لا يكون بخبر الواحد؟
قيل: فقد قيل إن النسخ بخبر الواحد كان جائزًا في زمان الرسول ﷺ ، وإنما منع ذلك بعده.
وقيل: إن الخبر تلا عليهم الآيات التي ذُكِرَ فيها النسخ، فتحولوا عند سماع القرآن، فلم يقع النسخ بخبره وإنما وقع عندهم بما سمعوه من القرآن.
والذي أورده الشافعي في كتاب "الرسالة" -مستدلًّا على قبول خبر الواحد- قال: كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس قبل هذا، وكان الفرض عليهم فلما جاءهم آت لا يتهمونه، فأخبرهم أن القبلة حُوِّلَتْ نحو الكعبة، لم يسعهم أن يقيموا على ما عرفوا من القبلة؛ ويقولوا: خبرك وحدك إذ كان عندهم من أهل الصدق، وإنما أخبرهم بشيء للَّه لا للآدميين، ولو كانت الحجة لا تقوم بواحد إذا صدقوه، لم يكن لهم أن يدعوا القبلة التي وجههم اللَّه إليها، قبل أن يستيقنوا أن اللَّه وجههم إلى غيرها, ولا شك -إن شاء اللَّه- أن قد ذكروا لرسول اللَّه ﷺ ذلك، لأنهم لا يُحَدَّثُون مثل هذا الحديث العظيم في دينهم ويطوونه عن رسول اللَّه ﷺ .
وقوله في لفظ الحديث "قد أُمِرَ أن يستقبل القبلة" يريد الكعبة لأن لفظ القبلة يتناول كل ما يستقبل في الصلاة، وقد كان بيت المقدس يومئذ قبلتهم، فلو صرفناه إلى قبلتهم التي هم عليها لكان خطأ، لأنهم مستقبلوها فكيف يقول لهم قد أمر أن يستقبل القبلة التي هو عليها؟ فدل أن المراد إنما هو الكعبة، وأجاز تخصيص الكعبة بالقبلة فهم السامعون لذلك، لأنهم إذا عرفوا أن صرف اللفظ إلى قِبْلتهم التي هو عليها متعذر، فُهِمَ أن المراد باللفظ غير، ولم يبق ما تطلق عليه القبلة سوى قبلتهم التي كانوا عليها إلا الكعبة، ويجوز أن يقال: إن اللام في القبلة لام العهد، وذلك على قول من قال: إن استقبال النبي ﷺ كان أولًا بمكة إلى الكعبة، ثم تحول إلى بيت المقدس بمكة، فكان صرف القبلة إلى الكعبة
стр. 457
صرفًا عهديًّا.
ويجوز: أن يكون أراد بالتعريف تعريف التعظيم والتحقيق، والتقدير: أمر أن يستقبل الجهة التي هي حقيقة أن تكون قبلة، إنما هي القبلة الصحيحة لا غيرها من القبل، وإن إطلاق لفظ القبلة على غيرها إنما هو مجاز واستعارة منها، وأن اسم القبلة لا يجوز أن يسمى به إلا الكعبة.
وفي الحديث: دليل على أن الأمر للنبي ﷺ أمر للأمة، لأنه قال: "أُمِرَ أن يستقبل القبلة" ولم يقل وقد أمركم أن تستقبلوها، فاستقبلوها حين سمعوا قوله ولم يستفهموا عن ذلك.
والذي ذهب إليه الشافعي في استقبال القبلة: هو أن الناس في استقبال القبلة على ضربين:-
ضرب يصلون معاينة، وهذا لا كلام فيه.
وضرب يصلون عن معاينة، وينقسم هذا الضرب الثاني إلى ثلاثة أقسام:-
أحدهما: أن يتوجه إلى الكعبة بيقين، مثل: أن يكون من أبناء أهل مكة ناشئًا بها أو مقيمًا بها من غير أهلها، ويعرف بيوتها وأزقتها وجهاتها، فإنه يدري كيف يتوجه نحوها وإن لم يشاهدها، ومثل: من يصلي بالمدينة إلى قبلة مسجد النبي ﷺ ، فإنه يعلم يقينًا أنه يصلي إلى الكعبة.
والقسم الثاني: يتوجه إلى الكعبة بالإخبار من ثقة بخبره عن المشاهدة أو ما يجري مجرى المشاهدة، وسواء فيه البصير والأعمى فإنهما يتبعان قول المخبر، إلا أن بينهما فرقًا وذلك أن الأعمى مقلد لا نظر عنده ولا استدلال، والبصير يساعده على اتباع نظره، فيكون أقرب حالاً من الأعمى.
والقسم الثالث: يصلى بالاجتهاد والاستدلال عليها بالنجوم والرياح والجهات مما غلب على ظنه أنه القبلة؛ صلى إليه إذا ثبت ذلك.
стр. 458
فمذهب الشافعي: أن من عاين الكعبة فلا يجزئه إلا التوجه إلى عينها، ومن كان بحيث لا يراها فلا يخلو أن يكون الحائل بينهما أصليًّا في خلقته كالجبل، أو محدثًا كالبناء، فالأصلى يجوز له الاجتهاد ويصلي بما غلب على ظنه، وأما المحدث فمن أصحاب الشافعي من ألحقه بالأصلي، وهو الصحيح وظاهر كلام الشافعي، ومنهم من قال: لا بد له من مشاهدة العين والتوجه إليها.
والذي نص عليه الشافعي في "الأم": أن طلب عين الكعبة واجب على المعاين والغائب عنها، إلا أن المعاين يواجهها بيقين، والغائب يجتهد.
وقد نقل المزني: أن الواجب على الغائب طلب جهة الكعبة.
وأنكره عليه أبو حامد الاسفراييني وقال: لا يعرف هذا للشافعي، وإنما هو مذهب المزني، وإليه ذهب أبو حنيفة.
وقد ذكر من احتج للقائلين بالجهة، شبهه مخيلة في الظاهر في تعذر قصد العين على الغائب عن البيت فقال: إن الناس يصلون صفوفًا مستقيمة، فلو كان القصد إلى عين الكعبة واجب، لما صح إلا لمن هو في مسامتة عرض البيت أو طوله من الصف، ويبطل استقبال الباقين الخارجين عن مسامتة البيت، إلا أن ينحرف كل واحد منهم عن مسامتته جهة اليمين أو اليسار، بأن يكون جميع الصف قطعة من دائرة مركزها في البيت، وهذان المعنيان غير معتبرين في حال الصف، والإجماع يقضي بصحة صلاتهم، فوجب أن يكون جهة البيت قبلة مع البيت، وهذا أمر ظاهر يقضي بصحة ما قاله من تعذر قصد العين.
والجواب عنه من وجهين:-
أحدهما: أن جعل جهة البيت قبلة دون العين، فإنه يعترف بتوجه المصلي إلى غير البيت بلا إنكار، والخارجون عن مسامتة البيت يمينًا أو يسارًا، لم يُحَدَّ لهم هذا القائل حَدًّا ينتهون إليه، فإنا إذا جعلنا البيت في جهة الجنوب قبلة، لمن
стр. 459
هو في جهة الشَّمَال وإن امتدت صفوفهم بحيث يخرج عن سمت البيت، ويلزم على ذلك أن كل من صلى في جهة الشمال؛ إذا توجه إلى جهة الجنوب كان متوجهًا إلى القبلة، وإن طال الصف في جهتي الشرق والغرب، ولكان قبلة أهل الشمال جميعهم قبلة واحدة وجهة واحدة، وهذا لا قائل به، فإنا نعلم يقينًا أن قبل البلاد الشمالية مختلفة وكل قوم منهم لهم قبلة تخصهم ينحرفون إليها إما يمينًا وإما يسارًا، والحال التي عليها بلاد الإسلام شاهدة بصحة ذلك في جميع الجهات شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، فإذا توهمنا هيئة المصلين في أقطار الأرض، وجدناهم يصلون في دئرة محيطة بالبيت، كل قوم منهم بقدر بُعْدِهِم وقُربِهِمْ، وإنما لسعة الأرض وبُعْد المسافة بين المصلين وبين البيت لا تظهر بالاستدارة، وتكون الصفوت في رأي العين كأنها مستقيمة، ولا يمتري عاقل أن الدائرة إذا [عظمت] (١) واتسعت؛ وأخذ من محيطها قطعة يسيرة؛ لا يتبين في تلك القطعة تقوس ولا استدارة؛ وتبين في رأى العين كأنها خط مستقيم، والعقل يقضي بالتقوس فيها والاستدارة، فلولا قصد المصلين عين البيت دون الجهة؛ لما احتاجوا إلى الانحراف؛ وتسوية قبلهم على عين ولا قصدًا للجهة.
والجواب الثاني:- نقول: إن موجب ما ذهب إليه من هذه الشبهة، رخصة فيما لا يقدر المجتهد على الإتيان به، وليست هذه الرخصة بأولى من غيرها، بل متى كانت الرخصة أقرب إلى حقيقة استقبال عين البيت، كانت أولى بالاعتماد عليها دون غيرها، لأن القائل بالجهة دون العين؛ إنما عدل عن العين إلى الجهة عند العجز عن قصد العين، فإذا أمكن مقاربة قصد العين كان أولى من تركه والعمل بغيره، وجعل ما ليس بقبلة قبلة، فإن المتوجه إلى البيت إن كان مسامتًا له بحيث إنه لو خرج من وسط وجهه خط إلى البيت لوصل إليه غير مائل إلى أحد جانبي وجهه اليمين أو اليسار، فهذا لا كلام فيه، وأنه مقابل
стр. 460
للبيت بجميع وجهه، وإن كان الخط المذكور مائلًا إلى أحد جانبي وجهه؛ فإنه يستتر من وجهه عن البيت بسبب الميل جزءًا يسيرًا لا يحس به؛ ولا يتناوله اجتهاده؛ فيعفى عنه كما عفى الشرع عن نظائره وما هو أكثر منه في العبادات والمعاملات وغيرها، وتصح صلاته وتكون الرخصة في هذا الجزء اليسير الذي أحدثه ميل الخط إلى جانبي الوجه، أولى من أن يترخص ويجعل ما ليس بقبلة قبلة، وهو جهة البيت لا عينه، فأما متى كان هذا الجزء الذي يحدثه الميل له قدر يُحَسُّ به ويمكن تلافيه، فإن صلاة من صلى -وهذه حاله- لا [تصح] (١)، لأنه يكون قد توجه إلى غير البيت مع القدرة على التوجه إلى عينه.
والنكتة في المسألة: أن استقبال المصلي بجميع وجهه جهة البيت وما قاربه، لا يمنع أن يكون مستقبلًا للبيت أيضًا بجميع وجهه إلا بجزءٍ يسير لا يحس به، ولا يتناوله اجتهاده فَتَصِحُّ صلاته لذلك، لاستقباله جهة البيت وما قاربه بجميع وجهه.
وإذا فرضنا لذلك مثالًا معلومًا اتضح به الفرض فليجعل صف المسلمين ألف رجل، ولأن الغالب من حال المصلين أن الرجل الواحد يحتاج إلى ذراع ونصف لموضع صلاته في الأكثر، فيحتاج ألف رجل إلى ألف وخمس مائة ذراع، وذلك نصف ميل، وليجعل بُعْد هذا الصف عن البيت إلى جهة الشمال مثلاً سبع مائة ميل، ليكون بينه وبين طول الصف نسبة، والذين يحاذون البيت من هذا الصف بجميع وجوههم، عشرين نفرًا زائدًا فناقصًا، والباقون خارجون عن سمت البيت، لكن إذا رجعنا إلى تحقيق مقدار انحراف من في طرف الصف -الأيمن والأيسر- عن الذين في وسطه، كان جزءًا يسيرًا لا يحس به ولا يتناوله الاجتهاد، فإنه مع التحقيق الهندسي الذي لا يمترى فيه ولا يمكن إنكاره، وجد ما يُحْتَاجُ أن ينحرف المصلي في طرف هذا الصف نحو الوسط، جزءًا من أربع
стр. 461
مائة جزء، بين حالته إذا كان مستقبلا بين يديه بجميع وجهه، وبين حالته إذا كان مستقبلًا للبيت بجميع وجهه، هذا انحراف من هو في طرف هذا الصف من المصلين، فأما انحراف كل مُصَلٍّ عن من إلى جانبه ممن يقرب إلى الوسط، فإنه جزءً من ألف جزء وأربع مائة جزء من ذراع، وذلك جزء من خمسة عشر جزءًا، من عرض شعيرة بالتقريب، هذا إذا فرضنا الصف مستقيمًا.
فأما إذا فرضناه قطعة من دائرة، فإن كل واحد من المصلين ينحرف إلى يمينه أو يساره، جزءًا من ثلاثة آلاف جزء وخمس مائة جزء من ذراع، وذلك جزء من ستة وثلاثين جزء من عرض شعيرة بالتقريب، وهذا المقدار في هذا الصف المشتمل على ألف رجل، شيء لا يدركه الحس ولا يتناوله الاجتهاد.
وليس هذا الذي ذكرناه مما يرتاب به ممن يقف على حقيقته، ولولا ما في بيانه من الإطالة والدقة على فهم أكثر من يسمعه من الواقفين عليه، لبسطنا القول فيه وأوردناه مبرهنًا محقَّقًا كما عرفنا، فليعلم السامع لما قلناه صحة ما ذهب إليه الشافعي ﵀، وإدراكه بهذا المعنى الذي شرحناه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كاد يقول: "صلى ﷺ ستة عشر شهرًا نحو بيت المقدس، ثم حُوِّلَتِ القبلة قبل بشهرين".
وهذا حديث مرسل، هكذا أخرجه مالك في الموطأ (١) مرسلًا، وقد أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، هذا المعنى مسندًا بأتم منه وأطول.
стр. 462
عن البراء ابن عازب أن رسول اللَّه ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإن أول صلاة صلاها العصر، فصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد لقد صليت مع رسول اللَّه قِبَلَ مكة، فداروا كَمَا هُمْ قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان رسول اللَّه ﷺ صلى قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، وأنه مات على غير القبلة -قَبْلَ أن يُحَوَّلَ إلى البيتِ- رجَالٌ وقُتِلُوا فلمِ يَدْرِ ما يَقُولُ فيهم، فأنزل اللَّه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
قال الشافعي: فأعلمهم اللَّه أن صلاتهم إيمان فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
قال البيهقي: والذي روى مرفوعًا: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض" (١) حديث ضعيف لا يحتج به، وكذلك ما روي عن جابر وغيره في صلاتهم في ليلة مظلمة كل رجل منهم على حياله، وخَطِّهِم خطوطًا وأنهم أصبحوا وأصبحت (تلك) (٢) الخطوط لغير القبلة، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "مضت صلاتكم" ونزلت: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣) وهو حديث ضعيف لم يثبت فيه إسناد.
стр. 463
وروى ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في فرض الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخت حين حُوِّلَتِ القبلة إلى الكعبة.
وروى ابن عمر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة، على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذا حديث ابن عمر حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وهو أصح ما روي في نزول هذه الآية -واللَّه أعلم.
...
стр. 464
الفرع الثاني
الصلاة داخل البيت
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول اللَّه ﷺ دخل الكعبة ومعه بلال، وأسامة، وعثمان بن طلحة، قال ابن عمر: سألت بلالًا ما صنع رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلى، قال: وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة".
أخبرنا الشافعي بهذا الإسناد قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ هو وبلال، وعثمان بن طلحة، وأحسبه قال: أسامة بن زيد، فلما خرج سألت بلالًا كيف صنع رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: جعل عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلى وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة".
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب الصلاة (١)، وأخرج الرواية الثانية في كتاب الحج من "الأمالي".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٢): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج،
стр. 465
فلقيت بلالًا فسألته: هل صلى فيه رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين".
وفي أخرى: عن يحيى، عن سيف بن سليمان قال: سمعت مجاهدًا قال: أتي ابن عمر فقيل له: هذا رسول اللَّه ﷺ دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت والنبي ﷺ قد خرج فأجد بلالًا قائمًا بين الناس، فسألت بلال فقلت: هل صلى النبي في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا [دخلت] (١)، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين".
وفي أخرى: عن أبي النعمان وقتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكر نحوه، وقال فيه: قال ابن عمر: [فَذَهَبَ] (٢) عليَّ أن أسأله كم صلى؟ ".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وذكر الحديث.
وفي أخرى: عن أبي الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد وأبي كامل الجحدري، كلهم عن حماد بن زيد، وذكر نحو البخاري.
وله في أخرى: قال: أقبل رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح على ناقة لأسامة ابن زيد، حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: "ائتني بالمفتاح" فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال: واللَّه لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي، قال: فأعطته إياه، فجاء به إلى النبي ﷺ فدفعه إليه ففتح الباب، ثم ذكر مثل حديث حماد بن زيد، وله وللبخاري روايات أخرى نحو ما سبق.
стр. 466
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بالإسناد وذكر الحديث وقال فيه: " [عمودين] (٢) عن يمينه".
وفي أخرى: ولم يذكر السوارى وقال: "ثم صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع".
وفي أخرى: قال: ونسيت أن أسأله كم صلى؟.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال: "أن النبي ﷺ صلى في جوف الكعبة".
وله أخرى نحو إحدى هذه الروايات.
وأما النسائي (٤): فله روايات كثيرة منها:
عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عوف، عن نافع، عن ابن عمر، وذكر نحوه.
وفي أخرى: عن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، وذكر رواية البخاري، التي بهذا الإسناد وقال فيها: قلت: أين؟
قال: [ما بين] (٥) هاتين الأسطوانتين ركعتين، ثم خرج وصلى ركعتين في وجه الكعبة.
"الكعبة": اسم خاص للبيت العتيق بمكة، وإن كان كل بيت يسمى كعبة،
стр. 467
إلا أنه اختص هذا الاسم بالبيت الحرام، لكثرة الاستعمال حتى صار كأنه اسم يخصه دون غيره من البيوت، وإنما سمي كل بيت كعبة للتربيع الذي يكون في بنائه.
"والعمودان اليمانيان": منسوبان إلى اليمن، تقول: رجل يمني ويمان، وإنما قال لهما يمانيان، لأنهما كانا مما يلي ظهر الكعبة، وظهرها مما يقابل اليمن.
وقوله في إحدى روايات البخاري: "فأجِدُ بلالًا" بعد قوله "فأقبلت" وكان من حقه أن يقول: "فوجدت" حتى يكون قد عطف فعلًا ماضيًا على فعل ماض مثله، وإنما عدل عن الماضي إلى المستقبل؛ ليكون قد صور للمخاطب الحالة التي كان عليها ساعتئذ، حتى كأن المخاطب يشاهدها منه.
"والسارية، والأسطوانة، والعمود": كلها بمعنى، وهي ما بني عليه السقوف، وسواء كانت من حجر، أو مدر، أو خشب، أو حديد، أو غير ذلك.
وقوله: "فَذَهَبَ عليَّ": أي، غاب عني ونسيت، كأنه قد كان ذلك عنده فذهب عنه.
وإنما قال: "عليَّ" لأحد أمرين:
إما جواز وقوع بعض حروف الجر موقع بعض.
وإما لأن معنى ذهب: اجتاز، فلذلك عداه بعليَّ أي جاز عليَّ وذهب.
وقد قال الشافعي في الرواية الأولى: عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وكذلك قال عبد اللَّه بن يوسف وغيره.
وقال في الرواية الثانية: عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره، ورواه ابن مهدي، عن مالك، فقال: عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره.
стр. 468
وكذلك قاله القاضي ابن أبي أوس، ويحيى بن بكير.
قال البيهقي: وهو الصحيح، واختلف فيه على القعنبي.
أما روايتي الشافعي فليس بينهما اختلاف، لأنه قال في الأولى: عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وقال في الثانية: عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره، فهو في الأولى لم يتعرض إلى ذكر العمودين، إنما أراد أن يبين أنه صلى بين العمودين، وسواء كان العمودان عن يمينه أو عن يساره؛ لا يضره ذلك لأنه لم يقصد ذكر العمودين.
وأما في الثانية: فإنه ذكر العمودين الباقين، وبَيَّنَ أنهما كانا عن يساره.
ولا تناقض بين روايتيه، إنما التناقض بين روايته الثانية، وبين من روى أنه جعل عن يمينه عمودين، لأنه جعل في الثانية العمودين عن يساره، وغيره جعلها عن يمينه (١) واللَّه أعلم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة الفريضة والنافلة داخل الكعبة جائزة صحيحة، يستقبل المصلي أي جوانبها شاء، بشرط أن يقابل وجهه جزءًا من جدرانها، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 469
وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: تجوز النافلة دون الفريضة.
وحكى عن ابن جرير أنه قال: لا تجوز النافلة ولا الفريضة، فلو صلى مستقبل الباب وهو مفتح لم تصح صلاته، إلا أن تكون العتبة مرتفعة بقدر آخرة الرحل، فإن استقبل الباب وهو مغلق صحت صلاته.
وأما سطح الكعبة فلا تصح الصلاة عليه؛ إن لم يكن بين يديه شيء مرتفع من نفس الكعبة، فلو كان من غيرها لم يكفه.
وقال أبو حنيفة: إن كان بين يديه قطعة من السطح يستقبلها؛ صحت صلاته.
قال الربيع: قلت للشافعي: فما حجتك عليهم -يعني على من لم يجز الصلاة في الكعبة- فقال: قال بلال: صلى، وقال غيره: لم يصل، فكان من قال: "صلى" شاهدًا، ومن قال: "لم يصل ليس بشاهد"، فأخذنا يقول بلال.
وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن طلحة، وشيبة بن عثمان: أن النبي ﷺ صلى فيها.
وقال الشافعي في كتاب "الحج" واستحب دخول البيت إن كان لا يؤدي أحدًا بدخوله، ولأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من دخله دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفورًا له" (١) وأن رسول اللَّه ﷺ دخله.
стр. 470
الفرع الثالث في صلاة أشد الخوف
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف؟ قال: يتقدم الإمام وطائفة، ثم قص الحديث، وقال ابن عمر في الحديث: فإن كان خوفًا أشد من ذلك، صلوا رجالًا وركبانًا، ومستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد اللَّه بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول اللَّه ﷺ .
وأخبرنا الشافعي بالإسناد: عن ابن عمر -أراه عن النبي ﷺ - فذكر صلاة الخوف، فقال: إن كان خوفًا أشد من ذلك صلوا رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة وغير ومستقبليها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا رجل، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثل معناه لم يشك فيه، وأنه مرفوع عن النبي ﷺ .
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "استقبال القبلة" (١) والرواية الثانية والثالثة في كتاب "الرسالة" (٢).
وقد روى الربيع الرواية الثالثة في غير المسألة عن الشافعي، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، فسمى الرجل الذي لم يسمه في المسند (٣).
وهذا الحديث طرف من حديث صحيح، قد أخرجه الجماعة بطوله، وسيرد ذكر طرقه في صلاة الخوف، عند ذكر الشافعي هذا الحديث بطوله، وإنما ذكر منه في هذا الموضع هذا الطرف، ليستدل به على أن شدة الخوف
стр. 471
يجوز معها أن يصلي إلى غير القبلة، ولم يخرج هذا الطرف من الجماعة إلا البخاري (١)، فإنه قال: إن ابن عمر إذا سئل عن صلاة الخوف؟ قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة، استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدمون الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا ركعتين، فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال مالك: قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ .
"الرجال": جمع راجل، مثل صاحب، وصحاب، وقائم وقيام، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٢) أي مشاةً وركبانًا.
"والركبان": جمع راكب، مثل: راع ورعيان، والراكب في الأصل هو من ركب الإبل خاصة، ثم كثر الاستعمال حتى قيل لمن ركب الخيل والبغال والحمير.
وقوله: "وقَصَّ الحديث" إشارة إلى لفظ رواية البخاري.
وقوله: "فإن كان خوفًا أشد من ذلك" بالنصب فإنما هو منصوب لأنه وصف (٣) حال، واسمها الضمير الذي فيها الراجع إلى الخوف المقدم ذكره، تقديره: فإن كان الخوف خوفًا أشد من ذلك، وقد جاء في رواية البخاري مرفوعًا، على أنه فاعل كان.
стр. 472
"وكان" في هذه الرواية تامة، لا تحتاج إلى خبر.
وقوله: "مستقبلي القبلة" منصوب لأنه حال ثانية، من صلوا أي صلوا مشاةً وركبانًا، مستقبلين وغير مستقبلين، أو لأنه صفة الحال التي هي رجالًا وركبانًا.
فالذي ذهب إليه الشافعي: أن استقبال القبلة يسقط في حال شدة الخوف، وذلك عند المسابقة، والتحام القتال، ومطاردة العدو، فيصلون حينئذ كيف أمكنهم رجالًا وركبانًا، وقيامًا وقعودًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، يومئون برءوسهم بالركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ويتأخرون قليلًا، ولا يقضون إلا أن تكون أفعالهم وحركاتهم ومضاربتهم كثيرة، فيصلون ويعيدون.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي في هاتين الحالتين، ويؤخرها ويقضيها.
***
стр. 473
الفرع الرابع في الصلاة على الراحلة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به".
وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبي الحباب: سعيد بن يسار، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر".
قال الشافعي: يعني النوافل.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه عن عمرو بن يحيى، بإسناد الرواية الثانية ولفظها.
وأخرج الرواية الأولى بإسنادها ولفظها وزاد فيه، قال عبد اللَّه بن دينار: وكان عبد اللَّه بن عمر يفعل ذلك. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الأعلى بن حماد، عن وهيب، عن موسى بن عقبة، عن نافع قال: "كان ابن عمر يصلي على راحلته ويوتر عليها، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعله".
وفي أخرى: عن موسى، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد اللَّه بن دينار قال: "كان عبد اللَّه بن عمر يصلي في السفر على راحلته أينما توجهت به، يومئ إيماءً، وذكر عبد اللَّه أن النبي ﷺ كان يفعله".
وفي أخرى تعليقًا: عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم:
стр. 474
كان عبد اللَّه يصلي على دابته من الليل وهو مسافر، ما يبالي حيث كان وجهه، قال ابن عمر: "وكان رسول اللَّه ﷺ يسبح على الراحلة قِبَل أي وجه توجهت به، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
وفي أخرى: عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه.
وأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به".
وفي أخرى: عن عبيد اللَّه بن عمر القواريري، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢).
وفي أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، بالإسناد واللفظ في الروايتين، إلا أنه لم يذكر في الأولى السفر، وزاد زيادة الموطأ.
وفي أخرى: عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، [عن سالم] (٣)، عن أبيه، نحو رواية البخاري التي فيها ذكر المكتوبة.
وفي أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة، قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ثم أدركته، فقال ابن عمر: أين كنت؟ فقلت له: خشيت الفجر فنزلت
стр. 475
فأوترت، فقال عبد اللَّه: أليس لك في رسول اللَّه أسوة؟ فقلت: بلى واللَّه، قال: "إن رسول اللَّه ﷺ : كان يوتر على البعير".
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، مثل رواية البخاري، ومسلم التي ذكر فيها المكتوبة.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك، عن عمرو بن يحيى، بإسناد الشافعي ولفظه.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، بإسناد مسلم ونحو لفظه وأخصر منه.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن عيسى بن حماد وأحمد بن عمرو بن السرح والحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب بإسناد البخاري ومسلم نحو لفظ روايتهما.
وفي أخرى: عن عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، عن يحيى، عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، مثل مسلم. وفي أخرى: عن قتيبة، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، مثل الموطأ.
وله روايات أخرى لهذا الحديث تركناها اختصارًا.
وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن مالك، أيضًا وذكر الزيادة التي زادها مالك في الموطأ، وهي قوله: "وكان ابن عمر يفعل ذلك" وأخرج أيضًا المزني: عن الشافعي، عن مالك، رواية مسلم يقول فيها: كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة بطولها (٤).
стр. 476
ورواها الزعفراني: عن الشافعي في القديم بمعناه.
وأخرج الشافعي في القديم: عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يوتر على الراحلة.
قال: وأخبرنا رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًّا كان يوتر على الراحلة.
"الراحلة": البعير القوي على الأسفار والأحمال، والهاء فيه للمبالغة فسواء فيه الذكر والأنثى.
وقيل "الراحلة": الناقة التي تصلح لأن ترحل، فيكون الهاء فيه للتأنيث والجمع: الرواحل.
"وتوجهت إلى كذا": إذا استقبلته بوجهك وقصدته.
"والنوافل": جمع نافلة، وهي من الصلاة ما ليس بفرض، وأصل النفل: الزيادة على الشيء، فكأنها زيادة على الفريضة.
"والوتر": من الورد: الفرد والشفع: الزوج، والوتر في الصلاة: ما يصلى بعد الفراغ من فريضة العشاء، وسنتها في الليل، وفيه لغات فأهل الحجاز يفتحون الواو، وبنو تميم وغيرهم يكسرونها.
"وأوترت" أُوتِرُ: إذا صليت الوتر، وأوتر المصلي صلاته: إذا جعلها فردًا.
"والإيماء": الإشارة إلى الشيء بالرأس، أو العين، أو اليد، أو الأصبع.
والمراد في الحديث الإشارة بالرأس في حالة الركوع والسجود.
"والمبالاة": الاكتراث بالشيء والاحتفال له، تقول: ما أباليه، وما أبالي به.
وأما قولهم: "لم أبل"، فإنما حذفوا ألف أبالي تخفيفًا لكثرة الاستعمال، كما حذفوا الياء من قولهم: لا أدر.
стр. 477
"والتسبيح" في العربية: هو أن يقول: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، وسبحت اللَّه أسبحه تسبيحًا، هذا هو الأصل، ثم إنه أطلق على صلاة النافلة خاصة دون الفريضة، فقالوا: الصلاة النافلة، سبحة، وسبح المصلي: إذا صلى نافلة، إنما سميت سبحة لما فيها من التسبيح والدعاء، وإن كان ذلك أيضًا موجودًا في الفرض وجوده في النافلة، ولكنهم جعلوه خاصًّا بالنافلة وَضْعًا واصطلاحًا.
"والمكتوبة": صلاة الفريضة، يعني أنها كتبت على الإنسان كما يكتب عليه الحق.
"والأسوة": بكسر الهمزة وضمها: القدوة، تقول: لك في فلان أسوة أي قدوة، وأصله من المواساة المشاركة في الشيء، والتأسي التعزي عن المصاب، وجمع الأسوة إسّى وأُسّى بالكسر والضم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المتنفل في السفر لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون ماشيًا، أو راكبًا.
فإن كان ماشيًا: وجب عليه التوجه إلى القبلة في ثلاثة أحوال في الافتتاح، وإذا ركع، وإذا سجد، وما عدا هذه الأحوال الثلاث فيجوز له أن يتوجه فيها إلى جهة سفره ومقصده، أي جهة كانت.
فأما إن كان راكبًا: فلا يخلو أن يكون في محفة (١)، أو ما يشابهها مما يمكنه أن يتحول فيه من جهة إلى جهة، وحينئذ يتوجه فيها إلى القبلة، ويصلي قاعدًا ويركع ويسجد، فإن كان راكبًا على راحلة، أو قتب (٢)، أو مركب ضيق، أو سرج، أو ما أشبه ذلك، فإن [كانت] (٣) الدابة واقفة؛ فإما أن تكون مقطورة
стр. 478
إلى غيرها، أو منفردة، فالمقطور يجوز له أن يصلي حيث ما توجهت به لأنه يتعذر عليه إدارتها إلى القبلة.
وإن كانت منفردة: فيتوجه في حالة الافتتاح إلى القبلة.
وإن كانت الدابة سائرة: فإما أن تكون مقطورة فيصلي إلى جهة مسيرها.
وإن كانت منفردة: فإما أن تكون سهلة في الإدارة، فيديرها إلى جهة القبلة وتصح الصلاة إلى جهة القبلة في أحد الوجهين والوجه الثاني: لا يديرها.
وإن كانت صعبة الإدارة، صلى على ما هي عليه، وسواء طَوِيلُ السفر وقصيره، وبه يقول عطاء، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وروي ذلك عن: علي، وابن عمر، وابن عباس.
وكان مالك يقول: لا يصلى على الراحلة إلا في سفر تُقْصَرُ فيه الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة الماشي، لكثرة أفعاله الخارجة عن أفعال الصلاة.
وقال أيضًا: يصلي النافلة على الراحلة، إذا خرج من المِصْر فرسخين أو ثلاثة.
وقال سفيان الثوري: صل الفرض والوتر في الأرض، وإن أوترت على راحلتك فلا بأس.
وأما من ذهب إلى أن الوتر ليس نافلة، كأبي حنيفة ومن تابعه، فإنه لا يجيز الصلاة على الراحلة، لأن الوتر عنده واجب لا فرض ولا نافلة.
وأما الشافعي: فإن الوتر عنده نافلة، وحكمه حكم النوافل في جواز الصلاة على الراحلة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "رأيت رسول اللَّه ﷺ -
стр. 479
يصلى وهو على راحلته النوافل في كل وجه".
وفي نسخة: "جهة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد اللَّه بن سراقة، عن جابر بن عبد اللَّه "أن رسول اللَّه ﷺ في غزوة بني أنمار كان يصلي على راحلته متوجهًا قبل المشرق".
وقال في كتاب حرملة: هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ.
وفي أخرى: بهذا الإسناد الثاني واللفظ إلا أنه قال: "متوجهة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ ، مثل معناه، لا أدري أسمي بني أنمار أو قال: صلى في سفر.
وأخرج الشافعي الرواية الأولى والثانية في كتاب "استقبال القبلة" (١)، وأخرج الرواية الثالثة والرابعة في كتاب "الرسالة" (٢) والحديث حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي.
فأما البخاري (٣): فأخرجه عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى [عن] (٤) محمد بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد اللَّه أخبره أن النبي ﷺ كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة.
وفي أخرى: عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر: "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة".
وفي أخرى: عن أبي معمر، عن عبد الوارث، [عن كثير] (٥) بن شنظير،
стр. 480
عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ في حاجة له فانطلقت (١) معه، ثم رجعت وقد قضيتها فأتيت النبي ﷺ فسلمت، فلم يرد على، فوقع في قلبي ما اللَّه أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول اللَّه ﷺ وجد عليَّ أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد عليَّ، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد عليَّ، فقال: "إنما منعني من أن أرد عليك، أنني كنت أصلي"، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير، وقال قتيبة: يصلي، فسلمت عليه فأشار إليَّ، فلما فرغ دعاني فقال: "إنك سلمت آنفا وأنا أصلي"، وهو موجه حينئذٍ إلى المشرق.
وفي أخرى: عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أرسلني رسول اللَّه ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره، وذكر نحو رواية البخاري بمعناها.
وله روايات أخرى.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عثمان بن [أبي] (٤) شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ في حاجة، قال: فجئت وهو يصلي [على] (٥) راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع.
стр. 481
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن [محمود] (٢) بن غيلان، عن وكيع ويحيى ابن آدم، عن سفيان، عن أبي الزبير، مثل رواية أبي داود.
وفي الباب عن أنس، وابن عمر، وأبي سعيد، وعامر بن ربيعة.
"المَشْرِقُ": الموضع الذي تطلع فيه الشمس، تقول: شرقت الشمس تشرق إذا طلعت، وأشرقت إذا طلعت وإذا أضاءت، والقياس أن يكون المشرق بفتح الراء، إلا أنهم خالفوه في ألفاظ معدودة.
قال الفراء: كل ما كان على فعل يَفْعُل، مثل: دَخَلَ يَدْخُلُ، فالمَفْعل بالفتح اسمًا كان أو مصدرًا, ولا يقع فيه الفرق مثل: دخل يدخل مدخلاً، وهذا مدخله، إلا أحرفًا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك المسجِد، والمطلعِ، والمغرِب، والمشرِق، والمسقِط، والمفرِق، والمجرِز، والمسكِن، والمرفِق من رفق يرفق، والمنبِت والمنسِك من نسك ينسك، فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم.
قال: وسمعنا "المسجِد"، والمطلِع والمطلَع.
قال: والفتح في كله جائز، وإن لم تسمعه.
وما كان من فَعَلَ يَفْعِلُ مثل: جلس يجلس، فالمفعل منه بالكسر والمصدر بالفتح.
وفي إحدى روايات الشافعي: متوجهًا، ردًّا إلى النبي ﷺ .
وفي [أخرى] (٣): متوجهة، ردًّا إلى الراحلة.
ولأن الراحلة إذا كانت متوجهة إلى جهة، فإن راكبها متوجه إليها، فقوله:
стр. 482
"متوجهًا" أظهر في بيان الفرض إذ هو صريح في كونه يصلي إلى المشرق.
فقوله: "متوجهة" جاز أن تكون هي متوجهة إلى المشرق، وهو على خلاف توجهها, ولكن ذلك بخلاف العادة للراكبين، وما أطلق "متوجهة" إلا وهو يريد ما يفهمه السامع، من موافقة الراكب في التوجه لمركوبه.
وفي رواية: "أرسلني في حاجة"، وفي أخرى "أرسلني لحاجة".
فجعل الحاجة في الأولى: ظرفًا للإرسال؛ لأنه فيها أرسله.
أي: في طلبها وقضائها.
وجعل الحاجة في الثانية: سببًا للإرسال؛ لأنه لأجلها أرسله. وتقول: "وجدت عليه" أجد موجدة، أي غضبت.
"فعلت الشيء آنفًا": أي الآن.
وقوله: "حينئذ" الأصل في هذه الكلمة وأمثالها مثل: يومئذ، وليلتئذ، وساعتئذ، وسنتئذ، الإضافة إلى الجملة، التقدير: حين إذ كان كذا وكذا، فحذفت هذه الجملة وبقيت "إذ" وحدها، فعوضت عن هذه الإضافة إلى الجملة بالتنوين، فقيل: يومئذٍ، وحينئذٍ وكتبت موصولة كما ترى، والقياس أن تكتب يوم إذن أو بحذف النون ويكتب بدلها التنوين، وفي حركة هذه الأسماء المضافة مذهبان:-
فالأكثر: الإعراب بالنصب، والجر على الاسمية، والنصب على الظرفية، تقول لمن تخاطبه: كان زيد راكبًا يوم كذا وكذا، ثم تقول: لقيته يومئذ فتنصب، وكقوله تعالى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (١) وتقول في
стр. 483
الجر: أنا خائف من شر زيد يوم يقدم، ثم تقول: أنا خائف من يومئذ، وعليه قوله تعالى ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ (١).
وأما المذهب الثاني: فالبناء على الفتح في حال الإضافة، لقراءة أهل المدينة قوله تعالى ﴿فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ (٢) فجمعوا بين الإضافة والبناء على الفتح، قالوا: إنه مضاف إلى غير متمكن.
وفي هذا الحديث: زيادة بيان لم يتضمنها الحديث الذي قبله، وذلك أن حديث ابن عمر ليس في لفظ رواية الشافعي ما يدل على أن الصلاة نافلة، ولا إلى جهة مصرحًا به، فإنه قال في الرواية الأولى: "حيثما توجهت به" ولم يعين جهة بعينها، وقال في الثانية: "وهو متوجه إلى خيبر" فجهة خيبر وإن كانت معلومة، إلا أنها غير مصرح بها، وأن خيبر قد تكون قبلة لمن يتوجه إليها، إنما (٣) يتوجه إلى المدينة إليها فلا.
وأما حديث جابر هذا فإنه قال في الرواية الأولى "يصلي على راحلته النوافل في كل جهة" فصرح بذكر النوافل، ولم يذكرها في حديث ابن عمر، وعمم الجهات فعلم أنه قد كان يصلي إلى غير القبلة.
وقال في الرواية الثانية: "قبل" فخص الجهة بذكر الشرق، وإن كان الشرق قد يكون قبلة لمن هو في جهة الغرب من الكعبة.
وفي هذا الحديث من الفقه، مما لا يتعلق بالقبلة أحكام منها:-
أن المصلي لا يجوز له أن يتكلم بغير القراءة والأذكار المختصة بالصلاة حتى
стр. 484
لا يرد السلام الذي هو واجب عليه، وسيجيء بيان هذا الحكم مفصلًا في موضعه.
ومنها: جواز الإشارة في الصلاة حتى باليد، وذلك في قوله "فأشار بيده".
ومنها وجوب رد السلام، فإنه ﷺ ما أهمله لما فرغ من الصلاة، واعتذر إليه من تأخير الرد عليه، ولو لم يكن أمرًا مهما عنده لما اعتذر منه.
стр. 485
الفرع الخامس فيما يحول بين المصلي وقبلته
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣) والنسائي (٤).
فأما البخاري: فأخرجه عن مسدد، عن يحيى [عن] (٥) هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت" وفي أخرى: عن إسماعيل بن خليل، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: "لقد رأيت النبي ﷺ وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير، فيكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله، فأنسل انسلالاً".
وأما مسلم: فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، عن سفيان (٦)، عن الزهري، بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بالإسناد:
стр. 486
"أن (١) رسول اللَّه ﷺ كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة، راقدة على الفراش الذي يرقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر، أيقظها فأوترت".
وأما النسائي: فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت بين يدي رسول اللَّه ﷺ وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم، فأمر بين يديه انسللت انسلالاً".
ولهم في هذا الحديث روايات كثيرة تركناها للاختصار.
وقد روى المزني: عن الشافعي، عن مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: "كنت أنام بين يدي رسول اللَّه ﷺ ورجلاي في قبلته، وإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتها. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (٢).
وروى المزني عنه أيضًا: عن عبد العزيز بن محمد بن عمر وابن علقمة، عن أبي سلمة أنها قالت: "كنت أنام معترضة في القبلة، فيصلي رسول اللَّه ﷺ وأنا أمامه، حتى إذا أراد أن يُوتر قال: تنحي" (٣).
وروى في كتاب حرملة حديث عروة، عن عائشة ببعض هذا المعنى، ثم استدل به أنه لا بأس بالصلاة خلف النائم الذي لم يحتشم من المصلي ولا يحتشم منه المصلي، وأن النهي عن الصلاة خلف النيام لحشمة النائم.
стр. 487
و"من" في قوله: "من الليل" للتبعيض أي يصلي في بعض الليل، ويجوز أن تكون للابتداء، أي ابتداء صلاته من الليل.
وهي بمعنى "في" فإن حروف الجر ينوب بعضها مناب البعض.
"والمعترض": الذي يحول بين الشيء وبين غيره، كأنه صار بين يديه عرضًا.
"والجنِازة": بكسر الجيم هو السرير إذا سوى عليه الميت مكفنًا، وهُيِّئ للدفن، ولا يقال له: "جنازة" حتى يشد عليه الميت.
وأما "الجنَازة" -بالفتح- فالميت نفسه.
وأصل التجنيز: تهيئة الميت وشده على السرير، قاله الأزهري.
وقال الجوهري: "الجنازة " -بالكسر- واحدة الجنائز وهو الميت على السرير، وقال: والعامة تقول: الجنازة -بالفتح- فإذا لم يكن عليه ميت فهو سرير ونعش.
وقد تقدم ذكر ذلك فيما سلف.
و"الانسلال": انفعال من سللت السيف أسله سَلًّا، إذا أخرجته من غمده، والمراد: أنها كانت تكره أن تجلس قاعدة بين يديه، ثم تنهض قائمة لحاجتها، فكانت تسل نفسها من قِبَلِ رجليها وهي نائمة من غير أن تجلس قاعدة.
"والرقاد": النوم.
وموضع الكاف من قوله: "كاعتراض الجنازة" النصب لأن تقديره: وأنا معترضة مثل اعتراض الجنازة؛ أي اعتراضًا مثل اعتراضها، فهو صفة مصدر محذوف، والمعنى في التشبيه أنها كانت تكون نائمة بين يديه جهة يمينه إلى شماله كما تكون الجنازة، بين يدي المصلين عليها.
والواو في "وأنا معترضة" للحال.
стр. 488
"والإيقاظ": الإنباه من النوم.
وقولها: "أيقظني فأوترت" دليل على أنها كانت تؤخر وترها إلى آخر الليل موافقة للنبي ﷺ .
و"الاضطجاع": معروف، إلا أن المضطجع قد يكون نائمًا، ومستقيظًا ويسمى مضطجعًا في الحين.
وفي قولها: "على الفراش الذي يرقد عليه" دليل على قربها منه في حال صلاته، وأنه لم يكن بينها وبينه مسافة أكثر من موضع سجوده، فإنه قد جاء في الحديث الآخر عنها: "أنه كان إذا أراد أن يسجد حركها برجله، فتنحت ليسجد".
وهذا يدل على شدة قربها منه، وأنه لم يكن له موضع يسجد فيه إن لم تتحرك من مكانها.
وفيه دليل: على أنها كانت تنام معه على فراش واحد.
وإليه ذهب الشافعي: أن الصلاة لا يقطعها شيء يعترض بين يدي المصلي رجلاً كان أو امرأة، أو دابة، أو كلبًا، أو سبعًا، أو غير ذلك من جميع الحيوانات، ولا النائم بين يديه، ولكن للمصلي أن يدفع المار بين يديه.
وبه قال ابن المسيب، والشعبي، وعروة بن الزبير، واختاره ابن المنذر، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور.
وروي ذلك عن عليِّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان.
وقال أحمد، وإسحاق: لا يقطعها إلا الكلب الأسود، وبه قالت عائشة.
قال أحمد: وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء.
وقالت طائفة أخرى: يقطعها الكلب الأسود، والمرأة الحائض وروي ذلك: عن ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح.
стр. 489
وقالت طائفة أخرى: يقطعها كل ما يمر بين يدي المصلي ويعترضه.
وروى ذلك: عن ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح.
وقالت طائفة أخرى: يقطعها كل ما يمر بين المصلي ويعترضه.
وروي ذلك عن: عمر، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وأبي الأحوص.
قال الشافعي في جواب من قال: يقطعها الكلب، والحمار، وغير ذلك حيث استدلوا بحديث أبي ذر (١) في المعنى، قال: لا يجوز إذا رُوِي حديث واحد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار" وكان مخالفًا عدة أحاديث، وكان كل واحد أثبت منه ومعها ظاهر القرآن أن يترك -إن كان ثابتًا إلا بإذن يكون [منسوخًا] (٢)، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد أن يكون غير محفوظ، وهو عندنا غير محفوظ لأن النبي ﷺ صلى وعائشة بينه وبين القبلة.
"وصلى وهو حامِلٌ أُمامة فوضعها في السجود، ورفعها في القيام".
ولو كان ذلك يقطع صلاته، لم يفعل واحداً من الأمرين، وصلى إلى غير سترة، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث.
وقد قال الشافعي في سنن حرملة، في حديث النبي ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار" قال: يقطع عن الذكر والشغل بها والالتفات، لا أنها تفسد الصلاة.
стр. 490
ويدل على صحة تأويل الشافعي: أن ابن عباس روى حديث ما يقطع الصلاة، فقيل له: أيقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه".
فما يقطع هذا ولكن يكره.
وقد عاد الشافعي: استدل بهذا الحديث، أن المرأة إذا صلت إلى جانب الرجل لا تقطع صلاته.
قال: فإن كانت لا تقطع الصلاة وليست فيها، لم تقطعها وهي فيها، وما يكون أبدًا خيرًا منها حين يصلي ولا أقرب من اللَّه .
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن الزبيري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن [ابن] (١) عباس قال: "أقبلت على أتان وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام، ورسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت فأرسلت حماري يرتع ودخلت الصف فلم ينكر عليَّ أحد".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة، والشافعي أخرجه في كتاب "اختلاف الأحاديث" (٢).
فأما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد واللفظ، وزاد فيه "يصلي بالناس بمنى، وقال: فأرسلت الأتان".
وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بالإسناد وقال: على حمار أتان، وقال: ناهزت الاحتلام، وذكر لفظ مالك وزاد فيه بعد قوله بمنى "إلى غير جدار".
стр. 491
وأما مسلم (١): فأخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وذكر نحوه.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري.
وعن القعنبي، عن مالك، بالإسناد وذكر الحديث.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، وذكر الحديث.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد قال: أقبلت أنا والفضل على أتان لنا وذكر الحديث، وفيه: "يصلي بعرفة".
وقد روى الزعفراني في القديم: عن الشافعي، بإسناده أيضًا هذا الحديث، وذكر لفظ رواية البخاري التي فيها ذكر الجدار.
قال الشافعي: قول ابن عباس: "إلى غير جدار" يعني إلى غير سترة.
وروى عنه المزني: عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد المذكور قال: جئت أنا والفضل بن عباس على أتان ورسول اللَّه ﷺ [يصلي] (٥) فمررنا على بعض الصف، فنزلنا فتركناها ترتع ودخلنا مع رسول اللَّه ﷺ في الصلاة، فلم يقل لنا شيئًا".
стр. 492
"الأتان": الأنثى من الحمير، والجمع في القلة آتن بالمد -وفي الكثرة "أُتُن وأُتْن"، ولا يقال (١) له: أتانة.
"وراهقت الشيء": قاربته، وراهق الغلام الاحتلام فهو مراهق إذا قارب الحلم، ويقال: غلام راهق، وجارية راهقة.
"ورَتَعَ الحمار وغيره من الدواب": يرتع رتوعًا إذا أكلت في المرعى ما شاءت.
قال الأزهري: الرتع: الرعي في الخصب؛ ولا يكون رتع إلا مع خصب وسعة، قال: والعرب تقول: رتع المال إذا رعى ما شاء.
"وناهزت الشيء": قاربته ودانيته.
وفي رواية البخاري "على حمار أتان" كأنه قال في الأول: على حمار ثم استدرك فقال: أتان، وإلا فإذا قال من الأول: أتان فقد علم أنه أنثى.
والواو في قوله: "وأنا" وفي قوله: "ورسول اللَّه ﷺ واو الحال. التقدير: أقبلت راكبًا مراهقًا في حال صلاة رسول اللَّه ﷺ فاجتمع ثلاث أحوال، وليس فيها واو عطف.
وفي قوله: "فلم ينكر ذلك عليَّ أحد" دليل على أن الشيء إذا فعل بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينكره أنه جائز الفعل، لأنه لا يقر أحدًا على ما لا يجوز إذا رآه أو علمه.
وفي رواية البخاري زيادة أفادت معنى، وهي قوله: "إلى غير جدار" فإنه بذلك أثبت أن الصلاة لم تكن إلى جدار يمنع من يحول بين المصلي وقبلته؛ فإنه إذا صلى إلى جدار أو ما يجري مجراه من خشبة، أو راحلة، أو عدل (٢)،
стр. 493
ونحو ذلك، ولم يدخل داخل بينه وبين ذلك لم يضره، ولا يدخل في حكم هذا الحديث المختلف في حكمه.
"والاحتلام": افتعال من الحلم، وهو ما يراه النائم في منامه فينزل معه المني، ثم نُقِلَ ذلك حتى جُعِلَ كناية عن حد البلوغ الذي يكلف الشرع صاحبه الأحكام الشرعية.
وقوله: "فلم ينكر عليَّ أحد" يريد أنهم لم ينكروا عليه الاعتراض من الحمار بين أيديهم.
ويجوز: أن يكون إرادته الاعتراض بنفسه وبالحمار إلا أنه بالحمار أشبه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان عن مالك بن مغول، عن عون بن [أبي] (١) جحيفة، عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ بالأبطح، وخرج بلال بالعَنَزَةِ فركزها فصلى إليها، والكلب والمرأة والحمار يمرون بين يديه".
وقد أخرجه في سنن حرملة بهذا الإسناد واللفظ.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا، ورووه من طرق عدة طويلة ومختصرة، وقد ذكرنا منها هاهنا بعضًا. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن عون قال: سمعت أبي يقول: "خرج علينا النبي ﷺ بالهاجرة فأُتي بِوضُوء، فتوضأ فصلى بنا الظهر والعصر، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها".
وفي رواية: عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عون، عن أبيه: "أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار".
стр. 494
وأما مسلم (١): فأخرجه عن محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثني [محمد بن جعفر] (٢)، عن شعبة، عن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَةٌ.
قال شعبة فزاد فيه: عون، عن أبيه أبي جحيفة: "فكان يمر من ورائها المرأة والحمار". وفي أخرى: عن محمد بن حاتم، عن [بهز] (٣)، عن عمر بن أبي زائدة، عن عون، عن أبيه وذكر الحديث وفيها: "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزَةِ".
وفي أخرى: "يمر بين يديه الحمار والكلب".
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن حفص، عن عمر، عن شعبة، عن عون، عن أبيه: "أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر خلف العنزة المرأة والحمار".
وأما الترمذي (٥): فقد أخرج هذا المعنى في جملة حديث يتضمن ذكر الأذان، وقال فيه: "فخرج بلال بين يديه بالعنزة، فركزها بالبطحاء فصلى إليها رسول اللَّه ﷺ يمر بين يديه الكلب والحمار".
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن مالك بن
стр. 495
مغول، بالإسناد قال: شهدت النبي ﷺ بالبطحاء وأخرج بلالٌ فَضْلَ وَضُوئِهِ، فابتدره الناس فنلت منه شيئًا، ورُكِزَتْ له العنزة فصلى بالناس، والحمار والكلب والمرأة يمرون بين يديه.
"الأبطح": مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والجمع الأباطح، فالبطاح على غير قياس، والبطيحة والبطحاء مثل الأبطح، ومنه بطحاء مكة وهي من أعلاء الوادي؛ وإياها أراد في هذا الحديث.
"والعَنَزَة": شبه العكازة، وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا يسيرًا، وفيها سنان كسنان الرمح.
"والرَّكْز": الغرز في الأرض، ركزت الرمح في الأرض أركزه ركزًا، إذا غرزته فيها.
وقوله: "بالأبطح" الباء في موضع، أي في الأبطح، ويجوز أن تكون على بابها، وهي بمعنى الإلصاق أي رأيته ملاصقًا بالأبطح والواو في قوله: "وخرج بلال" واو الحال ولا بد فيها من "قد" مقدرة، أي: وقد خرج بلال.
وقوله: "فصلى إليها" يريد أنه جعل العنزة تلقاء وجهه من جهة القبلة، ليكون حاجزًا بينه وبين من يمر بين يديه.
والباء في قوله: "بالعنزة" للملابسة، أي خرج ملبسًا بها حاملًا لها.
و"الهاجرة": شدة الحر عند انتصاف النهار تقول منه: هَجَرَ النهار إذا اشتد حره، والباء التي فيها هي التي في قوله: بالبطحاء، وقد ذكرنا معناها.
وهذا الحديث يتضمن حكمين:-
أحدهما: الصلاة إلى السترة.
والثاني: مرور المار بين يدي المصلي.
والثاني قد تقدم بيانه في حديث عائشة، وسيجيء ما لم يذكر فيه فيما بعد الحديث -إن شاء اللَّه تعالى.