ ، بحاله من يده رجع إلى المظهر فقال: ثم بلغت يده سرة أبي محذورة، ليراوح بين أول اللفظ وآخره، فيبدأ عند ذكر أول الفضيلة بالانتقال من المضمر إلى المظهر، ويختمها أيضًا بالانتقال من المضمر إلى المظهر، لتلك الفائدة التي ذكرناها، وقد جاء في نسخة "فأذنت على أمره"؛ وفي نسخة أخرى "عن أمره" ولهما جوابان:-
أحدهما: أن حروف الجر يقع بعضها موقع بعض، وكلاهما واقعان موقع الثلاثي أي أذنت بأمره.
والثاني: أن معنى "أمره" أي على مقتضى ما أمرني به، كأنه جعل أذانه آخذا بمجامع مع أمره حتى كأنه استولى عليه وصار فوقه، وأما عن أمْرِه فمعناه أن أذانه كان صادرًا عن إذنه وأمره، وأنه لم ينفرد بالأذان، ولم يصدره عن غير أَمْرِ من له الأمر.
وفي قوله: "فذهب كل شيء لرسول اللَّه ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كله محبة" دليل على بركة دعائه ومعجزته، لأنه كان قبل أن يمر عليه يده ويدعو له كما حكى عن نفسه من الكراهية لرسول اللَّه ﷺ ولما يأمره به، ثم صار بعد ذلك أحب الناس إليه، وأحب الأشياء إليه الأذان، وحتى سأله أن يأذن له ليؤذن بمكة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان؛ وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال الإصطخري: إنها فرض على الكفاية.
وقال داود: فرضان على الإعيان، إلا أنهما ليسا بشرط في صحة الصلاة.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: من نسي الأذان أعاد الصلاة في الوقت.
وقال عطاء: من نسي الإقامة أعاد الصلاة.
وقال أحمد: الأذان فرض على الكفاية.
стр. 420
قال الشافعي: يؤذن إن كان منفردًا أو في جماعة، وهو في المسجد أشد استحبابًا.
والأذان عند الشافعي تسع عشرة كلمة، التكبير أولاً أربع كلمات، والشهادتان ثماني كلمات، أربع يقولها في نفسه وأربع يقولها ظاهرًا، والحيعلة أربع كلمات، والتكبير الآخر كلمتان، والتهليل كلمة واحدة، فهذه تسع عشرة كلمة؛ كل كلمة منها جملة من كلمات، وليس المراد بالكلمة لفظة واحدة، ويزيد في أذان الصبح التثويب مرتين؛ فيصير إحدى وعشرين كلمة.
وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة، فأسقط من التكبير الأول مرتين.
وقال أبو حنيفة، والثوري: الأذان خمسة عشرة كلمة، فأسقط الترجيح.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: ثلاث عشرة كلمة، فبعض الترجيح وبعض من التكبير كلمتين، وروى أنه رَجعَ عن ذلك إلى مذهب أبي حنيفة.
وحكي عن أحمد أنه قال: إن رجع فلا بأس، وإن ترك فلا بأس، وروي عنه بغير ترجيع.
وأما الإقامة فهي إحدى عشرة كلمة، التكبير كلمتان والشهادة كلمتان، والحيعلة كلمتان، ولفظ الإقامة كلمتان، والتكبير الآخِر كلمتان، والتهليل كلمة.
وبهذا قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو مذهب الحسن البصري، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري.
وقال الشافعي في القديم: إن الإقامة في الإقامة كلمة واحدة، فجعلها عشر كلمات، وبه قال مالك، وداود.
وقال أبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان، ويزيد في الإقامةِ الإقامةَ مرتين.
وقد أخرج الشافعي من حكاية الزعفراني عنه قال: حدثنا رجل، عن عمر بن
стр. 421
حفص بن سعد، عن أبيه، عن بلال بن رباح مؤذن رسول اللَّه ﷺ أنه كان إذا أذن قال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمد رسول اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، قال: وإذا كانت الإقامة قالها مرة إقامته كلها ولم يُرَجِّعْ كما يُرَجِّعُ في الأول.
هذا الرجل الذي روى عنه الشافعي قيل: إنه إبراهيم بن محمد (١) بن أبي يحيى.
وقال في الرواية: عمر بن حفص بن سعد، وإنما هو عمر بن حفص بن عمر ابن سعد، فكأنه نسبه إلى جده.
قال الشافعي: وأخبرنا الثقة من أصحابنا عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعد القرظ في إمارة ابن الزبير يؤذن بالأذان الأول، فيقول في أذانه: أشهد أن لا إله إلا اللَّه مرتين أشهد أن محمدًا رسول اللَّه مرتين.
وقد أخرج الشافعي أيضًا من رواية الربيع عنه، قال: سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، وقد قال إبراهيم: أدركت جدي وأهلي وأبي يقيمون، فذكر هذه الإقامة.
وقال الشافعي في رواية الزعفراني عنه، في ترجيع الأذان وإفراد الإقامة، الرواية فيه تكلف الأذان خمس مرات في اليوم والليلة؛ في المسجدين على
стр. 422
رؤوس المهاجرين والأنصار، ومؤذنوا مكة: ابن أبي محذورة، وقد أذن أبو محذورة لرسول اللَّه ﷺ وعلمه الأذان ثم وَلَدُهُ بمكة؛ وأذن آل سعد القرظ منذ زمن رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، كلهم يحكون الأذان، والإقامة، والتثويب وقت الفجر كما قلنا، فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم؛ والناس تحضر لهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا له، جاز له أن يسألنا عن عرفة، وعن مني ثم يخالفنا ولو خالفنا في المواقيت كان أجدر له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به.
يريد الترجيح في الأذان وإفراد الإقامة.
وقد أخرج الشافعي من طريق المزني عنه، عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.
ورواه أيضًا حرملة بن يحيى، عن الشافعي.
قال الشافعي: هذا ثابت، وبهذا نقول فنجعل الإقامة وترًا، إلا في موضعين اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، في أول الإقامة وآخرها، وقد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإنها شفع (١).
وحديث أنس هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وأجمع على ثبوته وصحته عامة الحفاظ.
وإلى إفراد الإقامة ذهب سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والزهري، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والأوزاعي،
стр. 423
وأهل الشام، وإليه ذهب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومن تبعهم من العراقيين، وإليه ذهب يحيى، وإسحاق الحنظلي، ومن تبعهما دون الخراسانيين.
***
стр. 424
الفرع الثاني في أحكام تتعلق بالأذان
التثويب
لم يرد في المسند حديث في التثويب، ولكن قال الزعفراني في كتاب القديم: قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد القرظ، أن جده سعد كان يؤذن في عهد رسول اللَّه ﷺ لأهل قباء، حتى انتقله عمر في خلافته، فأذن بالمدينة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فزعم حفص أنه سمع من أهله أن بلالًا أتى النبي ﷺ لِيُؤْذِنَهُ بالصلاة -صلاة الصبح- بعد ما أذن، فقيل: إن رسول اللَّه نائم، فنادى بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فَأُمِرَّتْ في تأذين الفجر منذ سنها بلال" (١).
قال الشافعي: أخبرنا غير واحد من أصحابنا، عن أصحاب عطاء، عن أبي محذورة أنه كان لا يثوِّب إلا في أذان الصبح، ويقول إذا قال: حي على الفلاح: الصلاة غير من النوم.
قال الشافعي: أخبرنا رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًّا كان يقول في أذان الصبح: الصلاة غير من النوم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن التثويب يستحب في صلاة الصبح.
قاله في القديم وفي البويطي، وكرهه في استقبال القبلة والجديد.
قال أبو إسحاق: ففي المسألة قولان، أصحهما الأخذ بالثبوت.
وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
стр. 425
وأما أبو حنيفة، فحكى عنه التثويب في الفجر، في أثناء الأذان مثل الجماعة، وحكى عنه التثويب بعد الفراغ من الأذان وقبل الإقامة.
ويشبه أن يكون الشافعي إنما كره التثويب في الأذان لانقطاع حديث بلال وأبي محذورة، وانقطاع الأثر الذي رواه فيه عن عليٍّ، وأنه لم يروه في الحديث الموصول عن ابن محيريز عن أبي محذورة.
والقول القديم أصح، فإن التثويب قد جاء مرويًّا في حديث أبي محذورة، رواه أبو داود في السنن، وقد ذكرنا طريق حديثه في الفرع الأول، وروى ذلك عمر، وابن عمر، وأنس بن مالك.
ومعنى التثويب لغة: هو الرجوع في القول مرة بعد مرة فكل داعٍ مثوب، وثوَّبَ فلان بالصلاة إذا دعي إليه، والأصل فيه الرجل يجيء متصرخًا فيلوح بثوبه، فسمي الدعاء تثويبًا، فتثويب الأذان قوله: الصلاة خير من النوم مرتين، وتثويب الصلاة، الصلاة بعد المكتوبة وقد يجيء التثويب في الحديث بمعنى الإقامة لأنها بعد الأذان.
رفع الصوت
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي صعصعة، عن أبيه، أن [أبا] (١) سعيد الخدري قال له: "أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوتك جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة".
قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ .
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، ومالك (٣)، والنسائي (٤).