← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأما مسلم (١): فأخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وذكر نحوه. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري. وعن القعنبي، عن مالك، بالإسناد وذكر الحديث. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، وذكر الحديث. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد قال: أقبلت أنا والفضل على أتان لنا وذكر الحديث، وفيه: "يصلي بعرفة". وقد روى الزعفراني في القديم: عن الشافعي، بإسناده أيضًا هذا الحديث، وذكر لفظ رواية البخاري التي فيها ذكر الجدار. قال الشافعي: قول ابن عباس: "إلى غير جدار" يعني إلى غير سترة. وروى عنه المزني: عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد المذكور قال: جئت أنا والفضل بن عباس على أتان ورسول اللَّه ﷺ [يصلي] (٥) فمررنا على بعض الصف، فنزلنا فتركناها ترتع ودخلنا مع رسول اللَّه ﷺ في الصلاة، فلم يقل لنا شيئًا".

стр. 492

"الأتان": الأنثى من الحمير، والجمع في القلة آتن بالمد -وفي الكثرة "أُتُن وأُتْن"، ولا يقال (١) له: أتانة. "وراهقت الشيء": قاربته، وراهق الغلام الاحتلام فهو مراهق إذا قارب الحلم، ويقال: غلام راهق، وجارية راهقة. "ورَتَعَ الحمار وغيره من الدواب": يرتع رتوعًا إذا أكلت في المرعى ما شاءت. قال الأزهري: الرتع: الرعي في الخصب؛ ولا يكون رتع إلا مع خصب وسعة، قال: والعرب تقول: رتع المال إذا رعى ما شاء. "وناهزت الشيء": قاربته ودانيته. وفي رواية البخاري "على حمار أتان" كأنه قال في الأول: على حمار ثم استدرك فقال: أتان، وإلا فإذا قال من الأول: أتان فقد علم أنه أنثى. والواو في قوله: "وأنا" وفي قوله: "ورسول اللَّه ﷺ واو الحال. التقدير: أقبلت راكبًا مراهقًا في حال صلاة رسول اللَّه ﷺ فاجتمع ثلاث أحوال، وليس فيها واو عطف. وفي قوله: "فلم ينكر ذلك عليَّ أحد" دليل على أن الشيء إذا فعل بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينكره أنه جائز الفعل، لأنه لا يقر أحدًا على ما لا يجوز إذا رآه أو علمه. وفي رواية البخاري زيادة أفادت معنى، وهي قوله: "إلى غير جدار" فإنه بذلك أثبت أن الصلاة لم تكن إلى جدار يمنع من يحول بين المصلي وقبلته؛ فإنه إذا صلى إلى جدار أو ما يجري مجراه من خشبة، أو راحلة، أو عدل (٢)،

стр. 493

ونحو ذلك، ولم يدخل داخل بينه وبين ذلك لم يضره، ولا يدخل في حكم هذا الحديث المختلف في حكمه. "والاحتلام": افتعال من الحلم، وهو ما يراه النائم في منامه فينزل معه المني، ثم نُقِلَ ذلك حتى جُعِلَ كناية عن حد البلوغ الذي يكلف الشرع صاحبه الأحكام الشرعية. وقوله: "فلم ينكر عليَّ أحد" يريد أنهم لم ينكروا عليه الاعتراض من الحمار بين أيديهم. ويجوز: أن يكون إرادته الاعتراض بنفسه وبالحمار إلا أنه بالحمار أشبه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان عن مالك بن مغول، عن عون بن [أبي] (١) جحيفة، عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ بالأبطح، وخرج بلال بالعَنَزَةِ فركزها فصلى إليها، والكلب والمرأة والحمار يمرون بين يديه". وقد أخرجه في سنن حرملة بهذا الإسناد واللفظ. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا، ورووه من طرق عدة طويلة ومختصرة، وقد ذكرنا منها هاهنا بعضًا. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن عون قال: سمعت أبي يقول: "خرج علينا النبي ﷺ بالهاجرة فأُتي بِوضُوء، فتوضأ فصلى بنا الظهر والعصر، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها". وفي رواية: عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عون، عن أبيه: "أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار".

стр. 494

وأما مسلم (١): فأخرجه عن محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثني [محمد بن جعفر] (٢)، عن شعبة، عن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَةٌ. قال شعبة فزاد فيه: عون، عن أبيه أبي جحيفة: "فكان يمر من ورائها المرأة والحمار". وفي أخرى: عن محمد بن حاتم، عن [بهز] (٣)، عن عمر بن أبي زائدة، عن عون، عن أبيه وذكر الحديث وفيها: "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزَةِ". وفي أخرى: "يمر بين يديه الحمار والكلب". وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن حفص، عن عمر، عن شعبة، عن عون، عن أبيه: "أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر خلف العنزة المرأة والحمار". وأما الترمذي (٥): فقد أخرج هذا المعنى في جملة حديث يتضمن ذكر الأذان، وقال فيه: "فخرج بلال بين يديه بالعنزة، فركزها بالبطحاء فصلى إليها رسول اللَّه ﷺ يمر بين يديه الكلب والحمار". وأما النسائي (٦): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن مالك بن

стр. 495

مغول، بالإسناد قال: شهدت النبي ﷺ بالبطحاء وأخرج بلالٌ فَضْلَ وَضُوئِهِ، فابتدره الناس فنلت منه شيئًا، ورُكِزَتْ له العنزة فصلى بالناس، والحمار والكلب والمرأة يمرون بين يديه. "الأبطح": مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والجمع الأباطح، فالبطاح على غير قياس، والبطيحة والبطحاء مثل الأبطح، ومنه بطحاء مكة وهي من أعلاء الوادي؛ وإياها أراد في هذا الحديث. "والعَنَزَة": شبه العكازة، وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا يسيرًا، وفيها سنان كسنان الرمح. "والرَّكْز": الغرز في الأرض، ركزت الرمح في الأرض أركزه ركزًا، إذا غرزته فيها. وقوله: "بالأبطح" الباء في موضع، أي في الأبطح، ويجوز أن تكون على بابها، وهي بمعنى الإلصاق أي رأيته ملاصقًا بالأبطح والواو في قوله: "وخرج بلال" واو الحال ولا بد فيها من "قد" مقدرة، أي: وقد خرج بلال. وقوله: "فصلى إليها" يريد أنه جعل العنزة تلقاء وجهه من جهة القبلة، ليكون حاجزًا بينه وبين من يمر بين يديه. والباء في قوله: "بالعنزة" للملابسة، أي خرج ملبسًا بها حاملًا لها. و"الهاجرة": شدة الحر عند انتصاف النهار تقول منه: هَجَرَ النهار إذا اشتد حره، والباء التي فيها هي التي في قوله: بالبطحاء، وقد ذكرنا معناها. وهذا الحديث يتضمن حكمين:- أحدهما: الصلاة إلى السترة. والثاني: مرور المار بين يدي المصلي. والثاني قد تقدم بيانه في حديث عائشة، وسيجيء ما لم يذكر فيه فيما بعد الحديث -إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 496

وأما الحكم الأول: فإنه يستحب للمصلي إذا صلى في صحراء لا جدار فيها، أن يجعل بين يديه شيئًا مرتفعًا من الأرض، بقدر مؤخرة الرحل. وروي ذلك عن أنس، وأبي هريرة. وقال الأوزاعي: يُجْزِىُء السهم والسيف والسوط. وقال عطاء: قدر الذراع، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة. وقال مالك، والشافعي: قدر عظم الذراع فصاعدًا. وقال قتادة: ذراع وشبر. فأما الخط: فقال به سعيد بن جبير، وأحمد، وأبو يوسف، والأوزاعي. وأنكر مالك الخط. قال ابن المنذر: كان الشافعي يأمر أن يخط المصلي بين يديه خَطًّا إذا لم يجد شيئًا مرتفعًا. ثم قال بمصر: لا يخط إلا أن يثبت فيه حديث فيتبع (١).

стр. 497

وقال القاضي أبو حامد: أنه يخط بين يديه خَطًّا. وقد جاء في رواية الشافعي: "والكلب والحمار والمرأة يمرون بين يديه". وكذلك جاء في رواية البخاري الواحدة، وإحدى روايتي مسلم، وفي رواية الترمذي والنسائي. وهذا مسوق لبيان أن مرور هؤلاء بن يدي المصلي، لا يقطع الصلاة. فأما الذي جاء في باقي الروايات: "يمرون من ورائها"، و"يمرون خلف العنزة" فإنه كلام موجه؛ إن أراد بورائها، وبين يديها وخلفها، الجهة التي تلي المصلي، فيكون الكلام مسوقًا لبيان ما تقدم في رواية الشافعي، وإن أراد الجهة التي تحول العنزة بينها وبين المصلي؛ فيكون الكلام مسوقًا لبيان أمور ثلاثة:- أحدها: دنو المصلي من العنزة، وأنه ليس بينه وبينها مكان تمر فيه هذه الأشياء.

стр. 498

والثاني: أن هذه الأشياء لو مرت بين يدي المصلي فيما بينه وبين السترة، لقطعت صلاته. والثالث: أن الغرض من الحديث ما هو إلا الاستدلال باستحباب السترة للمصلي، لا لبيان ما يقطعها أو لا يقطعها. ***

стр. 499

الفرع السادس في سترة المصلي قد تقدم في الفرع الخامس حديث أبي جحيفة، ونذكر في هذا الفرع ما يخصه، فإنه لم يرد في المسند سوى ما ذكرنا. وقد أخرج الشافعي: فيما رواه عنه الزعفراني قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث العدوي، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يكن شيء، فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخط خطًّا، لا يضره ما مر بين يديه". وهذا الحديث أخرجه أبو داود في السنن (١). قال بشر بن موسى: سألت الحُمَيْدِيَّ عن الخط؟ فأومأ إلى مثل الهلال العظيم. وقال أبو داود: قالوا: الخط بالطول، وقالوا: بالعرض مثل الهلال. وهذا الحديث قد أخذ به الشافعي في القديم، وفي سنن حرملة. وقال في البويطي: لا يخط بين يديه خطًا، إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع. وإنما توقف الشافعي في صحة هذا الحديث، لاختلاف الرواة على إسماعيل ابن أمية في أبي محمد بن عمرو بن حريث، قيل هكذا، وقيل: عن أبي عمرو بن أبي محمد بن حريث، عن أبيه، وقيل غير ذلك.

стр. 500

قال سفيان بن عيينة: كان إسماعيل بن أمية إذا حَدَّثَ بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟ فإنه لم يجيء إلا من هذا الوجه (١). وأخرج الشافعي فيما رواه المزني عنه قال: حدثنا الشافعي قال: حدثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن سهل بن أبي [حثمة] (٢) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها, لا يقطع الشيطان عليه صلاته". أخرجه أبو داود (٣): عن عثمان بن أبي شيبة، وغيرة، عن سفيان قال: ورواه واقد بن محمد، عن صفوان عن [محمد بن سهل، عن أبيه] (٤)، (٥) وعن محمد بن سهل عن النبي ﷺ . وقال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل. وقد رواه نافع أيضًا مرسلًا (٦). قال الشافعي: وأحب أن يكون بين المصلي وبين سترته؛ ثلاث أذرع أو أقرب. وأخرج الشافعي فيما رواه الربيع قال: حدثني الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن كثير بن كثير بن المطلب، عن بعض أهله، عن المطلب بن أبي وداعة قال: "رأيت النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه،

стр. 501

وليس بينه وبين الطواف سترة (١). استدل الشافعي بهذا الحديث، وبحديث ابن عباس المتقدم، على أن أمر النبي ﷺ بالدنو من السترة اختيار، وأمره بالخط في الصحراء اختيار. وقوله: "لا يفسد الشيطان عليه صلاته" أن يلهو ببعض ما يمر بين يديه، فيصير إلى أن يحدث ما يفسدها, لا بمرورها تمر بين يديه. واعلم أن أحاديث سترة المصلي كثيرة، وقد ذكرنا منها هاهنا ما يتعلق به، وسيرد ما بقى منها في موضعه. والسترة من محاسن أوصاف الصلاة ومكملاتها وفائدتها: قبض الخواطر عن الانتشار، وكف البصر عن الاسترسال، حتى يكون العبد مجتمعًا للمناجاة التي خصلها والتزمها. وسنزيد هيئة السترة بيانًا فنقول: هو أن تكون في طول الذراع، لأنها بِقَدْرِ آخرة الرحل الوارد في الحديث الثابت، وأن تكون بِغِلظِ الرمح، لأن النبي ﷺ كان يصلي إلى العنزة، وهي قطعة من الرمح كما ذكرنا، فإذا وضعها بين يديه، فلا يجعلها قبالة وجهه، بل تكون مائلة إلى اليمين أو اليسار، لحديث المقداد: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ صلى إلى عمود أو شيء فصمد إليه صمدًا،

стр. 502

إنما كان يجعله عن يمينه أو يساره. وليجعل بينه وبين سترته من المسافة، بمقدار ما يحتاج لِسجوده ولا يتأخر عنها تأخيرًا كثيرًا، ولا يتقدم إليها كثيرًا بحيث إذا أراد السجود تأخر عنها، لأن ذلك عمل في الصلاة خارج عن أعمالها. وقد غلط بعض الناس فقالوا: إذا صلى إلى غير سترة، فلا يمر أحد بين يديه بمقدار رمية السهم. وقيل: بمقدار رمية حجر. وقيل: بمقدار رمية رمح. وقيل: بمقدار المطاعنة. وقيل: بمقدار المضاربة بالسيف. وهذا كله: خطأ أوقعهم فيه قول (١) النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان" (٢). فحملوه على أنواع القتال، ولم يفهموا أن القتال هو المدافعة بِيَدٍ كانت أو بآلة، وإنما حَرَمُ المصلي -سواء وضع بين يديه سترة أو لم يضع- بمقدار ما يستقبل قائما أو راكعًا وساجدًا، لا يستحق من الأرض كلها التي هي المسجد العام، ولا من المسجد الخاص سواها، وسائر ذلك لغيره، ولا يقاتل إلا من أدرك بيده إذا مدها، وما وراء ذلك لا يمد إليه يدًا، ولا يمشي إليه قدمًا. وسيرد المذهب في مدافعة المعترض بين يدي المصلي، في جملة أحاديث ترك الأفعال الخارجة عن أفعال الصلاة.

стр. 503

ومعنى قول النبي ﷺ في المعترض: "إنما هو شيطان" يريد أنه يفعل أفعال الشيطان في الشغل عن الصلاة وقطع المصلي عن الإقبال على عبادته، فجعل ذلك مثلًا حيث إن الشيطان يحول بين المرء وقلبه -واللَّه أعلم. ***

стр. 504

الفصل السادس من الباب الأول من كتاب الصلاة في كيفية الصلاة وصفتها وفيه عشرة فروع:- الفرع الأول: في التكبير ورفع اليدين أخبرنا الشافعي: أخبرنا [سعيد] (١) بن سالم، عن سفيان الثوري، عن عبد اللَّه بن محمد [بن] (٢) عقيل، عن محمد بن علي ابن الحنفية، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". قال الشافعي في القديم: وكذلك روي عن ابن مسعود. هذا حديث صحيح معمول به (٣)، أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥).

стр. 505

فأما أبو داود: فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، بالإسناد واللفظ. وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد، وقتيبة، ومحمد بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان. وعن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، عن سفيان، بالإسناد واللفظ، إلا أنهما قالا: "الطهور" بدل و"الوضوء". وفي الباب: عن جابر، وأبي سعيد. أراد "بالمفتاح" الشيء الذي يتوصل به الإنسان إلى الصلاة، كما أن المفتاح الحقيقي هو: الآلة التي يتوصل بها إلى دخول البيت، فشبه الوضوء الذي هو أول أعمال الصلاة بالمفتاح. "الوُضوء": بضم الواو الفعل نفسه. وكذلك "الطُهور" بالضم. وأما "التحريم" فأصله من قولك: حرمت فلانًا عطاءه، إذا منعته إياه، وأحرم الرجل بالحج إذا دخل فيما يمنع منه، من أشياء كانت مطلقة له، وكذلك المصلي يصير بالتكبير ممنوعًا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها فلذلك قال: "تحريمها التكبير". وأما "التحليل" فهو ضد التحريم، وذلك أن المصلي بالتسليم يدخل في الحل والإباحة مما كان ممنوعًا منه، كما يستبيح المحرم عند فراغه من الحج ما كان محظورًا عليه.

стр. 506

وقوله: "التكبير والتسليم" مصدران مطردان أكبرت وسلمت، وتقول: كبرت أكبر تكبيرًا، وسلمت أسلم تسليمًا، مثل: كلمت تكليمًا، وقدرت تقديرًا. وفي قوله: "التكبير والتسليم" بالألف واللام دليل على أنه لا يجوز افتتاح الصلاة إلا بلفظ التكبير، ولا الخروج منها إلا بلفظ التسليم، دون غيرها من الأذكار، لأن الألف واللام للتعريف، وهما مع الإضافة يفيدان السلب والإيجاب، وهو أن يسلب الحكم فيما عدا المذكور، ويوجبان ثبوت المذكور، كقولك: فلان بيته المساجد، أي لا مأوى له غيرها، وكقولهم: حيلة الهم الصبر، أي لا مدفع له إلا الصبر، ومثله في الكلام كثير. والذي ذهب إليه الشافعي: أن التكبير في افتتاح الصلاة ركن من أركانها، وكذلك السلام في آخرها لا تصح الصلاة إلا بها، فأما التكبير فلا يجزئه إلا قول: اللَّه أكبر، واللَّه أكبر، وبه قال الثوري، وإسحاق، وداود. فإن قدم الصفة على الاسم فقال: أُكبِّرُ اللَّه، والأكبر اللَّه، ففيه بين أصحاب الشافعي خلاف. وقال مالك، وأحمد: لا تصح الصلاة إلا بقوله: اللَّه أكبر وحدها, ولا يصح بقوله: اللَّه الأكبر. وقال أبو حنيفة ومحمد: يصح بكل اسم للَّه تعالى على وجه التعظيم، كقوله: اللَّه عظيم، وجليل، وقدير، ونحو ذلك، وكذلك يقول: الحمد للَّه، وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه، ولو قال: "اللَّه" ولم يضف إليه صفة، لم تنعقد الصلاة عنده في إحدى الروايتين.

стр. 507

فإن قال: "يا اللَّه" على جهة النداء لم تنعقد، وبهذا قال النخعي، والحكم ابن عتيبة. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن تعقد الصلاة بغير قوله: اللَّه. وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ الكبير خاصة، فلو قال: اللَّه الكبير أجزأه. وحكى عن الزهري أنه قال: تنعقد بمجرد النية من غير لفظ. وأما التسليم فسيرد بيانه في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى. وقد عاد الشافعي، استدل بهذا الحديث فيما يقطع الصلاة من حدث، قال: لا يحرم بالصلاة إلا بالتكبير، ولا تنقضي الصلاة إلا بالتسليم، فمن عمل عملًا مما يفسد الصلاة، فيما بين أن يكبر إلى أن يسلم فقد أفسد صلاته، لأنه موافق لما روينا عن النبي ﷺ وذكر هذا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين". أخرج الشافعي هذه الرواية في كتاب "الصلاة" (١)، وأعاد إخراجها بهذا الإسناد وهذا اللفظ في كتاب "اختلاف الحديث" (٢). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعها كذلك، وكان لا يفعل ذلك في السجود". قال الأصم: كتبنا حديث سفيان، عن الزهري، بمثله قبل هذا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا ابتدأ

стр. 508

الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعها دون ذلك. وأخرج هاتين الروايتين في موضع آخر، من كتاب "اختلافه مع مالك"، إلا أن هذه الرواية هكذا أخرجها الشافعي موقوفة على ابن عمر. وكذا رواه حرملة: عن الشافعي وقال في آخره: ويُحَدِّثُ بذلك عن رسول اللَّه ﷺ . قال الشافعي: وقد روى -سوى ابن عمر- اثنا عشر رجلاً عن النبي ﷺ وبهذا نقول. والحديث في نفسه صحيح، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه عن الزهري، بالإسناد وذكر الرواية الثانية. وعن نافع، وذكر الرواية الرابعة موقوفة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن مقاتل، عن عبد اللَّه، عن يونس، عن الزهري، وذكر الحديث وزاد فيه: ويقول: سمع اللَّه لمن حمده. وفي أخرى: عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري. وفي أخرى: عن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى التميمي [و] (٤) سعيد بن منصور عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير، كلهم عن سفيان، عن الزهري، وذكر الرواية الأولى.

стр. 509

وفي أخرى: عن محمّد بن رافع، عن حجين، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن الزهري. وفي أخرى: عن ابن المصفى الحمصي، عن بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، وزاد فيه بعد قوله: "ولا يرفع يديه في السجود ويرفعهما مع كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع، حتى تنقضي صلاته". وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن الزهري. إلا أن حديث قتيبة انتهى عند قوله: "وإذا رفع رأسه من الركوع". وأما النسائي (٣): فأخرجه عن عمرو بن منصور، عن علي بن عياش، عن شعيب، عن الزهري. وفي أخرى: عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري. وفي أخرى: عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري. ولفظ النسائي قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلها حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، ثم إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فعل مثل ذلك، وقال: ربنا لك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود". وقد اتفقت رواية مالك بن أنس، وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة، وعقيل بن خالد، وغيرهم عن الزهري في الرفع حذو

стр. 510

المنكبين، وكذلك هو في رواية أيوب، عن نافع. وفي رواية علي بن أبي طالب، وفي رواية أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وفي إحدى الروايات عن وائل بن حُجْرٍ، وفي رواية مالك بن الحويرث. قال الشافعي: وإنما أخذنا بذلك لأنه أثبت إسنادًا، وأنه حديث عدد، والعدد أولى بالحفظ من الواحد. وقال: إنما حديثنا عن الزهري أثبت إسنادًا، ومعه عِدَاد يوافقونه ويحدونه تحديدًا لا يشبه اللفظ -واللَّه أعلم. "الافتتاح بالصلاة": الشروع فيها والابتداء بها، فكأنها دار لها باب قد فتحه ليدخلها، فشبه الابتداء بها والدخول فيها بافتتاح الدار والدخول إليها. وفي قوله: "رفع يديه" وفي رواية "يرفع يديه" والفرق بينهما أنها مع الماضي حكاية حال ماضية غير مشاهدة، وهي مع المستقبل حكاية حال حاضرة مشاهدة، كأن السامع لها يشاهدها. "والمحاذاة": المسامتة والمساواة. "والمنكبان": مجمع عظام العضدين هما أعلى الكتفين. وقوله: "وإذا أراد أن يركع" أي يرفع يديه كذلك. وقوله: "وبعد ما يرفع" أي بعد أن يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه كذلك.

стр. 511

وفي هذا كله دليل على تقديم التكبير، ورفع اليد مع (١) الركوع والقيام، لأنه قال: "إذا أراد أن يركع" والإرادة تتقدم الفعل والفعل يتركب عليها. وقوله: "ولا يرفع بين السجدتين" أي لا يرفع يديه؛ بل يكبر ولا يرفع. والذي جاء في رواية البخاري: "رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاة -في موضع-: "إذا افتتح الصلاة" وهما بمعنىً واحد، إلا أن رواية البخاري أعم وتلك أخص، فإن القيام إلى الصلاة يكون متقدمًا عليه, لا ينحصر مقداره وإن كان قريبًا منها. وأما الافتتاح: فإنما هو عبارة عن الشروع فيها والابتداء بها، ولذلك قال ﷺ في المتقدم -"وتحريمها التكبير"، فجعل التكبير جزءًا منها وهو ركن من أركانها، فرواية البخاري جاءت مبينة لما جاء مجملًا في رواية الشافعي. وقوله: "ويقول: سمع اللَّه لمن حمده" لم يُرِدْ بذكره هنا الإعلام بأنه يقول ذلك، وإنما يريد به أن يكبر رافعًا يديه، في الحالة التي يقول فيها: سمع اللَّه لمن حمده، وهي القيام من الركوع. قال: هذا الحديث مسوق لبيان التكبير ورفع اليدين، لا لبيان باقي أذكار الصلاة. وقد جاء في رواية النسائي: "إذا افتتح التكبير في الصلاة" بخلاف الجماعة فإنهم قالوا: "إذا افتتح الصلاة" وفي هذه الزيادة فائدة صرحت بأن رفع اليدين إنما هو مع التكبير. وكذلك فيها "رفع يديه حين يكبر" والافتتاح بالتكبير هو الابتداء به والشروع فيه كما سبق، ثم لما كان التكبير قد يقع في غير الصلاة، وكان غرضه إنما هو التكبير المختص بالصلاة؛ قال في الصلاة لتخصيصه بها.

стр. 512

والذي ذهب إليه الشافعي: أن رفع اليدين مع التكبير مستحب عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه. وروي ذلك عن أكثر من عشرين نفرًا من أصحاب النبي ﷺ منهم (١): أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وأبو قتادة، وأبو أسيد، ومحمد بن مسلمة، وأبو حميد، وأبو موسى، ومالك بن الحويرث، وابن عمرو، وابن الزبير، ووائل بن حُجْر، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر، وأبو سعيد الخدري وغيرهم. وهو مذهب: الحسن البصري، وابن سيرين، ونافع، وابن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللَّه، وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، والليث، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن مالك. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: يستحب رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح وَحْدَها. وروي عن مالك أيضًا وهو الأشهر (٢) عنه، وروي عن الشعبي، والنخعي. فأما الموضع التي ترفع الأيدي إليه، فقال الشافعي: تصريح هذا الحديث هو

стр. 513

رفعها إلى محاذاة أذنيه. وقد حكي عن الشافعي أنه لما جاء إلى بغداد، سئل عن اختلاف الأحاديث التي جاءت في منتهى رفع اليدين؟ فقال: يمكن الجمع بينها وأري أن يحاذي رءوس أصابعه أذنيه، وإبهامه شحمة أذنيه، وكفاه منكبيه، فاستحسنوا ذلك منه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عاصم بن كليب قال: سمعت أبي يقول: حدثني وائل بن حجر قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه". قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس.

стр. 514

هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣). فأما مسلم: فأخرجه عن زهير بن حرب، عن عفان، عن همام، عن محمد ابن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل -مولى لهم- عن أبيه وائل بن حجر وذكر نحوه. وأما أبو داود: فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن شريك، عن عاصم بالإسناد نحوه. وأما النسائي: فأخرجه عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن زائدة [عن] (٤) عاصم بن كليب، بالإسناد، وذكر الحديث أطول من هذا وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث" (٥). "وحذر الشيء": مقابله، وهو مصدر، حَذَوْتُ فلانًا حَذْوًا إذا قابلته، وأصله: من حذوت النعل أحذوها حذْوًا، إذا قطعتها على قدر أختها. و"البرانس": جمع برنس، وهو شيء كان يلبسه المسلمون في صدر الإسلام على رءوسهم وأبدانهم، وهو اليوم خصص بملابس الرهبان، وإنما كانوا يرفعون أيديهم في "البرانس"، اتقاءَ البرد في الشتاء، ومحافظة على رفع اليدين؛ اتباعًا للسنة الثابتة. وفي هذا الحديث: زيادة تأكيد لما ذهب الشافعي إليه من رفع اليدين، لأنهم مع البرد -وإن أيديهم تحت البرانس- لم يسامحوا أنفسهم بترك الرفع.

стр. 515

قال الربيع: قلت للشافعي: وما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح تعظيمًا للَّه وسنة متبعة يرجى فيها ثواب اللَّه ، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة وغيرهما. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ : إذا: افتتح الصلاة رفع يديه". وقال سفيان: ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد، فسمعته يحدث بها هكذا، وزاد فيه: "ثم لا يعود"، فقلت إنهم لقنوه، قال سفيان: هكذا سمعت يزيد يحدثه، ثم سمعته بعد يحدثه هكذا، ويزيد فيه: "ثم لا يعود". قال الشافعي: ذهب سفيان إلى أن يغلِّط يزيدَ في الحديث ويقول: كأنه لقن هذا الحرف الأخير فتلقنه، ولم يكن سفيان يذكر يزيدَ بالحفظ كذلك. هذا حديث صحيح (١)، أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" (٢)،

стр. 516

عقيب حديث وائل بن حجر، وأجاب عنه، وسنذكر قوله في ذلك. وقد أخرجه أبو داود (١): عن محمد بن الصباح البزاز، عن شريك، عن يزيد ابن أبي زياد، بالإسناد "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة، ركع يديه إلى قريب [من] (٢) أذنيه ثم لا يعود". قال سفيان: قال لنا بالكوفة بعد "ثم لا يعود". ومعنى: "ثم لا يعود" يريد لا يعود لرفع يديه في الركوع، والقيام منه والسجود. وقوله: "فظننت أنهم لقنوه" يريد أن أهل الكوفة ذكروا له هذه الزيادة، فظن أنها في الحديث فرواها فيه. وكان أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث وإن كان يزيد يحدث به برهة من دهره، لا يذكر فيه: (ثم لا يعود)، فلما لقن أخذه فكان يذكره فيه. والذي يدل على أنه لقنها، أن أصحابه القدماء لم يرووها عنه مثل: سفيان الثوري، وشعبة، وهشيم، وزهير، وخالد بن عبد اللَّه بن إدريس. وإنما أتى بها من سمعها منه بآخره، وكان قد تغير وساء حفظه وكان يحيى ابن معين يضعفه. قال الشافعي لبعض من قال هذا القول: أحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث أم حديث يزيد؟ قال: بل حديث الزهري وحده.

стр. 517

فقلت: فمع الزهري أحد عشر رجلاً من أصحاب رسول اللَّه ﷺ منهم: أبو حميد، وحديث وائل بن حجر، كلها عن النبي ﷺ بما وصفت لك، وثلاثة عشر رجلاً أولى أن يثبت حديثهم من حديث واحد ومن أصل قولنا وقولك: أنه لو لم يكن معنا [إلا حديث] (١) واحد، ومعك حديث يكافئه في الصحة، وكان في حديثك أن لا يعود لرفع اليدين، وفي حديث [يعود] (٢) لرفع اليدين، كان حديثنا أولى أن يؤخذ به، لأن فيه زيادة حفظ ما لم يحفظ صاحب حديثك، فكيف صرت إلى حديثك وتركت حديثنا؛ والحجة لنا فيه عليك بهذا؛ وبأن إسناد حديثك ليس كإسناد حديثنا، وبأن أهل الحفظ يروون أن يزيد لُقِّنَ: "ثم لا يعود"؟. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كان أبي ينكر حديث الحكم وعيسى، وذلك أن هذا الحديث رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن، عن البراء، ومحمد بن عبد الرحمن أضعف عند أهل العلم من يزيد بن أبي زياد، واختلف عليه في إسناده، فقيل: هكذا. وقيل: عنه، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى. وقيل: عنه، عن يزيد [بن أبي زياد] (٣) عن ابن أبي ليلى. وقال الشافعي في القديم: [قال] (٤) قائل: رويتم قولكم عن ابن عمر، والثابت عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في شيء من الصلاة إلا في تكبيرة الافتتاح، وهما أعلم بالنبي ﷺ [من ابن عمر لأن النبي] ﷺ (٤) قال:

стр. 518

"لِيَليني منكم أولو الأَحْلام والنُّهَى" (١) وكان ابن عمر خلف ذلك. قال الشافعي: وإنما أراد صاحب هذا -واللَّه أعلم- بقوله: "رواه عن ابن عمر"، ليوهم العامة أن ابن عمر لم يروه عن النبي ﷺ ، وقال: علي وابن مسعود أعلم بالنبي ﷺ من ابن عمر. وقوله لا يثبت عن علي وابن مسعود، وإنما رواه عن عاصم بن كليب، عن أبيه، فأخذ برواية عاصم بن كليب فيما روى عن أبيه، عن علي، وترك ما روى عاصم، عن أبيه، عن وائل بن حجر، أن النبي ﷺ رفع يديه، كما روى ابن عمر، ولو كان هذا ثابتًا عنهما كان يشبه أن يكون رآهما مرة، أغفلا فيها رفع اليدين، ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن النبي ﷺ ، وحفظ ابن عمر، لكانت له حجة، لأن ضحاك (٢) بن سفيان قد حفظ على المهاجرين والأنصار، وغيره أولى بالحفظ منه، والقول قول الذي قال: رأيته فعل لأنه شاهد، ولا حجة في قول الذي قال: لم يره. قال: والذي يحتج علينا بهذا يقول -في الأحاديث والشهادات- من قال: لم يفعل فلان فليس بحجة، ومن قال: فعل فهو حجة، لأنه شاهد والآخر قد تغيب عنه ذلك أو يحضره فينساه، وقد روى هذا عدد عن رسول اللَّه ﷺ سوى ابن عمر. وقوله: "قال النبي ﷺ ليليني منكم أولو الأحلام والنهى" فيرى ابن عمر كان خلف ذلك، لقد كان ابن عمر عندنا من ذوي الأحلام والنهى، ولو كان فوق ذلك منزلة كان أهلها، وإن تقدم أحد ابن عمر بسابقة، ما قَصَّرَ ذلك بابن

стр. 519

عمر عن بلوغ ما هو أهله من الفضل في صحبته وسابقته وصهره، ورضي المسلمين عامة عنه. قد وقف الصنابحي خلف أبي بكر، ثم المهاجرين، والأنصار، ولا شك أنه قد كان يقف خلف رسول اللَّه ﷺ ، مع المهاجرين والأنصار وغيرهم، وإن كانوا أكثر من ثلاثة، وليس ابن عمر ممن يقصر به عن ذلك الموقف، ولا ممن تغمز روايته، ولا ممن يخاف غلطه ولا روايته، إلا ما قد أحاط به. وقد أجاب الشافعي أيضًا إبراهيم النخعي لما أنكر حديث وائل بن حجر، فقال: أترى وائل بن حجر أعلم من علي، وعبد اللَّه؟ ولعله فعل ذلك مرة واحدة ثم تركه. قال الشافعي في بعض جوابه عن كلام إبراهيم: ومن قولنا وقولك: أن وائل ابن حجر إذا كان ثقة لو روى عن النبي ﷺ شيئًا، وقال عدد من أصحاب النبي ﷺ لم يكن ما روى، كان الذي قال أولى أن يؤخذ به. وأصل قولنا: إن إبراهيم لو روى عن علي، وعبد اللَّه لم يقبل منه، لأنه لم يلق واحدًا منهما. قال إبراهيم: وائل أعرابي. قال الشافعي: أفرأيت قرثع الضبي، وقزعة، وسهم بن منجاب، حين روى إبراهيم عنهم، أهم أولى أن يروي عنهم أم وائل بن حجر؟ وهو معروف عندكم بالصحابة، وليس واحد من هؤلاء فيما زعمت معروفًا عندكم بشيء، قال: لا، بل وائل بن حجر، قال الشافعي: فكيف يرد حديث رجل من الصحابة، ويروى عمن دونه؟ ونحن إنما قلنا برفع اليدين عن حديث عدد، لعله لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا قط عدد أكثر منهم غير وائل، ووائل أَهْلٌ أن يُقْبَلَ عنه. وقد أخرج الشافعي في القديم قال: أخبرنا رجل قال: أخبرني إسحاق بن

стр. 520

عبد اللَّه، عن عباد بن سهل قال: اجتمع محمد بن مسلمة، وأبو أسيد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه ﷺ ،: "كان إذا قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ثم غير ساجدًا" وهذا طرف من حديث طويل. قد أخرجه البخاري (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣) بطوله. وأول الحديث: عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ منهم أبو قتادة، وللحديث روايات كثيرة، وطرق عدة لم نطل القول بذكرها. وقد أخرج الشافعي أيضًا في القديم قال: وأخبرني من أثق به، عن سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار "أن رسول اللَّه ﷺ كان يرفع يديه في الصلاة ثلاثًا: حين يكبر الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع". وهذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإن سليمان بن يسار من الفقهاء السبعة، الذين اتفق الناس على تقديمهم في العلم، وصدق روايتهم، وصحة أحاديثهم، والعمل بأقوالهم (٤). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يكبر كلما خفض ورفع، فما زال تلك صلاته حتى لقي اللَّه ". هكذا أخرجه مالك في الموطأ (٥) مرسلاً، وقال فيه: "فلم تزل تلك صلاته".

стр. 521

وعلي بن الحسين زين العابدين تابعي جليل القدر، أدرك جماعة كثيرة من الصحابة، وروى عنهم. والمرسل المطلق: هو الذي يرويه التابعي عن رسول اللَّه ﷺ ولا يذكر في الإسناد اسم الصحابي الذي سمع الحديث منه فهذا هو المرسل المطلق. وهذا الحديث قد احتج به الشافعي، وهو مرسل، وهو لا يقبل المراسيل، ولا يحتج بها على الصحيح من مذهبه. ووجه الجمع بين هاتين الحالتين وأمثالهما، أن هذا الحديث قد رواه مسندًا؛ إما من هذا الطريق أو من غيره، فاحتج به لذلك. كما نقل عنه أنه احتج بمراسيل سعيد بن المسيب، قالوا: لأنه اعتبرها فوجدها كلها مسندة، وإنما لم يذكر طريق إسناده لأمرين: أحدهما: أن مالك بن أنس قد أخرج هذا الحديث في الموطأ هكذا مرسلاً، ومالك يقول بالمراسيل ويحتج بها فحيث أراد الشافعي أن يروي هذا الحديث كما سمعه من مالك مرسلًا كما ترى. والأمر الثاني: أن الطريق الذي يكون قد سمعه الشافعي مسندًا، دون هذا الطريق في التثبت وثقة الرواة، لأن طريق مالك رجح عنده وعند غيره من غيره من الطريق، لا سيما في حديث يتضمن حكمًا فقهيًّا. "والخفض": ضد الرفع، ويريد بالخفض الركوع، والسجود، وبالرفع القيام من الركوع، ومن التشهد الأول، والجلوس من السجدة الأولى والثانية. و"ما زال": هي من أخوات كان، وتحتاج إلى اسم وخبر، فأما اسمها فهو مضمر فيها وهو ضمير النبي ﷺ ، وأما خبرها فهو الجملة التي بعدها من المبتدأ والخبر اللذين هما "تلك صلاته" ويجوز أن يكون "تلك" اسمها وهو إشارة إلى الصلاة، وتكون "صلاته" خبرها لكن تكون منصوبة. وإنما لم يثبت في "زال" تاء التأنيث لتقدم الفعل، ولأن الفعل لضمير

стр. 522

النبي ﷺ ، أو لأن تأنيث الصلاة غير حقيقي؛ وكان القياس أو ألحقها أن يقول: فما زالت تلك صلاته، ويكون "تلك" هو الاسم. وأما رواية الموطأ: فإن [كانت] (١) يزل بالياء فلها حكم التأويل الأول، فإن كانت بالتاء فلها حكم التأويل الثاني. وأراد بلقاء اللَّه : وفاته ﷺ فكنى عنها بذلك، وفيه أدب حسن، لأنه جمع له بين اتصال العبادة ولقاء اللَّه فكأن عبادته وصلاته كانت موصولة بلقائه، ومن كانت هذه حاله فهنيئًا له الوفاة. والذي ذهب إليه الشافعي وغيره من العلماء: أن تكبيرات الانتقالات في الصلاة مستحسنة مسنونة محافظ عليها مرغب فيه, لا خلاف بينهم في ذلك. وذهب أحمد في رواية عنه، وإسحاق إلى وجوبها، وأن الصلاة تفسد مع عدمها. وعدد تكبيرات الصلاة الرباعية كالظهر، اثنتان وعشرون تكبيرة: تكبيرة الافتتاح وهي فرض، وتكبيرات الركوع أربع، وتكبيرات السجود في كل سجدتين أربع، فتلك ست عشرة تكبيرة. وتكبيرة النهوض من التشهد الأول. وفي الصلاة الثنائية: إحدى عشرة تكبيرة، واحدة للافتتاح، واثنتان للركوع، وثمان للسجود. ولصلاة المغرب؛ سبع عشرة تكبيرة: واحدة للافتتاح، وثلاث للركوع، واثنتى عشرة للسجود، وواحدة للقيام من التشهد الأول. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن أبي

стр. 523

هريرة: كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: واللَّه إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول اللَّه ﷺ . هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والنسائي (٤). فأما مالك: فأخرجه بالإسناد المذكور واللفظ، وقال: أشبهكم صلاة برسول اللَّه. وأما مسلم: فأخرجه يحيى بن يحيى، عن مالك، ولفظ البخاري. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، مثل البخاري. وهذا أخرجه الشافعي مؤكدًا لحديث علي بن الحسين وهو مسند، لأنه قال: كان أبو هريرة يصلي بهم؛ ثم قال: إني لأشبهكم بصلاة رسول اللَّه؛ وهذا إنما هو تعريف من أبي هريرة لصلاة رسول اللَّه ﷺ حيث صلى بهم، ثم شبه صلاته بصلاة رسول اللَّه ﷺ ، وشبه الشيء له حكمه. والذي جاء في رواية الشافعي: "أشبهكم صلاة بصلاةِ رسول اللَّه ﷺ ". وفي رواية الباقين: "أشبهكم صلاةً برسول اللَّه". وأتم هذه الروايات الثلاث وأبلغها رواية الشافعي؛ وإن كانت الجميع تفيد المعنى وتدل عليه، إلا أن هذه أجمل وأبين؛ وذلك لأن أفعل التي هي للتفضيل؛ لا بد لها من مميَّز تضاف إليه وتقترن به، تقول: زيد أحسن الناس، فأنت حينئذ بين أمرين:

стр. 524

أحدهما: الإظهار: وهو أن يذكر ما فضلهم فيه بالحسن؛ فتقول: وجهًا أو خلقًا أو غير ذلك مما تريد أن تخص التفضيل به. والثاني: الإضمار: وهو أن تسكت على قولك: أحسن الناس، فلا يجوز إلا فيما يفهم من ظاهره ما سكت من ذكره؛ وهو في مثل هذا المثال إما صورة؛ أو خلقة، لأن الحسن لما لم يخصصه بأحد أوصافه أو أجزائه كان شاملًا له، ولا يكون في هذا المثال إلا على ما قلناه؛ فأما على قولهم: زيد أعلم الناس، أو أفضل الناس، أو أرحم الناس، وما أشبه ذلك، فإنما هو على تقدير: أعلم الناس علمًا، وأفضلهم فضلاً، وأرحمهم رحمة. أو على تقدير: أكثر الناس علمًا، وفضلاً، ورحمة، ونحو ذلك فلما كثر الاستعمال جاز حذف هذا معه، لدلالة الحال عليه والخطاب. فأما أشبه الناس كما جاء في هذا الحديث وأمثاله، فلا يجوز إلا بذكر المخصوص بالتفضيل، فاحتاج أن يقول: "أشبهكم صلاة". ثم لما أراد أن يذكر الشبه به جاء به فقال: "بصلاة رسول اللَّه ﷺ ". فجاء باللفظ تامًّا كاملًا مظهرًا لا يحتاج إلى تقدير، ولا حذف، ولا إضمار. وأما رواية مالك؛ فإنه حذف اللفظ المميز المخصوص بالتفضيل، واقتنع باللفظ المشبه به لدلالة الثاني عليه؛ لأنه لما ذكر الشبه به عُلِمَ منه الغرض؛ وأنه بماذا يشبه؛ فحذف المخصوص بالتفضيل لذلك. وأما رواية الباقين بعكس رواية مالك، فإنهم حذفوا الشبه به واكتفوا بذكر المخصوص بالتفضيل، لدلالته على المحذوف والتقدير فيه: بصلاة رسول اللَّه ﷺ لأنه لم يرد أنه يشبه رسول اللَّه ﷺ في غير صلاته، كما أراد في رواية مالك أنه يشبه صلاة رسول اللَّه ﷺ . وكلتا الروايتين في مقام واحد من البيان، لا يكاد تفضل إحداهما الأخرى.

стр. 525

والذي أراده أبو هريرة بقوله: "إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول اللَّه ﷺ " سبب خاص، وذلك أن عثمان بن عفان لما أسن وكبر، ضعف عن الإعلان بتكبيرات الانتقالات كما كان النبي ﷺ يعلن بها وأبو بكر وعمر من بعد، فكان عثمان يخفيها والمؤذنون وراءه يعلنون بها؛ ليسمعها الناس وبقى على ذلك مدة إلى أن مات فلما ولي الأمر بنو أمية اقتدوا به في الإخفاء -وإن كانوا أقوى شبابًا- حتى صار ذلك سنة لهم، فكان أبو هريرة بعد عثمان إذا صلى يعلن بالتكبيرات، على ما كان عليه النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، ثم يقول: "أنا أشبهكم صلاة بصلاة رسول اللَّه ﷺ ". ولذلك قال مطرف بن عبد اللَّه: صليت خلف علي بن أبي طالب، وعمران ابن حصين، فكان إذا سجد كبر؛ وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ عمران بيدي فقال: "ذكَّرني هذا صلاة محمد ﷺ ، ولقد صلى بنا صلاة محمد". أخرج هذا الحديث البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤) -واللَّه أعلم. ...

стр. 526

الفرع الثاني في دعاء الاستفتاح أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد وغيرهما، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن عبد اللَّه بن الفضل - هو ابن ركعة بن الحارث ابن عبد المطلب- عن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول اللَّه ﷺ قال بعضهم: "كان إذا ابتدأ"، وقال غيره منهم: "كان إذا افتتح الصلاة" قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، للَّه رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت -قال أكثرهم- "وأنا أول المسلمين" وشككت أن يكون قال أحدهم: -"وأنا من المسلمين"- اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك لا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك". أخبرنا الشافعي بهذا الإسناد واللفظ إلى قوله: "وأنا أول المسلمين" [ثم قال: وقال الآخر: "وأنا من المسلمين] " (١). قال الشافعي: ثم يقرأ بالتعوذ، ثم بسم اللَّه الرحمن الرحيم فإذا أتي عليها قال: "آمين" ويقول من خلفه، وفي نسخة "حوله إن كان إمامًا يرفع صوته حتى يسمع من خلفه إذا كان يجهر بالقراءة"، وفي نسخة: "إذا كان ممن

стр. 527

يجهر بالقراءة". أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "استقبال القبلة". وأخرج الرواية الثانية في كتاب "الإمامة" (١). فالحديث في نفسه صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). فأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن أبي بكر [المُقَدّمي] (٦) عن يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن الأعرج بالإسناد: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي" وذكر الحديث وزاد فيه: "ما يقول في الركوع" والقيام من الركوع والسجود، وما يقول عند الفراغ من التشهد قبل السَّلام". وفي أخرى: عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي، وعن إسحاق ابن إبراهيم، عن أبي النضر، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج بالإسناد قال: كان إذا استفتح الصلاة كبر وذكر الحديث مثل روايته. وأما أبو داود: فأخرجه عن عبيد [اللَّه] (٧) بن معاذ، عن أبيه، عن عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عمه الماجشون، عن الأعرج بالإسناد، وذكر لفظ مسلم

стр. 528

إلى آخره ولم يقل فيها: "والشر ليس إليك". وفي أخرى: عن الحسن بن علي، عن سليمان بن داود، عن عبد الرحمن ابن أبي [الزناد] (١)، عن موسى بن عقبة بإسناد الشافعي قال: "إنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة؛ كبر ورفع يديه حذو منكبيه"، وذكر نحوه. وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن الأعرج بالإسناد قال: "وأنا من المسلمين" وذكرنا في الحديث مثل مسلم. وفي أخرى: عن الحسن بن علي الخلال، عن أبي الوليد الطيالسي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ويوسف بن الماجشون. وقال عبد العزيز: حدثني عمي. وقال يوسف: حدثني أبي، عن الأعرج وذكر الحديث بطوله مثل مسلم. وفي أخرى: عن الحسن بن علي الخلال، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن [عبد الرحمن بن أبي الزناد] (٢) عن موسى بن عقبة بالإسناد وقال: كان [إذا] (٣) قام إلى الصلاة المكتوبة؛ رفع يديه حذو منكبيه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، فإذا قام من سجدتين رفع يديه كذلك فكبر، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير: "وجهت وجهي" ... الحديث. وأما النسائي: فأخرجه عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بإسناد مسلم الثاني، ونحو لفظ الشافعي، ولم يقل: "أنت ربي". والشافعي فرق هذا الحديث الطويل؛ فذكر هنا ما يتعلق بدعاء الاستفتاح،

стр. 529

وذكر ما يتعلق بالتكبير وحده، وما يتعلق بالسجود وحده، وكذلك كل جزء منه ذكره مفردًا عند ذكر ما يختص به. ورواية بعض الحديث جائزة، إذا لم يتعلق المتروك بالمذكور تعلقًا يفسد المعنى؛ أو يتوقف فهم المذكور على ذكر المتروك، وقد تقدم فيما سلف من الكتاب ذكر ذلك مستوفيًا. وقد فرق الشافعي في روايته، بين قول بعض الرواة: "كان إذا ابتدأ" وبين قول بعضهم: "كان إذا افتتح الصلاة"، ولم يرد الفرق بينهما من جهة المعنى، وأن هذا الاختلاف يترتب عليه حكم [من أحكام] (١) الصلاة لا يترتب على الآخر؛ فإن المعنى فيهما عنده سواء، بدليل أن هذا الدعاء إنما يقوله المصلي بعد تكبيرة الإحرام، فسواء قال: "إذا ابتدأ" و "إذا افتتح" وإنما كان غرضه بذكر اللفظين؛ المحافظة على ألفاظ الرواة والإتيان بها، حتى لم يتسامح في هذا القدر الذي لا يغير عنده حكمًا. "والفطرة": الخلقة، فطره: إذا خلقه، وهو أيضًا الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ (٢) حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها وحفرتها. و"الحنيف": المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وهو في الأصل: المائل عن الشيء مطلقًا. "والنسك": العبادة في الأصل. "والمحيا والممات": حالة الحياة والموت، وهما مصدران والمراد بهما ما يأتيه في حيويته وما يموت عليه من الأعمال.

стр. 530

"والكاف" في "بذلك": راجعة إلى هذه الأوصاف المشتملة على العبادة والإخلاص. وقوله: "وأنا أول المسلمين" هذا حكاية لفظ إبراهيم خليل الرحمن -صلوات اللَّه عليه- وهو أول المسلمين وكذلك قال هو. وأما قوله: "من المسلمين" فذلك يقوله من هو بعد إبراهيم، لأن كل من دان بدين الإسلام كان من جملة المسلمين. وقد جاء في إحدى الروايات "أول المسلمين" وفي بعضها "من المسلمين" فجائز أن يكون النبي ﷺ لما قال: "وأنا أول المسلمين" حكى لفظ القرآن العزيز الذي أخبر به عن إبراهيم، فقال مثل إبراهيم محافظة على لفظ القرآن وجائز أن يكون أراد أنه ﷺ هو أول المسلمين، لأنه الذي شرع الإسلام وأرسل به. وأما "من المسلمين" فلا لبس في أنه يريد أنه واحد منهم. "والمسلم": اسم فاعل من أسلم يسلم، إذا انقاد وخضع، هذا هو الأصل، ثم جعل اسمًا جامعًا لأوصاف مخصوصة اشترطها الشارع، أولها: الإتيان بالشهادتين لفظًا. وأما قوله: "اللهم" فإن أصله "يا اللَّه" فحذفت "يا" من أوله وعوضت الميم عنها في آخرها, ولذلك لا يجوز الجمع بينهما. وقد جاء في الشعر. "وسبحانك": بمعنى تنزيهك وبرائتك، وهو مصدر. "والباء" في "بحمدك" متعلقة بمحذوف تقديره "وبحمدك سبحت". "والرب": المالك، والسيد، والصاحب، والمدبر، والخالق وغير ذلك إلا أنه لا يرد مطلقًا إلا على اللَّه غالبًا، فأما غير اللَّه فيقال فيه رب كذا، على أنه قد جاء في الشعر على غير اللَّه تعالى مطلقًا.
следующие страницы →