حفص بن سعد، عن أبيه، عن بلال بن رباح مؤذن رسول اللَّه ﷺ أنه كان إذا أذن قال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمد رسول اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، قال: وإذا كانت الإقامة قالها مرة إقامته كلها ولم يُرَجِّعْ كما يُرَجِّعُ في الأول.
هذا الرجل الذي روى عنه الشافعي قيل: إنه إبراهيم بن محمد (١) بن أبي يحيى.
وقال في الرواية: عمر بن حفص بن سعد، وإنما هو عمر بن حفص بن عمر ابن سعد، فكأنه نسبه إلى جده.
قال الشافعي: وأخبرنا الثقة من أصحابنا عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعد القرظ في إمارة ابن الزبير يؤذن بالأذان الأول، فيقول في أذانه: أشهد أن لا إله إلا اللَّه مرتين أشهد أن محمدًا رسول اللَّه مرتين.
وقد أخرج الشافعي أيضًا من رواية الربيع عنه، قال: سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، وقد قال إبراهيم: أدركت جدي وأهلي وأبي يقيمون، فذكر هذه الإقامة.
وقال الشافعي في رواية الزعفراني عنه، في ترجيع الأذان وإفراد الإقامة، الرواية فيه تكلف الأذان خمس مرات في اليوم والليلة؛ في المسجدين على
стр. 422
رؤوس المهاجرين والأنصار، ومؤذنوا مكة: ابن أبي محذورة، وقد أذن أبو محذورة لرسول اللَّه ﷺ وعلمه الأذان ثم وَلَدُهُ بمكة؛ وأذن آل سعد القرظ منذ زمن رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، كلهم يحكون الأذان، والإقامة، والتثويب وقت الفجر كما قلنا، فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم؛ والناس تحضر لهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا له، جاز له أن يسألنا عن عرفة، وعن مني ثم يخالفنا ولو خالفنا في المواقيت كان أجدر له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به.
يريد الترجيح في الأذان وإفراد الإقامة.
وقد أخرج الشافعي من طريق المزني عنه، عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.
ورواه أيضًا حرملة بن يحيى، عن الشافعي.
قال الشافعي: هذا ثابت، وبهذا نقول فنجعل الإقامة وترًا، إلا في موضعين اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، في أول الإقامة وآخرها، وقد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإنها شفع (١).
وحديث أنس هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وأجمع على ثبوته وصحته عامة الحفاظ.
وإلى إفراد الإقامة ذهب سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والزهري، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والأوزاعي،
стр. 423
وأهل الشام، وإليه ذهب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومن تبعهم من العراقيين، وإليه ذهب يحيى، وإسحاق الحنظلي، ومن تبعهما دون الخراسانيين.
***
стр. 424
الفرع الثاني في أحكام تتعلق بالأذان
التثويب
لم يرد في المسند حديث في التثويب، ولكن قال الزعفراني في كتاب القديم: قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد القرظ، أن جده سعد كان يؤذن في عهد رسول اللَّه ﷺ لأهل قباء، حتى انتقله عمر في خلافته، فأذن بالمدينة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فزعم حفص أنه سمع من أهله أن بلالًا أتى النبي ﷺ لِيُؤْذِنَهُ بالصلاة -صلاة الصبح- بعد ما أذن، فقيل: إن رسول اللَّه نائم، فنادى بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فَأُمِرَّتْ في تأذين الفجر منذ سنها بلال" (١).
قال الشافعي: أخبرنا غير واحد من أصحابنا، عن أصحاب عطاء، عن أبي محذورة أنه كان لا يثوِّب إلا في أذان الصبح، ويقول إذا قال: حي على الفلاح: الصلاة غير من النوم.
قال الشافعي: أخبرنا رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًّا كان يقول في أذان الصبح: الصلاة غير من النوم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن التثويب يستحب في صلاة الصبح.
قاله في القديم وفي البويطي، وكرهه في استقبال القبلة والجديد.
قال أبو إسحاق: ففي المسألة قولان، أصحهما الأخذ بالثبوت.
وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
стр. 425
وأما أبو حنيفة، فحكى عنه التثويب في الفجر، في أثناء الأذان مثل الجماعة، وحكى عنه التثويب بعد الفراغ من الأذان وقبل الإقامة.
ويشبه أن يكون الشافعي إنما كره التثويب في الأذان لانقطاع حديث بلال وأبي محذورة، وانقطاع الأثر الذي رواه فيه عن عليٍّ، وأنه لم يروه في الحديث الموصول عن ابن محيريز عن أبي محذورة.
والقول القديم أصح، فإن التثويب قد جاء مرويًّا في حديث أبي محذورة، رواه أبو داود في السنن، وقد ذكرنا طريق حديثه في الفرع الأول، وروى ذلك عمر، وابن عمر، وأنس بن مالك.
ومعنى التثويب لغة: هو الرجوع في القول مرة بعد مرة فكل داعٍ مثوب، وثوَّبَ فلان بالصلاة إذا دعي إليه، والأصل فيه الرجل يجيء متصرخًا فيلوح بثوبه، فسمي الدعاء تثويبًا، فتثويب الأذان قوله: الصلاة خير من النوم مرتين، وتثويب الصلاة، الصلاة بعد المكتوبة وقد يجيء التثويب في الحديث بمعنى الإقامة لأنها بعد الأذان.
رفع الصوت
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي صعصعة، عن أبيه، أن [أبا] (١) سعيد الخدري قال له: "أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوتك جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة".
قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ .
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، ومالك (٣)، والنسائي (٤).
стр. 426
فأما مالك: فأخرجه في الموطأ بالإسناد، وقال فيه: فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك بلفظه.
وأما النسائي: فأخرجه عن ابن (١) القاسم، عن مالك، إسنادًا ولفظًا.
"البادية": الصحراء التي لا عمارة فيها.
وإنما قال: الغنم والبادية، لأن الغالب من حال صاحب الغنم أن يكون في البادية لأجل المرعى.
"والمدى": الغاية، يريد أنه يستنفذ وسعه في رفع صوته فيبلغ فيه الغاية، فكل من سمعه إلى منتهى الغاية؛ يشهد له يوم القيامة.
وقوله: "ولا شيء"، يريد به كل ما يجوز أن يضاف إليه سَمَاعٌ من الحيوانات غير الجن والإنس.
ويجوز أن يريد به كل شيء، سواء كان مما يسمع أو ما لا يسمع، وأن اللَّه يخلق لها [لسانًا] (٢) يشهد له يوم القيامة، ويشهد لهذا القول ما رواه المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: سمعت أبي وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبو سعيد الخدري: أي بني، إذا كنت في هذا الوادي فارفع صوتك بالأذان، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يسمعه إنس، ولا جن، ولا حجر، ولا شجر إلا شهد له".
قال الشافعي عقيب هذه الرواية: يشبه أن يكون مالك أصاب اسم الرجل.
قال البيهقي: وهو كما قال الشافعي، وهو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن
стр. 427
عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، الأنصاري المدني، سمع أباه، وعطاء ابن يسار، وروى عنه مالك، وابنه عبد اللَّه (١).
والذي ذهب إليه الشافعي أنه قال: وأحب أن يكون المؤذن صيِّتًا أي: عالي الصوت جهوريه، وأن يكون حسن الصوت.
وفي سياق هذا الحديث: بيان فضيلة المؤذن والتأذين.
وسيجيء المذهب في ذلك عند ذكر حديثه.
...
стр. 428
وقت الأذان
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ.
وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم أن رسول اللَّه ﷺ وذكر الحديث وفيه "ينادي" بدل "يؤذن".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
وقد أخرجه الشافعي عن سفيان موصولًا، وعن مالك في القديم والحديث مرسلًا.
فأما مالك: فأخرجه عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر إلى قوله: ابن أم مكتوم.
وله في أخرى: عن ابن شهاب، عن سالم، بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٦): فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد.
وعن قتيبة، عن ابن شهاب، بالإسناد واللفظ، إلى قوله: ابن أم مكتوم.
стр. 429
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، بإسناد مالك ولفظه.
وفي أخرى: عن قتيبة، بإسناد الترمذي ولفظه وفيه: "حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم".
"الأذان": معروف وهو في اللغة: الإعلام، تقول: أذنته أُوذنه إيذانًا، وأذن يؤذن تأذينًا وآذانًا.
والمراد به في الشريعة: الإعلام بوقت الصلاة.
وقوله: "بليل" أي في الليل، وحقيقته: أنه يلصق أذانه بالليل، "فالباء" هنا بمعنى "في".
"والنداء": يريد به الأذان، قال اللَّه -تعالى-: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (٢).
وقوله: "فكلوا واشربوا" هو أمر لهم، وإعلام بامتداد وقت السحور إلى هذا الأمد، يريد طلوع الفجر الثاني.
قال الزَّجَّاج:
إنما سمي الإعلام أذانًا: اشتقاقًا من الإذن.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة الفجر تختص بجواز الأذان قبل طلوع الفجر الثاني، الذي هو وقتها بخلاف غيرها من باقي الصلاة، فانه لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، وتقديم الأذان على الفجر عنده مستحب، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وأبو يوسف.
стр. 430
وقال أبو حنيفة، والثوري، ومحمد بن الحسن: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر أسوة بغيرها من الصلاة.
وإنما خصها بذلك لأن وقتها يدخل والناس أكثرهم نيام، فاستحب تقديم الأذان لينتبه النائم ويُرَجِّعَ القائم، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه ابن مسعود في الصبح لا يَمْنَعَنَّ أحدكم أذانُ بلالٍ من سحوره، فإنه يؤذن بليلٍ ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم (١).
قال: وإذا أذن قبل الفجر، فيستحب أن يكون له مؤذن آخر، يؤذن بعد طلوع الفجر، فإن لم يكن إلا مؤذن واحد، أذن قبل الفجر وترك الإعادة.
قال الشافعي: وخالفنا في هذا بعض الناس فقال: لا يؤذن للصبح إلا بعد الفجر وهي كغيرها، وقال: فقد روينا أن بلالًا أذن قبل الفجر فأمر فنادى: إن العبد نام (٢)، قلنا: سمعنا تلك الرواية، فرأينا أهل الحديث من أهل ناحيتك لا يثبتونها، يزعمون أنها ضعيفة ولا يقوم بمثلها حجة على الانفراد، وروينا بالإسناد والصحيح قولنا عن النبي ﷺ . واحتج الشافعي على ذلك بفعل أهل
стр. 431
الحرمين، وساق الكلام فيه إلى أن قال: هذا من الأمور الظاهرة، ولا شك أن أهل المسجدين، والمؤذنين، والأئمة أقروهم، والفقهاء لم يقيموا من هذا على غلط، ولا أقروه ولا احتاجوا فيه إلى علم غيرهم، ولا لغيرهم الدخول بهذا عليهم. وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم قال:
أخبرنا بعض أصحابنا عن الأعرج، [عن] (١) إبراهيم بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جده، عن سعد القرظ قال: أذَّنَّا في زمن النبي ﷺ بقباء، وفي زمان بالمدينة، فكان أذاننا للصبح لوقت واحد في الشتاء لسبع ونصف تبقى، وفي الصيف لسبع تبقى منه.
قال الشافعي: وأخبرنا ابن أبي الكنات (٢) الخزاعي -وكان قد زاد على الثمانين أو زاهقها- قال: أدركت مذ كنت آل أبي محذورة يؤذنون قبل الفجر بليل؛ وسمعت من سمعت منهم يحكي ذلك عن آبائه.
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن بشر بن عاصم، أن عمر بن الخطاب قال: عجلوا الأذان بالصبح، يدلج المدلج وتخرج العاهرة.
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، وسعيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إن بعد النداء بالصبح لحزبًا حسنًا إن الرجل ليقرأ سورة البقرة.
وقال الشافعي: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن شبيب بن غرقدة، عن حِبَّان بن الحارث قال: أتيت عليًّا ﵁ بدار أبي موسى وهو يتسحر فقال: إذن فاطعم، فقلت: إني أريد الصوم، قال: فأنا أريد الصوم، فطعم فلما فرغ، أمر ابن التياح فأقام الصلاة.
стр. 432
قال الشافعي [وهو لا يأمر] (١) بالإقامة إلا بعد النداء، وحين طلوع الفجر أمر بالإقامة.
ففي هذا دلالة على أن الأذان كان قبل الفجر.
قلت: قد تقدم هذا الحديث في باب المواقيت.
وقوله: "لسبع ونصف" يريد أن الليل إذا قسم سبعة أقسام؛ كان الأذان في الشتاء إذا بقي من الليل قسم ونصف قسم، وفي الصيف إذا بقي منه قسم، والقسم الواحد في الصيف نسبته إلى مدة زمان ليل الصيف مثل القسم والنصف إلى مدة زمان ليل الشتاء، لأن سبعًا ونصف سبع هو ثلاثة من أربعة عشر، وغاية ما يطول الليل في الشتاء إذا نسبت إليه هذا المقدار كان بمنزلة السُّبْعِ الذي هو اثنان إذا نسبته إلى غاية قصر الليل في الصيف؛ وكان ليل الشتاء بطوله إذا بقى منه سبع ونصف سبع؛ يكون النائم قد اكتفى من نومه فيما انقضى من الليل، وليل الصيف إذا بقى منه سبع كان قد اكتفى النائم بما انقضى منه، فجعل في الشتاء زيادة نصف سبع على الصيف؛ لئلا يتضجر النائم في ليل الصيف لو قدم وقت الأذان، مثل الشتاء أو عسر عليه الانتباه.
"والادّلاج": بالتشديد هو سير آخر الليل، وبالتخفيف سير أوله.
وهو المراد في الحديث، لأن المسافر إذا أراد أن يسير بليل وسمع المؤذن خف لمسيره.
"والعاهرة": الزانية، ومعنى قوله تخرج العاهرة، إشارة إلى الستر والصون على من عسى أن تكون قد أزلها الشيطان، وباتت في غير بيتها ابتغاء الفاحشة، فإذا سمعت الأذان خرجت من مكانها راجعة إلى بيتها خوف الفضيحة وهتك الستر: لو أصبحت في موضعها.
стр. 433
وهذا منه ﵁ حث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم واقتداء بالرسول ﷺ في قوله: "إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرقن أهله ليلاً، لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم" (١).
وقد روى أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ نهى أن تطرقوا النساء ليلاً" (٢).
قال: فطرق رجلان بعد نهي رسول اللَّه ﷺ فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلاً".
"والحِزْب": الوِرْدُ والوظيفة التي يوظفها الإنسان على نفسه من قراءة، أو عبادة، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال.
...
стр. 434
الكلام في الأذان
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات ريح، يقول: "ألا صلوا في الرحال".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه أذن في ليلة ذات برد وريح فقال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: "إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة الباردة ذات ريح، ألا صلوا في رحالكم".
أخرج الشافعي الرواية الأولى، في كتاب استقبال القبلة في أحكام الأذان (١)، وأخرج الروايتين الأخريين في كتاب الإمامة (٢).
وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي، فأما مالك (٣) فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، وذكر الرواية الثانية.
وفي أخرى عن مسدد، عن يحيى، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال: صلوا في رحالكم.
стр. 435
وأخبرنا أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر مؤذنا يؤذن على أثره: ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر.
وأما مسلم (١): فأخرج الرواية الثانية عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد اللَّه، مثل البخاري.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، نحو رواية البخاري، ومسلم التي فيها ذكر ضجنان.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك.
وفي أخرى: عبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى منادي رسول اللَّه ﷺ بذلك بالمدينة في الليلة المطيرة والغداة القرَّة.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة عن مالك، مثل البخاري ومسلم.
"كانت": في هذا الحديث هي التامة التي لا تحتاج إلى خبر، وهي بمعنى حدثت ووقعت، التقدير إذا حدثت ليلة باردة أو وجدت ليلة مطيرة.
"وباردة": صفة لليلة فإنها ذات برد، فإنه لما أراد أن يصف بالمصدر أدخل "ذات" توصلًا إلى الصفة به فقال: "ذات برد" إلا أن باردة أبلغ في الوصف من ذات برد، لأن قوله: "ليلة باردة" كأن البرد قد اتصفت به أجزاؤها كلها، و"ذات بردٍ" ليس البردُ عامًّا فيها، إنما التقدير: ليلة صاحبة برد فكأن البرد لم يشمل جميع أجزائها، وإنما اختص ببعضها, ولما يستحسن أن يقول: ليلة راحة
стр. 436
على قياس قولهم: يوم راح إذا كان شديد الريح، كما قال: ليلة باردة قال: ليلة ذات ريح، لأنه أحسن وأكثر استعمالًا، وإنما كان ازدواج اللفظ أن يقول: ليلة باردة راحة، لولا قلة الاستعمال وقال: ليلة ذات برد، وذات ريح.
"والرِّحال": جمع رحل للإنسان وموضعه الذي يكون فيه متاعه.
"ويوم مطير"، "وليلة مطيرة": إذا كان فيها مطر.
"والغداة القرة": الباردة ويوم قر، والقُرُّ بالضم: البرد.
وقوله في الرواية الثالثة "في الليلة المطيرة، والليلة الباردة ذات ريح، فيه نظر، فإن الموصوف معرفة والصفة نكرة، وهذا لا يجوز، لا تقول: هذا زيد ظريف، وظريف صفة لزيد حتى تقول: الظريف، فإن جعلته حالًا نصبته فقلت: هذا زيد ظريفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (١) فإن صحت الرواية بقوله: في الليلة الباردة ذات ريح، ولم يكن خطأ من الكُتَّاب والرواة فإنما يكون منصوبًا على الحال لا مجرورًا على الصفة، التقدير في الليلة الباردة ذات ريح، كما تقول: ضرب زيد عمرًا ذا ذنب، فتنصبه على الحال من عمرو، ورأيت في كتاب البيهقي: في الليلة الباردة ذات الريح، وهذا دليل على أن التحرف من الكُتَّاب- واللَّه أعلم.
قوله: "كان يأمر مناديه" دليل على أن ذلك معتاد عنده مألوف، ولم يقع نادرا ولا مرة واحدة، وذلك بقوله كان يفعل.
والذي ذهب إليه الشافعي: مستدلًّا بهذا الحديث هو أمران:-
أحدهما: يتعلق بالأذان وهو جواز الكلام فيه، ولذلك أخرج الرواية الأولى.
قال الشافعي: وأحب للإمام أن يأمر بهذا إذا فرغ المؤذن من أذانه، فإن قاله في أذانه فلا بأس عليه، والمستحب له أن لا يتكلم في أذانه، لأنه يقطع توالي
стр. 437
ألفاظه، فإن تكلم جاز.
والأمر الثاني: أن الجماعة يجوز تركها للعذر، ولذلك أخرج الروايتين الأخريين في كتاب "الإمامة" وسيجيء بيان الأعذار التي تبيح ترك الجماعة، في باب صلاة الجماعة.
وقد جاء في رواية البخاري: ثم يقول على أثره: أي على أثر الأذان، وعند الفراغ منه، وهذا يؤيد استحباب ترك الكلام في الأذان، وأن هذا القول إنما كان بعد تمام الأذان وكذلك جاء في رواية البخاري في السفر.
وفي رواية أبي داود: في المدينة، وليس ذلك لاختلاف قول (١)، وإنما هو لاختلاف حال، كأن ذلك حكى ما سمعه في السفر، وهذا حكى ما سمعه في المدينة.
والسفر والحضر في الحكم سواء -واللَّه أعلم.
...
стр. 438
الأذان والإقامة للجمع بين الصلاتين
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر -في حجة الإسلام- قال: "فراح النبي ﷺ إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر".
قال الشافعي: وأخبرنا محمد بن إسماعيل، أو عبد اللَّه بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه.
قال أبو العباس الأصم: يعني بذلك.
قال البيهقي: انقطع الحديث من الأصل، وإنما أراد حديث الجمع بمزدلفة بإقامة إقامة.
هذا طرف من حديث طويل صحيح، وقد أخرجه بطوله مسلم (١)، وأبو داود (٢)، وأخرج النسائي (٣) منه أطرافًا هذا الطرف أحدها، والحديث بطوله يتضمن ذكر حجة الوداع بطولها.
فأما مسلم: فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة (٤)، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا، عن حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، بالإسناد.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، وعثمان بن أبي
стр. 439
شيبة، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيين، عن حاتم بن إسماعيل، بالإسناد قال: سار رسول اللَّه ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي، خطب الناس ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.
"الرواح": نقيض الصباح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وقد يكون مصدرًا تقول: راح يروح رواحًا، وهو نقيض غدا يغدو غدوًا، إلا أنه أكثر ما يستعمل في العَوْد من المكان بعشي، ومنه سرحت الماشية بالغداة، وأرحت بالعشي، لكنه لكثرة استعماله صار يطلق على الذهاب نفسه، سواء كان ابتداًء أو رجوعًا، وفي هذا الحديث إنما أراد الذهاب لأنه قال: فراح إلى الموقف، لكنه لما كان الوقت الذي ذهب فيه إلى الموقف بعد الزوال حسن استعماله فيه.
"والموقف": موضع الوقوف بعرفة ويستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة خطبتين طويلة وقصيرة مثل الجمعة.
"والقصواء": اسم ناقة النبي ﷺ ولقبها, ولم تكن قصواء فإن القصواء هي التي قطع طرف أذنها، يقال: ناقة قصواء وشاة قصواء، ولا يقال: جمل أقصى، كما يقال: امرأة حسناء، ولا يقال: رجل أحسن.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجمع بين الصلاتين؛ إن جمع وقت الأولى أذن وأقام للأولى وأقام للثانية بلا أذان، وإن جمع في وقت الآخرة ففيه خلاف:-
قال: يؤذن للأولى ولا يؤذن للتي بعدها.
وقال: لا يؤذن لواحدة منهما.
وقال في موضع آخر: إن رجي اجتماع الناس أذن وإلا فلا.
وقد ذكرنا هذه الأقوال، وخلاف الأئمة في باب قضاء الصلوات مستقصىً.
стр. 440
الصلاة بإقامة لمن لم يؤذن
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم قال: "سمع النبي ﷺ رجلاً يؤذن للمغرب فقال النبي ﷺ مثل ما قال، قال: فانتهي النبي ﷺ إلى رجل وقد قال: "قد قامت الصلاة" فقال النبي ﷺ : "انزلوا فصلوا المغرب بإقامة ذلك العبد الأسود".
هذا حديث مرسل (١)، حفص بن عاصم هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب يروي عن أبيه، عن جده.
والمراد [من] (٢) هذا الحديث: هو الأخذ بأذان الغير وإقامته، وإن لم يقم هو، ألا ترى أن النبي ﷺ لما سمع أذان إنسان، ثم انتهى إلى رجل يقيم الصلاة فأمرهم بالنزول، والصلاة بإقامته.
وقوله: "ذلك العبد الأسود": كأن الرجل الذي كان يقيم كان أسود.
...
стр. 441
القول مثل ما يقول المؤذن
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بإسناده ولفظه.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي.
وأما الترمذي (٥) والنسائي (٦): فأخرجاه عن قتيبة.
كل هؤلاء عن مالك بالإسناد واللفظ.
وفي الباب: عن أبي هريرة، وأم حبيبة، وابن عمر، وعائشة، ومعاذ بن أنس.
"النداء": هنا هو الأذان.
وقوله: "فقولوا مثل ما يقول" يريد التلفظ بألفاظ الأذان.
والذي جاء في السنة في غير هذا الحديث.
стр. 442
وإليه ذهب الشافعي: أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح"، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وذلك لأن هذا دعاء إلى الصلاة وليس ذكرًا للَّه تعالى، والأجر في الدعاء يحصل لمن يسمع بها، فيصح أن يكون ﵇ أمر من يحكى (١) المؤذن؛ أن يجعل الحوقلة أن يحكيه في الأذان؛ أن يحصل لعلة الأجر ولمحض الأجر (٢).
وقد جاء في العربية ألفاظ مركبة مثل الحيعلة، مركبة من حي على الفلاح، والحوقلة من لا حول ولا قوة إلا باللَّه، والبسملة من بسم اللَّه الرحمن الرحيم، والسبحلة من سبحان اللَّه، والحمدلة من الحمد للَّه، والهيللة من لا إله إلا اللَّه، والجعفلة من جُعِلْتُ فداك، والدمعزة من دام عزك، والطبقلة من طال بقاؤك.
وإنما قال في جواب حي على الصلاة والفلاح: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه"، لأنه لما دعاه المؤذن إلى الصلاة قال: لاحول لي ولا قوة على إجابتها والمجيء إلى الصلاة إلا باللَّه تعالى.
وقد اختلف العلماء هل يقول المصلي ذلك؟
فقيل: يقوله أخذًا بعموم الخبر.
وقيل: لا يقوله لأن الشغل بالصلاة أولى.
وقيل: يقوله في النافلة دون الفريضة، لأن النافلة أمرها أخف.
وقوله: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" ولم يقل المنادي، لأنه لما قال النداء -وهو لفظ مشترك بين نداء الصلاة وغيره- عدل إلى لفظ المؤذن عن المنادي، لئلا يتكرر لفظ النداء أولًا وآخرًا، فيقوى في النفس أحد القسمين على الآخر، فأما حيث قال "المؤذن" فإن ذلك الوهم زال، وَيُمحَّضُ النداء للصلاة خاصة دون غيرها.
стр. 443
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن مجمع بن يحيى، أخبرني أبو أمامة ابن سهل أنه سمع معاوية يقول: "سمعت رسول اللَّه ﷺ إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه قال: وأنا أشهد ثم يسكت".
وأخبرنا الشافعي: أنا ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة قال: سمعت معاوية يحدث مثله عن النبي ﷺ .
وأخبرنا الشافعي: عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن يحيى المازني، أن عيسى بن عمر أخبرني عن عبد اللَّه بن علقمة بن وقاص قال: إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال مؤذنه، حتى إذا قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال:
سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١) عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عيسى بن طلحة، أنه سمع معاوية يومًا قال بمثله، إلى قوله: "وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه".
وفي رواية عن إسحاق، عن (٢) وهب بن جرير، عن هشام، عن يحيى نحوه، قال يحيى: ويحدثني بعض إخواننا أنه لما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وقال هكذا سمعنا نبيكم ﷺ يقول.
وفي أخرى: عن محمد بن مقاتل، عن عبد اللَّه، عن أبي بكر بن عثمان بن
стр. 444
سهل بن حنيف، عن أبي [أمامة] (١) بن سهل بن حنيف قال: سمعت معاوية ابن أبي سفيان وهو جالس على المنبر، أذن المؤذن قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فقال معاوية: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، قال معاوية: وأنا، فلما قضى التأذين، قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول اللَّه ﷺ على هذا المجلس حين أذن المؤذن (٢) يقول: ما سمعتم مني من مقالتي.
وهذا الحديث: بيان لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم، ولذلك أخرجه الشافعي، لأن حديث أبي سعيد مجمل فقال: قولوا مثل ما يفعل المؤذن، وهذا مفصل بين فيه كيف يجيب المؤذن فيما يقوله، وما يخص "حي على الصلاة" و "حي على الفلاح".
قال الشافعي: وبحديث معاوية نقول، وهو موافق حديث أبي سعيد، وفيه تفسير ليس في حديث أبي سعيد.
وقوله: "سمعت رسول اللَّه ﷺ إذا قال المؤذن" فاستعمل الفعل الماضي مع إذا وهي للمستقبل، وإنما أراد به الحال الحاضرة عند سماعه.
وفيه فائدة أخرى: وذلك أن قوله: "سمعته إذا قال" يعطي أنه سمعه مرات لا مرة واحدة، بخلاف ما إذا قال: "سمعته إذ قال"، فإن هذا يجوز أن يكون قد سمعه مرة واحدة.
"والحول": الحيلة وقيل: القوة، ومعنى لا حول ولا قوة إلا باللَّه، إظهار الفقر إلى اللَّه تعالى، وطلب المعونة على ما يزاوله من الأمور، وهو حقيقة العبودية.
стр. 445
ويحكى عن ابن مسعود أنه قال: معناه لا حول عن معصية اللَّه إلا بعصمة اللَّه، ولا قوة على طاعة اللَّه إلا بمعونة اللَّه.
والكلمة المبنية من هذه الكلمات التي تقدم ذكرها وهي "الحوقلة"، أكثر العلماء هكذا حكوها بتقديم القاف على اللام، ولذا ذكرها الأزهري في التهذيب.
وذكرها الجوهري: الحولقة، بتقديم اللام على القاف، وأثبتها في فصل الحاء من باب القاف فعلى الأول: يكون الحاء من الحول، والقاف من القوة، واللام من اللَّه.
وعلى الثاني: يكون الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة والأول أولى.
فضيلة الأذان
أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، عن يونس عن الحسن أن النبي ﷺ قال "المؤذنون أمناء المسلمين على صلاتهم".
وذكر معها غيرها، هكذا جاء في المسند، وهو مرسل أرسله الحسن بن أبي الحسن البصري فلم يرفعه (١).
وقوله: "وذكر معها غيرها"، لعله أراد الزيادة التي جاءت في رواية علي بن المديني، عن محمد بن أبي عدي، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ "المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وحاجتهم -أو حاجاتهم" (٢).
"والمؤذنون": جمع سلامة للمؤذن.
стр. 446
"والأمناء": جمع أمين، وهو الثقة الحافظ لما اؤُتمِنَ عليه تقول: أمنته على كذا وائتمنته بمعنى، وإنما كان المؤذن أمينًا للمسلمين على صلاتهم، لأنهم بأذانه يصلون فهم يتبعونه ويعتمدون على شهادته وأذانه، فهو يعينهم على وقت صلاتهم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المؤذن ينبغي أن يكون عدلًا، ثقة، عارفاً بأوقات الصلاة لأمرين:-
أحدهما: ما ذكرناه من معرفته بالوقت وتقليد الناس له، فإنه إذا لم يكن ثقة؛ لم يؤمن أن يؤذن في غير الوقت للجهالة ولعدم الأمانة.
الأمر الثاني: أنه يستحب للمؤذن أن يؤذن في موضع عالٍ، فيحتاج أن يشرف على الناس، فربما رأى من حرم الناس ما لا يجوز له.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد اللَّه الأئمة، وغفر (١) للمؤذنين".
وقد أخرج الشافعي في كتاب الإمامة (٢) عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ أنه قال: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم فأرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين".
стр. 447
هذا حديث صحيح (١)، أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣).
فأما أبو داود: فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" وفي أخرى: عن الحسن بن علي، عن ابن نمير، عن الأعمش،
стр. 448
قال: أنبئت عن أبي صالح؛ ولا أدري إلا قد سمعته منه -عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ مثله.
وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد، عن أبي الأحوص وأبي معاوية، عن الأعمش، بالإسناد مثل أبي داود.
وفي الباب: عن عائشة، وسهل بن سعد، وعقبة بن عامر.
وهذا الحديث لم يسمعه سهيل من أبيه، إنما رواه عن الأعمش، عن أبي صالح.
وقول الأعمش قد حكيناه في رواية أبي داود.
"الأئمة": جمع إمام، وقد سبق بيانه.
"والضُّمَنَاُء": جمع ضَمِين وهو الكفِيل هذا هو الأصل.
قال أهل اللغة: الضامن في كلام العرب معناه: الراعي، والضمان: الرعاية.
فقوله: "والإمام ضامن" أي مُراعٍ لحفظ الصلوات، وعدد الركعات على القوم.
وقيل: معناه ضمان الدعاء يعمهم به، ولا يختص به دونهم.
وقد تأوله قوم: على أنه يحمل القراءة دونهم في بعض الوقت -عند من يوجب القراءة على المأموم وذلك إذا أدركه راكعًا يكبِّر ويركع ويدع القراءة، وعند من لا يوجبها على المأموم؛ فإنه يتحملها الإمام عنه، ولذلك يتحمل عنه القيام إذا أدركه راكعًا؛ كبر وركع وأسقط القيام.
وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، قاله الخطابي ولا أدري لم منع من ذلك، فإنه يجوز حمله على حقيقة الضمان، لأن الأمام ضامن لمن يأتم به صحة صلاته، فيما يرجع إلى التزامه في نفسه شرائط الصلاة وأركانها
стр. 449
التي لا تظهر للمأموم ولا يعرفها منه، كالوضوء، وطهارة البدن، واللباس، والنية، والقراءة المخفاة، والتشهد، وغير ذلك مما يفسد بعدمه الصلاة، وكل ذلك لا يعلمه المأموم، فصلاته في نفسه مع جهله بها صحيحة، وإنما صحت لما غلب عليه ظنه من وجود هذه الأوصاف في الإمام، فهو قد تكفل بصحة صلاة المأموم، حيث أظهر له من نفسه أنه قد التزم ذلك، لأن صحة صلاته في عهدته، وهي مقرونة بصحة صلاته ولولا ذلك لا صحت صلاته، ألا ترى أنه يعاقب على ذلك إذا تعمده، ويكون إثم المأموم عائدًا إلى الإمام، وهو المؤاخذ به؟، وهذا ظاهر لا خفاء به.
وأما "الأمناء": فجمع أمين وقد تقدم بيان أمانة المؤذن في الحديث قبله.
وقوله: "فأرشد اللَّه الأئمة" الرشد والرشاد والرشد، ضد الغيّ إلا أن الرُّشد -بالضم- مصدر -رَشَدَ -بالفتح- يَرْشُدُ، والرَّشد -بالفتح مصدر رَشِدَ- بالكسر-يرشد، والرشاد: الاسم المعروف.
"والمغفرة ": التجاوز عن الذنب، وهو من الستر والتغطية.
وقد جاء في رواية الشافعي: "أرشد وغفر" على لفظ الخبر.
وفي رواية الباقين: "أرشد واغفر" بلفظ الأمر الذي هو الدعاء.
والأول أبلغ وإن كان أراد به الدعاء أيضًا, ولكنه أخرجه مخرج الخبر؛ لتيقنه بإجابة هذا الدعاء، وأنه قد صار من جملة ما وُجَدِ ووَقَعَ، فجاء بلفظ الفعل الماضي المتيقن.
وإنما خص الأئمة بالرشاد، ليكون أهدى لهم إلى التزام هذه الأشياء التي ذكرناها، والعمل بها والوقوف عندها.
وإنما خص المؤذنين بالمغفرة: لأن تفريط المؤذن دون تفريط الإمام، والضرر
стр. 450
الحاصل منه دون الضرر الحاصل من الإمام، فطلب له المغفرة لذلك.
وبيان ذلك: أن ذنب الأئمة في التفريط بما يلزمهم من أحكام الصلاة متعلق بحقوق الآدميين ليس حقًّا للَّه تعالى، وما كان حقًّا للآدميين فإنما يُطْلَبُ العفو عنه إذا رضي صاحب الحق، فحيث كان بهذه الحال دعى لهم بالرشاد، لئلا يقعوا في هذه الورطة التي لا يجوز معها طلب المغفرة لهم قبل براءة الذمة من حق الغير، ولأن الدعاء بما يعصم من ارتكاب الذنب أولى من الدعاء بطلب المغفرة لمن ارتكبه. وقد ذهب قوم: إلى أن التأذين أفضل من الإمامة، فاعترض عليهم بترك النبي ﷺ الأذان، ولم يكن يترك الأفضل، واعْتُذِرَ عن ذلك أن النبي ﷺ إنما تركه لما فيه من الشهادة له بالرسالة والتعظيم لشأنه، ولأن في الأذان الحيعلة وهي أمر بالمجىء إلى الصلاة، فلو أمر النبي ﷺ في كل صلاة بإتيانها؛ فربما كان من الناس من لا تجب [عليه] (١) فلا يجيئون إليها؛ فكانوا يأثمون بتركها مع سماع دعاء النبي ﷺ إليها.
...
стр. 451
الفصل الخامس في استقبال القبلة
وفيه ستة فروع:
الفرع الأول: في تحويل القبلة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذا أتاهم آت فقال: "إن رسول اللَّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوه الناس إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".
وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد واللفظ، وفيها: "إذا جاءهم آت" وفيها "وكانت وجوههم إلى الشام".
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "استقبال القبلة" (١)، وأخرج الرواية الثانية في كتاب "الرسالة" (٢) مستدلًّا على جواز قبول خبر الواحد، وسنذكر كلامه في ذلك، ومذهبه. والحديث في نفسه صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا أبا داود.
فأما مالك (٣): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك.
стр. 452
وأما مسلم (١): فأخرجه عن شيبان بن فروخ، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد اللَّه بن دينار.
وعن قتيبة، عن مالك الحديث.
وفي رواية: عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر وعن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، ولم يذكر بقباء.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن هناد، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد اللَّه ابن دينار، عن ابن عمر عقيب حديث البراء بن عازب بطوله يتضمن هذا المعنى وزيادة. وقال في حديث ابن عمر قال: كانوا ركوعًا في صلاة الفجر، يعني بدل قوله: "سجودًا".
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
وفي الباب: عن عمرو بن عوف المزني، والبراء بن عازب، وعمارة بن أوس، وأنس بن مالك.
"وقباء": موضع بالمدينة معروف، يصرف ولا يصرف، وقد تقدم فيما مضى ذلك بيِّنًا مُسْتَقْصىً.
وقد تلقاها هاهنا بإذ، وذلك على خلاف المستعمل العرفي، بأنها لا تستلقى إلا بالفعل، إلا أنه قد كثر تلقيها بإذ في الاستعمال العرفي، حتى رُفِضَ الأصل وصار الفرع فيه أكثر استعمالًا.
"واستقبال الشيء": جعله قبل الوجه، والمقابلة المواجهة، والاستقبال ضد
стр. 453
الاستدبار.
"والاستدارة": استفعالة من الدوران، تقول: درت أدور دورًا ودورانًا، إذا كنت محاذيًا بوجهك لجهة فانتقلت عنها وحاذيت جهة أخرى.
وإنما استعمل في هذا الحديث فعل ما لم يسم فاعله؛ في قوله: "أنزل عليه الليلة قرآن"، وفي قوله: "فقد أُمِرَ"، لأنهم كانوا يعلمون أن المنزّل والآمر هو اللَّه تعالى، وإنما يبني الفعل لم لِماَ يسمّ فاعله لأحد خمسة أشياء:-
إما للعلم به كهذا وإما للجهل به، فإن من لا يُعْرَفُ لا يُخْبَرُ عنه، ومن لا يُعْرَفُ اسمه كيف يضاف إليه فِعْلٌ أو قَوْلٌ.
وإما لتعظيمه: كقولك: "قُطع اليوم سارق" فيعلم أن القاطع لا يكون إلا صاحب الأمر كالسلطان والحاكم.
وإما لتحقيره كقولك: "شتم الأمير"، فتعلم أنه ما ترك تسمية الشاتم إلا لحقارته.
(وإما) (١) للخوف عليه كقولك: "قُتِل فلان" فتركت تسمية القائل خوفًا عليه لئلا يُقْتل به.
والذي وردت به الأخبار في أمر القبلة وأول أمرها، أن النبي ﷺ حيث كان بمكة قبل الهجرة، كان يستقبل بيت المقدس، وكان يحب التوجه إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم الخليل ﵇ فكان ﷺ مدة مُقَامه بمكة يجعل البيت بينه وبين جهة بيت المقدس ويصلي، فيكون متوجهًا إليها معها، وكان يستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود، والصفحة التي بين الحجر الأسود والركن اليماني، فكان حينئذ يصلي إلى الغرب وبعض الشمال يسيرًا، ودام على ذلك، فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه الجمع بين القبلتين، كما كان
стр. 454
يجمع بينهما بمكة، لأن من يستقبل بيت المقدس بالمدينة تكون الكعبة على شماله، فأقام بها ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، على ما جاء في الروايات وهو يصلي إلى بيت المقدس خاصة، وهو مع ذلك يحب التوجه إلى الكعبة، فأوحى إليه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) وذلك في شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة.
وقد روى المزني عن الشافعي ﵀ في ترتيب نزول الآيات في القبلة قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذُكر لنا -واللَّه أعلم- شأن القبلة، قال اللَّه ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) فاستقبل رسول اللَّه ﷺ فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، فقال ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٣) يعنون بيت المقدس، فنسخها وصرفه اللَّه إلى البيت العتيق، فقال ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤).
وهذا المعنى قد روي مرفوعًا عن ابن عباس (٥)، وقد روي أيضًا أن النبي ﷺ إنما كان أولًا بمكة يصلى إلى الكعبة، ثم أُمِرَ باستقبال بيت المقدس إلى رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة، ثم أُمِرَ بالعَوْدِ إلى استقبال الكعبة، وذلك قبل غزوة بدر بشهرين.
стр. 455
وقد تأول العلماء قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ (١) مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (٢) على الوجهين المذكورين في أمر القبلة وأول شأنها.
فأما من قال: إن الاستقبال أولاً كان إلى الكعبة، فقال: إن القبلة في قوله "وما جعلنا القبلة" مفعول أول لجعلنا، "والتي كنت عليها" مفعول ثان لها، التقدير: وما جعلنا القبلة الجهة -التي كنت عليها إلا لنعلم، أي وما جعلنا القبلة الكعبة إلا ليتبين من يثبت على الإسلام بتحويل القبلة، وممن ينتقل ممن كان إسلامه رغبة في موافقة أهل الكتاب في استقبال قبلتهم، وأما من قال بالقول الآخر: وهو أن الاستقبال أولًا إنما كان إلى بيت المقدس، فيكون "جعلنا" متعديًا إلى مفعول واحد بمعنى صيرنا، ومفعولُهُ "القبلة"، وقوله "التي كنت عليها" صفة للقبلة المجعولة، والمعنى: وما أمرناك أن تصلي إلى بيت المقدس -وهي القبلة التي كان عليها قبل التحويل- إلا لنعلم من يتبعك من اليهود والنصاري والمشركين ممن خالفك، لأنهم كانوا يعلمون أن بيت المقدس كان قبلة أهل الكتاب، وكانت العرب تعلم أنها كانت قبلة الأنبياء، فامتحنهم اللَّه بها ليظهر الموافق من المخالف، ولكنه علم لا يتعلق به الثواب والعقاب، لأن الثواب والعقاب إنما يتعلقان بوجود الفعل والقول -واللَّه أعلم.
وقد اختلف العلماء في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف؟ هل هو من حين وروده على الرسول، أو من حين بلوغ المكلف؟ ويحتج أحد القولين بهذا الحديث، لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة، ولم يعيدوا ما مضى منها، وهذا دليل على أن الحكم إنما يستقر بالبلوغ.
فإن قيل: كيف استداروا إلى القبلة عند خبر المخبر، والنسخ في هذا
стр. 456
لا يكون بخبر الواحد؟
قيل: فقد قيل إن النسخ بخبر الواحد كان جائزًا في زمان الرسول ﷺ ، وإنما منع ذلك بعده.
وقيل: إن الخبر تلا عليهم الآيات التي ذُكِرَ فيها النسخ، فتحولوا عند سماع القرآن، فلم يقع النسخ بخبره وإنما وقع عندهم بما سمعوه من القرآن.
والذي أورده الشافعي في كتاب "الرسالة" -مستدلًّا على قبول خبر الواحد- قال: كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس قبل هذا، وكان الفرض عليهم فلما جاءهم آت لا يتهمونه، فأخبرهم أن القبلة حُوِّلَتْ نحو الكعبة، لم يسعهم أن يقيموا على ما عرفوا من القبلة؛ ويقولوا: خبرك وحدك إذ كان عندهم من أهل الصدق، وإنما أخبرهم بشيء للَّه لا للآدميين، ولو كانت الحجة لا تقوم بواحد إذا صدقوه، لم يكن لهم أن يدعوا القبلة التي وجههم اللَّه إليها، قبل أن يستيقنوا أن اللَّه وجههم إلى غيرها, ولا شك -إن شاء اللَّه- أن قد ذكروا لرسول اللَّه ﷺ ذلك، لأنهم لا يُحَدَّثُون مثل هذا الحديث العظيم في دينهم ويطوونه عن رسول اللَّه ﷺ .
وقوله في لفظ الحديث "قد أُمِرَ أن يستقبل القبلة" يريد الكعبة لأن لفظ القبلة يتناول كل ما يستقبل في الصلاة، وقد كان بيت المقدس يومئذ قبلتهم، فلو صرفناه إلى قبلتهم التي هم عليها لكان خطأ، لأنهم مستقبلوها فكيف يقول لهم قد أمر أن يستقبل القبلة التي هو عليها؟ فدل أن المراد إنما هو الكعبة، وأجاز تخصيص الكعبة بالقبلة فهم السامعون لذلك، لأنهم إذا عرفوا أن صرف اللفظ إلى قِبْلتهم التي هو عليها متعذر، فُهِمَ أن المراد باللفظ غير، ولم يبق ما تطلق عليه القبلة سوى قبلتهم التي كانوا عليها إلا الكعبة، ويجوز أن يقال: إن اللام في القبلة لام العهد، وذلك على قول من قال: إن استقبال النبي ﷺ كان أولًا بمكة إلى الكعبة، ثم تحول إلى بيت المقدس بمكة، فكان صرف القبلة إلى الكعبة
стр. 457
صرفًا عهديًّا.
ويجوز: أن يكون أراد بالتعريف تعريف التعظيم والتحقيق، والتقدير: أمر أن يستقبل الجهة التي هي حقيقة أن تكون قبلة، إنما هي القبلة الصحيحة لا غيرها من القبل، وإن إطلاق لفظ القبلة على غيرها إنما هو مجاز واستعارة منها، وأن اسم القبلة لا يجوز أن يسمى به إلا الكعبة.
وفي الحديث: دليل على أن الأمر للنبي ﷺ أمر للأمة، لأنه قال: "أُمِرَ أن يستقبل القبلة" ولم يقل وقد أمركم أن تستقبلوها، فاستقبلوها حين سمعوا قوله ولم يستفهموا عن ذلك.
والذي ذهب إليه الشافعي في استقبال القبلة: هو أن الناس في استقبال القبلة على ضربين:-
ضرب يصلون معاينة، وهذا لا كلام فيه.
وضرب يصلون عن معاينة، وينقسم هذا الضرب الثاني إلى ثلاثة أقسام:-
أحدهما: أن يتوجه إلى الكعبة بيقين، مثل: أن يكون من أبناء أهل مكة ناشئًا بها أو مقيمًا بها من غير أهلها، ويعرف بيوتها وأزقتها وجهاتها، فإنه يدري كيف يتوجه نحوها وإن لم يشاهدها، ومثل: من يصلي بالمدينة إلى قبلة مسجد النبي ﷺ ، فإنه يعلم يقينًا أنه يصلي إلى الكعبة.
والقسم الثاني: يتوجه إلى الكعبة بالإخبار من ثقة بخبره عن المشاهدة أو ما يجري مجرى المشاهدة، وسواء فيه البصير والأعمى فإنهما يتبعان قول المخبر، إلا أن بينهما فرقًا وذلك أن الأعمى مقلد لا نظر عنده ولا استدلال، والبصير يساعده على اتباع نظره، فيكون أقرب حالاً من الأعمى.
والقسم الثالث: يصلى بالاجتهاد والاستدلال عليها بالنجوم والرياح والجهات مما غلب على ظنه أنه القبلة؛ صلى إليه إذا ثبت ذلك.
стр. 458
فمذهب الشافعي: أن من عاين الكعبة فلا يجزئه إلا التوجه إلى عينها، ومن كان بحيث لا يراها فلا يخلو أن يكون الحائل بينهما أصليًّا في خلقته كالجبل، أو محدثًا كالبناء، فالأصلى يجوز له الاجتهاد ويصلي بما غلب على ظنه، وأما المحدث فمن أصحاب الشافعي من ألحقه بالأصلي، وهو الصحيح وظاهر كلام الشافعي، ومنهم من قال: لا بد له من مشاهدة العين والتوجه إليها.
والذي نص عليه الشافعي في "الأم": أن طلب عين الكعبة واجب على المعاين والغائب عنها، إلا أن المعاين يواجهها بيقين، والغائب يجتهد.
وقد نقل المزني: أن الواجب على الغائب طلب جهة الكعبة.
وأنكره عليه أبو حامد الاسفراييني وقال: لا يعرف هذا للشافعي، وإنما هو مذهب المزني، وإليه ذهب أبو حنيفة.
وقد ذكر من احتج للقائلين بالجهة، شبهه مخيلة في الظاهر في تعذر قصد العين على الغائب عن البيت فقال: إن الناس يصلون صفوفًا مستقيمة، فلو كان القصد إلى عين الكعبة واجب، لما صح إلا لمن هو في مسامتة عرض البيت أو طوله من الصف، ويبطل استقبال الباقين الخارجين عن مسامتة البيت، إلا أن ينحرف كل واحد منهم عن مسامتته جهة اليمين أو اليسار، بأن يكون جميع الصف قطعة من دائرة مركزها في البيت، وهذان المعنيان غير معتبرين في حال الصف، والإجماع يقضي بصحة صلاتهم، فوجب أن يكون جهة البيت قبلة مع البيت، وهذا أمر ظاهر يقضي بصحة ما قاله من تعذر قصد العين.
والجواب عنه من وجهين:-
أحدهما: أن جعل جهة البيت قبلة دون العين، فإنه يعترف بتوجه المصلي إلى غير البيت بلا إنكار، والخارجون عن مسامتة البيت يمينًا أو يسارًا، لم يُحَدَّ لهم هذا القائل حَدًّا ينتهون إليه، فإنا إذا جعلنا البيت في جهة الجنوب قبلة، لمن
стр. 459
هو في جهة الشَّمَال وإن امتدت صفوفهم بحيث يخرج عن سمت البيت، ويلزم على ذلك أن كل من صلى في جهة الشمال؛ إذا توجه إلى جهة الجنوب كان متوجهًا إلى القبلة، وإن طال الصف في جهتي الشرق والغرب، ولكان قبلة أهل الشمال جميعهم قبلة واحدة وجهة واحدة، وهذا لا قائل به، فإنا نعلم يقينًا أن قبل البلاد الشمالية مختلفة وكل قوم منهم لهم قبلة تخصهم ينحرفون إليها إما يمينًا وإما يسارًا، والحال التي عليها بلاد الإسلام شاهدة بصحة ذلك في جميع الجهات شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، فإذا توهمنا هيئة المصلين في أقطار الأرض، وجدناهم يصلون في دئرة محيطة بالبيت، كل قوم منهم بقدر بُعْدِهِم وقُربِهِمْ، وإنما لسعة الأرض وبُعْد المسافة بين المصلين وبين البيت لا تظهر بالاستدارة، وتكون الصفوت في رأي العين كأنها مستقيمة، ولا يمتري عاقل أن الدائرة إذا [عظمت] (١) واتسعت؛ وأخذ من محيطها قطعة يسيرة؛ لا يتبين في تلك القطعة تقوس ولا استدارة؛ وتبين في رأى العين كأنها خط مستقيم، والعقل يقضي بالتقوس فيها والاستدارة، فلولا قصد المصلين عين البيت دون الجهة؛ لما احتاجوا إلى الانحراف؛ وتسوية قبلهم على عين ولا قصدًا للجهة.
والجواب الثاني:- نقول: إن موجب ما ذهب إليه من هذه الشبهة، رخصة فيما لا يقدر المجتهد على الإتيان به، وليست هذه الرخصة بأولى من غيرها، بل متى كانت الرخصة أقرب إلى حقيقة استقبال عين البيت، كانت أولى بالاعتماد عليها دون غيرها، لأن القائل بالجهة دون العين؛ إنما عدل عن العين إلى الجهة عند العجز عن قصد العين، فإذا أمكن مقاربة قصد العين كان أولى من تركه والعمل بغيره، وجعل ما ليس بقبلة قبلة، فإن المتوجه إلى البيت إن كان مسامتًا له بحيث إنه لو خرج من وسط وجهه خط إلى البيت لوصل إليه غير مائل إلى أحد جانبي وجهه اليمين أو اليسار، فهذا لا كلام فيه، وأنه مقابل
стр. 460
للبيت بجميع وجهه، وإن كان الخط المذكور مائلًا إلى أحد جانبي وجهه؛ فإنه يستتر من وجهه عن البيت بسبب الميل جزءًا يسيرًا لا يحس به؛ ولا يتناوله اجتهاده؛ فيعفى عنه كما عفى الشرع عن نظائره وما هو أكثر منه في العبادات والمعاملات وغيرها، وتصح صلاته وتكون الرخصة في هذا الجزء اليسير الذي أحدثه ميل الخط إلى جانبي الوجه، أولى من أن يترخص ويجعل ما ليس بقبلة قبلة، وهو جهة البيت لا عينه، فأما متى كان هذا الجزء الذي يحدثه الميل له قدر يُحَسُّ به ويمكن تلافيه، فإن صلاة من صلى -وهذه حاله- لا [تصح] (١)، لأنه يكون قد توجه إلى غير البيت مع القدرة على التوجه إلى عينه.
والنكتة في المسألة: أن استقبال المصلي بجميع وجهه جهة البيت وما قاربه، لا يمنع أن يكون مستقبلًا للبيت أيضًا بجميع وجهه إلا بجزءٍ يسير لا يحس به، ولا يتناوله اجتهاده فَتَصِحُّ صلاته لذلك، لاستقباله جهة البيت وما قاربه بجميع وجهه.
وإذا فرضنا لذلك مثالًا معلومًا اتضح به الفرض فليجعل صف المسلمين ألف رجل، ولأن الغالب من حال المصلين أن الرجل الواحد يحتاج إلى ذراع ونصف لموضع صلاته في الأكثر، فيحتاج ألف رجل إلى ألف وخمس مائة ذراع، وذلك نصف ميل، وليجعل بُعْد هذا الصف عن البيت إلى جهة الشمال مثلاً سبع مائة ميل، ليكون بينه وبين طول الصف نسبة، والذين يحاذون البيت من هذا الصف بجميع وجوههم، عشرين نفرًا زائدًا فناقصًا، والباقون خارجون عن سمت البيت، لكن إذا رجعنا إلى تحقيق مقدار انحراف من في طرف الصف -الأيمن والأيسر- عن الذين في وسطه، كان جزءًا يسيرًا لا يحس به ولا يتناوله الاجتهاد، فإنه مع التحقيق الهندسي الذي لا يمترى فيه ولا يمكن إنكاره، وجد ما يُحْتَاجُ أن ينحرف المصلي في طرف هذا الصف نحو الوسط، جزءًا من أربع